أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - العياشي الدغمي - أطلال ذاكرة -5- الهروب




أطلال ذاكرة -5- الهروب


العياشي الدغمي

الحوار المتمدن-العدد: 5699 - 2017 / 11 / 15 - 23:07
المحور: الادب والفن
    


أطلال ذاكرة -5-
الهروب ...
دخلت القسم (قاعة الدرس)، ورافقتني دهشتي وأسئلتي، ومعها آلام وحرارة الصفعة، التي لازالت تسري بمفعولها على خدي وفي عروقي. كان القسم عبارة عن فضاء به أطفال هم من نفس سني، وهيأتي وبنيتي الجسدية النحيلة، ولربما يحملون نفس همومي وآلامي وآمالي، التي لا تختلف عن آلام وآمال أي طفل قروي، كل عالمه معاناة وضجر وإقصاء وحرمان، حرمان مادي والأسوأ منه ذاك العاطفي، حيث الجميع يقمع، ويضرب ويربي بلا تربية .. الأب يضرب والأم تضرب والجد يضرب والعم، والجار والجدة والعمة طبعا، والآن جاء دور المعلم. نعم الجميع يتخذ منه موضوعا للضرب والسلخ، موضوعا لتفريغ همومه إلم نقل مكبوتاته باسم التربية ... إن هذا هو ما تفصح عنه -وبالوضوح اللازم- وجوه هؤلاء الأطفال-أشباه الأطفال. أمامي وجوه ملئت نذوبا (رموشا وخدوشا) نحتت على محياها خريطة الزمن القاصي، ومفاتيحها من آلام وأوجاع وحرمان... هذا يحمل نذوب أشواك لفحتها أشعة الشمس، فجعلت منها جزءا من وجهه وهويته وأناه، وتلك تحمل خدوشا على جبينها زركشت صورتها وخلقت منها نصف إنسان وما تبقى جان .. نعم هكذا صرنا نصف ونلقب بعضنا البعض، بناء على نصيب كل واحد منا من نذوب الوجه ومخلفات القهر على محياه؛ فهذا "المرموش" وهذا "الجن" وتلك "المهيوقة" وذاك "زليكة"، والآخر "المعضوض" وذاك "بروطو" (رحمه الله)، والأخرى "لمشعككة". نعم المشعككة وهي صفة ملازمة للكثير والكثير من فتيات القرى المحرومات، اللاتي لا يقمن أو لا يستطعن -إن صح التعبير- تصفيف شعرهن المخبل، والممتلئ غبارا وقشا، إلم يتخذ منه القمل مسكنا في كثير من الأحيان ...
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
لا يهم، لقد وجدتني داخل القسم، مدفوعا بتأثير الصفعة وقوة صرخات صاحبها وتوجيهاته -عفوا- أوامره الصارمة، بدخول الصف والجلوس والانضباط وعدم التحرك، والتجمد في المكان كما باقي الأصنام-الأطفال-التلاميذ. كانت تلك أول مرة أجدني فيها مرغما على الجلوس في مكان غريب، مع أطفال غرباء-وإن تشاركنا نفس المظهر والملابس وحتى الهموم والندوب والقمع- مرغما على السكوت والسكون والجمود، فقط النظر والنظر لا غير. تقدمت بخطى ملئها التردد والتعثر والخوف، نحو مكاني بين الصفوف، لأكتشف عالما مجهولا ومظلما ظلمة وسواد رأس عمتي الأشعث، فعلا وجدتني أمام ما لم أجدني أمامه وأنا أحلم وأتهيأ ليوم بلوغي المدرسة، والتحرر من الأبقار... جلست وحيدا في آخر طاولة في الصف الأيسر للقسم، حيث يعم الصمت، صمت يطبق على الأجواء اللهم بعض النظرات تلوح من هنا وهناك، مصدرها عيون لؤلؤية يجتاحها الخوف والترقب، ممزوجا ببراءة طفولية اغتصبها الفقر والقهر والقمع... فجأة تكسر هذا الصمت ببعض من الهمسات بين الأطفال-التلاميذ، همسات مترددة تجاهلت أوامر الآمر الناهي آنذاك. استمر الجو على ما عليه حتى راودتني فكرة الهروب. نعم الهروب من الفضاء وضوابطه وقوانينه ووطأته وغرابته، نعم لقد قررت أن أهرب، لكن وكيف لا أهرب وأنا لا اعرف ما ينتظرني أو كيف ينتظرني بعدما حدث، بعدما صفعت وأهنت وأفزعت وبهدلت؟ والأسوأ بعدما وعدت بالمزيد من ذلك، حين قالها ذاك الضخم القاسي ذو الصوت الخشن مرددا : "سير ادخل وتسنى هاني جاي" بمعنى : "اذهب، وادخل القسم وانتظرني إني قادم"، نعم لقد كانت تلك الجملة مضاف إليها جحيم العالم الغريب ذاك أقوى حافز لكي أهرب وأفر...
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
نظرت هنا وهناك، وحددت مساري بدقة بين الصفوف نحو الباب، ثم وقفت وأمام صمت ودهشة الجميع، أطلقت ساقاي للريح، فإذا بنور وأشعة شمس "الكدية" الحارقة، تلفح خداي من جديد، ودون سابق إنذار، وبعيدا عن كل حسبان، وجدتني خارج القسم-العالم الغريب، وسط الساحة، وأتممت مهمتي تلك بالركض نحو الباب الحديدي الضخم من حيث ولجت المدرسة لأول مرة، وإذا به عال وشامخ وموصد بقوة حديدية أمام إرادتي وهدفي، فأفقدني زخمي واندفاعي وأوقفني بسرعة هي نفسها السرعة التي أقلعت بها وانطلقت من القسم.. حاولت أن أتسلقه كي أسقط خارجا نحو الحرية من جديد، وأنا أحاول بقامتي القصيرة وبنيتي النحيلة، فإذا بها تلك اليد البنية المائلة نحو السواد، تمسك بساقي، والأخرى بنفس اللون والحجم والصلابة تمسك بكتفي المتهالك النحيل والضعيف والهش، توقف حينها جريان الدم في عروقي وتجمدت لحظة من لحظات عمري للأبد، كما تجمد نظري إلى الأعلى ومعه فكري إلى الخارج وتسارعت دقات قلبي إلى الأقصى. شعرت حينها بمعنى الهزيمة وتذوقت مرارة الفشل، إنه نفس المعنى الذي يمكن أن نطلقه بجدارة واستحقاق على مفهوم "الحصلة".. نعم لقد "حصلت" أو بعبارة أخرى : تم الإمساك بي متلبسا، لكن من طرف من؟ من عساه يكون هذا الذي أمسك بي وأجهض محاولتي للتحرر من جديد؟ ولمن عساهما تكونان هاتان اليدان البنيتان السوداوان اللتان أمسكتا بي ووقفتا في طريق هروبي؟ أهو الحظ السيء من جديد أدرك بأني سأهزمه؟ أهو "نحس" عمتي يرافقني حيث أقمت أو وليت؟ لا تهمني هاته الأسئلة الآن .. المهم هو القادم .. هل سيرجعني لأسمع صراخ ذاك الخشن؟ أسيصفعني من جديد؟ يا إلهي لماذا أنا بالذات؟ ولماذا هنا؟ ومع هؤلاء الغرباء؟ لقد سئمت ونال مني الخوف ...
+++++++++++++++++++++++++++++=+++++++++++++++++++++++
"انزل، انزل، بشوية عليك، عنداك لحديدة، مالك شكون جرى عليك؟ فين غادي؟ شكون نتا؟ عندمن كتقرا؟" تقاطرت أسئلته هاته كالأمطار العاصفة المصحوبة بريح هوجاء في ليلة مظلمة، لا نور وطعام ولا دفء فيها اللهم حرارة الصفعة من يد ذلك الخشن، مازالت تلفح خدي. إنه "البواب اعمر ولد امحلة" القاطنة بقلب المدرسة رفقة أختها "ميرة" يسهرون على أمن وسلامة معداتها، ويحضرون الشاي للمعلمين والمطعم للتلاميذ... "اطلقني لمك" (أتركني أمك)، كانت أولى كلماتي ردا على أسئلته تلك، إنها عبارة نسمعها صباح مساء، بل نعيشها في كل لحظة من لحظات حياتنا القروية تلك، يقولها الأب والأم والأخ والجار والعم والمعلم والعمة طبعا، إنها لازمة لخطاب عنيف موجه قصد إخافة والسيطرة على الخصم، وتطويعه -إلم نقل القضاء على إرادته- والتحكم فيه وإخضاعه، وتكون مصحوبة عادة بلفظ "دين" لتعطينا اللازمة كاملة "دين مك" أو "مال دين مك" أي؛ (وما شأن دين أمك في هذا) .. "شنو قلتي؟" ماذا قلت؟ أجابني متسائلا بصوت يغلب عليه طابع القوة والاستغراب والدهشة، لقد أوضح لي رد فعله ذاك أنه استاء كثيرا لجوابي، فغيرت مضطرا من أسلوبي واستنجدت بأسلوب المظلومية والتباكي؛ أي "قلبتها تعوريط" : "الله يرحم ميمتك يلا ما خليني نمشي فحالي" "بغيت نمشي". حينها نالت منه خطتي الجديدة وأتى أسلوبي ذاك بثماره الفورية .. "صافي صافي اسكت، ولكن قلي شكون نتا وعندمن كتقرا؟"تساءل من جديد، "يلاه جيت ليوما نقرا وباقي معرفتش شكون لموعاليم" أجبت، واستأنفت "تعوريطي : لاي يرحم ميمتك يلاما طلقني نمشي فحالي" فأجاب ولكن بصوت أكثر حدة هذه المرة : "يلاه نديك لقيسم ديالك، يلاه نديييك لقيسم ديالك". ارتج قلبي أكثر ما هو عليه آنذاك، وارتفعت درجة حرارتي أكثر وتسارعت ردود فعلي وتلعثم لساني بين أضراسي وبالكاد عقبت : "لققق لقيييييسسسم"، "شنو كتقول؟" رد علي، فاستجمعت ما تبقى لي من قوة وطاقة وأجبته : "لا لا منرجعش لقيييسم بغيت نمشي فحالي لايرحم مميمتك" وبدأت أبكي فامتزجت دموعي بمخاطي، أي ب "خنونتي" وتسمرت مكاني محاولا ثنيه على فعله ذاك، فإذا به يجرني جرا نحو الداخل من جديد مناديا :"وا ستاذ، وا ستاذ، وا سي صابير، وا سي بوشعيب" أي الزهراوي بوشعيب، وهو نفسه ذاك الرجل الضخم الخشن الطويل الذي صفعني في الساحة، يهابه الجميع، حتى الطيور قالت جدتي ذات مرة، لا تجرؤ على الطيران فوق أجواء المدرسة حين يكون هو حاضرا .. "الطير ما يطيرش أوليدي ملي يكون لبوشعايب في لمدراسة" قالت جدتي بالحرف... فعلا ذاك ما أثبتته تجربتي مع صفعته في ذاك اليوم...
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
"نعام، نعام أسي اعمر / مال هاذاك؟" أجابه بوشعيب الزهراوي لموعاليم، "راني لقيتو غادي هارب، كان غادي ينقز من فوق لباب" رد عليه البواب، وقبل أن يكمل جملته هاته حتى شعر بأن الريح فقط هي ما بقي في قبضة يده، لقد ابتلعتني الأرض وأقفلت بنفس سرعتها تلك. "شد، شد، شد" ردد لموعليم بصوته الخشن وبسرعة ودهشة. نعم لقد أفلت من قبضته وأطلقت العنان لساقاي يمزقان الريح تمزيقا متجها نحو الباب الصغير هذه المرة، باب "لموعلمين" الذي كان يظل مفتوحا في غالب الأحيان، حتى لا أكرر نفس الخطأ سابقا... فجأة وجدتني خارج السور (سور لمدراسة) في الطريق الإسفلتي (لكودرون) كما كنا نسميه سابقا ولازلنا إلى اليوم. وجدتني أركض خلاله طولا تطارد رجل مني الرجل الأخرى، دون أن ألتفت ولو مرة للوراء، أو حتى أفكر في ذلك.. أجري وأجري وأجري، حتى تبين لي أني قد أفلت تماما من هول الفاجعة التي كانت ستحدث حينها. وأنا أصارع أنفاسي المتسارعة وألهث في فزع، قررت أن الأمر قد حسم وأني فعلا نجوت وهربت نحو بر الأمان ... نعم لقد كان برا شاسعا وقاحلا قحولة الخريف حيث وليت نظرك لا شيء غير الغبار والأتربة الحمراء الصدئة صدأ حظي العاثر في ذاك اليوم. لا نبات ولا ماء ولا شيء غير أشعة الشمس اللافحة.. يا إلهي، أهذا هو بر الأمان والحرية الذي اعتقدت؟ يا إلاهي أين أنا؟ أين المنزل؟ كيف سأعود؟ يا إلهي إني وحيد في هذا الخلاء بلا مسار ولا مصير، أين منزلنا؟ أين أمي؟ أين جدتي؟ أين عمتي والأبقار؟ يا إلهي هذا ما ينقصني، ماذا تريد تلك الكلاب الضائعة هناك؟ لماذا تحذق في جميعها بلا خوف؟ يا ويلي لماذا تقترب نحوي بتلك السرعة؟ ما هذا الذي يقع معي؟ إنني ضائع هنا في هذا الخلاء حيث اللامكان .. يا إلهي "فين أنا" أأجري؟ أأهرب من جديد؟ "ناري ميمتي واقيلا تلفت" ... (يتبع)
العياشي الدغمي، المغرب، الزمامرة، 14 نونبر 2017




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,244,089,901
- إسلام التعدد أم تعدد -الإسلامات-؟ ... -الإسلام بين إرادة الل ...
- أطلال ذاكرة -4-
- من أنا إذن؟ كذب ديكارت إذ قال أنا شيء يفكر..
- هل ولى زمن النقابات .. وجاء دور التنسيقيات الفايسبوكية؟
- أطلال ذاكرة...(2)
- أطلال ذاكرة ... (3)
- أطلال ذاكرة (1)
- درستك يا جلادي ... نعم درست وعلمتك
- من الضحية -عفوا الأضحية- ...؟
- هاهاهاهاهاهاهاها قاليك شديناهم كيتباوسوا .... .
- يجب ألا نخشى السؤال...
- إلى كل من ...
- كن إنسانا... كن إنسانا... كن إنسانا...


المزيد.....




- فيلم -الطيب والقبيح والشرير- .. تحفة سينمائية بطعم الدماء وا ...
- استمرار الاحتجاجات في إسبانيا على اعتقال مغني الراب بابلو ها ...
- كتاب يدقق في -تجليات الغيرية- بالثقافة العربية
- مغامرة الحداثة الأدبية بين المغرب وفرنسا.. الشاعر عبد اللطيف ...
- كواليس -شديدة الخطورة- لفيلم براد بيت الجديد مع جوي كينغ... ...
- -المقترح اللقيط- والصراع على المناصب والدواوين ..لحيكر يخرج ...
- الأصالة والمعاصرة لوزير الداخلية : تخليتم عن الحياد لصالح رئ ...
- الرئيس الفنزويلي مازحا بعد تلقيه -سبوتنيك V-: قد يعلم متلقيه ...
- ما المقولات الأدبية المفضلة لدى الرئيس الصيني... فيديو
- نوران أبو طالب للأهالى : الإنترنت ساعد على إنتشار الأغنية ال ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - العياشي الدغمي - أطلال ذاكرة -5- الهروب