أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد حسين النجفي - سيرة استاذ جامعي في العراق: د مهدي العاني نموذجاً















المزيد.....

سيرة استاذ جامعي في العراق: د مهدي العاني نموذجاً


محمد حسين النجفي
اكاديمي سابقاً، رجل اعمال، ناشط مدني

(Mohammad Hussain Alnajafi)


الحوار المتمدن-العدد: 6005 - 2018 / 9 / 26 - 09:27
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


طلب مني الأستاذ مهدي العاني ان أساعده بمراقبة الطلاب اثناء ادائهم امتحان فصلي لانه صف مدرج وواسع من الصعب السيطرة عليهم. وافقت على ذلك بترحاب.ذهبت معه الى أحد صفوف السنة الاولى اقتصاد حيث يحاضر فيها الأستاذ مهدي مادة مبادئ الاقتصاد. وزع عليهم الأسئلة وبدأ الطلاب بالاجابة كالمعتاد. لفت نظري ان احد الطلاب في منتصف المدرج تقريبا يحاول الغش من زميله المجاور. ذهبت اليه وبمنتهى الهدوء طلبت منه ان لا يفعل ذلك وان يركز نظره على ورقة إجابته فقط. طبعاً أستاذ مهدي لاحظ ذلك من موقعه في مقدمة الصف خلف منصة إلقاء المحاضرة. كان هذا الطالب مصمماً وبشكل واضح وعلني في سعيه بالغش عن طريق أخذ المعلومات من زميله المجاور. وبما أني لم أكن أستاذه المباشر قررت ان أنبهه مرة ثانية بدل من إخراجه من الصف.

لم يفهم الطالب جدية الموضوع وتصور ان التحذير سيبقى تحذيراً. طبعاً في هذه المرحلة ركز عليه أستاذ مهدي، وحينما رَآه يغش للمرة الثالثة طلب منه ان يسلم ورقته الامتحانية ويترك القاعة. وحينما رفض الطالب ذلك، صاح عليه أستاذ مهدي بأعلى صوته بأن يترك الصف. نزل الطالب من المدرج وقبل ان يخرج قال بعصبية وأسلوب تهديدي:

“سأذهب الى الاتحاد اللي يحميني منك واشتكي عليك”
وللاسف اجابه أستاذ مهدي بانفعال حاد:
“اطلع خرة عليك وعلى الاتحاد”

قنبلة رماها الطالب المتهور، رد عليه الأستاذ بقنبلة مدوية اتعس منها. كلمات خرجت من فمه دون تفكير بالعواقب الوخيمة المترتبة على مَسبت الاتحاد الوطني لطلبة العراق وهو المنظمة الطلابية الرسمية وجناح من الأجنحة المهمة لحزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الحاكم والذي يسيطر على السلطة بيد من حديد. كان وقع هاتين القنبلتين في عام 1977 على القاعة التي تحوي على حوالي ثمانين طالب وطالبة معظمهم على الأغلب منتسبين للاتحاد ولحزب البعث، همهمة مدوية أعقبها سكون مخيف وتوجس مذهل.

نزلت من اعلى المدرج الى أسفله حيث منصة الألقاء التي يحتمي خلفها الأستاذ مهدي. قلت له: ماذا فعلت؟ قال: “اكلت خرة”. قلت: ماذا ستفعل؟ قال: لا ادري. فكرت سريعاً، وقلت له: حسناً، ليس أمامك سوى إنكار ما قلت وسوف اشهد بذلك. قال: ولكن سمعني كل الطلاب. أجبته بقوليً المشهور: “كلهم بكف وانا بكف”. قال: كيف؟ قلت: لا عليك. كل ما أريدك أن تقول انك قلت خره عليك وعلى اليحميك. اخبرته من اني مضطر للخروج فوراً كي ارتب الأمور قبل فوات الاوان. خرجت من الصف ابحث عن زميل وصديق لديه نفوذ لدى الاتحاد والحزب، والذي نعتمد عليه في الشدائد والملمات. وحينما عثرت عليه أخبرته بمنتهى الصراحة في الموضوع، وقلت له اريد مساعدتك كي ننقذ أستاذ مهدي. قال: كيف؟ قلت: دعني أتصرف معتمداً على أساندك لي، طبعاً بيني وبين الزميل صداقة متينة عابرة للالتزامات السياسية. وبينما كنا نفكر كيف سنعالج الموضوع، بدأ طلبة الاستاذ مهدي يخرجون من الصف متجمعين حول رئيس الاتحاد عبد الكريم، وهو احد طلابي في السنة السابقة ومن الطلاب المعقولين جداً في تصرفاتهم. كان الطلاب متذمرين جداً من أستاذ مهدي لانه اهان اتحادهم.

طلبت من عبد الكريم رئيس الاتحاد ان أكلمه، الذي وافق احتراماً وخجلاً. جلسنا انا وهو وصديق الأسناد في غرفة الأساتذة. أبلغته من أني كنت مع أستاذ مهدي في القاعة والموضوع ليس كما صوره له الطلاب. أجابني أستاذ كل طلاب الصف يقولون ان الاستاذ سب الاتحاد. وبعد أخذ ورد أقنعته ان نستدعي الطلاب انفراداً ونستفسر منهم ما حدث. بدأ الطلاب يدخولون تباعاً الواحد بعد الاخر. كنت اركز في أسئلتي هل لاحظوا كم مرة حذرت الطالب؟ قالوا نعم، وكيف أنه تحدي الاستاذ وهدده؟ قالوا نعم. إلا أني حينما أقول أني سمعت أستاذ مهدي يقول “خره عليك وعلى الذي يحميك” يقولون كلا قال: ” خره عليك وعلى الاتحاد”. بعد ان اكتفينا بالشهود سألت عبد الكريم: ماالذي تريد ان تفعله؟ قال انا رئيس الاتحاد ولايمكن ان أتسامح مع شخص يسب الاتحاد مهما كان ولا بد لي من ان ارفع تقرير بذلك. قلت له كريم كل الحق معك، وأنا ارى من الضروري ان يعتذر أستاذ مهدي في نفس الصف وبحضورك انت شخصياً. أجابني ان هذا لا يكفي وان الموضوع قد خرج من يديه وان كل الطلاب سوف يكتبون التقاريرعما حدث. قلت بصراحة كريم ان عدد الأساتذة العراقيين هو اقل من الأساتذة المصريين. وان لدينا مشكلة، حيث ان الأساتذة المصريين رغم جدارتهم العلمية الا ان الامتحانات منفلتة في صفوفهم. ونحن الأساتذة العراقيين لا نسمح بالانفلات والغش. وحينما نمسك احدهم متلبسا يهددنا بالاتحاد. ودعني أسألك هل ان الاتحاد فعلا سوف يقف الى جانب الطالب الغشاش ضد الاستاذ الذي يحترم مهنته؟ أني ارى انه بعد ان يعتذر أستاذ مهدي تتحدث انت بعده وتبلغ الطلبة من ان للاستاذ الحق في محاسبة الطالب الذي يسعى للنجاح عن طريق الغش وانه لا يمكن للاتحاد ان يسند هذا النوع من الطلاب.

وعلى الرغم من هدوء وعدم كلام صديق الأسناد كثيرا الا ان وجوده معي قد منحني زخم وثقة في الكلام. تأمل عبد الكريم قليلا ووافق على هذا الحل. تنفست الصعداء وذهبت لغرفة اساتذة قسم الاقتصاد وأبلغت أستاذ مهدي بالانجاز العظيم. كان رد فعله غريبا من انه لا يريد الاعتذار وانه على حق والطالب “داس في بطنه”. وعلى الرغم من تقديري واعتزازي بموقفه الشجاع إلا اني توسلت اليه واقنعته ان يتقبل الحل وإلا ستكون النتائج ربما وخيمة وغير محمودة. اتفقنا على يوم الاعتذار بحضور رئيس الاتحاد. جائني بعد ذلك عبد الكريم وقال لي ان أستاذ مهدي لم يعتذر بشكل واضح. أجبته من أني متأكد من انه ندم على ما قال ولكنك لا تريد ان تذله امام طلبته اكثر من ذلك. طبعاً كنا جمعياً نتوجس الخوف لأيام واسابيع من ان هذا الحدث سوف يأخذ مجرى آخر.
مرت الأعوام وسألت عنه الزميل حمزة الشمخي فقال لي للأسف الشديد ان الدكتور مهدي صالح العاني الذي اكمل الدكتوراه في الأقتصاد من رومانيا وعاد للوطن لخدمته، قد اغتيل عام 2006 وكان من ضحايا العنف الطائفي اللعين الذي شهده العراق بعد عام ٢٠٠٣ والذي شهدته الجامعة المستنصرية بشكل مكثف في الأعوام ٢٠٠٥/ ٢٠٠٧. كان الأستاذ مهدي صالح العاني من الدفعة الأولى لخرجي ماجستير اقتصاد، جامعة بغداد عام 1975. تعين عضواً في الهيئة التدريسية مع مجموعة شابة من دفعته هم فوزي العاني وأوس وتقي العاني وفليح الغري. كانوا مجموعة من المخلصين في عملهم ارادوا خدمة وطنهم، ولكن بدلاً من ان يحترموا ويقيموا، دفعوا ثمناً غالياً وصل حد التضحية القسوى. وللأسف الشديد فإن العلماء والأطباء والمهندسين والمثقفين والأقتصاديين والتكنوقراط دائماً يستهدفون بالفصل او الأعتقال او القتل كلما حدث تغيير سياسي في العراق. ومن سلم منهم او افرج عنه اضطر الى مغادرة العراق خوفاً من العقاب الذي لا نهاية له. ولنا في قصة عالم العلماء الفيزياوي ورئيس جامعة بغداد المحترم والمقدر محليا ودوليا البروفيسور عبد الجبار عبد الله، وما تعرض له من سجن واهانة وتعذيب على ايدي حركة 8 شباط 1963 خير مثال ونموذج لما يمكن ان يحصل لكل عالم او طبيب او مهندس يعود لوطنه كي يخدمه. ولهذا السبب تجد افضل الكفاءات العلمية العراقية موزعة على انحاء دول العالم في انكلترا وامريكا واوربا واليمن وليبيا والجزائر والأردن وكافة الدول الأخرى. وفي اعتقادي ان اضطهاد الكفاءات هو من بين الأسباب الرئيسة لتدهورالحضارة والوصول الى ما نحن عليه اليوم.


#الجامعة_المستنصرية #الدكتور_مهدي_صالح_العاني #عبد_الجبار_عبد_الله #التعليم_العالي #العراق #محمد_حسين_النجفي

روابط ذات علاقة:
http://اغتيال واختطاف اساتذة جامعيين في العراق
http://عبد الجبار عبد الله






دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امن الموارد المائية: مشكلة عراقية ليست إلا
- لعبة الأستفتاء
- دور الشعائر الحسينية في المجتمع العراقي
- تحرير الموصل ومستقبل الصراعات المسلحة
- احداث الثانوية الشرقية التي سبقت ردة شباط 1963
- مشروع إعادة تشكيل الجيش الوطني العراقي
- الشعب العراقي: بين التوحيد القسري والتعايش السلمي
- الأقتصاد العراقي: بين الخصصة والعولمة
- الأقتصاد العراقي: بين الخصخصة والعولمة
- المميزات الفريدة للثورة المصرية
- حوار اليسار مع الفكرى الدينى المعاصر


المزيد.....




- -هدف جريء-.. طائرة ستأخذك إلى أي مكان حول العالم في غضون 4 س ...
- -روس كوسموس- تخصص 318 مليون روبل لاستكشاف كوكب الزهرة
- قصة مراهقة بين قلة نجوا بعد 22 يوما في البحر للوصول لأسبانيا ...
- ميشال عون وسعد الحريري ينتقدان تصريحات وزير الخارجية اللبنان ...
- غزة وإسرائيل: استمرار التصعيد رغم جهود التهدئة
- القبض على خامس مشتبه به في سرقة متحف -القبو الأخضر- في ألمان ...
- بعد تهديد السيسي... المجلس العسكري السوداني يحسم الجدل حول ا ...
- تحشيد لغليان شعبي في العراق ضد تصفية ناشطين
- -التحرك الفوري-... هنية يوجه رسالة إلى خامنئي بشأن الحرب مع ...
- لافروف: لا رغبة لدينا في المواجهة مع ألمانيا


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد حسين النجفي - سيرة استاذ جامعي في العراق: د مهدي العاني نموذجاً