أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد عصيد - عندما يعتلي الجهلُ منابر المساجد














المزيد.....

عندما يعتلي الجهلُ منابر المساجد


أحمد عصيد

الحوار المتمدن-العدد: 5750 - 2018 / 1 / 7 - 17:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما نتأمل في الأساليب التي يعتمدها المدافعون عن اللغة العربية، والمنادون بحمايتها والنهوض بها وتطويرها، نشعر بامتعاض ممزوج بالشفقة، امتعاض بسبب الوقت الثمين الذي يضيعونه في ترويج الخرافات والأوهام، والشفقة عليهم لاضطرارهم إلى اللجوء إلى أساليب غير شريفة عوض الاستقواء بالعقل والمعارف العلمية.
لسنا ضدّ الدعوة إلى النهوض باللغة العربية لأنها لغة نستعملها ونفكر بها ونكتب، وهي جزء من حياتنا الثقافية والأدبية في بلدنا المغرب، بجانب لغتنا الأمازيغية الأصلية، كما نتمنى النهوض والنماء لكل اللغات، ونتألم عندما يعلن خبراء اللسانيات في العالم عن انقراض لغة ما بوفاة آخر متحدث بها، ونتعجب لعدم اكتراث الناس باندثار جزء من الإرث البشري في بقعة من بقاع الدنيا. لكن احترامنا للغة ما لا يعني أن نتقبل الشعوذة اللفظية التي يقوم بها البعض باسم الدفاع عن العربية.
في الأسابيع الأخيرة فقط اعتمد المدافعون عن العربية أسلوبين غريبين غاية الغرابة، ينبئان عن فراغ فكري وقلة نزاهة ملفتة للانتباه، فمن جهة تقدم برلمانيون من حزب المصباح بمقترح قانون فاشستي يدعو إلى تجريم استعمال لغات أخرى غير العربية، دون التفات إلى الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، ودون احترام للدارجة المغربية التي لا يتحدثون إلا بها في الحملات الانتخابية وفي مساعيهم لاستقطاب المزيد من المريدين والأتباع، ودون احترام للغات الأجنبية التي ينفقون هم أنفسهم على أبنائهم الكثير من الأموال لإتقانها. ومن جهة ثانية انبرى ثلة من خطباء المساجد للذود عن لغة الضاد بأساليب مضحكة تجعلنا نتساءل عن سلامتهم العقلية وصحتهم النفسية، حيث أكد أحدهم ـ وهو دكتور في اللسانيات ( !!) ـ على أن جميع اللغات ستنقرض ومنها اللغة الانجليزية، وأن اللغة الوحيدة التي ستبقى مستقبلا هي اللغة العربية، وقد شاءت عبقرية هذا الألمعي بأن تبتكر قصة طريفة مفادها أن الدول العظمى ومنها أمريكا مُجدة حاليا في نقل كل تراثها وعطائها الحضاري إلى العربية التي ستبقى خالدة لوحدها على الأرض، وأن هذا يتم في مخطط سري لا يعلم به أحد، (ما عدا صاحبنا وحده بالطبع). هل هناك جهل أكثر من هذا ؟
وبما أن الأمر هنا يتعلق بحالة نفسية لا غبار عليها، فإن التحليل النفسي لها يعطينا ما يلي: فشل المسلمون في جعل العربية لغة علم في عصر انفجرت فيه المعارف بشكل لم يعودوا قادرين حتى على تخيله، بله الإسهام فيه، ولكي يقوموا بالتعويض النفسي المطلوب منحهم الخيال إمكانية الانتقام من تخلفهم باللجوء إلى الأسطورة ، تماما كما فعل الإنسان القديم في العصور البدائية . وأعتقد أنه لا جدوى من البحث عن تفسير آخر لمثل هذه البهلوانيات.
"دكتور" آخر ورئيس مجلس علمي ينتمي لنفس التيار الديني، قال وهو يتحدث من أعلى منبر المسجد أيضا، بأن هناك خصائص في اللغة العربية لا توجد في أية لغة أخرى في العالم (كذا)، وإذا علمنا أن في الهند وحدها 300 لغة، لا يعرف منها "الدكتور" ولو كلمة واحدة، حق لنا أن نتساءل عن هذه العبقرية الفذة التي جعلته يجزم بشكل ماحق باستحالة وجود ظواهر لغوية في غير العربية، هذا مع العلم أن العربية هي اللغة الوحيدة فعلا التي يعرفها الفهامة المذكور، ما يفسر موقفه الكاريكاتوري.
وفي إذاعة خاصة أطلقها أحد سائقي التاكسي سمعت محدثا آخر يقول إن عظمة اللغة العربية تتجلى في ثباتها، حيث أنها لم تتغير منذ قرون بينما كل اللغات الأخرى تتغير وتنقلب من حال إلى حال، وتبقى العربية ثابتة لا تتغير، وهذا دليل قوله تعالى "إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، فبقاء العربية ثابتة هو في صالح الإسلام لكي يفهم الناس الدين. هل هناك درجة في الجهل أعلى من هذه ؟
ومن الجارة الجزائر جاءتنا نكتة أخرى عبر الواتساب، يتداولها المغاربة في غير قليل من الاستغراب هذه الأيام حيث اعتلى خطيب آخر منبر مسجد هناك، ليردّ على المظاهرات التي أشعلت الشارع الجزائري بسبب التصويت الغبي للبرلمان ضد تدريس اللغة الأمازيغية لجميع الجزائريين، ولكي يقنع الأمازيغ بالاكتفاء بالعربية لغة لهم قال إن عظمة هذه اللغة إنما تتجلى في حركاتها في نهاية الكلمة ، حيث نقول "ذهبت إلى المدرسةِ" (بكسر التاء)، "أحبّ المدرسةَ" (بفتح التاء) و"المدرسةُ (بضم التاء) بجانب بيتي"، بينما لا تتوفر اللغة الانجليزية على هذه الحركات في نهاية كلماتها مما يدلّ طبعا على أنها لغة قاصرة وليست في مستوى العربية. أليست هذه غاية الجهل ومنتهاه ؟
من حق المدافعين عن العربية أن يطالبوا بحمايتها (وإن كان لفظ "الحماية" يطلق عالميا على اللغات المهدّدة بالانقراض)، ولكن عليهم أن يراعوا بأن المجتمع المغربي قد بلع المقادير الكافية من الأوهام والخرافات والأساطير على مدى العقود المنصرمة، وليس بحاجة إلى مزيد منها، وعليهم في انتظار أن تقوم الدولة بما يطالبون به من تحمل مسؤولياتها تجاه اللغات الوطنية، أن يحرصوا هم أنفسهم على جعل العربية ناقلة للمعارف المفيدة والآداب الجميلة والأفكار النيرة، وإلا فسيكونون البادئين باغتيالها والإساءة إلى سمعتها.



#أحمد_عصيد (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا لا يحسن المسلمون الدعاية لرأس السنة الهجرية ؟
- نهاية مقامر
- القدس عاصمة الديانات الثلاث، ينبغي أن تكون منطقة دولية
- مقترح قانون حزب العدالة والتنمية بشأن العربية نكوص ذهني متأخ ...
- في الحاجة إلى الفلسفة، ضد العنف والوصاية
- حِجّية الحديث (بصدد النقاش حول البخاري)
- ما الذي يمكن للبهائية أن تقدمه للمسلمين اليوم ؟
- الاعتراف بالتعددية الدينية وحرية الضمير من أوليات الحياة الد ...
- وحدة العراق، مطالب الكُرد، وموقف الحركة الأمازيغية
- معاني الدولة، السلطة، والوطن
- أي مغرب نريد ؟
- الشعور الوطني والنشيد الوطني
- الاقتتال بسبب الدين من مظاهر غباء البشر وانحطاطهم
- التحرش الجماعي الأسباب والأبعاد
- لماذا لا تنفع انتفاضات الشارع في تغيير واقعنا ؟
- جمعيات -الطابور الخامس-
- -الاستثناء المغربي- هل يخون نفسه ؟
- عود على بدء
- حياد المساجد هو الذي يقي من الفتنة
- الفلسفة في درس التربية الإسلامية


المزيد.....




- -كأنه انفجار قنبلة-.. كاميرا رجل ترصد مياه فيضان تخلع بابًا ...
- شاهد: تراجع حدة عاصفة نورو الاستوائية
- خبراء أمريكيون: بوتين هو من أمر بالانسحاب من ليمان
- المكتب السياسي لحزب الوحدة الشعبية: بعد تفاقم الأزمة نحن بحا ...
- موسكو: تصرفات الناتو في القطب الشمالي قد تسفر عن مواجهة عسكر ...
- لافروف: لا يوجد لغة مشتركة مع العنصريين
- تصفية 200 عسكري أوكراني بمحور كراسني ليمان
- إحباط عملية تفخيخ سكة حديدية في جمهورية روسية وتصفية منفذيها ...
- وسط قلق دولي من عدم تمديد هدنة اليمن.. الرياض تتهم الحوثيين ...
- الحرية للمجهولين| 3 رسائل لـ”درب”: افرجوا عن ولادنا المحبوسي ...


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد عصيد - عندما يعتلي الجهلُ منابر المساجد