أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - نوال السعداوي - فى ذاكرتى مع لغة الأم














المزيد.....

فى ذاكرتى مع لغة الأم


نوال السعداوي
(Nawal El Saadawi)


الحوار المتمدن-العدد: 5544 - 2017 / 6 / 7 - 10:31
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    



سافرت من مدينتى القاهرة الى أغلب بلاد العالم، قبل أن أسافر الى أى بلد فى إفريقيا مع أن أرض مصر مغروسة فى إفريقيا نولد فيها ونعيش عليها وندفن فى بطنها، وتمتد جذورنا المادية والحضارية ومنابع نهرنا (النيل) فى قلب جسدها.

لكن وجوهنا وعيوننا كانت تتجه دائما إلى الشمال نحو جلادينا ومغتصبينا فى أوروبا وأمريكا وظهورنا تتجه دائما نحو أنفسنا فى إفريقيا والجنوب كم يكون القهر مزدوجا حين يدير الإنسان ظهره لنفسه حين يخجل من بشرته السمراء أو السوداء ويخفيها بمسحوق أبيض كما تخجل المرأة من كونها امرأة، وتشعر بأن وجهها عورة فتخفيه بالنقاب أو الحجاب كم أساء النظام العبودى الاستعمارى للنساء والفقراء والأفارقة حين استنزف مواردنا الاقتصادية وثرواتنا الحضارية الممدودة فى التاريخ قبل نشوء التاريخ، وكنوزنا المادية والثقافية المدفونة فى بطن الأرض والباقية فوق سطحها حتى اليوم مثل الأهرامات والمسلات والتماثيل والآثار المبدعة التى تسعى شعوب العالم لرؤيتها لكن الإساءة الاستعمارية الكبرى كانت ذلك السهم الذى صوبه الرجل الأبيض الى قلب الإنسان الإفريقى فأصبحت إفريقيته وصمة عار وبشرته السوداء صك عبودية رحلاتى لإفريقيا جاءت متأخرة نسبيا، وفى نهاية السبعينيات حين أصبحت مستشارة باللجنة الاقتصادية لإفريقيا بالأمم المتحدة كانت إقامتى فى أديس أبابا لكن عملى كان يقتضى سفرى لجميع البلاد الإفريقية فى رحلات قصيرة وطويلة لم تكن كافية لأدخل فى قلب القارة الشاسعة العريقة، وإن كانت كافية لأدخل فى قلبي، وأتعرف على نفسى وكونى إفريقية.

أول مظاهر «إفريقتى» كان لون بشرتى السمراء التى تتحول سريعا للسواد بعد بضع ساعات تحت الشمس فإذا بى أسير فى شوارع اثيوبيا أو أوغندا أو جنوب إفريقيا فلا يلحظ أحد أننى غريبة، ولم أبتهج بذلك كثيرا إذ كان فى أعماقى (منذ الطفولة) حنينا لأكون بيضاء كالقشطة بلغة جدتى لأمي، وقد أدركت منذ ولدت حقيقتين لا شك فيهما: أولاهما أننى «بنت» ولست «ولدا» مثل أخي، وثانيتهما أن بشرتى «سمراء» وليست «بيضاء» مثل أمى ومع هاتين الحقيقتين أدركت شيئا أكثر أهمية: أن هاتين الصفتين وحدهما دون أى عيوب أخرى كافيتان للحكم على مستقبلى بالفشل كان المؤهل الوحيد الذى يرشح البنت لمستقبل مضمون هو أن تكون جميلة أو على الأقل بيضاء البشرة مثل الأتراك، وكانت جدتى لأمى ذات الأصل التركى تنادينى باسم ورور الجارية فى بلاط جدها «الباشا» بإسطنبول.

منذ طفولتى أدركت أن بشرتى بلون بشرة العبيد فأصبحت أخفيها بمسحوق أبيض تشتريه خالتى نعمات (شقيقة أمي) من الصيدلية المجاورة مع سوائل لتبييض الوجه، وأخرى لتسويد العينين بالكحل، وأصبح إخفاء وجهى الحقيقى هو الخطوة الأولى نحو الجمال الصحيح لكنى وللغرابة الشديدة كنت أدرك بجزء غامض فى مركز ذاكرتى مدفون فيها منذ ما قبل التاريخ مع لغة الأم أننى جميلة بل أجمل البنات عن يقين، وبشرتى السمراء الخمرية بلون طمى النيل أجمل بشرة فى الوجود، وهى حقيقتى التى أفخر بها (فى سري) وأحبها بل إنها حبى الحقيقى الوحيد هكذا أصبحت بعد أن كبرت قليلا أمتلك الشجاعة لأواجه العالم بوجه مغسول دون مساحيق وأشعر بالراحة داخل بشرتي، والألفة مع جسمى ونفسي، ومع الأصدقاء والصديقات الإفريقيات بل وجدتنى ولدهشتى الشديدة أقع فى حب رجل سنغالى فى أول رحلة لى الى داكار، وكنت أصرخ فزعا فى طفولتى حين أرى أمامى شخصا أسود اللون - سواحل وجبال إفريقيا قد رأيتها ساحرة، وقمة كليمانجارو أصبحت أروع من الهيمالايا فى نيبال أو جبال سويسرا الشهيرة وبحيرة فيكتوريا ومنابع النيل فى أوغندا أصبحت تشدنى إليها مثل النداهة فى الأساطير والفن والسينما والرقص والموسيقى الإفريقية تهزنى من الأعماق أما الأدب الإفريقى بأقلام النساء والرجال فقد أصبح هوايتى هذا الأدب المبدع الأصيل الذى أصبح يغزو العالم اليوم ، وبدأت مصر أيضا تعود الى حضن الأم »إفريقية« بعد انتزاعها منها قسرا لتكون أو لا تكون بمنطقة ضبابية معلقة بين القارات أطلق عليها المغتصبون المستعمرون اسم الشرق الأوسط.



#نوال_السعداوي (هاشتاغ)       Nawal_El_Saadawi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا حياد فى عالم يبطش
- وتزيد المتعة بزيادة المعرفة
- رسالة من فتاة سجينة
- رسالة الى صديق قديم
- متى يبدأ السقوط ؟
- ليست امرأة مثالية
- ما بين البحرين الأحمر والأبيض
- الدين والمرأة والسينما
- الفتاة الصغيرة أمام باب المحكمة
- أنتِ طالق يا دكتورة
- التأويل الذكورى للتاريخ المصرى
- الطب النفسى والإلحاد
- قضايا الحسبة والإرهاب
- قشرة الحياء الهشة .. يا أنت ؟
- الفدائيون وهدى عبد الناصر
- سقوط العرش المصنوع بالقش
- ثقب فى جدار العقل
- ضباب الرؤية وضوء الماضى
- كُحل ثقيل.. عقل خفيف.. والضحك
- الصخرة العاتية تتحدى أى دستور


المزيد.....




- إطلاق أول مسابقة لـ-ملكة جمال الذكاء الاصطناعي-
- الأمم المتحدة: أكثر من 10 آلاف امرأة قُتلت في غزة منذ بدء ال ...
- -الحب أعمانا-.. أغنية تقسم الموريتانيين بين حرية المرأة والع ...
- ليدا راشد.. ضحية العنف الطبي في لبنان
- دراسة: النساء استهلكن كميات أكبر من الكحول مقارنة بالرجال خل ...
- -المدرسة تلبي أوهام صبي يتظاهر بأنه فتاة-.. غضب بعد فوز عداء ...
- لبنان.. العثور على جثّة امرأة مقطّعة في المية ومية
- ما هي العوائق التي تواجه النساء في إجراء تصوير الثدي بالأشعة ...
- توصية بتشريع الإجهاض في ألمانيا.. بين الترحيب والمعارضة
- السعودية.. القبض على رجل وامرأة ظهرا بطريقة -تحمل إيحاءات جن ...


المزيد.....

- بعد عقدين من التغيير.. المرأة أسيرة السلطة ألذكورية / حنان سالم
- قرنٌ على ميلاد النسوية في العراق: وكأننا في أول الطريق / بلسم مصطفى
- مشاركة النساء والفتيات في الشأن العام دراسة إستطلاعية / رابطة المرأة العراقية
- اضطهاد النساء مقاربة نقدية / رضا الظاهر
- تأثير جائحة كورونا في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي لل ... / رابطة المرأة العراقية
- وضع النساء في منطقتنا وآفاق التحرر، المنظور الماركسي ضد المن ... / أنس رحيمي
- الطريق الطويل نحو التحرّر: الأرشفة وصناعة التاريخ ومكانة الم ... / سلمى وجيران
- المخيال النسوي المعادي للاستعمار: نضالات الماضي ومآلات المست ... / ألينا ساجد
- اوضاع النساء والحراك النسوي العراقي من 2003-2019 / طيبة علي
- الانتفاضات العربية من رؤية جندرية[1] / إلهام مانع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - نوال السعداوي - فى ذاكرتى مع لغة الأم