أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد عدنان - مصطفى عبد الرازق 1885 - 1947















المزيد.....

مصطفى عبد الرازق 1885 - 1947


سعيد عدنان

الحوار المتمدن-العدد: 6283 - 2019 / 7 / 7 - 23:27
المحور: الادب والفن
    


إذا ذُكر الدرس الفلسفي عند العرب في هذا العصر ؛ فإنّ مصطفى عبد الرازق يأتي في الصدارة منه . فلقد درّس الفلسفة الإسلاميّة في جامعة فؤاد الأوّل إلى جوار طائفة من المستشرقين كانوا يدرّسون فيها الفلسفة ، والتاريخ ، والجغرافية ، وغيرها ، في سنوات نشأتها الأولى ، ولم يكن مصطفى عبد الرازق بأقلّ منهم علماً واجتهاداً !
نشأ بصعيد مصر ، في أسرة ثريّة ذات مكانة مرموقة في مجتمعها ، وقد كان أبوه حسن باشا عبد الرازق رفيع المنزلة ؛ يقيم حياته وحياة أسرته على ميزان من العدل ؛ يرعى ، ويحسن ، ويحفظ الحقوق ، ويرى للآخرين حقّاً في ماله ؛ وقد نفذت تلك الخلال منه إلى أبنائه ، ولا سيّما مصطفى فأقام حياته عليها .
كان مصطفى عبد الرازق قد شدا أطرافاً من العلم في بلدته بمديريّة المنيا من الصعيد ؛ فحفظ القرآن الكريم ، وألمّ بمبادئ اللغة والنحو ، وبمبادئ علوم الدين ؛ فلمّا شبّ تطلّع نحو القاهرة ، ونحو الأزهر الشريف ؛ قبلةِ الدارسين في مصر يومئذ . وكان الأزهر قد خرج به الشيخ محمّد عبده ، وقد تولّى مشيخته ، من إسار نمط قديم في تلقّي المعارف ومزاولتها ، إلى شيء آخر يُعنى بالأدب ، ويتذوّق جيده ، ويقف على أصوله كمثل " الكامل " ، و" الحماسة " ، "ودلائل الإعجاز " ، و" أسرار البلاغة " ؛ ويتّجه نحو العقل وينشغل بنحو ما ببعض قضاياه ، فضلاً عمّا استقرّ فيه من دراسة الفقه . ولقد أُشرب مصطفى عبد الرازق حبَّ هذا الجو الناشئ في الأزهر ، مثلما أُشرب حبَّ الشيخ محمّد عبده ، ورأى فيه قدوة كريمة ، وشرع يترسّم خطاه . لكنّ الشيخ الإمام يُتوفّى في سنة 1905 ، فيرجع الأزهر إلى ما كان عليه من نمط الدراسة ، ويتضاءل شأن ما أحدثه الشيخ الإمام ، ويتفرّق أنصاره ، ويستخفون بآرائهم ؛ غير أنّ الفتى مصطفى عبد الرازق يظلّ على ما نشأ عليه ؛ يحبّ أستاذه الشيخ ، وينصر آراءه ، ويجعل منه مثلاً يسير بهدي منه .
ثمّ بدا له ، وقد ملأ يده من علوم الإسلام ، أن يعبر البحر ، وأن يدرس في فرنسا ، وأن يجمع بين الشرق والغرب مستصفياً خير ما فيهما ؛ فتعلّم الفرنسيّة ، وأتقنها ، وشرع يقرأ فيها آثار الفكر الغربيّ ، ويقف على عيون آدابه ، غيرَ منبهر بها ، ولا صادفٍ عنها ؛ وإنّما معه ميزانه العدل الذي يحفظ على كلّ ذي حقٍّ حقّه ! ووضع ، هناك ، رسالته عن الشافعيّ ومكانته من التشريع الإسلاميّ ، التي نال بها شهادته من فرنسا . ولا يخفى على قارئها ما يسري فيها من روح أستاذه الشيخ محمّد عبده ، ومن لمعات الفكر الفرنسيّ في معالجة الأفكار .
وحين اكتملت أداته ، ونفذ الفكر الحديث في الفكر القديم ، واستقام له منحى في النظر إلى الأشياء وتقويمها ؛ شرع يدرّس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأوّل ، وهي جامعة مصر الوحيدة يومئذٍ . وتخرّج به جيل من دارسي الفلسفة ؛ لا تلبث أسماؤهم حتّى تلمع في سماء الفكر كمثل : عثمان أمين ، وعبد الرحمن بدوي ، وأحمد فؤاد الأهواني ، وعلي سامي النشّار ، وتوفيق الطويل ، ومحمّد عبد الهادي أبو ريدة ، وغيرهم . وكلّهم لا يذكره إلّا مُشيداً بفضله ، معدّداً محاسنه .
غير أنّه ، على غزارة علمه وسعة أفقه ، قليل التأليف حتّى لكأنّ ثمّة ما يصرفه عنه ، ويدفعه إلى ميادين أخرى في السياسة ، والإدارة . لكنّه عندما يؤلّف يأتي بالأصيل المبتكر ؛ فقد ألقى محاضرات في درس الفلسفة الإسلاميّة ، وكتب صحفاً فيها ، ثمّ عاد إلى هذه الصحف ، بعد زمن ، ونفض عنها الغبار ، وأخرجها كما هي ، من دون زيادة أو نقصان ، في كتاب عنوانه : " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة " ما يزال في صدارة ما أُلّف في هذا الميدان . وكتب عن الكندي ، وعن الفارابي ، بنحو من الإحاطة والنفاذ ، بما يُبين عن فكرهما الفلسفي ، وينزلهما ما ينبغي لهما من منزلة . وهو في كلّ ذلك لم ينس أستاذه الشيخ ، ولم يُغفل ذكره ؛ فقد كتب عنه جملة مقالات ألمّ فيها بحياته ، وفكره ، وعناصر تجديده ، وصلاته بأهل عصره ؛ بما يجلو صورته ، وينفي عنها ما علق بها من مزاعم الزاعمين . وقد جُمعت هذه المقالات ، وصدرت في كتاب بعنوان : " محمّد عبده " ، وكتب أشياء عمّا رأى ، وعمّا سمع ، في مواطن إقامته وسفره متوخّياً منها أن تكون مجلى أدبه ، ومرأة نفسه بنحو من الأنحاء .
على أنّ كلّ ما كتب إنّما هو بظل من : " تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية " الكتاب الرائد الذي لا يُنسى ! فقد أراد فيه أن يصوّر كيان الفكر العربيّ الإسلاميّ تصويراً واضحاً متماسكاً ، وأن يردّ على منكري أصالة الفكر الإسلاميّ أقوالهم . وعنده أنّ الفلسفة الإسلاميّة ينبغي أن تُطلب في مباحث المتكلمين ، وعند أصحاب أصول الفقه ، ولدى المتصوّفة ؛ فقد تكوّنت هذه الأفكار قبل أن تُنقل الفلسفة اليونانيّة إلى العربيّة ، وكان الباعث عليها هو الدين الإسلاميّ نفسه ، فلمّا عرف المسلمون الفلسفة اليونانيّة ، وقرأوا أفلاطون وأرسطو؛ صبغوا تلك الفلسفة بصبغتهم ، وأضفوا عليها أشياء من روحهم . وهو لا يني ينفي ما رُمي به العقل العربيّ من ضعف في مجال الفكر الفلسفيّ ، ونهجُه في ذلك نهجُ أستاذه الشيخ محمّد عبده في ردّ تلك المزاعم .
لكنّه ، مع ذلك كلّه ، لم يستطع أن ينقطع إلى العلم والمعرفة ؛ فقد كان الشأن العامّ حاضراً عنده حضوراً شديداً ؛ إذ عُني به منذ حداثته الأولى ، بل إنّه وجد أسرته تُعنى أشدّ العناية بالشأن العامّ من سياسة وإدارة ؛ فقد كان أبوه حسن عبد الرازق من مؤسسي حزب الأمّة ، وكان أيضاً من منشئي صحيفة " الجريدة " ، صوت الفكر الليبراليّ المبين في مطلع القرن العشرين .
لقد زاول مصطفى عبد الرازق الشأن العامّ بأصالة ومقدرة محكوماً بما نشأ عليه من رفيع القيم ؛ فولي وزارة الأوقاف مرّات عديدة ، ثمّ ولي مشيخة الأزهر الشريف ، فأعاد إليه سيرة أستاذه الشيخ محمّد عبده ، وأراد أن يستأنف ما انقطع من عمل شيخه المجدّد ، وأن يُوسع للعقل فيه ، وأن يصل ما بينه وبين العصر ، وأن يردّ على الذوق الأدبيّ ما ينبغي له من مكانة في الدرس . غير أنّ عملاً مثل هذا لا يُرضي من نشّئوا على التقليد ، وارتبطت منافعهم به ، وغشيت عقولَهم سُدفُ الظلام ؛ فكان أن شغبوا عليه كما شغب أمثالهم ، من قبل ، على الشيخ محمّد عبده ، وآذوه ؛ بيد أنّه ظلّ معتصماً بما لديه من رفيع القيم لا يزلّ عنها ولا يميل حتّى لقي ربّه في شهر شباط من سنة 1947 .
كانت قد نشأت مودّة صادقة بين آل عبد الرازق وطه حسين ، وكانوا إلى جنبه كلّما عصفت به الأحداث ، وكان يكنّ لهم حباّ خالصاً لا يني في الإفصاح عنه . ولعلّهم ليموا على مساندته حين انفرط ما بينه وبين القصر ، وفُصل من عمله في الجامعة ؛ فلمّا تُوفي مصطفى عبد الرازق ، وأقامت له الجامعة حفل تأبين في أربعينيته وقف طه حسين يتحدّث ممتلئاً بكلّ ذلك ، مستعيداً صفو المودّة ، مُكْبراً ثبات الإخاء . وقد روى ذلك شاهدُ عِيان كان يسمع ويرى ؛ هو أستاذنا علي جواد الطاهر ، وقد كان يومئذٍ طالباً في جامعة فؤاد الأوّل قبل ذهابه إلى فرنسا ؛ يقول : ( وها هو ذا طه حسين تستمع إليه ، وتؤخذ به كما يستمع إليه الألوف ، ويؤخذ به الألوف ، إنّك في حضرته وهو يقف في قاعة الجامعة الكبرى لدن حفل لأربعينيّة صديقه مصطفى عبد الرازق . يقف طه حسين فتقف الدنيا ، وينطق فيصمت الكون ؛ ويمضي يلوّن صوته في سحر عجيب ، والناس في إصغاء لا يماثله إلّا إصغاء النسّاك ؛ حتّى إذا انتهى من فقرة ، وتمهّل قليلاً ليُنشد الفقرة التالية ، استغلّ الصامتون الفرصة فأذاعوا همساً من " الله " " الله " ، وكأنّهم يؤلّفون فرقة تؤدي لازمة من لوازم القصيد ؛ لأنّ نثر طه حسين شعر ، وأقول : شعر لأنّه نثر يفوق الشعر أحيانا . ... عجيب نثر طه حسين ، وعجيبة هذه الأبيات من شعر الحطيئة يردّدها طه حسين منشداً في حفل تأبين :
والله ما معشرٌ لاموا امرءاً جنباً ... في آل لأي بن شـــمّاسٍ بأكيــاسِ
لقـــد مـــريتــــــــــكمُ لــــو أنّ درّتـــــــــــــكــــم ... يوماً يجيء بها مسحي وإبساسي
لمّا بدا لي منكم غيبُ أنفسكم ... ولم يكــــــن لجراحـــــــــــي منكم آســـــــي
جمعتُ يأســاً مريحاً من نوالكم ... ولن ترى طــــارداً للـــــــحرّ كاليـــــــــاس
أجل ؛ المناسبة أنّ صديقاً يؤبّن صديقاً له ، لكنّ في هذا الصديق المؤبِّن عيباً كبيراً هو أنّ موسيقى صوته تأخذ بألباب السامعين فلا يعودون يتابعون المعاني ، أو يحصرون الأفكار ؛ فما من شكّ في أنّ التأبين يفتح منفذاً لتاريخ فكريّ ويهيئ سبيلاً إلى هموم عاناها ويعانيها الشيخ المؤبِّن . )
وإذا كان كلام طه حسين قد ذهب علينا ، ولم يبق منه إلّا صدى كريم لدى أستاذنا الطاهر ؛ فإنّ في سينيّة الحطيئة ما يُبين عن جملة الحال !
مضى مصطفى عبد الرازق ؛ لكنّه أبقى قيماً رفيعة في الفكر ، وفي مزاولة الحياة ...!




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,236,192,322
- لو كنتُ حكيما ، أو الشاعر متأمّلا
- العربية في ميدان العلم
- الثقافة
- العربيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين
- المقالة الأدبيّة وآفاقها ...
- طه باقر ...
- محمد يونس والنهج الواقعي ...
- علي جواد الطاهر .. في ذكراه العشرين
- عبد الواحد لؤلؤة ...
- أمين نخلة في أمر عجب ...
- علي عباس علوان في ذكراه
- زكي نجيب محمود في أفق الترجمة
- الشعر الجديد
- الكرد في شعر الجواهري
- عدنان العوادي
- حياة شرارة
- لويس عوض .. أيضا
- علي جواد الطاهر
- إبراهيم الوائلي
- الجرجاني .. الشاعر أو ولو أن أهل العلم صانوه صانهم


المزيد.....




- الفنانة روبي تتصدر بحث غوغل في السعودية ومصر بعد صورها بحفل ...
- الممثل الجديد للأمم المتحدة في الشئون الإنسانية يصل اليمن
- الشاعر اليمني أحمد السلامي:الشعر العربي يجدد نفسه عبر مدارسه ...
- فريدة النقاش تكتب:بين الثقافة والسياسة
- بيان حزب التحالف الشعبي بالدقهلية ضد هدم قصر ثقافة المنصورة ...
- منبوذون.. رواية الحنين البدوي الموريتاني ومفارقة الحضر والتر ...
- مجلس النواب يصادق بالأغلبية على مشروع القانون التنظيمي المتع ...
- رغم غضب معجبيه.. القناة الرابعة البريطانية تبعد الجندي النجم ...
- زنيبر يفضح المزاعم الكاذبة للجزائر بجنيف
- فيروس كورونا يزيد من معاناة قطاع الثقافة في مصر


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيد عدنان - مصطفى عبد الرازق 1885 - 1947