أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - مناقشة رواية الباطن للروائي الفلسطيني صافي صافي















المزيد.....

مناقشة رواية الباطن للروائي الفلسطيني صافي صافي


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 6079 - 2018 / 12 / 10 - 00:09
المحور: الادب والفن
    


مناقشة رواية الباطن للروائي الفلسطيني صافي صافي
وشهادته حول أعماله التي عُقدت في دار الفاروق بنابلس
ضمن الجلسة نصف الشهرية التي تعقدها دار الفاروق تم مناقشة رواية "الباطن" للروائي الفلسطيني "صافي صافي"، وقد افتتح الجلسة الروائي "محمد عبد الله البيتاوي" الذي رحب بالروائي "صافي صافي" قائلاً: أننا أمام روائي فلسطيني من الذين تركوا بصمة في الرواية الفلسطينية، فقد كانت أول رواية له هي "الحاج اسماعيل" ونشرت في الاتحاد العام للكُتّاب الفلسطينيين، ثم توالت أعماله الروائية، إلى أن جاءت رواية "اليسيرة" التي يمكن اعتبارها علامة فارقة في مسيرته الروائية، والتي استطاع بها أن يضع لنفسه بصمة ويخط له مسارًا خاصًا في الرواية، وبعد عدة أعمال له جاءت رواية "الباطن" التي يمكن اعتبارها نقطة تحول أخرى بالنسبة له، ففيها يتألق الروائي من خلال تقديم روايته على لسان طفل، ينموا في المكان ويتفاعل مع الأحداث والشخصيات المحيطة به، إذ حرص الكاتب على أن يروي روايته عبر مشاهد قصيرة شكّلت في النهاية جسدًا متكاملاً.
ثم فتح باب النقاش الشاعر "جميل دويكات" الذي قال: في هذه الرواية التي تشدنا أحداثها وطريقة سردها من خلال جعلنا نسبح في عالم من الخيال الجمالي، فاللغة التي استخدمها الروائي كانت لغة أدبية، منسجمة تمامًا مع عقلية الطفل الراوي، حتى أننا نجد أن اللغة تتماثل بصفائها مع صفاء الطبيعة التي تناولتها الرواية، وهذا الانسجام بين اللغة والطبيعة يحسب للراوي، ورغم أنها تتشكل من مجموعة مشاهد، إلا أنها منسجمة معًا، وتعطي صورة جامعة وشاملة للرواية، وإذا ما أضفنا الأسئلة الفلسفية التي تطرحها الرواية نكون أمام عمل استثنائي بكل المقاييس.
ثم أضاف الشاعر جميل دويكات فقال: لقد اتكأ صافي صافي على الأسطرة إذ أعقد في سدده القريب من الناس حيث الفنتازيا.. وجماليات اللغة، وأسرتنا على القيم والعادات والتقاليد حيث المرأة العاملة يدها في يده في المقاثي، والزيتون حيث الناس الطيبين الذين يعطون من دون أسف على نجح الفقراء (المهاجرين) جزءًا منه. لقد طاول صافي وبشكل جمالي سرد عبد الرحمن منبق حيث تتوالد من رحم الجمال المتنوع جمال اللغة والأسلوب والخيال الفنتازي. وبعد لقد تحمم الأدب جمال الفكر فرنتحت بشمس الفضيلة والطبيعة، وأخيرًا لقد أتحفنا صافي بلغة وخيال من الطبيعة والناس الطيبين حياة جميلة انتُزعت من رحم الأمل.
أما الأستاذ "سامي مروح" فقال: الرواية مشوقة للقارئ، إذ أن الفكرة تصل بسهولة ويسر إليه، وهي تطرح عدة قضايا، جاءت بشكل فلسفي، وكما أننا نجد فكرة الخروج من الجنة من خلال "الأفعى والشيطان" وأعتقد أن هذه الراوية تصلح أو تقترب لتكون سيرة ذاتية، لأن راويها شخص واحد، وهو مركز الأحداث وكل الشخصيات تدور حوله، والمشاهد التي تتكون منها الراوية هي مشاهد منها ما كان يمكن أن يكون قصة بذاتها، وهذا ما سهل على المتلقي قرائتها والتمتع فيها.
أما الأستاذ "محمد شحادة" فقال: "الباطن" هو بطل الراوية، وهنا نطرح سؤال، هل هي سيرة أم رواية؟ فعناصر الراوية مكتملة، والمتعة حاضرة، والمكان هو البطل، الشخصيات تنطوي تحت جناح البطل السارد، وصوته هو الوحيد الظاهر رغم وجود بعض الأصوات الأخرى، لكن لي ملاحظة، فصوت أم الراوي كانت مهمشة، رغم أن صوت "أم صفية وأم عمار" كان أعلى وأقوى حضورًا، لماذا؟، أما فيما يتعلق بالمكان فهناك أماكن مهمة كان يجب أن يتم الإشارة إليها كما هو الحال في "مغارة وادي النطوف" ومع هذا تبقى الراوية ممتعة وشيّقة، وهذا يحسب لها.
أما الأستاذ "رائد الحواري" فتحدث عن أهمية الروائي "صافي صافي" الذي في كل عمل روائي نجده يجدد ذاته ويقدم لنا رواية بلغة وشكل وفكرة جديدة، أما بخصوص رواية الباطن فأهميتها تكمن في أن سارد أحداث رواية من ألفها إلى ياءها هو طفل، وهذا ليس بالأمر السهل، لأنه يحتاج إلى تقنيات سردية متعلقة بعقلية الطفل، فلغة الخطاب الموجهة للقارئ، ستكون معضلة عند السارد، فكيف سيتنحى الكاتب جانبًا ويعطي الطفل مكانه في السرد، بحيث يُوصل الفكرة ويقدم الحدث بعقلية ولغة طفل، فإذا ما جنح إلى اللغة الأدبية العالية سيقع في ورطة السرد، من هنا عليه أن يسرد الأحداث ضمن مساحة محدودة متعلقة بذهنية الطفل ومحصورة بلغته، أعتقد هنا تكمن أهمية هذه الرواية. فالطفل السارد لا يفصح عن اسمه، لكنه يعرفنا بوضعه من خلال قوله:
"أنا لم أبلغ الحلم بعد، فتى لم يتجاوز العاشر من العمر" ص9. من هنا علينا أن نأخذ ما جاء في الرواية على أنه صادر عن طفل، فهل منطق الطفل مقنع لنا، أم هو منطق جاهل غير مدرك للحياة/ للكون/ للواقع/ للقوانين والشرائع/ للخالق؟، سنجد الإجابة في رواية "الباطن" والتي تعطي أهمية خاصة للمكان كما هو الحال في رواية "الخواص"لحافظ البرغوثي"، لكن هنا المكان له أثر فكري وعملي على السارد، فهو الذي يخلق الأفكار ويغير السلوك، بمعنى أن المكان في "الباطن" يفعل ويعمل ويؤثر كما هو حال الفعل الإنساني، وأحيانًا يأخذ فعل الإله/ الأنبياء، بينما كان حضور المكان في "الخواص" كمكان مجرد، له مكانته وأثر الحاصل والكامل، بمعنى أن المكان كان كاملاً في وجوده وفاعليته وأثره، فلم يتم تطوير سلوكه/ أثره على السارد، بينما هنا في "الباطن" يفعل ويتفاعل ويتوحد مع السارد ليصبحا شيئًا واحدًا موحدًا.
ثم تحدث الشاعر "عمار خليل" قائلاً: عند قراءتي لعنوان هذه الرواية جذبني هذا العنوان، وقلت ما الذي دفع الكاتب لاختيار هكذا كلمة ثقيلة ذات دلالات تكاد لا تحصى. أردت في قراءتي لهذا النص الابتعاد عن المحاور التي تكلم بها الكاتب، ومغادرة هذا الأفق الذي أصر الكاتب أن يضعنا فيه، ولكن كلما تعمقت في هذا النص، ازدادت دهشتي من التوازي بين فكر هذه الرواية، والفكر الباطني المعروف في تاريخنا لأكثر من ألف عام، ولا ادري هل قصد الكاتب ذلك أم لا، فأنا هنا لست أمام فتوى دينية، كي أخالف هذا النص أو أؤيده، ولكن أردت وضع النقاط على الحروف كي تتجلى الأمور على طبيعتها، فلقد اتفقت هذه الرواية على خمسة أمور مركزية في الفكر الباطني، وهي: الأسئلة الجدلية، والجنس الإباحي، والتفسير الباطني لنصوص القرآن الكريم والطوفان وظواهر الطبيعة طبعًا لكل كاتب الحرية في كتابته، فليس هناك أكثر ضررًا على الإنسانية من الجهل والخوف من نداء العقل، ولكن إن كان هذا العقل يندفع إلى الحرية المطلقة فنحن أمام الخروج عن الفطرة الإنسانية السليمة. لقد استطاع الروائي على لسان الراوي الطفل، تقديم الكثير من السريالية والفنتازية بطريقة لا شك أنها كانت جذابه، وكما استطاع الكاتب إدخال الهم الوطني والانتماء للجذور العميقة في نصه، وقد كثّف الكاتب من المنولوج الحواري لبطل الرواية، وذلك في ضمن ذكاء في استخراج الأسئلة. أحداث النص كانت في منطقة ريفية بدت لي حقيقية لدى العمر الباطني لدى الكاتب، فكأنه يسجل اعتراضه على كثير من الممارسات ذات الطابع الجاهلي والتخلفي في بيئته والتي رسِخت في ذاكرته الباطنية ولم يكن حينها يستطيع تسجيل هذا الاعتراض والتمرد حتى جاء في هذا العمر، ولكن ألم يرسم لنا الكاتب سوداوية عامة لتلك الحياة ولشخوصها، بداية من والده وأمه والشيخ وابنته وأصحابه ونساء القرية، وكثيرًا من عوالم الحياة. انصهر الكاتب عن طريق بطله بالطبيعة، بكل ما تحمل من جماليات وتجليات، لقد جعلنا الكاتب نقترب من هذا الجمال المطلق وكأننا أمام كاميرا ثلاثية الأبعاد، تجوب من علو سماء الطبيعة والجمال. لقد ساد الصوت الواحد في النص، وكانت اللغة أحيانًا أكبر من سن قائلها، وأكبر من ذلك العقل في رأس طفل لم يبلغ الحلم. وفي ذات الوقت كانت اللغة أحيانًا مقنعة للقارئ والمتلقي. لقد رسم الكاتب حول بطله هالة صوفية قديسة، وأعطاه الرؤية المطلقة لكل ما هو حوله، وفي ذات الوقت قد يبدو لك هذا البطل يعاني من حالة نفسية مضطربة، تتأرجح في خيالاتها وعوالمها الافتراضية ذات الأبعاد الوهمية والخرافية. أستطيع القول بأن هذا النص يميل إلى القصة الطويلة أكثر منه للرواية، وما دفعني لقول ذلك أن عدد الأشخاص في هذه الرواية قليل نسبيًا، وأن أبطالها، هم واحد فقط، وزمانها محدد، ومكانها أيضًا محدد، وهذا طبعًا لا يعيب النص. لقد أشار الكاتب في عدة مواضع إلى اللجوء الفلسطيني، والحالة المأساوية التي عاشها اللاجئ رغم وجوده على أرض وطنه، وهذه إشارة ذكية في النص. لقد عالج الكاتب الحالة الاجتماعية والنفسية والسلوكية في نهاية نصه بطريقة مفتوحة، جاء الطوفان ليحمل الجميع ويطهر الأرض من تلك التصرفات التي آذت الطبيعة الجميلة والسواد الناتج عن السعي وراء المادة وترك للقارئ الحدود مفتوحة والتخيلات مطلقة وهذا يحسب للكاتب".
وفي نهاية اللقاء قدم الروائي "صافي صافي" شهادة أوضح فيها العديد من محطات حياته كروائي فلسطيني، وجاء فيها: "لم أفهمِ التاريخَ جيدًا، ولا الجغرافيا. المدرسُ يَكتُبُ التاريخَ على شكلِ نقاطٍ، نَحفظُها، لِنكتُبَها مرةً أُخرى في الاختبار. لم أستطع ربطَ ما يقولهُ النّاسُ معَ ما تعلمناه. الجغرافيا كانت مجموعةُ خطوطٍ متعرجة، لتفصلَ بين دولةٍ وأخرى دونَ قدرةٍ عاليةٍ على الرّبطِ بين الواقعِ والخرائط. بحثتُ عنْ مَعرفةٍ تُرضيني تُخاطبُ واقعَ حياتي البسيطةِ والغنيةِ في قريةِ بيت اللو، فلمْ يُبَرِرْ أَهلي سببَ اختيارهِم هذهِ القرية، كأنهم هبطوا من السماء وحلّوا هنا. بل ربما اختاروا بيت اللو رديفاً لـــِ "بيت نبالا". هكذا والسلام، رَغمَ أنّي لم أستطِعْ تفسيرَ أنْ يسكُنَ بعض أهالي بلدتي دير عمار، وكان الأوْلى من وجهةِ نظري أن يسكنَ أهالي البيوتِ البيوتَ (بيت نبالا بيت اللو)، وأهالي الأديرةِ في الأديرةِ (دير طريف دير عمار)، لم أرَ ذلك في الواقع، وليس لديَّ القدرةُ على تَبادُلِ الأهالي بينَ القريتين. رأيتُ أنَّ الفرقَ بين لاجئٍ وغيرَ لاجئٍ، هو طبيعةُ البيوتِ التي نَسكنُها وأماكِنُها، فبُيوتُنا سَقائفٌ، حجارةٌ غيرُ متساويةٍ لا في الحجمِ ولا في الشكلِ، مرتبةٌ فَوقَ بَعضِها، تعلوها صفائحُ الزينكو، أو مطيّنةٌ فوقَ أخشابٍ وأعشابٍ، بينما بيوتُ أهالي القريةِ من الحجارةِ المرتبةِ بأقواس. جدرانُ السقائفِ رقيقةٌ، بينما جدرانُ بيوتُ القريةِ سميكةٌ. هُمُ يسكنونَ على رأسِ الجبلِ، ونحنُ على سفْحِهِ وأسفل، هُمُ يَملكونَ أراضٍ وَتينٍ وزيتونٍ وأعناب، ونحن نستأجرُها لنبيعَها أو نأكلَها. هم يتحدثونَ بغيرِ لهجتِنا، فبينما نقولُ نحنُ "السقيفي" يقولون "السقيفة"، ونحنُ نقولُ "شوف"، بينما هم يقولون "بَحِّر"، ويُكْثِرونَ من "يع!" كعلامةٍ للتعجب، وأشياءَ أخرى. لمْ افهمْ في المدرسةِ التاريخَ الإسلاميَ جيداً، لكنّي كنتُ أردُهُ إلى حياتي، فالمهاجرونَ هُمُ نحنُ اللاجئونَ، أما أهالي بيت اللو فهُمُ الأنصارُ، هُمُ الّذينَ آوونا من جوعٍ وآمنونا منْ خوْفٍ. فصرتُ أبحثُ عن الصحابةِ بينَ الّذينَ أعرفُهُم، فأبو بكرٍ يُشبهُ عمّي خليل الّذي يطوفُ البلادَ مشياً على أقدامهِ، يبحث عن رزقه بهمةٍ وبصيرةٍ، وعمرُ يشبهُ أبي الطّويلِ عريضِ المنكبينِ، كلمتهُ كلمة، وضربتهُ ضربة، وعثمانُ يشبهُ نَجم الذي أنعمَ اللهُ عليهِ بالمالِ، وعليٌّ هوَ علي السعيد الذي لاقى حتفَهُ في مغارةٍ رمليةٍ في الأردن. ولم أرَ في مخاتيرِ القريةِ إلا سُلالةَ أبي سفيان، خاصةً أن واحداً منهما يحملُ مثلَ هذا الاسم، لكنَّ ما أربكني في هذا الأخير، أنه هوَ الذي تعرضَ للضربِ المبرِحِ أمامَ أهالي القريةِ عندَ احتلالِها، ولم يكنْ بيتُه آمنا لا له ولا لغيره. كان أمراً ساراً، أن يتزوجَ واحدٌ منَ المهاجرينَ فتاةً جميلةً من بيت اللو، فالعرسُ كانَ مهرجاناً للمؤاخاةِ معَ الأنصارِ. انطلقَ العرسُ منْ طرفِ القريةِ إلى طَرفِها (أو هكذا أُحِبُّ أن أتخيلَه)، والرجالُ يصحجونَ في فَريقينِ مُختلطينِ مُتقابلينِ، والنساءُ تَرقصُ وَتُزغردُ، والعروسُ تلتفُ حولَها النساءُ في كلِّ حينٍ، وأنا قَلِقٌ على العروسِ التي لبستِ الكعبَ العالي، أن تتعثرَ بالطريقِ التي لمْ تُرصَفْ بعدُ. غنّوا كثيراً وصفقتُ بِيَدَيَّ، وأنا أحاولُ أنْ أحفظَ الكلماتِ التي قيلت، لكنّي ما زلتُ أذكرُ قولَهم: على الأكسبرس الذي عدا، لا يفرق حدي من حدا. أو الجنتلمان الجرمسمان يا حبيبي يا الفهمان. وظللتُ أردّدُ هذه المقاطعَ باعتبارهِا نشيدَ الوحدةِ والمؤاخاةِ بَيننا، ولمْ أفهمْ حينَها معنى الكلماتِ الدخيلةِ. ولاحقاً عرفتُ الاكسبرس (السريع)، والجنتلمان (الإنسان المحترم)، ولا أعرفُ إن كان معنى (الجرمسمان) الصبايا والشبابَ، والصغير والكبير لا فرقَ بينهم في القريةِ (Girl Miss Man). هل كانوا ببعدِ النظرِ هذا؟ لا أعرف. ألِهذهِ الدرجةِ كان تأثيرُ المستعمرِ الجديدِ لبلدتِنا؟ نعم، فقالوا: كوّك يا بوكاج مد إيدك تركناها، وبوكاجُ هو تاجرٌ يهوديٌ كان يترددُ على القريةِ (بيت نبالا) قبلَ النكبة، وَهُوَ الذي جاءَ على ظَهرِ الدبابةِ وقتَ احتلالنا، وكوّك يعني كيفك. عشتُ في بيت اللو اثنتي عشرَ سنةً، حينَ أنهيتُ السادسَ الإبتدائيَ، لكنّي أجزمُ أنّي مشيتُ في معظمِ جبالِها وأوديتِها وسهولِها. رافقتُ أبي في أعمالِ الزراعةِ المختلفة، وقطعتُ المسافةَ بينَ دير عمار وبيت اللو آلافَ المراتِ صيفاً وشتاءً، في عزِّ الحرِ، وفي عزِّ البردِ، وعرفتُ الحكاياتِ المرتبطةِ بالجِنِّ وبالشّيوخِ المبارَكين، وبحكاياتِ النساءِ ومجالسِ الرجال. لم أكنْ أفهمُ الكثيرَ ممّا يُقالُ، لكنّي كنتُ أفهمُ ما يقولونَهُ بطريقتي الطفوليةِ. فكتبتُ عنِ المكانِ المقدسِ في بيت اللو روايةَ "اليسيرة"، وهو أكمةُ شجرِ البلّوطِ المحيطِ بقصرٍ قديمٍ لهُ حكاياتٌ أنَّ الجِنَّ هُمُ الّذينَ بَنَوْهُ في ليلةٍ واحدةٍ، وإذا ما أرَدنا أنْ نَقْطِفَ ثمرةً من ثمارِها، كُنّا نَطْلُبُ منها السَّماحَ: بتسمحيلي يا سِتنا اليسيرة أنْ أَقْطِفَ حبَّةَ بلّوط. نأخذُ الحبَّ ونشويهِ ونأكُلَهُ، ونأكُلُ من الخلاءِ السيسعة والجَلثون والخَسَّ البرّي، والمُرّارَ والخُرفيش، وأشياءَ لا أذكرها الآن. كتبتُ أيضاً عن بيت اللو روايةَ الكوربة، قصةَ الدَبّابةِ التي استبشَر الناسُ فيها خيراً وهِيَ تتوجهُ غرباً في حزيران، اعتقاداً منهم أنَّ عشرَ قذائفَ كافيةٌ لمحوِ تل أبيب، لكنَّها ألقتْ ثلاثةً فقط، وعادت، وانقلبت على الكوربة، واستُشهد بعضُ طاقَمِها، فانكسرَ الناسُ ونُكِسوا قبلَ انتهاءِ الحربِ بأيامٍ. هاجرَ الكثيرونَ بعدَها إلى شرقَ النّهرِ، لكننا هاجَرنا نحنُ إلى شرقِ بيت اللو، إلى رامَ الله، فوجدنا معظمَ أهاليها منَ المهاجرينَ وقليلٌ منَ الأنصارِ، ولمْ ينصُرونا للعودةِ غرباً بعد، ولم ننصر أنفسنا. في هذهِ القريةِ تكوَّنَ وَعيِيَ الأولُ، وَعْيُ طفلٍ بعلاقَتِهِ بِالنّاسِ وبِالشَّجرِ وبالحَجَرِ وبالحيوانات الأليفة منها وغير الأليفة، وبالجن وبالشياطين، ومناوشاتِ الصِبيةِ، وعلاقاتِ الجنسينِ. ومعرفةُ اللهِ، بالشكلِ الذي يفهمهُ هذا الطفلُ. طفلٌ يبحثُ عن المعرفةِ في تفاصيلِ قرية. ما هي المعرفةُ المناسبةُ لهذا الطفل؟ وهل استطعتُ ذلك؟ ربما. في الحاجِّ إسماعيل حاولتُ تخليدَ أبي قبلَ أن يموتَ الذي ما زلتُ أحملُ مقولتَهُ "أموتُ بكاملِ جسدي وأحيا بكاملِه". في الحُلمِ المسروقِ حاولتُ تخليدَ الشّهيدِ "حسين حمد" الذي ساهمَ في الانتفاضةِ بطريقتِه، وموتُهُ كانَ غامضاً، مشنوقاً على شجرةِ زَيتونٍ، وصديقي الذي طُرِدَ من عملِه في أحدِ مصانعِ الأدويةِ المحليةِ بسببِ توزيعِهِ بيانَ القيادةِ الوطنيةِ الموحدة. وفي الصعودِ ثانيةً رَدَدْتُ على عبدِ الرحمنِ منيفٍ في روايةِ "شرقِ المتوسط" بأسلوبِ حنّا مينا في "الياطر"، فاستجابَ لرُؤيَتي ونشرَ بعدَها روايةَ "شرق المتوسط مرةً أخرى"، وفي "اليسيرةِ" رددت على د. عبدِ اللطيفِ البرغوثي/المرحوم بعدمِ وجودِ أسطورةٍ فلسطينيةٍ، وهيَ الرواية الأولى التي تمَ منعُ تداولِها في المدارس بسبب "ألفاظ لا تتناسب مع القيم التربوية"، وفي "شهاب" صِغْتُ من حكايةٍ فِلسطينيةٍ بسيطةٍ معانيَ "العودةِ الخائبة" أو "الرجوعِ الخائب". وفي "سما ساما سامية" كانت قصةُ المثقفِ الخائبِ الذي يفهمُ الحياةَ ببراءتهِ حينَ لا تنفعُ البراءةُ، وفي الباطِنِ التي أمامَكم، حاولت إظهارُ بعضَ ما تُخفيهِ نفسُ طفلٍ محاولَةٌ منهُ لصناعةِ هويتِه. شكراً للكاتبِ الياباني "هاروكي ماروكامي" في روايتِه "كافكا على الشاطئ" الذي شجعتني روايتُه على تَسطيرِ هذا العملِ الّذي وجدتُ في كتابتِهِ مُتعةً، وأنا أخرُجُ من الواقعيةِ إلى الخيالِ الذي عرفتُ في حياتي القرويةِ أكثرَ مما دوّنَهُ العظماءُ في كُتبِهم. أينَ الاتجاهُ بعد ذلك؟ ما زالت روايةُ "حين تركنا الجسرَ" لعبدِ الرحمنِ مُنيف تشغَلُني، فأنا الذي تركتُ الجسرَ مكبّلاً من البطّةِ الملكةِ التي طاردَها منيف، ومن الأمنِ، قائلينَ "ليس لك مكانٌ بيننا". اختلطت مشاعري بين كَوْني مطروداً ممّن أفنيتُ جزءاً من حياتي من أجلِهم، وبين كَوني أعيشُ حياةً جديدةً في وطني، ليتسلمني الآخرُ، ويتابعُ ملفّيَ عن قُرْبٍ هذهِ المرّة. هذا المشروعُ رَغم أنّي بداتُ كتابتَهُ في أوائلِ الثمانينياتِ، ولم أنشرْهُ، لم ينتهِ، وباتت قصتُهُ تُلِحُّ عليَّ، وكيفَ أرجِعُ لحواليّ أربعينَ عاماً؟ جرى ما جرى، وصارَ ما صار، فالبَطّةُ لم تَعُد ملكةً وأنا لم أعُدْ صياداً. أما روايةُ "تايه" فهيَ تَقِفُ لي بِالمرصادِ، كلَّما حاولتُ أنْ أبدَأَ مشواراً آخرَ، فتايهُ الشابُ البسيطُ جداً، بقدراتِهِ العقليةِ القليلةِ جداً، ينشغلُ بمقولةِ "عرب يهود تتاتلوا/ تقاتلوا"، يتسلقُ الجبالَ، وينزِلُ الوِديانَ، ويدورُ من مقهىً إلى آخرَ، ومن طابونٍ إلى ثانٍ، إلى أن يموتَ "شهيداً"، ولا يعودُ إلى مَوطنِه/ قَريتِهِ، "يهود عرب تتاتلوا". هل انتهتِ الرّوايةُ؟ كلُّها جوانبُ من حياةٍ عِشناها ونعيشُها، ومن أينَ أجدُ وقتاً لكتابةِ كلِّ ما يدورُ في نفسي؟"
وقد تقرر أن تكون الجلسة القادمة يوم السبت الموافق 22/12/2018 لمناقشة كتاب "ملامح من السرد المعاصر، قراءات في الرواية" للشاعر والناقد الفلسطيني "فراس حج محمد"






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خليل قطناني الأسئلة في قصيدة -رسالة إلى ابن حمديس-
- قصة الومضة والتكثيف -قصة طويلة- جروان لمعاني
- رحلة في الذاكرة -نايف حواتمة-
- الباطن صافي صافي
- النظام التقليدي والكتب
- الفساد في القانون أم فيمن وضع القانون
- سورية الجديدة
- واقع روسيا القيصرية في رواية -الآباء والبنون- ايفان تورغينيف
- خلاصة تجربة إبراهيم مالك
- اللفظ والمضمون في قصيدة -من أنا- سلطان الخضور
- الأهل والأصدقاء
- مناقشة ديوان -أمشي إليها- للشاعر سامح أبو هنود
- -غوايات الماء- سامح كعوش
- قصيدة -ضياء تشرين- موسى الكسواني
- الفعل والحرف في قصيدة -أنا من تعبت- جروان المعاني
- جلد الذات في رواية -درب الحيب- باسم سكجها
- المسؤول
- مناقشة قصائد عمار خليل
- دور القصيدة في ديوان -حارس المعنى- أحمد الخطيب
- المد في رواية -بحر تموت فيه الأسماك- ممدوح أبو دلهوم


المزيد.....




- هل يتخلى العسكر الجزائري عن تبون?!
- وقف التعاون التجاري مع المغرب.. ال--تبون-- يستجدي رضا العسكر ...
- وفاة الجمعوي والمعتقل اليساري السابق عبد الله زعزاع
- ناصر بوريطة يتباحث مع نظيرته من غينيا بيساو
- رواية -أشباح القدس-، سيمفونية الوجع الفلسطيني لواسيني الأعرج ...
- لوحة فنان روسي طليعي تباع في -سوثبي- بمبلغ 35 مليون دولار
- بشعر لمحمود درويش.. وزيرة الثقافة الجزائرية تتضامن مع فلسطين ...
- انعقاد مجلس الحكومة يوم غد الأربعاء
- تغريدة للفنانة هيفاء وهبي تستنفر المتحدث باسم الجيش الإسرائي ...
- وزيرة الثقافة الجزائرية: فلسطين قضية كرامة إنسانية


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - مناقشة رواية الباطن للروائي الفلسطيني صافي صافي