أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد الخميسي - رمضان في طفولتي














المزيد.....

رمضان في طفولتي


أحمد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 5900 - 2018 / 6 / 11 - 17:49
المحور: الادب والفن
    


أظن أن في حياة كل منا"رمضان" أول، مثل الحب الأول، ومثل كل التجارب الأولى التي تكون كالضوء الشاهق على جدران النفس الطفلة. و" رمضان" الأول الذي أذكره كان ونحن نسكن في الجيزة في شارع متواضع اسمه " السروجي" في بيت بسيط من طابقين شاده جدي بنفسه فأصبح عبرة لكل الذين يبنون المنازل من دون خبرة ولا علم. ولم أر في حياتي كلها بيتا مثله، محنى الظهر، يمد إلي الشارع مقدمته محدقا باستعلاء مضحك فارغ. كان يشبه كلبا شرسا، عدوانيا، ليس لطبع أصيل فيه بل بسبب بؤسه. وكانت تجري أمام البيت ترعة صغيرة، قذرة، تتهادى على سطحها علب صفيح، وأوراق صحف، وفروع شجر، وكل ما يمكن القاؤه في الماء. وكنت مع عيال الشارع جميعا أسبح فيها، من دون أن يخطر لي أن أمواج هذه الترعة ستغدو في ما بعد إسفلت أسود لشارع فيصل الضخم! هناك حل"رمضان الأول" الذي علق بذاكرتي، وفيه رحنا نستيقظ للمرة الأولى قبل الفجر على دقات طبلة المسحراتي، ونجلس ونحن نفرك عيوننا لنتسحر، ونتلقى من جدتي خديجة التوجيه والنصح. وكانت جدتي مسالمة طيبة، لم أسمع لها صوتًا طوال سنوات طفولتي، كلامها أقرب إلي التنهد، تمشي بالقرب منا في ثوبها الأسود المنسدل فلا ندري إن كانت قد عبرت بجوارانا أم خيل إلينا. وقبل موعد الافطار بنصف ساعة تناديني، وتضع بين يدي صحنا واسعا به قطايف وكنافة وتهمس لي: " رح به إلي بيت أم نصحي، قل لها ستي خديجة بتقول لك كل سنة وأنت طيبة يا أم نصحي". وكان بيت أم نصحي هو بيت المسيحيين الوحيد في الشارع، وأولادها سمير وسعاد ونصحي أصحابنا، نلعب معا، ونسبح في الترعة معا، وحتى عندما كنا نجوب الشارع حاملين فوانيس رمضان، كان نصحي وسمير يسيران بيننا وبيد كل منهما فانوس. نطرق أبواب البيوت ونقول:"رمضان كريم"، فيفتحون لنا ويضعون في أيادينا حلوى أو قروش قليلة. ومع أول قرشين وجدتهما في يدي وأنا صبي صغير صرخت بفرحة" رمضان كريم ياعيال"، ورحت أتفحص القرشين بنهم. وكان معنا ولد صغير اسمه عبد العاطي، أبوه من العمال الفقراء، فمشى معنا في الشوارع لكن من دون فانوس بيده، وفي اليوم الثالث رأينا بيده فانوسا جميلا فاخرا فاستغربنا، ولما سألناه من أين جاء به؟ قال:"عيل كان ناسيه على سلم البيت عندنا، أخذته وجريت". وصاح فيه عماد :" لكن دي سرقة؟". فزعق الولد بحرارة:" أنا مستعد أعمل أي حاجة بس أمشي بفانوس وربنا يبقى راضي عني"! وكان يخيل إليه أن ربنا يرانا من أعلى بفضل نور الفوانيس، فلزمنا الصمت وواصلنا اختراق الشوارع حولنا. حتى حلول"أول رمضان" هذا، لم نكن قد شاهدنا السينما قط، سمعنا بها ولم نر شيئا منها، إلي أن قال لنا الولد عماد المحتال إنه عنده سينما في البيت، والتذكرة بنكلة، أي مليمين! والعرض اليوم. هكذا بعد الافطار مباشرة وقفنا صفا طويلا على باب شقة عماد، وقادنا أخوه إلي حجرة كبيرة بشباك واسع غطوه ببطانية غامقة. جلسنا على الأرض مباشرة أمام ملاءة بيضاء مفرودة من أعلى إلي أسفل وخلفها من ركن ما انبعث ضوء" لامبة" جاز. وبعد لحظات سمعنا صوتًا من خلف الملاءة " نقدم لكم الفيلم الحربي صراع الجبابرة". ضحك الولد ربيع قائلا : " هيء هيء. ده صوت الواد عماد.أنا عارفه"! رد الصوت من وراء الملاءة : " ممنوع الكلام أثناء العرض"! ورأينا ظل شخص يرفع قدمًا ويهبط بالأخرى وهو واقف في مكانه كأنما يسير، ثم لاح ظل آخر يرفع عصا طويلة كالسيف زاعقًا"عليك اللعنة"! فأبرز الأول عصا وصاح"yes" ! أخذ الاثنان يتبارزان من دون أن نفهم إن كان المتحاربان من الرومان أم من العرب أم "الطلاينة"، واستمرت الحرب بينهما عشر دقائق كانت تدوي خلالها عبارة "عليك اللعنة" ومن بعدها "yes"! إلى أن سقط واحد من الاثنين متأوهًا على الأرض فأعلن الثاني بصوت وقور: "the end"، ثم برز إلينا من وراء الملاءة الولد عماد وأخوه ماهر ينحنيان بتواضع نجوم السينما الكبار. رحنا ننهض من على الأرض ونحن مازلنا مأخوذين من الظلال التي تحركت أمامنا ومن الجو المعتم ومن أحداث الفيلم الحربي، لكن بداخلنا شك أن ما تفرجنا به للتو لا يمكن أن يكون فيلمًا، وأننا أغلب الظن وقعنا ضحية خدعة غير شريفة دفعنا فيها مليمين! وبينما نحن نهبط على السلم ونغادر البيت تمتم نصحي :"الواد عماد طلع له بحوالي ثلاثة أربعة صاغ من الهجص ده"! وعلق ربيع: "عشان إحنا حمير"! ومازلت إلي الآن، كلما حل الشهر الكريم، أتذكر رمضان الأول، بطفولته، وأصدقاء السنوات المبكرة، والصيام، والفوانيس، وأيضا أول فيلم حربي أشاهده في حياتي" صراع الجبابرة". وكل سنة وأنتم طيبين.
د. أحمد الخميسي. قاص وكاتب مصري






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البرادعي لا يفيد ولا يخلو من السياسة
- دار الأوبرا المصرية تنهب إبداع الخميسي ! فضيحة !!
- أمسية في محبة إبراهيم فتحي
- الإبداع ومواسم الخداع
- بيان من المثقفين والأحزاب المصرية تضامنأ مع الشعب السوداني
- صبري موسى .. الكاتب المعروف المجهول
- سلام لسعد الدين إبراهيم وموشى دايان
- عهد الطفولة .. اخرجوا من فلسطين !
- ترامب.. من إبادة الهنود إلي إبادة العرب
- مقتل بائع الكتب .. موت المثقف
- من المنفلوطي إلي يوجين نيدا
- مائة عام على ثورة أكتوبر
- مذيعات التلفزيون .. قمر يا ست !
- إلى متى يُقتل الأقباط ؟
- حرب أكتوبر .. ذكريات للإبداع
- لماذا لم يخرج من الأخوان أديب أو فنان ؟
- كرة القدم .. الحاجة إلى البطولة
- اسم في الليل - قصة قصيرة
- نجيب محفوظ .. حياة الأسطورة
- الطهطاوي والدين والمرأة


المزيد.....




- كاريكاتير -القدس- لليوم الخميس
- بيت لحم مهد الحضارة والتاريخ عاصمة الثقافة العربية
- لأول مرة.. بلاسيدو دومينغو يشارك في أوبرا ينتجها مسرح -البول ...
- خبراء أمريكيون يؤكدون وجاهة الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحرا ...
- تسوية قضية الصحراء محور مباحثات بين نائب وزير الخارجية الروس ...
- المغرب يؤكد ضرورة جعل المكافحة العالمية للمخدرات أولوية ضمن ...
- المخرج السوري الليث حجو يعلق على مسلسل -قيد مجهول-
- روح ديفيد لينش المُعذّبة معروضة في أولتن
- إعداد الدفاع يؤخر ملف الكوميدي الجزائري بوهليل
- الشاعر مراد القادري للجزيرة نت: التحديات الكثيرة التي تواجه ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد الخميسي - رمضان في طفولتي