أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الحاج صالح - هناك في الأسفل














المزيد.....

هناك في الأسفل


محمد الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 6108 - 2019 / 1 / 8 - 00:01
المحور: الادب والفن
    


مثل كل النساء الاسكندنافيات الوحيدات سافرتُ إلى الجنوب من أجل التمتع بالشمس والطعام اللذيذ، وربما بضربة حظ أحظى برجل يدخل مزاجي ولا أشعر بسببه بالذنب فيما بعد أو أنني تصرفت كعاهرة.
نحن نعبر عن الجنوب، جنوب أوربا وأبعد وبالأخص الشرق الأوسط، بجملة "هناك في الأسفل der nede ". في هذا التعبير نظرة من فوق جغرافياً و حضارياً.
كنت قد جلست عندما أتى. الطائرة الصغيرة التي تقلنا نحو الشمال لا تسع لأكثر من ستين راكباً. كل راكبين يجلسان بجوار بعضهما. قال:
- عذراً.
وأومأ إلى مقعده المجاور للنافذة. قمتُ له. هذه الطائرات الصغيرة تجبر الناس على أنْ يتحركوا في الضيق. احتكّ جسده بجسدي، وأحسست كم كان جسده متصلّباً وقاس. ملامحه شرق أوسطية. عربي على الأغلب قلت في نفسي. شعر أسود. شارب خفيف أسود. لا شيباً في شعر رأسه ولا في شاربه. هندامه يدل على أنه ليس رجلاً بسيطاً. عيناه حادتان. تكاد نظرته أن تكون ملموسة ثاقبة. رحت أراقبه بكل أحاسيسي كما هي عادتي عندما أهتمّ.
كنت أحس أن في تنفسه ما هو غير طبيعي. ضيق خفيف، يتلوه تنفس عميق هادئ، ثم انقطاع لمدة طويلة حتى لكأنه نسي أن يسحب أو يزفر. فوضى تنفس. فجأة وجدتني أمدّ يدي له وألفظ اسمي. ارتبك وحول جواز سفره المؤقت وبطاقة الطائرة من يده اليمنى إلى اليسرى.
- أحمد.
حاولت أن أجذبه إلى حديث يفضي إلى تعارف فعلي، لكنّه بقي متحفظاً. جمل قصيرة ونظرة خاطفة في عينيّ ثم هروب إلى البعيد عبر النافذة.
أقلعت الطائرة بسلاسة، واستوت في الأعالي فوق الغيم، وظل هو هادئاً بلا حركة سوى من حركة يده البطيئة التي تضرب على فخذه برتاتبة وهدوء بجواز السفر المؤقت وببطاقة الطائرة. تساءلت مرّات لماذا لا يضعهما في جيبه؟ أعرف أن ما بيده هو جواز مؤقت يمنح للاجئين، جواز أخضر اللون مكتوب عليه أنه وثيقة سفر.
أكان تحفظه في الكلام ناجم عن نقص في خبرته اللغوية؟ يمكن.
كلما أردت جرّه إلى الحديث أجاب بكلمة أو كلمتين، ثم يعود إلى استئناف حركة يده المنتظمة الهادئة بمسّ فخذه بالجواز وببطاقة الطائرة؛ أعلى ببطء أسفل ببطء. لـــمَ لا يقوم ببساطة بوضعهما في جيبه؟ لـــمَ؟
بدأت أشعر بالضيق من جموده المتواصل إلا من تلك الحركة الغريبة الرتيبة. يده من المعصم ترتفع بالجواز والبطاقة بهدوء وتعود لتلامس فخذه اليمنى بهدوء.
عجزت من سحبه إلى حديث وتعارف ذي معنى، وخمدت رغبتي وتلاشت تصوراتي عنه وعما يكون وعن الاحتمالات وعن التهويمات السرية عن جسدين. عجزت.
أغمضت عيني على استرخاء وذكريات قديمة. غفوت. استيقظت على إعلان الهبوط. وكان هو على جمود تام رأسه يستند على حافة النافذة. يده مازالت تقبض على الجواز والبطاقة ولكنها كفت عن حركتها، واستلقت ساكنة على فخذه عند الركبة، وأصابعه القابضة على الجواز والبطاقة في وضع حريص خاص.
حطت الطائرة ودرجت نحو مبنى المطار وتوقفت، وعلى الفور دبت الحركة بين الركاب. مثل هذه الحركة الفورية إثر توقف الطائرة تحدث كل مرة وهي الدليل في كل مرة على إن في الإنسان جانباً فوضوياً، ومهما انتظم في الحضارة و تقدم مدنيا، فإنه يظل يشتاق لها. ما إنْ تتوقف الطائرة ويصدر ذاك الصوت المعدني من جهة قمرة القيادة، حتى يهب الركاب متعجّلين وكأنهم يجب أن يفروا من جوف الطائر على وجه السرعة. يصطدمون ببعضهم البعض و يضايقون بعضهم البعض بالشُّنط والأغراض وبتزاحم الأجساد.
وقفت مثلما وقف الآخرون وبميلان قاس من جسدي استطعت جرّ محفظتي من الرف إلى قلب الزحمة تحت.
بقي هو على حاله. لم يقف. وما زال الجواز والبطاقة مأسورين بين أصابع يده اليمنى. ومازال رأسه يستند على حرف النافذة. وعيناه مفتوحتان تحدقان نحو سقف الطائرة مروراً برؤوس المسافرين وأيديهم المتساوطة.
في لحظة بارقة استوعبت الوضع. هززته من كتفه بقوة. لا أدري ما قلت. هل صرخت؟ لا أذكر.
ميت... مات.
أدرك المسافرون الأمر على الفور كما لو أن وحياً صرخ في إذن كل منهم بأن مسافراً قد مات.
هدأ الجميع و انتظموا في حركات بطيئة لم يعد يسمع أي كلام، كما أن جرّ الشّثنط بات بطيئاً وفيه حرص أنْ لا يصدر صوتاً. تسلل الركاب بصمت خارجين من بابيْ الطائرة، وبقيت أنا واقفة إلى جانب جثته إلى أن فرغ جوف الطائرة وأمرني الطاقم بالنزول.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا والأفاعي
- حتى تقطيع الخبز
- الحشوة
- غيبهم الزمنُ
- المثقف التقليد، الذي هو أنا
- حكاية. مطر دث
- هل هزمت الثورةُ السورية فعلاً؟
- الشوايا
- بين العاصمة أوسلو ومدينتنا
- لومٌ من بعض الأصدقاء الأكراد
- ملحمة حلب الكبرى أم هي ابراهيم اليوسف
- الساروت والعرعور. جرس إنذار عالي الصوت.
- وحدة المعارضة السورية بين الجهود والتمترس
- لماذا يُنتقد المجلسُ الوطني؟
- مقدمة لمُناقشة إشكالية العسكرة والانشقاقات العسكريّة
- لماذا سمح النظام السوري بعقد مؤتمر هيئة التنسيق الوطنية؟
- نقدُ المعارضة السورية وتجريحُها
- مهاجمو برهان غليون
- خفّة دم الانتفاضة السورية تزعجُ الأستاذ الخازن
- قائد فصيل المُهارفة ابراهيم الأمين يتمنى


المزيد.....




- الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي لطه عبد الباقي ...
- وفاة الممثلة البريطانية هيلين ماكروري نجمة -بيكي بلايندرز- ع ...
- فلسطين 1920.. فيلم يوثق مقومات الحياة الفلسطينية قبل النكبة ...
- الصوم في العراق قديم وقبل التاريخ ولكن بصور مختلفة
- مصر.. ابن زوج أم كلثوم يكشف 7 أسرار في حياتها من بينها علاقت ...
- المخرج السوري الليث حجو يعلق على مسلسل “قيد مجهول”
- الفنان السوري أيمن رضا ينشر نداء استغاثة إنساني عاجل
- وفاة الممثلة البريطانية هيلين ماكروري التي شاركت في سلسلة -ه ...
- وفاة الممثلة البريطانية هيلين ماكروري التي شاركت في سلسلة -ه ...
- فنانة مصرية تصدم الجمهور بتفضيلها -الزواج بمتعة- يومين كل أس ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الحاج صالح - هناك في الأسفل