أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - الذكريات قرينة الحياة والممات














المزيد.....

الذكريات قرينة الحياة والممات


دينا سليم حنحن

الحوار المتمدن-العدد: 6066 - 2018 / 11 / 27 - 15:54
المحور: الادب والفن
    


الذكريات قرينة الحياة والممات
دينـا سَــليم حنحن

أحيانا، تلحق بنا المأساة حيثما نحل وتظهر فجأة مثل عجوز شمطاء تلوّح بزهرة الشوكران السامة، نهرب منها فتستدرجنا إلى أقسى حدود الممنوع، بالنسبة لي حدود الممنوع هي الذكريات المؤلمة.
عندما ضاجعتني الحياة بنارها ووارت عشقي بخمارها، لم أكن سوى طفلة مدللة تلعب على هضبة مليئة بالأزهار البرية والأعشاب الضارة، (القرّيص) واحد منها، رغم ذلك أغرتني الهضبة وانتظرتُ يوم الأحد بفارغ الصبر حتى أذهب إليها مع كتابي وأوراقي أخط القصائد وألعب بالكلمات وأتأمل الطبيعة والسماء والزهور المختلفة وحركة القطارات القريبة، حتى أصبح هذا اليوم يوم صلاتي، صلاة خاصة بي فقط.
انتظرتني بدوية ترعى الأغنام هناك كما كل أحد لكي تتونس بي، قرأت لها ما كتبته وسمعتني بخشوع، راقبتها بدقة متناهية وتأملتني بسرور، أذكرها عندما نسلت خيطا من سترة قديمة حتى ترتق به سترة قديمة أخرى، وعندما سألتها لماذا ترقعين القديم بالقديم أجابتني:
- بكرا بتعرفي!
- ما بقدر أستنى لبكرا! أجبتها
- بكرا يعني المستقبل مش هسَه هسَه (1)
سألتني عن الحرف الذي يشبه رأس العصفور، (ع)، وعن الحرف الذي يشبه البيضتين في صحن، (ت)، قالت عن الـ (ث)، (لا أحِبا، الحياة إتنين إتنين ولويش الثلاثة)، سألتني عن الحرف الذي يشبه أسنان المشط (س) وعن الحرف الذي يشبه الخاتم الذي في إصبعها، وعندما أخبرتها أنها التاء المربوطة (ه)، وقفت جزعة قائلة بأعلى صوتها:
- هذا الحرف لعين ويشبه المشنقة، ما أحـِبا، ولئيم وسافل ومنحط...هسة برجع لك لا تروحين!
لحقت بشاة مولودة حديثا، حملتها برفق ومسدت صوفها بكفها وعادت بها ووضعتها لترعى قريبا منا ثم أدارت لي ظهرها فسقط شالها على كتفيها فظهر شعرها المالس الذي عطرته بخليط من نباتات برية مثل شلال الليل، ماج على ظهرها حتى وصل إلى خاصرتيها، براق وناعم فازدادت جمالا، ثم أخرجت من (البقشة) مرآة صغيرة وشيء يشبه فانوس علاء الدين السحري، وإذ بها (مكحلة) تحتوي كحلا عربيا، كحّلت جفنيها ثم استدارت ونظرت داخل عيني وقالت لي:
- لا تكحلي جفونك حتى تصيرين دكتورة!
ثم نظرت إلى الأفق وكأنها تقرأ الزمان وقالت:
- جا الوقت ولازم أعود إلى الدار!
- خليكِ شوية ؟ توسلتها
- النهار خلص وبكرا جا بسرعة ولازم أروح أعمل أشياء قبل ما ييجي بكرا!
- بكرا الإثنين وهل تأتين إلى هنا غدا؟
- غدا يومي والأحد يومك، روحي المدرسة واكتبِ حتى تصيرين دكتورة مثل هناء.
- من تكون هناء؟ سألتها
- ابنة عمي، تركت الأعراش وتحضّرت وراحت إلى العلام ودرست وصارت دكتورة وما تزوجت، وأنا أحلى منها بكتير وما تزوجت، قالوا لي (الجاهلة(2) والقبيحة هي التي تدرس بس، أما الحلوة مثلي تتزوج على طول)، وأنا ما ريد بن عمي، ما حِبا، أنا ريد ابن خالتي وراح أبقى بدون زواج حتى يعطوني إياه وإن ما عطيوني إياه راح أسمم روحي!
ذهبت البدوية، نادت القطيع كل باسمه وكشتهم بعصاها بنعومة وغنّت لهم (حا عين بـْتـِرعى الـغنم، حا عين بـِتْـرَبي الـغنم) وغابت مع قطيعها مع مغيب الشمس.
بعد أيام شاع خبر وفاتها في الحيّ، لقد انتحرت مستخدمة زهرة الشوكران السامة، وقد خلطتها مع نبات القرّيص الذي قرص ساقها وساقي، لقد دسنا معا على نباتات الحياة والممات معا كما داس علينا الزمان، قالت لي في يوم ( إنتِ حضرية ما تعرفين تمشي مليح، دوسي على القرّيص وأقرصيه قبل ما يقرصك)، لم تعلم أن أشهر فيلسوف في الكون حظي بميتة مشابهة، حتى لو كانت المعلومة استنتاجا، سقراط.
ذهبت عين العصفورة إلى جوار ربها كارهة حرف (الثاء) تاركة خلفها طفلة تفكر بها كلما غابت الشمس، ابنة التاسعة ربيعا والتي هي أنا، أتذكر الخيط المسلول حتى سارت الذكرى خلفي وتدحرجت أحيانا بين خطواتي التي اتسعت سنة بعد سنة، هذه الذكرى تشبه عجوز شمطاء تحمل بيدها اليمنى زهرة سامة تدعى الشوكران وباليسرى نبتة القريص.
................
(1) هسة: الآن
(2) الجاهلة: الصبية




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,232,149,219
- بمناسبة مرور 100 سنة على توقف الحرب العالمية الأولى
- مستوطنات بريئة في الشمال الأسترالي
- بيكاسو والدير
- فراشات طائرة
- النادمون
- امرأة جميلة في حالة فصام
- إلى من أذلهم الحبيب
- في يوم ماطر
- مسايرة النفس المتألمة
- شموخ هو أن تسير في شوارع روما العتيقة
- لا بدائل للحزن
- شعوب تحت القمع
- مجرد خاطرة - دبابيس
- النبي يونان - يونس - يتظلل بشجرة في مدينة يافا
- مشهد اليوم في المتحف الأسترالي
- ذكريات لا تنسى من يافا
- مسرح شكسبير
- وأصبح النهار مراكب ذكريات
- الكذب
- بين أروقة التاريخ


المزيد.....




- الشاعر الكريك يصدر ديوانا جديدا -ما بعد الخريف-
- وفاة الفنانة المصرية أحلام الجريتلي عن 73 سنة
- الجزائر تُقنن دعوة الفنانين الأجانب حفاظا على المرجعية الثقا ...
- -توم أند جيري- يتصدر إيرادات السينما في أمريكا الشمالية (فيد ...
- وفاة الفنانة المصرية أحلام الجريتلي
- وفاة الفنانة المصرية أحلام الجريتلي عن عمر ناهز الـ70 عاما
- أكثر من 400 موقع يضم أسرار التاريخ.. خفايا تحت تراب الأنبار ...
- وفاة الفنان المصري يوسف شعبان متأثرا بفيروس كورونا
- الفنانة نهال عنبر تروي تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة يوسف ش ...
- رأفت الهجان أشهر أعماله… محطات في حياة الممثل المصري يوسف شع ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - الذكريات قرينة الحياة والممات