أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد الباسوسي - الديك الرومي قصة قصيرة















المزيد.....

الديك الرومي قصة قصيرة


احمد الباسوسي

الحوار المتمدن-العدد: 5948 - 2018 / 7 / 30 - 22:04
المحور: الادب والفن
    


كأنه رأى هذا المشهد بكافة تفاصيله قبل اربعون عاما، أو ربما راوده في أحد الأحلام التي تهتك ستر رقدته غير المريحة هذه الأيام وتسلمه الى كوابيس الأفاعي ومصائد شياطين الرعب ممسوحي الملامح. كان عمره حينئذ عشرة سنوات بالتمام، يستطيع ان يتذكر ذلك جيدا، في هذا اليوم استدعاه ناظر المدرسة، رجل ضخم الجثة، متباهي، العصى الخيرزان الطويلة لاتفارق قبضة يده الحليبية الغليظة، منتفخ الأوداج، تلاميذ المدرسة منحوه لقب الديك الرومي بسبب لغده الكبير المشرب بحمرة لون بشرته ووجهه الأبيض الحليبي الضخم، شعر رأسه الأبيض المهيب يصطلي بضوء الشمس الفضي فيبدو مثل عرف الديك المتباهي بلون الفضة فوق رأسه كما التاج فوق رأس ملك، صياحه الدائم اعتاد ان يسبقه في كل مكان، اعتاد أن يخطر بين البشر مثل ملك أو امبراطور. كان الرجل يقف فوق افريز من البلاط ناتئ عن أرضية حوش المدرسة الرملي الذي يفضي الى مدخل أحد مباني المدرسة الحديثة الذي شيدوه مؤخرا بالقرب من باب الخروج مستقطعين جزء كبير من حوش المدرسة لبناء فصول جديدة لتقليل الكثافات داخل الفصول واستيعاب مزيد من التلاميذ الجدد. كان ذلك وقت انصراف تلاميذ المدرسة الى منازلهم، الحوش مزدحم بالهرج واطفال يجرون في كل اتجاه سعداء بالانعتاق والتحرر. لمحه بعين الصقر الجاحظة المتسعة التي اعتادت الدوران في كل اتجاه، كان يقف فوق الافريز يرقب الحركة والتلاميذ في جدية بالغة. صوته الضخم جلجل واخترق ضوضاء الأطفال وجلبتهم وشغبهم حتى وصل اليه صائحا عليه باسمه الذي يعرفه جيدا، كان الصبي يعلم انه معرفة والده، انتبه بخوف وترقب، توجه نحوه في وجل، طالعه من اسفل، صوت الناظر لم ينخفض حتى بعد مثول الصبي قبالته بالضبط، أخبره وكأنه يتحدث في ميكرفون اذاعة المدرسة " بلغ والدك يجيني المدرسة بكرة عاوزه في موضوع مهم". المدرسة كلها سمعت هذا الاستدعاء الغريب في لحظة انصراف الجميع. بمجرد رجوعه أخبر امه بما حدث، غمغمت بعبارات غير مفهومة قبل ان تقول " لما يرجع ابوك نقول له". في المساء على طبلية الغداء جلس ابوه في الصدارة بهيئته الضخمة العريضة، لكنه بدا منكسرا، الصوت واهن، الحيوية غابت، طوال جلسته كان يتحسس صدره باطراف اصابعه من فوق جلباب البيت. تجاهل تساؤلات امي وعيونها المثبتة في صدره. لم يتمكن من استكمال طعامه، رفع نفسه بصعوبة من على الأرض، حجل نحو الحمام وامي ورائه متسائلة، هلعة، لم يلتفت خلفه ولم يرد لها جوابا فقط يقول "شوية تعب صغيرين وهابق كويس". جلس الصبي يرقب حركة ابوه المتثاقلة المرتجفة ووجه امه الهلوع في وجل. غاب في الحمام وامه متسمرة خلف الباب تتصنت على التفاصيل. كأنه افرغ كل شيء دخل جوفه منذ عدة أيام، أخيرا خرج الرجل شاحبا ينثال عرقه بغزارة، طوقته المرأة بذراعيها من ظهره ساندة اياه بقوة غريزية، تحركت به في بطء وتثاقل متوجهة نحو غرفة النوم، لسانها يرطن بعبارات لايفهمها صبي العشرة سنوات. جدار الأمان بدأ يتخلخل امام عيني الصبي الهالع، طفرت دمعة أخيرا استقبل بها أمه الخارجة توا من الغرفة. لم تكن أحسن حالا منه، تساقطت حبات دموعها بينما هي تهرع نحو المطبخ تجهز شيئا دافئا سريعا قبل خروجها لطلب المساعدة واحضار طبيب. أمرته بسرعة ابلاغ عمه القاطن في نفس الشارع، دقائق مرت بطيئة، غامضة وكئيبة، وقاطن الغرفة المغلقة والدي يتحول الى شبح مذوي الملامح يستعد للاختفاء، امتلأ البيت بالرجال والنسوة، ارتسمت على وجوههم علامات الجزع والانقباض. الدهشة أصبحت ماركة مسجلة تتطبع بها وجوه الجميع، جاء الطبيب يرفل في بدلته الصوف السوداء الشتوية وعمي يحمل حقيبته السونسونايت ويهرول امامه طالبا توسيع الطريق للدكتور. الصبي الهالع يحاول اخفاء نفسه داخل تلافيف الزحام وانفاس الناس الدافئة، يترقب جدار الأمان الذي يهتز ويتخلخل داخله، "رجل الغرفة المغلقة القوي المهيب القادر على كل شيء بات يتصدع، سوف ينهار كل شيء". هكذا خرجت الفكرة من داخله دون ان يقولها أو حتى يدرك معناها، فقط يستشعرها، ويستشعر الخطر القادم من رحم الغيب. دقات قلب الصبي الصغير تتسارع وتصدر صوتا يسمعه القاصي والداني، لم يعد يحتمل الدق ولا لحظات الترقب المهولة. تسلل الى داخل غرفة المريض، الطبيب ما يزال يحاول انعاش القلب، يطلب مساعدة من حوله وفق توجيهاته، كأنه يسابق لحظات قد سبقته بالفعل لكن خيوط الأمل الواهنة دائما مغرية. امه واعمامه واخواله الذين حضروا على عجل يفرضون سياجا حول السرير، حسبه الصبي سياج من الأمان، زحف تحت السرير، اتخذ مكانه في وضعية النوم على ظهره، ضوضاء الهلع تسري من داخل غرفة النوم الى خارجها وكذلك من خارج غرفة النوم الى داخلها. ايقظه فجأة من رقدته تحت السرير صوت الصراخ الرهيب والعويل، ميز الصوت الأقوى بوضوح انه صوت امه، اخترق كيانه وانهار أمانه الآن. "قضي الأمر"، هكذا قال الطبيب وهو يعلن حالا نبأ وفاة الأب المهيب. اندفع كل من بالخارج الى داخل الغرفة المكلومة. شارك الكثير من النسوة أمه صراخها وولولتها. لم يعد هناك مكان للسيطرة ولا للتحكم ولا للحكمة. حاول بعض الرجال السيطرة ولكن هيهات. خرج من تحت السرير لا يستطيع البكاء. جفت الدموع والمشاعر، الشيء الوحيد الذي بقى عالقا في الذاكرة ولا يزال يغلي صداه داخله هو استدعاء الديك الرومي له وقت الظهيرة اثناء انصرافه من المدرسة، وصياحه في وجه بضرورة حضور والده للقائه غدا بالمدرسة. أخبروه حينما دخل هذه المدرسة في يومه الأول ان الناظر صديق الوالد، لكنه لم يدرك معنى ذلك ولم يهتم به، ومع الأيام نسى كل شيء. الآن هاجسه العظيم لماذا كان يطلب الناظر لقاء ابوه غدا؟. عموما لم يتمكن من اخباره بأمر هذا اللقاء، لكنه الآن ينبغي اخباره قبل ان يأخذوه في النعش ويمضون به الى المقبرة!. ظل حائرا يلتفت حواليه، يسعى لتحين فرصة ليرفع الغطاء عن وجه والده ويخبره ان الديك الرومي سوف يلقاه غدا في المدرسة لكنه لم يقدر ان يفعلها. ربما ارتعب من فكرة مخاطبته وهو نائم، أو ارتعب من كشف الغطاء عنه في حضور كل هؤلاء الناس المرابطين في غرفته، لم تغادرهمم الدهشة الى حين الاستعداد لبدء مراسم التكفين والدفن. اختفى ابوه من البيت تماما وفي اليوم التالي رأى الديك الرومي داخل سرادق العزاء، بمجرد ان لمحه الرجل قام على الفور، احتضنه بقوة، همس في اذنه " بكرة تيجي المدرسة، لو احتجت أي حاجة تبلغني فورا". اخذته المفاجأة والاضطراب، عقدت الدهشه لسانه، لكنه حاول ونجح حسبما يعتقد، اخبره بصوت واهن مرتعش لا يكاد يبين مع رجفة جسده وصوت المقرئ الصاخب" حاولت ابلغه انك عايزه بكرة لكن مقدرتش". الديك الرومي سمع تمتمات وغمغمات، اشفق على الصبي، احتضنه ثانية، استدعى احد اعمامه الواقفين في مقدمة السرادق، ابلغه بقلقه على الصبي وضرورة العناية به، واستعداده للمساعده. دارت السنوات بسرعة فرمت في طريقها كل شيء، حتى مشهد الطبلية ولحظة انهيار ابوه القوي المهيب تبخر مع استطالته واتساع تلافيف دماغه وقوة حضوره في استعادة جدار الأمان مع امه واقاربه. افاقته اليوم تلك النغزة المؤلمة التي غزت صدره بصورة مفاجئة. لم يتحسب ان يزور طبيبا يوما ما، فاجأته النغزة بينما كان يجلس على طاولة طعام الغدا بين زوجته وابنائه الثلاثة، بدأت المسألة بنغزة بسيطة ثم توالت النغزات التي خلفت الآم رهيبة لا يستطيع البوح بها. تسحبت اطراف اصابعه بهدوء تلامس صدره محاذرا ان يرآه احد من الجالسين المنهمكين في طعامهم. خرجت من تلافيف ذاكرته تلك الصورة لوالده في ذلك المساء القديم عندما تحسس صدره في مثل هذا الوقت قبل ان يترك طعامه ويستقر في غرفته التي خرج منها الى قبره. حضر امامه في وضوح لافت الديك الرومي ناظر المدرسة وهو يصيح ويطلب منه احضار والده لأمر هام. غزو الآلم يتصاعد من دون سقف. يحاول الصمود، ومواجهة الديك الرومي الصاخب، علم عن طريق الصدفة انه مات منذ سنوات بعيدة، ولم تعد المدرسة مكانا صالحا للتدريس وللعلم. تنبهت أم الاولاد، حاولت مساعدته للوصول الى غرفة النوم، طاوعها بكل قوة. انحرف بها الى الحمام، شعر انه في حاجة الى افراغ معدته مثلما حدث مع ابوه بالضبط، مكث داخل الحمام نصف ساعة كاملة يكابد مشقة دوران الرأس وافراغ معدته، زوجته أمام الباب تتصنت لتفاصيل مايجري داخل الحمام في هلع بالغ مثلما حدث مع امه أيضا، خرج وقد ارتاح نوعا ما، تمكن من سند نفسه، لم يعد في حاجة لذراعيها الآن. في طريقه الى سريره تأكد انه رأى هذا المشهد بتفاصيله قبل اربعون عاما، وانه لن يخرج من هذه الغرفة سوى الى مقبرته، وان الديك الرومي ما يزال يصر على ان يلقى ابوه غدا في المدرسة التي لم تعد مدرسة ولم يعد الديك الرومي يصيح فيها ويصخب في التلاميذ مثل زمان، ولم يعد ابوه متاحا حتى يذهب الى موعده مع الديك الرومي غدا في المدرسة، كما انه ربما لن يخرج من غرفته على قدميه عقابا له على عدم ابلاغ والده بموعده مع الديك الرومي في المدرسة.
د. احمد الباسوسي
يوليو 2018




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,230,374,719
- كاميرات آدمية (قصة قصيرة)
- أزمة في الطب النفسي أم ازمة في الثقافة المصرية
- دراسة نقدية عن كتاب : ايام من الهمس والجنون يوميات معالج نفس ...
- كتاب نظرات مضيئة في القصة والرواية والنقد الأدبي للكاتب المب ...
- المصريون البسطاء بين مصر القديمة ومصر الحديثة، قراءة في كتاب ...
- ام كلثوم والشيخ كشك وعبقرية المصريون
- تجليات الرمز وتشكيل النصوص بالكلمة
- سائق الحافلة
- أفهم (قصة قصيرة)
- الكمساري (قصة قصيرة)
- طلعت رضوان والسباحة ضد التيار
- دراما رمضان 2016 وسياق متحي للثورات
- رجل المقشة
- رحلة السيدة العجوز
- الأشباح تقتل في الظلام (قصة قصيرة)
- البيت العتيق
- صائد الذباب
- قلق اجتماعي واضطرابات انشقاقية وجسدنة (المنزل المشئوم)
- الانتكاسة والانهيار بعد العلاج /استغاثة قبل الخروج
- آليات الدفاع النفسية ونظرية في الادمان وعلاجه


المزيد.....




- -الثقافة- الجزائرية تكشف حقيقة استعانتها بمحمد رمضان وهيفاء ...
- إصابة وزير الثقافة عاطف أبو سيف بفيروس كورونا
- باحث طنجاوي يحاضر حول الأدب المغربي النسائي المكتوب بالإسبان ...
- يوروفيجن: بعد اختيارها لأغنية -الشيطان- قبرص تتعرض لضغوط للا ...
- مصر.. -نفذت مشاهد فيلم أجنبي-.. اعترافات مثيرة للمتهم بقتل س ...
- عبد الله زريقة شاعر الهوامش الموجعة.. الذي ترجمه أديب فرنسا ...
- إيراني يصمم دراجة بإطار واحد مستوحاة من أفلام الخيال العلمي ...
- فيلم ايراني يحصد 3 جوائز في مهرجان Garoa البرازيلي
- بعد أيام من نفيه... وزير الثقافة الفلسطيني يعلن إصابته بكورو ...
- -التكنولوجيا الجديدة والإعلام والإتصال- تأليف فضيل دليو 


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد الباسوسي - الديك الرومي قصة قصيرة