أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جلال مجاهدي - التشكيل الثقافي كآلية لمواجهة أحادية ثقافة العولمة















المزيد.....

التشكيل الثقافي كآلية لمواجهة أحادية ثقافة العولمة


جلال مجاهدي

الحوار المتمدن-العدد: 5779 - 2018 / 2 / 6 - 21:27
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


باستثناء المجتمعات المسماة أنثروبولوجيا بالمجتمعات اللاتاريخية و هي المجتمعات البدائية المنعزلة , فإن جميع المجتمعات هي ما بين مرحلتين, مرحلة سابقة تأثرت فيها بمؤثرات معينة و مرحلة لاحقة آخذة في التبلور بمجموع المؤثرات الحاضرة و الماضية , هذا التأثر المجتمعي , هو ناتج عن إحدى الخاصيات الإنسانية و تتمثل في مرونة المجتمعات البشرية و قابليتها للتأثر و التأثير فيما بينها , و ذلك عن طريق التماس الثقافي بالاحتكاك المعرفي و التبادل التجاري و تبادل الخبرات و الابتكارات و غير ذلك, لذلك فإن أية مرحلة كيفما كانت من المراحل التي مرت منها المجتمعات ,هي مرحلة انتقالية ما بين مرحلتين , حيث في هذه المرحلة الوسطى تلتقي الثقافات و القيم و الأفكار و تنصهر و تتبلور , لتأخذ منحى تطوري آخر و هو ما يسمى بالتشكيل الثقافي أو التهجين الثقافي , فهل لا زالت ثقافات المجتمعات في عصر العولمة تخضع لميكانيزمات الدمج الثقافي ؟

كما سبق ذكره , ففي عصر ما قبل العولمة , كانت الثقافات المحلية تعمل على دمج العناصر الثقافية الخارجية الموافقة و المعارضة في الثقافة المحلية و على إعادة توزيعهما تلقائيا في أشكال مقبولة , لكن ما حدث في العقود الأخيرة , إثر الثورة الرقمية حيث انتشرت وسائل الاتصال و اتسع استعمال قنوات التثقيف بشكل غير مسبوق من قنوات فضائية و مواقع و شبكات أنترنيتية و تطبيقات الهواتف الذكية ,هو أن عملية التشكيل الثقافي لم تعد تسير في مساراتها المعتادة كما في السابق , حيث أخذ التطور الثقافي اتجاها آخر لا علاقة له بالمحلية و أصبحت المجتمعات المستقبلة تجد صعوبات بالغة في احتواء الثقافات و القيم الواردة عليها و دمجها ضمن مكونات ثقافتها و قيمها الأصلية بالشكل المعتاد و الأمر يعزى إلى أسباب منها ما يرجع إلى تسارع وثيرة التثاقف و ازدياد تدفق رسائله و خطاباته و منها ما يعود إلى كون عمليات التثاقف أصبحت تتم في بنيات تواصلية خارج المجتمع و بعيدا عن هياكله الثقافية المحلية و رقابتها , لكن على خلاف ما كان منتظرا خاصة و أن عمليات التثاقف هي عمليات تبادلية من شأنها أن تغني الثقافات البشرية و التجربة الانسانية و تنوعها , سارت العمليات التثقيفية في مسار أحادي بحيث أصبحت هذه العمليات لا تقوم سوى بإنتاج و تصدير نماذج و قوالب قيمية و ثقافية مرتبطة ارتباطا بالحضارة الغربية المهيمنة و بقيمها المادية الرأسمالية و الليبيرالية حيث شيوع الفردانية و المصلحة الشخصية و الاستهلاك و التحرر والبحث عن اللذة و الترفيه و الجشع الاقتصادي و الاستغلال الاجتماعي , فهل ستنتهي الثقافات تماما داخل هذه الانماط و القوالب الثقافية و القيمية الغربية كما تحدث عن ذلك فوكوياما و هل من سبيل للحيلولة دون حدوث ذلك ؟

مما لا شك فيه أن أغلب المفكرين و الكتاب العرب و المسلمين , لم تنقصهم النزاهة الفكرية حين تمثلوا هذا المعطى البحثي المتعلق بتأثير العولمة على الثقافة المحلية و لم تعوزهم الموضوعية المطلوبة و المنهجية العلمية السليمة فبالرجوع إلى أغلب كتابات المفكرين العرب و المسلمين في هذا الشأن , نجد أنها استطاعت تمثل المعطى بشكل كاف و بشكل علمي منهجي , لكن المشكل لم يكن في تمثل الموضوع بل في طرحهم للحلول في إطار رؤيتهم لكيفية التعامل مع العولمة الثقافية , فالغالبية العظمى من الرؤى التي عبر عنها هؤلاء الكتاب و المفكرون هي رؤى ترتبط بتبني خطابات الممانعة الفردية والجماعية و التقوقع الجماعي على المرجعيات , و إلى جانب هذه الأغلبية تبنت الأقلية منهم طرح مسايرة العولمة في كل إفرازاتها , متأثرين بطرح فرانسيس فوكوياما , كما نظر لذلك في كتابه نهاية التاريخ حين تحدث عن الصيرورة الجارفة للتحديث و الحداثة و حتمية انتصار الثقافة و الحضارة الغربية المهيمنة بقيمها المادية الليبيرالية و الرأسمالية .

لكن , ما يلاحظ أن الموقفين معا لم يجيبا عن كيفية التعامل مع العولمة الثقافية و كلاهما لم يتبنى طرح المواجهة و لم يؤسسا لذلك بل تبنيا خيار الهروب منها فالطرح الأول هو فقط خطاب و لا يملك مقومات الحل و لا يؤسس له و يمكن اعتباره مجرد هروب للماضي و للمرجعيات عودة إليها للاحتماء برموزها , هذا الموقف لا يأخذ بعين الاعتبار أنه إن لم تكن العملية تثاقفية تبادلية تتدافع فيها الثقافات و النماذج الثقافية في حلبة صراع الثقافات و الحضارات فهي حتما تثقيفية تسير في اتجاه واحد من فاعل إلى منفعل و من مرسل إلى متلق و أن خاصية المرونة التي تتصف بها المجتمعات تنفي إمكانية الجمود و عدم التأثر و تنفي إمكانية التقوقع على المرجعيات و أن مسار التأثير حاليا يتم في بنيات خارج المجتمعات و لا يمكن التحكم فيها أو حتى مراقبتها , أما الطرح الثاني فهو أيضا هروب من المواجهة لكن إلى الأمام و غني عن البيان أنه قبول غير مشروط بالهزيمة الثقافية و الحضارية و قبول بفقدان الهوية , لكن هل كان هناك من تبنى رؤى أخرى مغايرة لهاتين الرؤيتين ؟

باقتضاب نشير إلى أن هناك فعلا رؤى أخرى حيث يرى بعض المفكرين و هم قلة أن هناك إمكانية لمسايرة العولمة مع الحد من سلبياتها , في حين يرى البعض الآخر أن هناك إمكانية لتصحيح مسارها, فماذا عن هاذين الطرحين ؟

الحد من السلبيات هو في حقيقته , لا يعني شيئا آخر سوى رفض ثقافة العولمة برمتها, هذه الثقافة لكونها مادية رأسمالية و تحررية , فماهيتها أنها ثقافة سلبية بالمنظور القيمي العربي الإسلامي , ما يعني أن طرح سلبياتها هو طرحها هي بذاتها وهي الإمكانية المتعذرة, لذلك فإن هذه الرؤية تتسم بعدم الوضوح الفكري ، أما بخصوص الطرح الآخر الذي يقول بإمكانية تصحيح مسار العولمة , فهو طرح غير واقعي , فماذا يعني تصحيح المسار , هل يعني ذلك قلب مسار التثقيف من الدول العربية إلى الدول الغربية فهل هذا ممكن و بأية إمكانيات إعلامية و بأية لغة و بأي نماذج ثقافية .... ؟

ليس السؤال كيف نتقوقع أو كيف نستسلم أو كيف نحد من السلبيات أو كيف نغير المسار , فمسار التثقيف العالمي هو أحادي و الذي لا يؤثر يتأثر , و المجتمعات سائرة في مسار العولمة كصيرورة تاريخية , لكن السؤال هو كيف يمكن للثقافات المحلية في ظل هذا الوضع الجديد غير المعتاد أن تعود قادرة على القيام بدور التشكيل الثقافي بدمج العناصر الخارجية في ثقافتها المحلية لكي تستطيع التحكم في مسار التطور الثقافي لإنتاج خصوصيات ثقافية بهوية و بقيم محلية تساير التطور ؟ و بصيغة أخرى كيف يمكن خلق منظومة ثقافية محلية قوية, قادرة على استيعاب تعارض الثقافة و القيم الخارجية مع القيم و الثقافة الداخلية و تعمل عل تشكيلهما لتدمج الخارجي في المحلي لتعيد توزيعهما ؟ فأية إمكانية لذلك ؟

الجواب عن سؤال الإمكانية هو في عمومياته ليس صعبا , فباعتبار وسائل الإعلام و الاتصال كناشر أساسي للثقافة , فالتوظيف القوي الممنهج لوسائل الإعلام على الصعيد المحلي , سواء تعلق الأمر بوسائل الاعلام الالكترونية أو الورقية أو القنوات الفضائية , ينضاف إليها توظيف وسائل الاتصال من شبكات التواصل الاجتماعي و تطبيقات الهواتف الذكية و ما إلى ذلك , هو أمر كفيل بالثأتير و الدفع في هذا الاتجاه و بالتالي فالإعلام المحلي قادر على إنتاج ثقافة محلية قوية موازية للثقافة العولماتية و من تم فإن التشكيل الثقافي بدمج الثقافة الأقوى للثقافة الأضعف هو أمر ممكن , لكن هل تستطيع وسائل الإعلام العربية و المحلية القيام بهذا الدور ؟

كمسلمة نؤكد بداية بأنه إذا كانت وسائل الإعلام المحلية تعاني هي نفسها من الاختراق الثقافي و إذا كان إنتاج و تصدير المنتج الثقافي الإعلامي تحتكره شركات عالمية غربية , فإن النتيجة لن تكون سوى تعذر عملية التشكيل الثقافي , لكن لحسن الحظ ,فالوضع محليا ليس كذلك , فقد كان لتحرير الفضاء الإعلامي محليا تأثير على الثقافة المنتجة و المصدرة كما و نوعا , فبعض وسائل الإعلام العربية , قد استطاعت أن تفرض نفسها في المشهد المحلي العربي و تبنت خطابات محافظة و مغايرة للخطاب الغربي , كما أن اهتمامات رواد الشبكات الالكترونية الاجتماعية و على رأسها الفايسبوك , قد مرت من مرحلة عدم وضوح المعالم إلى المرحلة المحلية القطرية و أهمية هذه الشبكات في تشكيل الوعي الجمعي و الثقافة الجمعية محليا ,هي من القوة بمكان و لم تعد محل تشكيك, و ينضاف إلى ذلك أن انتشار المواقع الإخبارية و الإعلامية و التثقيفية الإلكترونية المحلية , قد شكل مصدرا مهما من مصادر التوجيه و التثقيف المجتمعي المحلي, لذلك فإن تعزيز دور و تأثير وسائل الإعلام على الصعيد المحلي هو ما سيجعل من الثقافة المحلية المستقبلة , ثقافة قوية مقارنة بالثقافة الواردة و هو ما سيمكنها بذلك من استيعاب و دمج العناصر الثقافية الخارجية المعارضة و تشكيلهما في قالب محلي و إعادة توزيعهما في مسار تطوري ثقافي عصري لكن بخصوصيات محلية .






أضواء على تاريخ ومكانة الحركة العمالية واليسارية في العراق،حوار مع الكاتب اليساري د.عبد جاسم الساعدي
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مطالب اليسار المغربي بالملكية البرلمانية و سؤال الإمكانية
- الفيزياء و إشكاليات ما قبل الانفجار العظيم
- وقفة في حدود العلم - ماقبل الانفجار العظيم -
- الحقيقة ما بين التكون الذاتي و الخلق
- الحياة بين الحقيقة المادية و اللامادية
- الاشتراكية التوزيعية كخط ثالث
- هل تتواجد الكرة الأرضية داخل إحدى الثقوب السوداء ؟
- قراءة في تاريخ الإسلام المبكر – الجزء الثاني – الديانات في ا ...
- قراءة في تاريخ الإسلام المبكر- الجزء الأول – من إثباتات وجود ...
- هل تستطيع الأحزاب اليسارية المغربية اختراق دائرة الواقع السي ...
- الانطلاق من الصفرية و فشل محاولة الفيزياء الكمية لتفسير نشأة ...
- عقلنة الحقل الديني – إشكالية تحديد المجال -
- موقف الاتحاد الافريقي من الحق في تقرير المصير في علاقته بمبد ...
- شخصنة الحكم و السلطة ورم من أورام الدولة
- الأحزاب الاشتراكية المغربية و التغييرات المفاهيمية
- ما بعد المحاولات الفلسفية لتفسير الوجود - مقاربة خاصة -
- على ضفاف مفهوم الديموقراطية
- الاصلاح السياسي كمفهوم و كضرورة
- تشييء الانسان
- مساحة الفراغ بين الواقع و الإدراك


المزيد.....




- فاوتشي: ضعوا كماماتكم جانباً عند الخروج إذا تلقيتم اللقاح با ...
- مصدر لـCNN: الجيش الأمريكي يسحب 120 عنصراً من إسرائيل
- مصدر لـCNN: الجيش الأمريكي يسحب 120 عنصراً من إسرائيل
- وزير استخبارات إسرائيل: اتفقنا على رفض أي مقترحات بشأن وقف إ ...
- ديفيد كاميرون يمثل أمام لجنة برلمانية في قضية -غرينسيل-
- الحكومة المصرية تحذر المواطنين.. والكشف عن حقيقة وجود سلالة ...
- مستوطنون إسرائيليون يدعون لمهاجمة الفلسطينيين في مدينة اللد ...
- الأردن يوجه رسالة إلى مجلس الأمن بخصوص القدس
- شاهد: لحظات صادمة مرت بها مراسلة توقعت على الهواء انهيار برج ...
- شاهد: كيف تحولت كينيا إلى وجهة رئيسية لتجارة الهيروين؟


المزيد.....

- المثقف السياسي بين تصفية السلطة و حاجة الواقع / عادل عبدالله
- الخطوط العريضة لعلم المستقبل للبشرية / زهير الخويلدي
- ما المقصود بفلسفة الذهن؟ / زهير الخويلدي
- كتاب الزمن ( النظرية الرابعة ) _ بصيغته النهائية / حسين عجيب
- عن ثقافة الإنترنت و علاقتها بالإحتجاجات و الثورات: الربيع ال ... / مريم الحسن
- هل نحن في نفس قارب كورونا؟ / سلمى بالحاج مبروك
- اسكاتولوجيا الأمل بين ميتافيزيقا الشهادة وأنطولوجيا الإقرار / زهير الخويلدي
- استشكال الأزمة وانطلاقة فلسفة المعنى مع أدموند هوسرل / زهير الخويلدي
- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جلال مجاهدي - التشكيل الثقافي كآلية لمواجهة أحادية ثقافة العولمة