أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - ليبيا إلى أين تتجه ...قراءات تاريخية...وسيناريوهات مستقبلية















المزيد.....



ليبيا إلى أين تتجه ...قراءات تاريخية...وسيناريوهات مستقبلية


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 5594 - 2017 / 7 / 28 - 15:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ملاحظة :
تم نشر مختصر المقالة في صحيفة رأي اليوم الالكترونية بتاريخ 21‏/05‏/2016 تحت عنوان إلى أين تتجه ليبيا؟ ، ولم يتم نشر المقالة كاملة لأسباب خاصة، بالتالي نأمل أن يُؤخذ في الحسبان السياق التاريخي الذي كتبت فيه المقالة عند عملية القراءة والتقييم.
أصبح البحث عن إجابات لهذا التساؤل هاجس كل الليبيين بعد الحراك المجتمعي عام 2011م، والذي أطاح بالنظام السياسي لمعمر القذافي، ويزداد هذا التساؤل عمقا وترددًا مع الحديث عن أي أحداث أو صراعات تحدث في ليبيا، لدرجة أن البعض أصبح يتهكم على الوضع في ليبيا بالقول بأن ليبيا اصطدمت بحائط ! ويقصد بذلك بأن الوضع وصل إلى نهاية مسدودة.
في الحقيقة لا ندعي بأننا نتملك إجابات لهذا التساؤل، لكننا سنحاول في هذه المقالة رسم إطار نظري، نستطيع من خلاله الولوج إلى إجابات لذلك التساؤل، ولنكتشف تلك الظلال القاتمة التي يمكن أن يكون في طياتها إجابات التساؤل المطروح، وذلك خلال تشخيص مرحلة ما قبل سقوط النظام السياسي السابق، ومرحلة ما بعد سقوطه، وصولًا إلى اتفاق الصخيرات، ودخول حكومة الوفاق الوطني إلى طرابلس.
و تبرز أهداف هذه المقالة العلمية وفقاً لجملة من الاعتبارات التالية:
 تسليط الضوء على أسباب الحراك المجتمعي في ليبيا .
 توضيح أهم المحددات ما قبل سقوط النظام السياسي السابق.
 توضيح أهم المحددات ما بعد سقوط النظام السياسي السابق
 توضيح أهمية العامل الخارجي في الأحداث والصراعات الحاصلة في ليبيا.
 الولوج إلى عمق الأحداث؛ بغية توسيع دائرة المعرفة.
 محاولة التنبؤ بمجريات الأحداث في ليبيا من خلال إعمال المخيلة السوسيولوجية.
في الواقع هناك أيضًا عدد من التساؤلات تطفو على سطح الأحداث في ليبيا، وهي مرتبطة بالتساؤل المحوري لهذه المقالة، ولعل أهم تلك التساؤلات، هي :
 ما أهداف ذلك الحراك المجتمعي؟
 ما المنافع التي تحصل عليها المواطن جراء إسقاط النظام السياسي السابق ؟
 ألم يكن من الأفضل إبقاء ذلك النظام بالرغم من عيوبه ودكتاتوريته، وذلك من أجل التمتع بالأمن والاستقرار؟
 هل كان ذلك الحراك بدوافع خارجية؟
 ما قواعد اللعبة في ليبيا بعد سقوط النظام السياسي ؟
 من هم الفاعلين الأساسيين في المشهد الليبي؟
 ما الرؤية المستقبلية للوضع في ليبيا؟
وإذا أضفنا إلى كل التساؤلات السابقة حقيقة أخرى، وهي أنه طالما لم نتوصل إلى إجابات واضحة ومحددة لتلك التساؤلات، فمعني ذلك أن هناك خطأ أو نقصًا في التشخيص، ومن ثم هناك حاجة إلى إعادة التشخيص، والإحاطة بكل الأبعاد، والنفاذ إلى أعماق الأعماق بغية إزالة اللبس، وإعادة الترتيب، والمراجعة، ولهذا سوف نحرص في هذه المقالة على تشخيص وفحص الواقع الليبي، والذي سيبدأ بطرح عدد من المحددات المهمة في مرحلة ما قبل سقوط النظام السياسي، وما بعده، والتي تهدف إلى الوصول إلى إجابات للتساؤل المحوري لهذا المقالة، وهو: إلى أين تتجه ليبيا ؟ إضافة إلى البحث عن إجابات للتساؤلات التابعة لها.
وقبل الخوض في التفاصيل هذه المقالة ، لابد أن نتفق بأننا في حاجة إلى تحـديد بعض المفاهيم التى لها علاقة بطبيعة الحدث الحاصل في ليبيا بدايات العام 2011م، لتتناسب وتتفق مع طبيعة المجتمع الليبي، ليتم بعد ذلك التعامل معها للوصول إلى إجابات للتساؤلات المطروحة، حيث سيلجأ الباحث إلى استخدام بعض المفاهيم الخاصة مما يستدعي بالضرورة توضيح معانيها ومدلولاتها، وأهم تلك المفاهيم :
 الحراك المجتمعي :
القدرة على الفعل لبعض أفراد المجتمع بالانتقال بالمجتمع من حالة السكون والجمود إلى حالة التغيير، كما أن الذين قاموا بالحراك هم مجموعة أفراد قاموا بعمليات التعبئة والحشد للسعي إلى إسقاط النظام السياسي، منطلقين من هدف عام وهو" الشعب يريد تغيير النظام"، دون وجود تأطير فكرى لذلك التغيير، كما يفتقر الحراك إلى وجود قيادة سياسية منظمة له.
أهم المفاهيم المستخدمة في هذه المقالة
 المحددات :
عبارة عن مجموعة من الحقائق يتم تحديدها وتوضيحها وفقًا لسياقها التاريخي بهدف الوصول إلى نتائج محددة.
 قواعد اللعبة :
هي مجموعة من القواعد ‏والشروط يخضع لها أطراف الصراع، ولكل طرف له تقديراته الخاصة، ويضع خططه اتجاه تلك القواعد والشروط ، كما أن تلك القواعد والشروط قد تطرح أمام أطراف الصراع فرصا تساوى الاقدام دون أن تكون لديهم تأكيدات تضمن النتائج.
 العامل الخارجي:
الدور أو الأدوار التي تقوم به بعض الدول أو المنظمات الدولية في الصراع داخل البلد، ويأتي هذا الدور من خلال القيام بطرح مبادرات سليمة لتقريب وجهات النظر ما بين أطراف الصراع، أو تقديم الدعم والمساندة لطرف من الأطراف، كما يأتي هذا الدعم والمساندة في شكل دعم عسكرى أو اقتصادى أو إعلامي أو دبلوماسي أو غير ذلك.
 الحرب الأهلية
صراع عسكري وسياسي بين فريقين أو أكثر ضمن البلد الواحد ويتضمن معايير الصراع الحرب على الهوية أو على السلطة والزعامة، أو على الموارد الاقتصادية.
 الفاعلين الأساسيين
هي القوى الفاعلة في الصراع سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي، فأما على المستوى الداخلي فتمثل بعض التيارات السياسية أو التشكيلات المسلحة أو بعض المدن أو بعض القبائل، أما على المستوى الخارجي فتمثل بعض الدول أو منظمات دولية وتحديدًا الأمم المتحدة، وبإمكان بعض هذه القوى فرض توجهاتها على البعض الآخر، وحركة هذا الخليط وتفاعله هي التى تخلق المناخ العام داخل البلد.
أهم محددات ما قبل سقوط النظام السياسي السابق:
إننا إذا أمعنا النظر في ملامح الصورة للنظام السياسي السابق في مرحلة ما قبل سقوطه، فسوف تتكشف لنا عدد من المحددات، أهمها :
 أن الأحداث التي حصلت في ليبيا تحديدًا العام 2011م، هي عبارة عن حراك مجتمعي، لكنه لا يستند إلى أي مرجعية فكرية، كما أنه يفتقر إلى وجود قيادة سياسية، وهو أقرب إلى مفهوم الخروج على الحاكم منه إلى مفهوم الثورة.
 أن الحراك المجتمعي جاء نتيجة فشل النظام السياسي السابق في تلبية احتياجات المواطنين في لقمة العيش الكريمة، وحكم القانون العادل، مما أدى إلى تآكل شرعيته، واتساع الفجوة بينه وبين الشعب هذا من جانب، كما أدى من جانب آخر إلى تنامي الوعي بهذه الاحتياجات بسبب ثورة الاتصالات والتواصل العالمي، وبالتالي اقترن وجود تلك الأسباب مع حالة من تعميق الوعي المجتمعي، وإدراك ما يدور من حولها في العالم، وإدراك حقوقها، كذلك حقيقة النظام السياسي التي بدأت تتكشف فضائحه شيئاً فشيئا، وبالتالي لم يعد النظام السياسي قدرهم المحتوم.
 أن بقاء النظام السياسي السابق في دفة الحكم قرابة الأربعين سنة ونيف، مع القهر الشديد سواء بدعاوى الأمن أو دعاوى الاستقرار، عطل تواصل الأجيال في كل مناحي الحياة في ليبيا، ومن ثم لم تكن قواعد اللعبة تسمح بوجود لاعبين سوى النظام نفسه، حتى أصبح الحكم في ليبيا حكمًا فرديًا لرجل واحد على القمة، يقرأ ويسمع ويشاور ويحاور، وهو في آخر النهار يتخذ قراره بنفسه.
 في الواقع لا يحدث حراك مجتمعي إلا في مناخ داخلي يهيئ له، ويجعل تنفيذه واردًا ونتائجه متوقعة، ومن ثم فإن النظام السياسي السابق هو من أوجد المبررات والدواعي الحقيقة، سواء كانت الاقتصادية، أم السياسية، أم الاجتماعية.
 لعل أبرز مؤشرات انهيار النظام السياسي هي سوء البنية التحتية، وانتشار الفساد والرشوة والمحسوبية، وسوء التعليم والصحة، وانتشار المناطق العشوائية، وحالات الصراع ما بين الحرس القديم وطالبي الإصلاح، كما أصبحت المسافة بين الوعد والإصلاح المطروح في مشروع ليبيا الغد، والوفاء به بعيدًا في ظل تلك المؤشرات، كل ذلك كان تأكيداً على وجود حالات انهيار للنظام السياسي، حيث لم يعد النظام السياسي قادرًا على تنفيذ برامج الإصلاح الداخلي، أو تطوير التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
 ساهم النظام السياسي السابق بإنهاء نفسه بنفسه نتيجة لتبني إصلاحات اقتصادية وسياسية تتعارض وتتناقض مع شروط قيامه واستمراره، مما أدى إلى تناقص مسألة الولاء للنظام السياسي، كما أصبحت مسألة نهاية وسقوط النظام السياسي شيئاً طبيعياً، وحتمياً، ومنطقياً، فأصبح النظام السياسي أشبه (بمحرك)، حيث تدفع بعض أجهزتها إلى الأمام، بينما تدفع به الأخرى إلى الخلف، ومن ثم ساهمت في تعرض محركها للتلف.
 رفض النظام السياسي أي حوار مع مطالب الحراك المجتمعي، وهذا ما يفسر موقف اللامبالاة الذي ظهر في تعامل النظام مع الحراك المجتمعي، ومن ثم أصبحت قاعدة ذاك الحراك في التعامل مع النظام بأنه لا طاعة لسلطة ما إلا بمقدار القبول الاختياري من الأغلبية بها، وإلا بمقدار نزولها هي عند مقتضي إرادتهم، ومن ثم كان المناخ والأجواء كلها آنذاك حالات من الرفض، تَولد عنها غضب شديد ملأ النفوس.
 أن النظام السياسي السابق كان يجهل آنذاك بأن اعترافه بالحراك المجتمعي أصبح ضرورة وحقيقة، كما أن ضرورة الاعتراف بأن هناك مطلوبًا يجب أن يحدث أصبح أيضا ضرورة وحقيقة، وكلاهما أصبحا ضرورات الحق، كما أن تجاهل الطالب – الحراك المجتمعي - والمطلوب –استحقاقات - أدى إلى خلق أزمة، ومن ثم ،عكس الحراك المجتمعي في ليبيا أزمة تطرف نظام سياسي، لا يستطيع أن يرى ضرورات التغيير.
 تراجعت لغة الحوار واستحكمت لغة العنف لدى النظام السياسي السابق، بادئة بحملة اعتقالات واسعة، وبرزت من ثم مخالبه، وطالت أنيابه باسم سيادة القانون.
 جرى الاستعانة بالقوات المسلحة والكتائب الأمنية، كون الشرطة العادية من الأمن المركزي لم تعد كافية لفرض الأمن، وهذا اعتراف بحجم الحراك المجتمعي وخطورته بالنسبة للنظام.
 قام النظام السياسي السابق بمحاولات تخفيف تأثير الدور الخارجي الداعم والمساند للحراك المجتمعي من خلال تقديم تنازلات للأطراف الإقليمية والدولية، حتى وصل تصريح النظام السياسي السابق كون وجوده صمام أمان لإسرائيل.
 أن أي دعم خارجي لا يستطيع أن يفتعل حركة رفض على ذلك النطاق الذي شهدته ليبيا، نعم شهد الحراك المجتمعي تشجيعًا من الخارج في مرحلة من مراحل تطوره، سواء من الدعم الاقتصادي، أو الإعلامي، أو العسكري، ولكن هناك أيضًا دواعي حقيقة دفعت إلى التمرد والخروج على الحاكم، ومن ثم فإن وجود تأثير للقوى الدولية أو الإقليمية في الحراك المجتمعي لا يعني التغاضي عن وجود دوافع داخلية للتغيير، ومن ثم يمكن القول بأن العامل الخارجي لعب دور المُيسر لعملية التغيير، أكثر من كونه المنشئ لها.
وهكذا يتضح لنا من المحددات السابقة، أن الحراك المجتمعي في ليبيا يعتبر حصيلة لمجموعة من الأسباب الداخلية، سواء كانت السياسية، أم الاقتصادية، أم الاجتماعية، أم الثقافية، أم التكنولوجية ،ولكن إلى جانب هذه الأسباب هناك دور للعامل الخارجي في دعم ومساندة ذلك الحراك، الذي يفتقد إلى وجود قيادة سياسية، كما كان يفتقد أيضًا للأهداف الواضحة والمحددة، وفى ظل إخفاق النظام السياسي السابق في التعامل مع هذه المحددات، أو إنكارها، كان لازما أن يؤدي ذلك إلى سقوطه، حيث لم يتعاطَ بشكل جدي مع استحقاقات المرحلة، حيث كان هدفه محاولة الإبقاء على الأوضاع كما هي، أو الالتفاف عليها.
أهم محددات ما بعد سقوط النظام السياسي:
في الواقع أن تجاوز مرحلة النظام السياسي السابق، والدخول في مرحلة جديدة، كانت أقرب إلى مرحلة انتقالية، نتج عنها عدد من النجاحات، وعدد من الإخفاقات التي ساهمت بدورها في عدم وضوح الواقع الليبي، وغموضه وتشويشه، كما بينت بأن عملية الانتقال ليس بالعملية السهلة، أو أنها يمكن أن تتحقق دون حدوث مشاكل، لهذا سوف نقوم باستعراض أهم المحددات التي صاحبت مرحلة ما بعد سقوط النظام السياسي، وأهم تلك المحددات، هي:
 أنه مهما اختلفت التفسيرات حول ذلك الحراك المجتمعي الحاصل عام 2011م، فإن التفسير الذي لا يحتمل خلافًا، هو أن الشعب الليبي فتح قلبه للمرحلة القادمة، وهي مرحلة ما بعد سقوط النظام السياسي، وصنع خياله وآماله في صورة علقها على مستقبله، أو لعله علق مستقبله عليها.
 كان لسقوط النظام السياسي ارتدادات داخلية، وأخرى خارجية، فأما الارتداد الداخلي فتمثل في انتشار السلاح، وانهيار مؤسسات الدولة، خاصة الجيش والشرطة، ودخول المجتمع برمته في حالة فوضى، أما الارتداد الخارجي فكان انتشار السلاح حيث وصل إلى ناحية الجنوب الغربي من أفريقيا إلى دولة مالي، كما وصل شرقا إلى غزة، وغربًا إلى تونس والجزائر، كما أن هذا الارتداد وصل أيضًا إلى أوروبا من خلال زيادة قوافل الهجرة غير الشرعية، إضافة إلى التهديدات الصريحة التي وجهتها التنظيمات الدينية المتشددة لأوروبا، كذلك برز التهديد بقطع الغاز والنفط عنها.
 بالرغم من إسقاط النظام السياسي في ليبيا، إلا أن الحراك المجتمعي الذي أصبح مسلحاً - لم يكن لديه مشروع وطني للتغيير، أو اتفاق على هوية الدولة، ومن ثم برزت أفكار وممارسات وجماعات موسومة بالتشدد، بادعاءات وتبريرات مختلفة، فبرزت ظاهرة التطرف للقبيلة، وللأفكار وللمعتقدات، وللجماعات.
 قواعد اللعبة خلال مرحلة ما بعد سقوط النظام السياسي تمثلت في لاعبين جدد، هم المدن والقبائل المنتصرة، خاصة الزنتان ومصراتة في المنطقة الغربية، وأولاد سليمان في المنطقة الجنوبية، في حين برزت في المنطقة الشرقية بعض التنظيمات والكتائب المسلحة ذات البعد العقائدي، حيث لم تتأثر القبائل الشرقية بالتغيير الحاصل من حيث صعود أو هبوط دورها.
 برز في المنطقة الغربية والجنوبية انقسام واضح للمجتمع الليبي، حيث أصبحت هناك مدن وقبائل منتصرة، وهناك مدن وقبائل منهزمة، وكان من آثارها حدوث شرخ في النسيج الاجتماعي الليبي، نتيجة لبعض الممارسات من بعض المدن والقبائل المنتصرة، أهمها سياسات وممارسات التهجير لبعض المدن والقبائل.
 ساهمت القيادات السياسية الجديدة التي جاءت بعد سقوط النظام في تأصيل الانقسام المجتمعي من خلال بعض القوانين والقرارات والممارسات، فمثلًا قام رئيس المجلس الوطني الانتقالي- مصطفي عبدالجليل- بعدد من الزيارات للمدن والقبائل المنتصرة دون المدن والقبائل الأخرى المحسوبة على النظام السياسي السابق، مما أعطى تلك المدن والقبائل رسائل ضمنية بأنها غير مرغوب فيها، أو أنه لن يكون لها دور في المرحلة القادمة، مما أدى إلى قيام تلك المدن والقبائل إلى اتخاذ مواقف معادية من النظام السياسي الجديد، إضافة إلى تمسكها في بعض الأحيان بشرعية النظام السابق.
 إجراء أول انتخابات برلمانية عام 2012م، تمخض عنها بروز تيارين، التيار الأول وهو تيار الإخوان المسلمين، والممتثل في حزب العدالة والبناء، والمدعوم من قبل مصراتة، والتيار الثاني، وهو تيار تحالف القوى الوطنية، الذي ضم في صفوفه عدداً من مؤسسات المجتمع المدني حديثة التأسيس، إضافة إلى عدد من المسؤولين السابقين الذين انشقوا عن النظام السابق، كما أصبح هذا التيار مدعوماً من قبل الزنتان.
 جُل الحكومات التي تشكلت ما بعد سقوط النظام السابق، كانت تفتقر إلى الخبرة والمهارات والمعارف والقدرة والكفايات اللازمة لإدارة شؤون الدولة، حيث إن بعض رؤساء الوزراء نتيجة لافتقارهم للخبرة والكفايات، أصبحت كلفة تدريبهم لمهام ومسؤوليات رئيس الوزراء تصل إلى الملايين من الدولارات، ومن ثم كانت بعض القيادات الجديدة أسوء بكثير مما كان موجودًا في عهد نظام معمر القذافي .
 سماح حكومة عبدالرحيم الكيب بتشكيل الكتائب المسلحة والمجالس العسكرية في كل المناطق والمدن الليبية، خاصة المنتصرة، كما قدمت الحكومة لتلك التشكيلات المسلحة التسهيلات المالية والعسكرية، كما تم استحدث هيئة تهتم بهذه العناصر، وهي هيئة المحاربين، كما استمرت حكومة علي زيدان بتقديم الدعم المالي والعسكرى للتشكيلات المسلحة
 بروز دور بعض الجماعات المسلحة ذات التوجه الديني المتشدد في المنطقة الشرقية بشكل عام، وبنغازي ودرنة على وجه الخصوص، حيث أصبحت هذه الجماعات تمتلك السلاح، إضافة إلى حصولها على الدعم المالي والمعنوي من قبل بعض الحكومات، في ظل غياب واضح لدور المؤسسة العسكرية الرسمية، وذلك بسبب تكليف أهم عناصرها، وهي قوات الصاعقة بمهام حفظ الأمن والاستقرار في منطقة الجنوب.
 دخول المجتمع الليبي في حالة فوضى من خلال وجود حكومات ضعيفة، تفتقر إلى القوة لفرض شرعيتها، نتيجة لعدم وجود جيش وشرطة تابع لها، حيث أصبحت تلك الحكومات تعتمد على فرض شرعيتها من خلال بعض الكتائب المسلحة، وأحيانًا أخرى على قوة بعض القبائل والمدن، ووصل الأمر إلى قيام إحدى المليشيات المسلحة باعتقال رئيس الوزراء علي زيدان بملابس النوم، وقيام مليشيا أخرى بإيقاف وإنزال رئيس الوزراء عبدالله الثني من الطائرة بالقوة.
 استمرار صعود الجماعات المسلحة ذات التوجه الديني، وتحكمها في صنع القرار السياسي، خاصة في المنطقة الشرقية، كما أصبحت ليبيا قبلة للجماعات الدينية المتشددة، خاصة من دول الجوار من تونس والجزائر ومصر والسودان.
 في العام 2014م جرت انتخابات برلمانية ثانية، حيث رفضت احدى القوى الفاعلة وهي جماعة الأخوان المسلمين نتائج تلك الانتخابات، مما أدى إلى دخول البلاد في حالة صراع مسلح ما بين أطراف رافضة وأخرى مؤيد لتلك النتائج.
 تصاعدت مشاهد الصراع المسلح، وعدم القدرة على تحقيق التوافق الوطني الداخلي، والذي تمثل في الاقتتال ما بين القبائل والمدن، حيث وصلت حدة الصراع ما بين الأطراف المتنازعة خاصة في المنطقة الغربية على السلطة إلى حرب داخل العاصمة سنة 2014م، كما خلقت هذه الحرب شرخاً في النسيج الاجتماعي حيث أصبحت الحرب على الهوية ما بين تلك المدن والقبائل، أهمها ما بين قبائل الزاوية وقبائل ورشفانة، كما أصبح البعض لديه من أجل نفسه – وليس من أجل الوطن- ما يتعاون فيه مع الشيطان.
 كان من نتائج ذلك الصراع والاقتتال وجود حكومتين، الأولى بشرعية البرلمان المنتخب عام 2014م، والثانية بشرعية المؤتمر المنتخب سنة 2012م.
 تصاعدت في بنغازي مشاهد الحرب والاقتتال، ما بين الجماعات المسلحة ذات التوجه الديني المتشدد، وبين قوات تابعة للمؤسسة العسكرية وأهم عناصرها، قوات الصاعقة.
 بروز الدور الخارجي مع دخول ليبيا في حالة حرب أهلية عام 2014م، وتغيرت قواعد اللعبة، حيث أصبح اللاعب الخارجي هو اللاعب الأهم، والمؤثر في الأحداث الداخلية، حيث تزامن ذلك مع تنازل اللاعبين المحليين عن بعض أدوارهم من أجل الحصول على الدعم والمساندة الخارجية.
 تقلصت مساحة الحريات على ما كانت عليه بعد سقوط النظام معمر القذافي مباشرةً، وتحول الأمن والاستقرار في المجتمع الليبي إلى أولوية تسعى إليه جُل الحكومات، وتحولت مطالب الحراك المجتمعي "سابقًا"، وهي الرفاهية، والحرية إلى بند ثانٍ، وربما إلى بند ثالثٍ على قائمة الأولويات، كما برزت على سطح المجتمع الليبي ممارسات بعض المسؤولين الموسومة بالفساد، إضافة إلى حالات القتل المتعمد، والاختطاف، والسرقات بالإكراه.
 مارس العامل الخارجي الضغوط على الأطراف المتنازعة من أجل التوقيع على اتفاق الصخيرات، حيث ضمن الاتفاق مسألة توزيع السلطة وتقسيم الغنائم.
 أصبح هناك حركة تفاعل دولي مع حكومة الوفاق بشكل كبير جدًا، حيث أصبح جو الرغبات والآمال الدولية – العامل الخارجي - هو المصدر الأكبر لشرعية حكومة الوفاق، والسند القوي لهذه الشرعية، بغض النظر على حصولها على ثقة البرلمان الليبي عام 2014م وذلك بحسب اتفاق الصخيرات.
وبشكل عام يمكن القول بأن الحراك المجتمعي في ليبيا فقد جزءاً كبير من بريقه الوطني، وظهرت بقع الصدأ على سطحه، بسبب التحديات والاخفاقات التي واجهت الحراك المجتمعي في مرحلة ما بعد سقوط النظام، حيث أخفق في بناء نظام ديمقراطي، إضافة إلى إخفاقه في عملية بناء الثقة المتبادلة ما بين أطرافه المشاركة في ذلك الحراك، سواء كانوا أفراداً، أم مدناً، أم قبائلَ، وكذلك إخفاقه في عدم الاتفاق على مشروع وطني، كما أصبح هناك دورًا بارزًا لبعض التيارات والجماعات على المشهد السياسي كونها الأكثر تأطيرًا وتنظيمًا.

إذن وبعد استعراض أهم المحددات ما قبل سقوط النظام السياسي السابق وما بعد، إلى أين تتجه ليبيا ؟
سوف نحرص في الصفحات القادمة على الإجابة عن تساؤل المقالة المحوري، واستخلاص وجهة النظر بناءً على المحددات التي تم طرحها سابقًا، كون التشخيص العلمي الصحيح لأي ظاهرة من الظواهر يتم من خلال تشخيص وفهم ما يمكن أن يكون، بمعني تشخيص تاريخ الظاهرة، ثم نتبع ذلك بتلخيص عام عن الرؤية المستقبلية للوضع في ليبيا.
في الواقع قد يحمل هذا السؤال المعقد في ثناياه مفاتيح الإجابات، وذلك إذا استطعنا بالتركيز والتدبر والتأمل النفاذ من السطح إلى الأعماق، واضعين نصب أعيننا تلك المحددات، إضافة إلى فهم طبيعة المجتمع الليبي من خلال الرجوع إلى تاريخه، فابن خلدون يقول: فهم الحاضر لا يتم إلا في ضوء فهم الماضي، فالتاريخ هو علم إنساني اجتماعي في نفس الوقت، ويهتم التاريخ بدراسة ما حدث فعلاً، و يؤرخ الحوادث التاريخية في مواقف معينة، وفي هذا الصدد يقول على الوردي، عند دراستي للمجتمع العراقي أدركت أني لا أستطيع أن أفهم المجتمع في الوضع الراهن، ما لم أفهم الأحداث التي مرت به في عهوده الماضية، فكل حدث من تلك الأحداث لا بد أن يكون له شيء من التأثير قليلاً أو كثيراً في سلوك الناس حالياً، وفي تفكيرهم، وبالتالي فإن اكتشاف الدلائل والمضامين التاريخية سيؤدي بدون شك إلى فهم طبيعة المجتمع.
لقد شهدت ليبيا عام 2011م، حراكاً مجتمعياً، استطاع تفكيك وإسقاط بنية النظام السياسي السابق، وخلق واقعاً جديداً على المستوى السياسي والاجتماعي، كما جاء ذلك الحراك ليطرح عدة أسئلة تتمحور جلها : إلى أين تتجه ليبيا ؟ خاصة بعد دخولها مرحلة الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي سنة 2014م، وفي الحقيقة تم طرح عدة افتراضات منها كون الحاصل حالياً هو جزءٌ من طبيعة المجتمع الليبي، وبالتالي لماذا لا يتم الاعتراف بأن الحاصل من اقتتال ونزاع وصراع هو نابعٌ أصلاً من طبيعة المجتمع الليبي، حيث برزت بعض الكتابات التي حاولت الغوص في سبر أغوار طبيعة المجتمع الليبي، منها كتاب الشخصية الليبية بين ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة، لمؤلفه المنصف وناس، حيث رسم المؤلف قواعد أساسية للشخصية الليبية تنطلق منها، وهي: القبيلة، والغنيمة، والغلبة، وهو يحاول تأكيد الافتراضية السابقة.
في الواقع كثيرًا ما يتم تشبيه الشخصية الليبية بالصندوق الأسود، الذي يحتاج إلى مخبر خاص، كي يقوم بعملية التفريغ والتسجيل والقراءة الصحيحة للمواقف والمشاهد التي مرت بها تلك الشخصية، فالكثير من المواقف والمشاهد لا يمكن فهمها وتفسيرها دون فهم ومعرفة طبيعة المجتمع الليبي، وفي هذا الخصوص يمكن أن نحدد وبشكل سريع أهم الأحداث التاريخية التي يمكن من خلالها استنباط إجابات ما يمكن أن يكون عليه وضع ليبيا المستقبلي، ومن ثم أرجو من القارئ أن يمعن النظر جيدًا في هذه الأحداث، وحركة التاريخ المتكررة لفهم طبيعة البناء الاجتماعي في ليبيا، كون من أولى ضرورات التشخيص والفهم السليم لأي ظاهرة أن يكون هناك نوع من السجل الكامل لما أصابها أو اعتراها من لحظة الميلاد، بل وأحيانًا أخرى من قبلها، مما هو موروث وكامن في الخلايا، وبشكل عام يمكن تحديد أهم المحطات التاريخية في التالي :
 تمتعت الأقاليم الليبية الثلاث (طرابلس وبرقة وفزان) نسبياً بتجارب تاريخية متنوعة، حتى وصول القرمانليين للحكم 1711م، والذين رسخوا إلى حد بعيد مفهوم الدولة الوطنية، وبحدودها المعروفة حالياً.
 إن الهجرات من الغرب ( طرابلس ) إلى الشرق ( برقة) لم تنفك تنتهي عبر الزمن، حيث استطاع المهجرون من الغرب إقامة رابطة عضوية ومعنوية من خلال التزاوج والتصاهر مع سكانها، ولعل أهم تلك الهجرات هي ما عرف بـ "تجريدة حبيب"، حيث جردت الحكومة العثمانية آنذاك بدو وريف ولاية طرابلس من مناطق تاجوراء و زليطن و مصراتة و ورفلة، لنصرة حبيب العبيدي، الذي أراد ان ينتقم لوالده، فمعظم سكان بنغازي من مهاجري طرابلس و مصراتة وزليتن، لذلك ارتبطت بنغازي بعلاقات تجارية مع طرابلس أقوى من دواخل برقة ( على حميدة: 1998:ص112 ).
 بروز ظاهرة "الصفوف" ما بين القبائل والمدن الليبية، والتي كان لها دور في تخفيف حدة الصراع والعداء ما بين القبائل، لأنها تمثل ظاهرة جديرة بالدراسة والتمحيص، حيث استطاعت هذه القبائل في ظل ضعف الدولة تشكيل قوى دفاعية لمناطقها، مما خلق ما يُسمى بتوازن القوى ما بين القبائل، الذي ساهم بدورٍ في تحقيق نوع من السلم الاجتماعي، حيث حافظت هذه القبائل على استقلالها من خلال تحالفات قبلية تسمي الصفوف، وهذه الصفوف ظهرت كأحلاف بين المجتمع البدوي والريفي والبدوي في مواجهة الغزو الخارجي، ( على حميدة: 1998:ص 83 ) ألا أن نظام الصفوف الذي ساعد حركة المقاومة ودعم الوحدة ما بين القبائل، كان يفتقر إلى قيادة واحدة ولا يستند إلى أسس إدارية تنظيمية ثابتة.
 دخلت ليبيا أثناء الحكم العثماني في حروب عديدة، البعض منها كان من أجل الموارد واقتسام الغنائم أهمها الحرب سنه 1601- 1603م، أو على الزعامة والسلطة مثل الحرب سنة 1791- 1796م، والحرب 1832- 1835م.
 أثناء الاحتلال الإيطالي دخلت ليبيا في حرب على الهوية خلال الفترة من 1916- 1918م، ومرجع ذلك يعود إلى خلافات وانشقاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية، حيث تنافس الأعيان وشيوخ القبائل على الأموال والمساعدات العثمانية، ومن ثم الإيطالية، كما تخاصموا على مسألة السلطة والزعامة، كما عملت إيطاليا على إذكاء روح الانقسام من خلال سياسة فرق تسد.
 أدت الانشقاقات والصراعات بين الزعمات في إقليم طرابلس ( البدو والحضر ) إلى لجوء بعضهم إلى الجانب الإيطالي لحماية مصالحهم ضد خصومهم، وبالتالي كان النظر إلى الاحتلال الإيطالي كمخلص ومنقذ وحامٍ لمصالحهم، أو منافسة خصومهم.
 يعود الليبيون بعد سنوات من الحرب الأهلية تلك إلى لغة الحوار، حيث عقدت اجتماعات ضمت أعيان ومشائخ ليبيا آنذاك، التي تمخض عنها انتخاب هيئة سياسية جديدة سميت بهيئة الإصلاح المركزية لملء الفراغ الذي أوجده غياب القادة السابقين، ودعت إلى تكوين حكومة لأقاليم ليبيا الثلاثة : طرابلس وبرقة وفزان، وفي العام 922 ، ذهب وفد من الهيئة إلى سرت بغية عرض البيعة على إدريس السنوسي الذي قبل البيعة ألا أنه سافر إلى مصر خوفًا من رد الفعل الاحتلال الإيطالي على قبوله البيعة.
 وجود ترابط قبلي قوي ما بين القبائل الشرقية، ولعل أهم مؤشرات ذلك تاريخيًا من خلال ما يعرف "بالدور" في محاربة الاحتلال الإيطالي، حيث ارتكز الدور على القبيلة من حيث التمويل، ومن حيث المتطوعين، دون أي مؤثرات خارجية، فالادوار كان نظام تحكمه أسس تنظيمية يعتمد على الضبط والربط من خلال الترقية، كما انه يتكون من قبائل عدة، والقيادة العسكرية فيها واحدة، كما كانت هذه القبائل تنظر دائما إلى مخاطر الدخول في صراع فيما بينها التى ربما تؤدي الى إعادة أحداث هجرة أحد الأطراف أو هلاكه.
 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1944م أصبح هناك تنافس دولي على من يتولى إدارة شؤون ليبيا، ما بين الدول العظمي آنذاك، ليتم بعد ذلك إحالة المسألة الليبية إلى الأمم المتحدة، ليتم الاعتراف بالدولة الليبية في نوفمبر 1949 بقرار من الأمم المتحدة.
 في العام 1946- 1949 برزت ارهاصات كادت أن تنقلب إلى حرب أهلية ما بين المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية حيث عملت هذه المرة بريطانيا على إذكاء روح التفرقة ما بين الليبيين من خلال سياسة فرق تسد، إلا أنها كانت محدودة التأثير.
 قامت الأمم المتحدة بتعيين السيد أدريان بلت الأمين العام المساعد لسكرتير عام الأمم المتحدة مفوضاً خاصاً للمنظمة الدولية في ليبيا؛ للمساعدة وتقديم الاستشارات والعون للشعب الليبي من أجل بناء الدولة الليبية الجديدة.
 أن تبلور فكرة الدولة الليبية الموحدة - ظلت حية في تلك الأقاليم حتى إعلان المملكة المتحدة عام 1951م - كمجتمع ليبي موحد سياسياً، ليتم بعد ذلك تغيير اسم الدولة إلى المملكة الليبية، التي شكلت رغبة وطموحات المجتمع الليبي.
وعمومًا، فإن ما يعنينا الإشارة إليه في هذا الاستعراض التاريخي المبسط والسريع هو التأكيد على التالي:
 أن مصير وإستراتيجية الوطن لا يمكن أن تحددها أهواء ورغبات قبائل أو مدن أو أفراد، إنما يؤخذ بعين الاعتبار ثوابت الجغرافيا، كما يحركها دواعي التاريخ.
 أن حالة الانقسام والتشتت التي تمر بها ليبيا حاليًا ليست جديدة، حيث مرت ليبيا في السابق بأكثر من خمسة حروب ومرجع تلك الحروب يعود إلى خلافات حول مسألة السلطة واقتسام الغنائم.
 تبدأ معظم الحروب في المجتمع الليبي الذي يغلب عليه الطابع القبلي في العادة على الموارد، وإذ وجد من يذكيها من السلطة ( في العاصمة) أو من دول خارج الحدود ( بريطانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو الولايات المتحدة الامريكية) فأنها تزداد انتشارًا ودمارًا، كون الغالبية المجتمع الليبي يتواصلون وفق معيار القرابة والنسب ( العائلة فالعشيرة فالقبيلة) ولا يتواصلون وفق مبدأ المصلحة، كما هو حال الطبقات الوسطي، حيث لا يوجد في البناء الاجتماعي في المجتمع القبلي تقسيم الطبقي الذي يحدد العلاقات ما بين أفراده، أنما يوجد نظام القرابة حيث يعيش الناس وفق العلاقات القرابة والنسب، كما أن الوحدة الاجتماعية الأساسية هي " البيت" أو العائلة الممتدة ، حيث يتولد لدى أفراد البيت الواحد الاحساس الكامل بالتكافل والتماسك والالتحام ويتضح ذلك في القتال والخصومات وفي عمليات الثأر ( عقيل البربار: 2009، ص 33-34) ومن ثم فأن التحريض والإذكاء سرعان ما يأخذ شكل الحرب على الهوية.
 يتمكن الليبيون بعد كل حرب من تغليب لغة الحوار والاجتماع، ويؤكدون بأن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، ويتم التنازل ما بين الأطراف المتنازعة عن السلطة لطرف ثالث، عادة ما يكون بعيداً عن تلك الصراعات.
 كان للعامل الخارجي دور في تأثير وتحريك الأوضاع في ليبيا، حيث لعب هذا العامل دوراً مهماً في توحيد الأطراف المتنازعة أبان حكم القره مانلي، كما لعب العامل الخارجي دورًا في تأصيل الانقسام ما بين الليبيين أبان الاحتلال الإيطالي، ولعب دورا مهماً جدًا في حصول ليبيا على استقلالها، وكان له دور مهم في إسقاط نظام معمر القذافي 2011م، كما برز دور العامل الخارجي في تأصيل الانقسام الداخلي والاقتتال ما بين الليبيين خلال مرحلة ما بعد 2014م، كما لعب العامل الخارجي أيضًا دورًا مهمًا في تجميع الأطراف الليبية المتنازعة أساسًا حول السلطة واقتسام الغنائم، وتولد عن ذلك حكومة الوفاق الوطني.
 بروز ظاهرة التحالفات القبلية ما بين المدن والقبائل الليبية، حيث لعبت دورًا في تخفيف حدة الصراع ما بين القبائل والمدن في غياب مؤسسات الدولة، ساهمت إلى حد ما في تحقيق نوع من السلم الاجتماعي.
 المجتمع الليبي له قدرة على العودة للتعايش بين مكوناته بسلام ويحدث ذلك في حالات التالية:
1. غياب ووقوف المحرض عن إذكاء الصراع.
2. تعمق الدمار نتيجة الحروب مثل التهديد بانقطاع مصدر العيش.
3. بروز قادة اجتماعيين حكماء يتبنون مصلحة الوطن، وظهر من بين الليبيين كثر من هذا النوع مثل "مصطفي بطوان، أحمد القرمانلي ، حسونة الدغيس، عمر المختار، محمد بن على السنوسي ، ادريس السنوسي، بشير السعداوى، ولعل التاريخ يتذكر كلمات بشير السعداوي عندما أوقف سعيه للوصول إلى " ليبيا الواحدة " وقبل بإدريس السنوسي الذي كان انصاره وراء الفيدرالية، قائلًا " فقدنا السلطة وكسبنا الوطن" وهي المقولة التى اقتبسها الشيخ الغنوشي في تونس.
إذن على القارئ بعد أن أحاط بهذه اللمحة التاريخية السريعة، أن يُدرك بأننا أمام مسألة أو ظاهرة تتكرر بنفس النتائج من مرة إلى مرتين وثلاثة وأربعة وخمسة، ومعنى ذلك أننا أمام قضية تتعدى فعل المصادفات وتتخطاها، فليبيا لن تكون الصومال الجديدة، لأن ما يجمع الليبيين أكثر مما يفرقهم، حتى وإن لاحت في الآفاق بوارد التقسيم والفرقة، فإن ذلك ربما يكون الخطوة الأولى نحو تخطي الأزمة، لتبدأ بعد ذلك الدعوات الوطنية نحو الحوار والاجتماع ونبذ الخلاف والفرقة، وحركة التاريخ في ليبيا تبين لنا بالمواقف والمشاهد هذه الافتراضية، حيث إن الليبيين قد يتقاتلون أحياناً، وربما يغضبون أحيانًا أخرى، وربما يعتبون، لكنهم تحت كل الظروف لا يسمحون، ولا يقدرون على السماح بتقسيم ليبيا، فذلك أكثر مما يحتملون، كما أن الفوضى الحاصلة في ليبيا جراء انعدام وجود مؤسسات الدولة لن تستمر، كون سنوات ارتدادات الفوضى قد وصلت إلى دول الشمال الليبي، وأقصد بذلك الدول الأوروبية، حيث تأثر وضعها الأمني والاقتصادي جراء ما يحدث في ليبيا، ومن ثم فإن تدخلها سيكون لا محالة لحماية أمنها جراء الهجرات غير الشرعية، التي تنطلق من الشواطئ الليبية. إضافة إلى تصدر خطر التنظيمات المتشددة، وكذلك للحفاظ على مصالحها الاقتصادية في ليبيا، ومن مؤشرات هذا التغيير بعد سنوات الصمت في المواقف الأوروبية هو اعترافها بشرعية حكومة الوفاق الوطني وتقديم الدعم والمساندة اللازمة لها، إضافة إلى تأكيدها على كون الوضع في ليبيا أصبح يهدد الدول الاوروبية كافة.
إذن برز العامل الخارجي في ليبيا مرة أخرى، ليكون من أهم اللاعبين الأساسين في الساحة الليبية، كما أصبح هذا العامل يمارس تأثيراً كبيراً وواضحاً على اللاعبين المحليين، كما أن المفتاح لذلك يكمن في معرفة وفهم قواعد اللعبة المرتبطة بمصالح الأطراف، سواء كانوا على المستوى المحلي، أم الإقليمي، أم الدولي، ولعل أهم تلك المصالح هي :
 بالنسبة للأطراف المحلية هو الوصول إلى السلطة.
 بالنسبة للأطراف العربية قيادة دفة النظام العربي.
 بالنسبة لدول الجوار الحصول على تعزيزٍ لدورها السياسي والاقتصادي والأمني.
 بالنسبة للأطراف الدولية، وخاصة إيطاليا وفرنسا وبريطانيا هو الحفاظ على مصالحها سواء النفط أم الغاز، إضافة إلى معالجة الهجرة غير الشرعية، وأخيرًا محاربة التطرف الديني، حيث أصبح يُشكل خطرًا على وضعها الاقتصادي والأمني.
وبشكل عام، يمكن رسم بعض معالم الرؤية المستقبلية لليبيا في النقاط التالية :
 بروز تنظيمات عقائدية متشددة، حيث تبين بعض المؤشرات الحالية بروز دور تنظيم داعش خاصة في سرت، إضافة إلى وجود بعض الخلايا النائمة لهذا التنظيم في بعض المدن، وبالتالي هناك احتمال دخول ليبيا حقبة من الصراعات الشبيهة بحرب طالبان، إلا أن هذا السيناريو يفتقر إلى وجود بيئة مجتمعية داعمة ومساندة لها، حيث يعاني هذا التنظيم من عدم وجود قبول مجتمعي لأفكاره وتوجهاته الدينية والسياسية، كما أن جل عناصره هم من غير الليبيين، فمثلًا كل الحالات الانتحارية لهذه التنظيمات قام بها غير ليبيين، وهذا مؤشر على كون هذه التنظيمات تُعاني من عدم تقبل أفكارها، وتوجهاتها لدى الليبيين.
 من المرجح أن تمر ليبيا بفترة ليست بالقصيرة من عدم الاستقرار الداخلي نتيجة للصراعات الداخلية على السلطة واقتسام الغنائم، حيث إن مشاهد التاريخ تذكرنا بأن المجتمع الليبي مر بمثل هذه المراحل، كما أن ذلك ربما سيترك نتائجه وبصماته على الوضع الإقليمي والدولي، ومن مؤشرات ذلك تفاقم الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ الليبية، واستمرار نشاط أعمال التنظيمات الدينية المسلحة خاصة داعش، كما أن الفشل في بناء الدولة الجديدة قد يجدد الدعوات نحو تقسيم ليبيا إلى أقاليم ثلاثة، حيث توجد بعض الأصوات المحلية التي تنادي بالتقسيم، خاصة في المنطقة الشرقية، والمدعومة من الخارج، وهذا يعني بأن الفترة المقبلة ربما تدخل بعض المشكلات المضافة، خاصة بإدارة عملية التقسيم، وتوفير الغطاء السياسي أو رفض توفيره بالنسبة لها، على نحو يزيد من التفاعلات الصراعية.
 هناك سيناريو يقوم على إعادة النظام السياسي السابق إنتاج نفسه، ولكن بعباءة جديدة، وتبنى فكرة هذا السيناريو، على أن التغيير الذي حدث إنما هو إزاحة رأس النظام فقط ، بينما بقيت بنية النظام وشبكة مصالحه قائمة ،خصوصاً البنى العسكرية والأمنية والاقتصادية والقضائية.
 كما يوجد أيضًا سيناريو مبني على دعم ومساندة خارجية لحكومة الوفاق الوطني، وهذا الدعم سيكون من المجموعة الأوروبية، وبشكل كبير من إيطاليا، وفرنسا، وبريطانيا، وهذا الدور الأوروبي المتأخر يأتي نتيجة التأثر بحالة الفوضى وانعدام سيطرة الدولة على منافذها، وفرض قوتها على مؤسساتها، خاصة النفطية، حيث أصبحت الرغبات والآمال الأوروبية لهذه الحكومة المصدر الأكبر للشرعية، والسند القوي لها، كما سيكون هناك دور محدود للولايات المتحدة، حيث ستقوم ببعض الضغوط على الأطراف الليبية المتنازعة، كما أن الدور الأمريكي يأتي بناءً على مطالب أوروبية تدعوها بضرورة قيامها بدور واضح اتجاه الوضع في ليبيا، كما يحظى هذا السيناريو بدعم ومساندة من قبل الأمم المتحدة والدول العربية، ومن ثم سيقوم العامل الخارجي بتقديم الدعم والمساندة للحكومة من خلال الضغط على الأطراف الرافضة أو المترددة في قبولها، كما سيشكل وجود تنظيمات متشددة مثل داعش عامل مهم وحاسم لبداية توحيد مواقف الأطراف الليبية المتنازعة، كما ربما ستشهد العلاقات ما بين الأطراف الليبية المتنازعة وجود شد وجذب، وهي في الأصل عبارة عن حركة الصراع بين المصالح القائمة وبين المطلوب من تلك المصالح.
وختامًا فإن أهم أسباب الغموض التي تعترى مصير ليبيا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السياسي السابق، هو الافتقار إلى وجود أهداف ومشروع وطني واضح ومحدد المعالم، إضافة إلى الافتقار لوجود قيادات وطنية قادرة على تغليب المصالح الوطنية على المنافع الشخصية، كل ذلك أدى إلى حدوث انقسام، ومن ثم الاقتتال بين قوى حول السلطة، واقتسام الغنائم، وأخيراً يمكن القول بأن طبيعة المجتمع الليبي وقدرته على العودة للتعايش بين مكوناته ستساهم في إسقاط جميع التصورات التي تتعارض ومصالح الوطن.
المراجع :
نتقدم بالشكر والتقدير إلى :
• الدكتور عقيل بربار على مراجعته مسودة المقالة وملاحظاته القيمة.
• الأستاذ أنور سيعفان على مراجعته اللغوية لمسودة المقالة وملاحظاته القيمة.
1) عقيل محمد البربار، دراسات في تاريخ ليبيا الحديث، منشورات،ELGA ، 2009م.
2) علي عبداللطيف حميدة ، المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا، مركز دراسات الوحدة العربية ، سلسلة اطروحات الدكتوراه، الطبعة الثانية – بيروت ، 1998.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,021,396,790
- هل توقظ دعوة إنقاذ التعليم ...النائمين...أم على قلوب أقفالها ...
- مشروع إصلاح التعليم في ليبيا ...الوصايا العشر
- التجربة الليبية في الجودة والاعتماد في التعليم الجامعي 2008 ...
- التعليم والتطرف في دول الحراك المجتمعي العربي
- التجربة الليبية في الجودة والاعتماد في الملتقي المغاربي الثا ...
- هناك أشياء جديدة خرجت عن المألوف في البحث العلمي - احتفالية ...
- الجودة وضمانها في الجامعات الليبية -لا نريد موالد سيدي الجود ...
- كليات التربية ومهام الحماية (Anti-virus)
- المركز الوطني لضمان جودة التعليم في ليبيا (التحديات – والفرص ...
- العلاقات البينية بين علم الاجتماع وعلم الحاسب الآلي-المفاهيم ...
- أهمية الترقية العلمية لأعضاء هيئة التدريس كمدخل لضمان الجودة ...
- التعليم في ليبيا .... مشروع للمصالحة
- هل البحاث العرب في حاجة إلى مجلس عربي للعلوم الاجتماعية؟
- الأسرة وجودة البرامج التعليمية
- إصلاح منظومة التعليم الجامعي الحكومي في ليبيا - الواقع والمس ...
- أهم مرتكزات تحسين وتطوير التعليم الأساسي والثانوي في ليبيا - ...
- التجربة الليبية في مجال ضمان الجودة والاعتماد
- جودة التعليم في مقدمة ابن خلدون
- مكاتب الجودة وتقييم الأداء في الجامعات الليبية الواقع والمست ...


المزيد.....




- حملة ترامب ترد على اختراق موقعها وتكشف حقيقة تسريب معلومات ح ...
- رئيس الجزائر عبد المجيد تبون في مستشفى عسكري قبل أيام من است ...
- اختراق موقع حملة ترامب.. والمهاجمون: إدارة الرئيس متورطة في ...
- -إنه مقاتل-.. ميلانيا ترامب تدافع عن زوجها وتهاجم بايدن
- قطر تمدد تصاريح الدخول الاستثنائي شهرا واحدا
- ترامب: جو بايدن سياسي فاسد
- مقاطعة المنتجات الفرنسية ستبعد تركيا عن الاتحاد الأوروبي
- تركيا تعتقل طبيبا يكافح كورونا للاشتباه بصلته بـ-حركة الخدمة ...
- مشروع قانون أمريكي لتزويد إسرائيل بأقوى القنابل غير النووية ...
- إخلاء 50 منزلا وتضرر هكتارين بحريق جنوبي تركيا


المزيد.....

- ابن رشد ( 1126 م. _ 1198 م. ) / غازي الصوراني
- نقد الاركونية / الحلقة الخامسة / رواء محمود حسين
- الله ذلك المجهول / جواد بشارة
- الفلسفة الإسلامية والعلم / غازي الصوراني
- علم الكلام / غازي الصوراني
- الفلسفة في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد وتكريس عصر العب ... / غازي الصوراني
- من دولة المدينة اليونانية إلى الإمبراطورية الهيلينية / غازي الصوراني
- الفلسفة وقضايا التخلف والنهوض الوطن العربي / غازي الصوراني
- ارسطو طاليس (384 – 322 ق.م) (1/3) / غازي الصوراني
- أفلاطون (427 ق.م – 347 ق.م) (1/2) / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - ليبيا إلى أين تتجه ...قراءات تاريخية...وسيناريوهات مستقبلية