أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسن خليل - القطاع الصحى المصرى ومشاكل التطوير















المزيد.....



القطاع الصحى المصرى ومشاكل التطوير


محمد حسن خليل

الحوار المتمدن-العدد: 5384 - 2016 / 12 / 27 - 20:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


القطاع الصحى المصرى ومشاكل التطوير
المحتويات

القطاع الصحى المصرى ومشاكل التطوير 1
مقدمة 1
الهيكل الصحى الحالى فى مصر 1
لمحة عن كيفية تشكل الهيكل الصحى الحالى 4
تطور السياسة الصحية فى زمن الانفتاح منذ عام 1974 6
خصوصية مستشفيات التكامل 7
النظام الصحى المصرى الحالى مقارنة بالعالم 10
النظام الصحى الصالح لمصر من وجهة نظرنا وخطوات إنجازه: 11


مقدمة
تمتلك مصر هيكلا ضخما للخدمات الصحية، فقد دخل الطب الحديث إليها منذ أيام محمد على وإنشئت أول كلية طب حديثة بها منذ عام 1827. وبالطبع لا يتسع المقام هنا لاستعراض تطور هذا الهيكل خلال القرنين الماضيين، ولكننا سوف نركز على الهيكل الحالى وأزماته، ولن نلجأ إلى تاريخ نشأته إلا فى أضيق الحدود عندما نجد ذلك ضروريا فى سياق المقال. وسوف نستعرض رأى الحكومة الذى يطابق رأى جهات التمويل الدولية بالذات البنك الدولى وهيئة المعونة الأمريكية، ثم نختتم برأينا فى حل مشاكل الهيكل الصحى الحالى وتطويره.
الهيكل الصحى الحالى فى مصر
وينقسم هذ الهيكل إلى:
1. قطاع حكومى يضم المستشفيات العامة (بعواصم المحافظات) والمركزية (بالمراكز) غير المستشفيات المتخصصة مثل مستشفيات الحميات والأمراض المتوطنة والرمد والنساء وغيرها. كان إجمالى عددها حوالى 460 مستشفى عام 2010 انخفضت الآن إلى 391 مستشفى . بلغ إجمالى أسرة المستشفيات الموجودة حاليا 41125 سريرا.
2. قطاع عام (هيئات وزارة الصحة) يضم هيئة التأمين الصحى ولها 40 مستشفى، والمؤسسة العلاجية ولها 11 مستشفى، وهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية التى تضم 10 مستشفيات و9 معاهد متخصصة مثل معهد القلب والرمد وغيرها، بالإضافة إلى المراكز الطبية المتخصصة بوزارة الصحة والتى تضم 9 مراكز أورام و8 مستشفيات اليوم الواحد و19 مستشفى تضمها الأمانة العامة للصحة النفسية والأمانة العامة (مستشفيات أحادية التخصص) التى تضم 25 مؤسسة. إجمالى مستشفيات القطاع العام التابعة للحكومة 131 مستشفى، وبها 24828 سريرا. وبالتالى تصبح إجمالى المستشفيات التابعة للحكومة (1 + 2) 522 مركزا. يضاف إلى المستشفيات الحكومية 82 مستشفى جامعى تضم 27885 سريرا وتتبع وزارة التعليم العالى و 55 مستشفى تابعة لوزارات أخرى (مصلحة الشرطة والسجون 26 مستشفى، السكة الحديد 3 مستشفيات و26 مستشفى تتبع هيئات أخرى). وأفضل مؤشر على الحجم الثانوى لتلك المؤسسات أن إجمالى أسرتها يبلغ 2677 سريرا.
3. قطاع خاص (يضم حوالى 52000 عيادة، و27000 صيدلية وهى تقديرات صحفية لم نجد ما يؤكدها أو ينفيها فى إحصاء مركز التعبئة العامة والإحصاء على عكس البيانات التالية عن عدد المستشفيات الخاصة والأسرة التى توجد بالإحصاءات الرسمية وهى تقل عن الأعوام السابقة، فيما يبدو نتيجة للإغلاق بعد الثورة نتيجة الكساد وانعدام الأمان). أما البيانات الموثقة فهى 941 مستشفى خاص تضم 23393 سريرا بالإضافة إلى 454 منشأة ليس بها أسرة (المنشآت التشخيصية للأشعة والتحاليل أساسا).
الجدول رقم (1) يلخص كل قطاع من تلك القطاعات وعدد مستشفياته وأسِرَّته:
عدد المستشفيات عدد الأسرة عدد الأطباء عدد الممرضات
وزارة الصحة (قطاع حكومى) 391 41125 71673 125760
هيئات وزارة الصحة 131 24828 17250 23568
مستشفيات جامعية (تعليم عالى) 82 27885 5326 28317
جهات حكومية أخرى 55 3988 1873 1530
إجمالى حكومى 659 97826 113133 179175
قطاع خاص 941 24647 19806 16206
إجمالى عام 1615 123353 133731 196687
جدول رقم (1) عدد الأسرة والأطباء والتمريض بكل قطاع من القطاعات الحكومية. المصادر ii،
وفى رأينا أن ذلك الهيكل يمكن تقسيمه حسب الفاعلية ونسبة إشغال الأسرة إلى:
• هيكل فعال يحمل العبئ العلاجى الأساسى فى مصر وتزيد نسبة الإشغال فيه عن 50% وذو مستوى معقول من الممارسة الطبية، وهو يتكون من المستشفيات الجامعية ومستشفيات الهيئات العامة الحكومية مثل التأمين الصحى وهيئة المستشفيات والمعاهد التعليمية والمؤسسة العلاجية والمراكز الطبية المتخصصة بالإضافة للقطاع العام التى سبق توضيحها ويشمل حوالى 57% من الأسرة الحكومية، و42% من إجمالى الأسرة فى مصر (والتى يبلغ مجموعها حوالى 123 ألف سرير).
• هيكل مترهل ويشمل القطاع الحكومى الممثل بالمستشفيات المركزية والعامة والمستشفيات المتخصصة مثل الحميات والأمراض المتوطنة....الخ، بنسبة إشغال أقل من 50% وقد تصل إلى أقل من 10% ويفتقد للميزانية والمقومات الضرورية ويشمل حوالى 42% من الأسرة الحكومية، و33% من إجمالى الأسرة فى مصر شاملة القطاع الخاص. ويهمنا هنا أن نشير إلى أن ذلك الهيكل، هيكل المستشفيات العامة والمركزية كان لايزال فاعلا وبه نسبة إشغال تتجاوز 50% حتى عام 1984 ، إلا أن تدهور ميزانيات الصحة طوال عقد الثمانينات والتسعينات أدى إلى التدهور الشديد فى هذا الهيكل الضخم.
• هيكل خاص، وهو يضم 20% من الأسرة حسب الإحصائيات بنسب إشغال متدنية لا تتجاوز 18% ولا يجرى سوى 6% من العمليات الجراحية فى مصر .
تكاد النقطة الوحيدة التى يجمع عليها مختلف الكتاب فى الصحة هى شكاوى المواطنين من عدم رضائهم عن الخدمات الصحية فى مصر . إلا أن هذا بالطبع لا يعنى اتفاق الجميع إذ إن منطق النقد ونوع المشاكل يحدد طريقة العلاج.
لمحة عن كيفية تشكل الهيكل الصحى الحالى
معظم هيكل الخدمات الصحية الحالى تم بناؤه فى عهد ثورة 23 يوليو 1952 خلال الخمسينات والستينات، بالذات فى عهد تولى وزير الصحة الدكتور النبوى المهندس، أطول وزير تولى وزارة الصحة فى تاريخ مصر منذ إنشائها (أكتوبر 1961- إبريل 1968) وصاحب الفضل فى تنفيذ سياسة صحية لازلنا نعيش على إنجازاتها من حيث الأساس حتى اليوم.
كانت خطة النبوى المهندس هى توصيل الخدمة لكل سكان الجمهورية فى مكانهم، وكان التقسيم الإدارى للجمهورية وقتها هو وجود 25 محافظة بها 125 مركزا ويتبعها ثلاثة آلاف قرية. وكانت الخطة هى استكمال بناء 100 مستشفى مركزى (فى مراكز المحافظات المائة) تضم عادة 100 سرير ذات نمط موحد فى التصميم والتجهيز و25 مستشفى عام بكل منها 300 سرير على الأقل فى فى عواصم المحافظات الخمسة والعشرين الموجودة وقتها. كان يوجد قبلها حوالى 45 مستشفى فى عواصم المحافظات ومراكزها. أما فى الريف فقد تم التخطيط لبناء وحدة ريفية فى كل قرية ووحدة مجمعة (أكبر قليلا وبها عدد محدود من الأسِّرة وتضم وحدة زراعية وشئون اجتماعية وغيرها كمركز تنموى) لكل 10 قرى.
قام النبوى المهندس، فى مجال تطوير الرعاية الصحية الأولية، بإنشاء حوالى 1200 وحدة ريفية (حوالى 40% من المستهدف بالنسبة لثلاثة آلاف قرية)، وبإنشاء أكثر من 270 وحدة مجمعة (أكثر من 90% من المستهدف). كما تم استكمال العمود الفقرى للرعاية الصحية الثانية باستكمال خطة إنشاء مستشفيات مركزية بجميع المراكز ومستشفيات عامة بعواصم المحافظات كلها. وحظيت الرعاية الصحية الثالثية أو المهارية باهتمام كبير تعدى التوسع فى إنشاء المستشفيات الجامعية بالجامعات القائمة، فتم إنشاء جامعة أسيوط عام 1957، وبنيت مستشفى الأمراض الباطنية فى جامعة عين شمس، كما تم إنشاء معهد الأورام التابع لجامعت القاهرة (وهى تابعة إداريا لوزارة التعليم العالى وليس لوزارة الصحة). أما وزارة الصحة فقد إنشأت مجموعة من المعاهد المتخصصة برز بينها معهد القلب، معهد العلاج الطبيعى وشلل الأطفال، معهد التغذية وغيرها من المعاهد. وتضاعفت الطاقة السريرية للمستشفيات فى مصر من 1.2 سرير لكل 1000 مواطن فى الخمسينات من القرن العشرين إلى 2.2 سرير لكل ألف مواطن طوال الستينات.
وبهذا تم تأمين شبكة كاملة من الرعاية الصحية الأولية والثانوية والثالثية عبر البلد بكاملها. لقد تمثلت الرعاية الصحية الأولية فى الوحدات الريفية، وحدة بكل قريتين إلى ثلاث قرى تقريبا، والوحدات المجمعة، وحدة لكل 11 قرية تقريبا، غير شبكة المراكز الصحية بالمدن والعيادات الخارجية بالمستشفيات التى لا تخلو منها مدينة واحدة من مدن الجمهورية مما جعل 95% من سكان مصر لا يبعدون أكثر من 5 كيلومترات من وحدة تقديم خدمات صحية . كما تمثلت شبكة الرعاية الصحية الثانوية فى مئات من المستشفيات المركزية والعامة والمتخصصة (الحميات، الصدر..الخ) فى كل المدن. كما تم إدخال مصر بقوة فى الرعاية الصحية المهارية الثالثية من خلال شبكة قوية متمثلة فى المستشفيات الجامعية، والمعاهد التخصصية كما أسلفنا.
وبالطبع كان لابد وأن يترافق كل ذلك مع زيادة الإنفاق الصحى، فتطور نصيب الإنفاق الصحى من الموازنة العامة للدولة. لقد كان نصيب الصحة 4.1% من الإنفاق الحكومى فى أعوام 1936 و1940، ثم انخفض فى أعوام 1945، 1950 و1955 إلى 3.8%، 3.7% و3.8% على التوالى. ولكنه ارتفع إلى أقصى معدل له حتى الآن فى الستينات حيث بلغ 5% عام 1965. ولابد من توضيح أن تلك النسب كانت تعد نسبا هائلة بمقاييس ذلك العهد وفى ظل المستوى المحدد من التطور الطبى، خصوصا وقد كان الإنفاق العام فى الميزانية الحكومية يمثل 80% تقريبا من الناتج المحلى الإجمالى فى الستينات، وهو ما تغير بعد ذلك بعقود. أما النسب العالمية فازدادت كثيرا فيما بعد. ولكن فى مصر انتهت تلك الفترة بهزيمة 1967 وتقليص ميزانية الخدمات لكى يهبط نصيب الصحة إلى 1.6% من الإنفاق الحكومى عام 1970.
ويهمنا أن نوضح هنا أن هناك ثلاثة مصادر أساسية لتمويل الخدمات الصحية: تمويل من الخزانة مباشرة، أى من عائد الضرائب من الإنفاق الحكومى، والإنفاق المجتمعى من خلال التأمين الصحى الاجتماعى الشامل. وتعرف منظمة الصحة العالمية التأمين الصحى بالتعريف التالى: "التأمين الصحى هو وسيلة لدفع بعض أو كل تكلفة الرعاية الصحية، فهو يحمى المؤمن عليهم من دفع التكلفة العالية للعلاج فى أحوال المرض. و أساس التأمين الصحى هو قيام المستهلك بدفع اشتراك منتظم لمؤسسة إدارية تعد هى المسئولة عن إدارة تلك المدفوعات فى نظام لدفع نفقات العلاج إلى مقدمى الخدمة الصحية" المستند لمبدأى التضامن والتكافل بين المنتفعين، وتوسيع دائرة المشاركة فى المخاطر . والنوع الثالث من التمويل هو التمويل الخاص. هناك أيضا التمويل الخيرى سواء فى مستشفيات الجاليات الأجنبية فى النصف الأول من القرن العشرين، وكذلك حاليا فى المستوصفات الملحقة بالمساجد والكنائس والجمعيات الخيرية، وهى حاليا ذات وزن محدود وقد أغفلناها فى هذا التحليل.
وكان النمط السائد للتمويل فى تلك الفترة هو التمويل الحكومى للخدمات الصحية. إلا أن نوعا جديدا من التمويل برز فى تلك الفترة منذ عام 1964 وهو التأمين الصحى الاجتماعى.
والانتقال –جزئيا- من نمط التمويل الحكومى إلى نمط التمويل التأمينى أرجعته الحكومة إلى التقدم التكنولوجى فى الطب وارتفاع تكلفة العلاج بحيث أصبحت ميزانية الحكومة تنوء بها. وصحب الانتقال من العلاج المجانى بمستشفيات الدولة إلى العلاج المدفوع الأجر فى صورة اشتراك التأمين الصحى وعودا بتحسين مستوى الخدمة أرقى من مستشفيات الحكومة المجانية. وعند دراسة نمطى تطبيق التأمين الصحى: التدرج الجغرافى فى التطبيق محافظة إثر أخرى مثلا، أو التدرج القطاعى اختار القائمون على الأمر التدرج القطاعى لسهولته النسبية، بدءا بقطاعات العاملين المنتظمين فى الحكومة ثم القطاع العام. وكانت النظرة وراء هذا هو أن البدء بالقوى العاملة يرفع الإنتاج ويزيد الدخل بما يسمح بتطوير تعميم التأمين الصحى. وبدأ التطبيق بأعداد محدودة تمثلت عام 1964 بسبعين ألف مواطن بالقاهرة و140 ألفا بالإسكندرية. وبالطبع استمر العلاج المجانى هو الوسيلة الأساسية للعلاج، ولكن ظهر بجانبه كل من القطاع الخاص والقطاع التأمينى.
تطور السياسة الصحية فى زمن الانفتاح منذ عام 1974
ودارت فى السنوات الماضية، بالذات منذ عام 2005 وحتى الآن معركة كبيرة بين تيارين أساسيين لعلاج مشاكل الوضع الصحى: فمو ناحية برز رأى جهات التمويل الدولية، بالذات هيئة المعونة الأمريكية والبنك الدولى والمفوضية الأوروبية، وسارت على إثرهما الحكومة المصرية، وهى ترى أن خصخصة الخدمات الصحية وإخضاعها لآليات السوق (العرض والطلب وجهاز الثمن) الوسيلة المثلى لحسن استخدام الموارد الحكومية. بينما برز فى المقابل جبهة واسعة معارضة لخطة الخصخصة برز فى الدور القيادى منها كل من جمعية التنمية الصحية والبيئية ولجنة الدفاع عن الحق فى الصحة.
وقد قام البنك الدولى بعمل 6 دراسات ضخمة عن الصحة فى مصر بين أعوام 1992-96 لخصها فى كتاب سابع وفى توصيات شهيرة قدمت إلى هيئة المعونة الأمريكية فى مصر وإلى الحكومة المصرية ننقل منها أهم تلك التوصيات:
1. "توسع في تطبيق استرداد التكاليف في المستشفيات الحكومية أياً كانت تبعيتها
2. اسمح للممارسين العلاجيين من القطاع الخاص باستخدام مستشفيات الوزارة
3. وظف الآلية التحليلية التي تستهدف "أعلى مردود بأقل تكلفة"، لتحقيق حزمة الانتفاع الأساسية لكل مواطن، التي تساندها الوزارة (الرعاية الصحية الأولية + الوقاية)
4. لا وظائف مضمونة، أنقص عدد الأفراد الحالي
5. حدد اشتراكات المنتفعين على أساس التكلفة الفعلية مع توظيف الإسهامات
6. حدد و تبنى حزم انتفاع صحية ملائمة لقدرات المواطنين
7. جدول بيع أو نقل وحدات تقديم الخدمة الحالية (المستشفيات، الوحدات المجمعة، العيادات) إلى القطاع الخاص أو إلى منظمات القطاع العام الاقتصادية (وحدات بأجر)" (النص مقتبس بدون تغيير والتسلسل والترقيم من عندنا لأن البنود هى فقط بعض البنود المختارة، وقد رقمناها تسهيلا للاقتباس فيما سيلى).
وتعنى تلك التوصيات من حيث المضمون عددا من التغيرات الهامة: فمن ناحية تنقل التأمين الصحى من تأمين اجتماعى يساوى بين المواطنين فى حزمة خدمات واحدة شاملة تشمل عمليا جميع الأمراض إلى تأمين يحمل ملامح التأمين التجارى من ناحية تعدد الحزم التأمينية حسب قدرة المواطنين على الدفع، فالفقير يعالج من أمراض محدودة حسب قدرته على الدفع بينما يعالج الأكثر غنى من أمراض أكثر (مادة 6 حسب ترقيمنا). ولا تستهدف تعميم الخدمات الصحية على غير المنتفعين (ما يسمى بتوسيع مظلة التأمين الصحى لكى تشمل جميع المواطنين) إلا فى حدود حزمة انتفاع أساسية ضيقة لخدمات الرعاية الصحية الأولية شاملة الوقاية فقط (مادة 3). وترمى التوصيات إلى زيادة أعباء المواطنين المنتفعين بالتأمين الصحى، فالمواطن حاليا يقتصر ما يدفعه على اشتراك التأمين، ولكن التوصيات تدعو إلى توظيف المساهمات، ولفظ المساهمات يعنى أن يتحمل المواطن نسبة مئوية من تكلفة الإجراءات العلاجية التى تقدم له كما ظهر فى كل مشروعات تعديل قانون التأمين الصحى كما سيأتى بيانه (مادة 5). وأخيرا تدعو تلك التوصيات صراحة إلى تغيير ملكية الأصول الصحية بنقلها إلى القطاع الخاص أو بتحويلها من مشروعات خدمية إلى مشروعات ربحية اقتصادية بأجر (مادة 7)، وأرقام المواد تعود هنا على أول مسودة لقانون التأمين الصحى طرحتها الحكومة عام 2005.
مثلت تلك التوصيات أساسا لمشروع الإصلاح الصحى الذى تم توقيعه بين الحكومة المصرية ممثلة فى وزير الصحة الدكتور إسماعيل سلام وبين رئيس البنك الدولى ممثلا للجهات المانحة، والتى تضم بالإضافة إلى البنك الدولى هيئة المعونة الأمريكية والمفوضية الأوروبية فى عام 1998.
وتمثل القطب الآخر فى الرأى فى لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، وهى تحالف عريض من عدد من منظمات المجتمع المدنى تألف فى إبريل 2007 كرد فعل على صدور قرار رئيس الوزراء بتأسيس الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية. وتألفت اللجنة من جمع من الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني والأفراد الذين يؤمنون بإن الصحة هي في المحل الأول حق أساسي من حقوق الإنسان وأن جميع البشر متساوون في الحصول علي الخدمات الصحية المتكاملة ليعيشوا في صحة جيدة.
خصوصية مستشفيات التكامل
توضح المؤشرات العامة فى نشرة إحصاء الخدمات الصحية لسنة 2006 أن إجمالى عدد المستشفيات فى مصر هو 1782 مستشفى تحتوى على 134910 سريرا. من هذه المستشفيات 664 مستشفى قطاع خاص تحتوى على 17871 سريرا. أى أن إجمالى المستشفيات الحكومية والقطاع العام فى عام 2006 هو 1208 مستشفى تحتوى على 117039 سريرا.
بينما توضح المؤشرات العامة فى عام 2014 أن العدد الإجمالى للمستشفيات فى مصر هو 1615 مستشفى بها 123353 سريرا من هذه المستشفيات 941 مستشفى قطاع خاص تحتوى على 24647 سريرا. أى أن إجمالى المستشفيات الحكومية والقطاع العام فى عام 2014 هو 674 مستشفى تحتوى على 98706 سريرا.
نصيب القطاع الخاص زاد بين العامين المذكورين (2006، 2014) من 664 إلى 941 مستشفى، وزادت أسرتها بنسبة 40% تقريبا. ولكن مستشفيات القطاع الحكومى والعام نقصت فى نفس الفترة بمقدار من 1208 مستشفى إلى 674 مستشفى، ونقصت أسرتها من 117039 سريرا إلى 98706 سريرا بنسبة حوالى 16%. أين ذهب الفرق المقدر ب 534 مستشفى؟
يعود هذا إلى وزارة الدكتور حاتم الجبلى (2005- 2011) التى اتخذ فيها قرارا فى فبراير 2008 بإغلاق حوالى 70 مستشفى حميات (تم تحويل 4 منها بعد ذلك إلى مستشفيات مركزية) من أصل 106 مستشفى حميات. كما تم إغلاق مستشفيات التكامل (397 مستشفى تحتوى على تسعة آلاف سرير) والمستشفيات القروية بتحويلها إلى عيادات صحة أسرة بإجمالى حوالى 500 مستشفى، وهذا هو معظم النقص المقدر بأكثر من 500 مستشفى بها حوالى 20000 سرير. فما هى قصة تلك المستشفيات؟
تم إنشاء المستشفيات القروية منذ الأربعينات بخطة لحكومة الوفد لإنشاء مستشفى قروى لكل 30000 نسمة من سكان الريف، ولكن لم يتم ذلك المشروع لنهايته. أما مستشفيات التكامل فتم إنشاؤها بمنحة من المفوضية الأوروبية فى عهد الدكتور عاطف صدقى، وكان المنطق منها أن تكون مستشفيات تكامل بين الوحدات الريفية وبين المستشفيات المركزية لتقديم خدمة عيادات خارجية متكاملة بما فيها عيادة الأسنان، بالإضافة إلى جهاز أشعة ومعمل وغرفة عمليات لإجراء العمليات الصغرى والمتوسطة مثل الولادات العادية والقيصرية والزائدة والفتاق وغيرها تخفيفا على كل من أهل القرى لعدم السفر لأماكن بعيدة لإجراء مثل تلك العمليات، وأيضا تخفيفا على المستشفيات المركزية والعامة.
ويأتى نص قرار إنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية لكى ينقل للشركة الجديدة كافة أصول التأمين الصحى من مستشفيات وعيادات وغيرها إلى الشركة الجديدة بالقيمة الدفترية، ويتيح للشركة التصرف فيها بالبيع أو التصرف فى محافظها المالية أو طرح أسهمها فى البورصة (مادة 2). وينص القرار على أن الهدف الرئيسى للشركة هو معاظمة العائد (مادة 7)، أى زيادة الربح. ويسرى على الشركة القابضة ما يسرى على شركات قطاع الأعمال العام من حيث توزيع الأرباح والاحتياطات (مادة 11). وهو بهذا يغير طبيعة الهيئة من هيئة غير ربحية إلى شركة ربحية.
ولهذا يرى البيان التأسيسى للجنة الدفاع عن الحق فى الصحة أن الحكومة تسعى إلى خصخصة الصحة والعلاج تطبيقا لمشروع الإصلاح الصحى على محورين: تعديل العلاقة بين المنتفع وهيئة التأمين الصحى من خلال مشروع قانون التأمين الصحى الجديد الذى يحول التأمين الصحى من تأمين اجتماعى إلى تأمين تجارى، وتغيير شكل ملكية المستشفيات إلى هيئات ربحية من خلال مشروع الشركة القابضة لإدارتها على أسس تجارية والتمهيد لبيعها.
وقامت اللجنة من خلال ثلاث من المنظمات التابعة لها برفع قضية أمام محكمة القضاء الإدارى يطالب بإلغاء قرار إنشاء الشركة القابضة وفى الشق المستعجل بوقف تنفيذ القرار لحين البت فى الشق الموضوعى. وأصدرت محكمة القضاء الإدارى حكما تاريخيا بوقف التنفيذ فى 4 سبتمبر عام 2008، ليس فقط لوقف القرار ولكن لما اشتمل عليه من حيثيات ننقل منها:
أن "الرعاية الصحية ليست مجالا للاستثمار والمساومة والاحتكار" و "أن الاتجاه للاقتصاد الحر لا ينبغى أن يسلب حق المواطن الرعاية الصحية عن طريق الدولة، ومن القواعد ألا تتخلى الدولة عن دورها فى الخدمات الاجتماعية أو الصحية أو تعهد بها إلى وحدات اقتصادية (أى الشركة القابضة وشركاتها التابعة) حتى ولو كانت تابعة لها لأنها تهدف إلى الربح" (التشديد وما بين الأقواس من عندنا).
أما المحور الآخر للخصخصة كما رأته لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، والمتمثل فى مشروع قانون التأمين الصحى الجديد، والذى صدرت مسودته الأولى فى مايو عام 2000 وصدرت له حوالى خمسين مسودة حتى الآن آخرها مؤرخ فى 27 أكتوبر 2016 وموجود على موقع النقابة العامة لأطباء مصر . وتشترك كل المسودات فى جوهر العيوب المطروحة أسفلة وإن اختلفت بعض التفصيلات الهامة. يأتى البيان التأسيسى للجنة الدفاع عن الحق فى الصحة لكى ينتقد القانون فى التالى: تحل الحكومة ما تتحدث عنه من مشاكل تمويل عن طريق "تقليص نطاق الخدمة: فلا تصبح الرعاية التأمينية شاملة لكافة الخدمات العلاجية الأولية و الثانوية و الثالثية بل تقتصر على الرعاية الصحية الأولية و الثانوية فقط و تخرج منها الخدمات الثالثية المهارية المكلفة (ضرب الوزير مثلا لذلك فى أحد أحاديثه باستثناء علاج الفشل الكلوى من خدمات التأمين!)، واصطناع حزم تأمينية متعددة، فتعميم التأمين الصحى على غير المؤمن عليهم يقتصر فى المدى المنظور على الرعاية الصحية الأولية، ويتقلص نطاق التأمين الحالى كما أوضحنا على الرعاية الأولية و الثانوية (الإكلينيكية العادية)، و يترك أمر الرعاية الثالثة المهارية المتقدمة المسماه بحزمة الكوارث بالكامل للشركات الخاصة لمن يقدر على أسعاره العالية. (تغير هذا الجزء فقط بعد الثورة استجابة للضغوط المتواصلة للمعارضة فتم إدماج الرعاية المهارية أو ما يسمى بحزمة الكوارث فى حزمة الخدمات التأمينية العلاجية، وإن ظل مبدأ تقديم حزم علاجية وعلاج منتقص) ويمثل هذا إهدارا لمبدأ المساواة بين المواطنين فى تلقى الخدمات العلاجية باستحداث مبدأ التأمين الصحى التجارى بوجود حزم علاجية متعددة فيمكن لكل مواطن أن يصبح زبونا يدفع على قدر ما يستطيع و يأخذ على قدر فلوسه، ومساهمة المواطنين عند تلقى الخدمة بدفع ثلث تكلفة العمليات والفحوص والإقامة والأدوية". وعند مقارنة النسخة الأولى بالنسخة الأخيرة لمشروع قانون التأمين الصحى يتبدى أثر المقاومة فى التلطيف فى حدة العديد من البنود، فقد اقتصرت مساهمات المواطنين (نسبة من التكلفة) دفع نسبة على التحاليل (10%) والأشعات (20%) فى العيادة الخارجية واستبعد منه القسم الداخلى بدلا من نسبة الثلث فى الأشعات والتحاليل والأدوية والإقامة والمستشفيات والعمليات. وتم تحديد الرسوم (المبالغ المقطوعة التى تدفع لقاء إجراءات معينة) بمقابل الكشف (يتراوح بين 3 جنيهات للممارس و5 جنيهات للإخصائى و10 للاستشارى، غير 5 جنيهات على كل صنف من الأدوية). ولكن ظلت ملامح الخصخصة وتحويل التأمين الصحى الاجتماعى إلى تجارى، ليس فقط فى الرسوم والمساهمات التى يمكن أن تصل إلى مئات الجنيهات شهريا، بل أيضا فى الانتقاص من الخدمات. ومن الغريب أن مشروع القانون ينص على أن الرسوم تزيد سنويا بنسبة التضخم (رغم أن الأساس أن الأجور هى التى يجب أن تزيد بنسبة التضخم، وهو غير موجود فى مصر، فالحكومة تزيد ما تأخذه فقط!). وقد خلت آخر مسودة للقانون من حزمة الخدمات (التى تحدد الأمراض التى تعالج) وأحالها القانون للائحة التنفيذية التى يصدرها وزير الصحة ويملك تغييرها فى أى وقت وينتقص من حزمة الخدمات. بل تنص المادة 15 من المشروع الجديد على إعادة النظر فى قيمة الاشتراك وحزمة الخدمات كل خمس سنوات كحد أقصى. أما فى التأمين الصحى على طلاب المدارس فالوضع فى القانون الحالى هو أن ولى الأمر يدفع اشتراكا سنويا، 4 جنيهات، وتدفع الدولة لكل طالب 12 جنيها، ويستكمل التمويل من الضريبة المفروضة على السجائر. أما آخر مسودة لمشروع القانون فتلغى مساهمة الدولة، وتضاعف مساهمة ولى أمر الطالب خمسة عشر ضعفا، من 4 جنيهات سنويا إلى 0.5% من مرتب الوالد بحد أدنى 5 جنيهات شهريا تدفع مع المصروفات المدرسية دفعة واحدة (60 جنيها) لكى تضاعف من المصاريف المدرسية لأكثر من 100 جنية سنويا ولتدفع أولياء الأمور الفقراء إلى تسريب أبنائهم من التعليم تفاديا لمصروفات مدارس تفوق 400 أو 500 جنيها سنويا لمن له 4 أو 5 أطفال.
لقد تمثلت الملامح الأساسية الحل البديل الذى قدمته لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة ومختلف التيارات الوطنية لأزمة الصحة فى بلادنا فى مضاعفة الإنفاق على الصحة ثلاث مرات، من أقل من 5% من إجمالى الإنفاق الحكومى حاليا إلى 15% النسبة الموصى بها من قبل إعلان قمة أبوجا للقادة الأفارقة الذى نقل تلك التوصية من مقررات قمة الألفية لكوفى عنان سكرتير عام الأمم المتحدة وقتها. إن ضآلة الإنفاق هى السبب الرئيسى لافتقاد الجودة، أما الحكومة فترفع شعار الجودة ستارا لخصخصة المؤسسات الوطنية.
والحل الثانى هو إدماج هيكل الخدمات الحكومية فى هيكل تأمينى واحد خدمى غير ربحيى، وهو ما يتناسب مع تعميم التأمين الصحى على كل الشعب المصرى.
والحل الثالث هو قانون عادل للتأمين الصحى الاجتماعى وليس التجارى، الذى يساوى بين جميع المواطنين فى حزمة واحدة من الخدمات المتكاملة ويومن لهم العلاج من جميع الأمراض، لقاء اشتراك فقط دون أى مدفوعات إضافية من رسوم ومساهمات تمثل حاجزا أمام الفقراء يمنعهم من الوصول للعلاج.
ويضاف إلى ذلك تطوير التعليم الطبى بأقسامه الثلاث: التعليم الجامعى، والدراسات العليا، والتعليم الطبى المستمر، على أن يكون ذلك على حساب مؤسسات العمل والدولة وليس بخصخصته كما يجرى حاليا. كما يجب من خلال ذلك الأخذ بالأسس العلمية فى التشخيص والعلاج فيما عرف بالخطوط المرشدة فى التشخيص والعلاج.
وأخيرا يأتى ترقية منظومة العمل الإدارية والمالية والعلمية لتطوير الأداء، وإعمال مبدأ مشاركة المنتفعين فى الرقابة على الإدارة.
إن بلادنا تخوض معارك متعددة من أجل مقاومة الخصخصة ومن أجل اقتحام المستقبل، مما يستلزم أوسع مساهمة ديمقراطية من الجميع وأوسع يقظة شعبية ممكنة لتحقيق حق شعبنا فى الصحة.
النظام الصحى المصرى الحالى مقارنة بالعالم
نود بداية أن نحلل مؤشرات الهيكل الصحى المصرى الحالى من واقع البيانات التى استعرضناها سابقا، ونلخصها فى الجدول رقم (2).
أسرة/ 1000 مواطن أطباء/ 1000 مواطن تمريض/ 1000 مواطن
ق ح 1.2 ق ح 1.3 ق ح 2.1
ح+خ 1.4 ح+خ 1.5 ح+خ 2.3

جدول رقم (2) المصادر بخصوص الأرقام هى المذكورة فى مصادر جدول (1) والحسابات من عندنا. ق ح: قطاع حكومى شاملا القطاع العام، ح+خ قطاع حكومى مضافا إليه القطاع الخاص
نود هنا أن نقارن بين الوضع الراهن لتوافر المقومات الأساسية للخدمات الصحة من ناحية عدد أسرة المستشفيات لكل 1000 مواطن، عدد الأطباء لكل 1000 مواطن، وعدد الممرضات لكل 1000 مواطن مقارنا بمواقع مختلفة من العالم. قبل أن نقارن نود الإشارة إلى أن مصر فى مجال الهيكل الطبى الحديث لا يجب أن تقارن بنظائرها من دول العالم ذات متوسط الدخل المنخفض، أى التى تقع فى نفس تصنيفها، نظرا لأنها تسبق جميع هذه الدول فى نشأة النظام الصحى الحديث بها منذ عام 1827 على يد محمد على، كما إنها تعرف كليات الطب الحديثة والمستشفيات الحديثة منذ القرن التاسع عشر. وعرفت مصر صناعة الدواء والكيماويات الدوائية منذ تأسيس شركة مصر للكيماويات والمستحضرات الدوائية على يد طلعت حرب منذ عام 1939، لهذا رأينا أن نقارن مصر بالمتوسط العالمى، ثم بالدول ذات الدخل المتوسط المرتفع وليس المنخفض. ونوضح فى جدول المقارنة رقم (3) المؤشرات الأساسية لتوافر الخدمات الصحية فى مصر مقارنا بمختلف دول العالم:
عدد الأسرة/ 1000 عدد الأطباء/1000 الممرضات/1000
مصر (شاملا القطاع الخاص) 1.4 1.5 2.3
متوسط العالم 2.9 1.39 2.86
الدول ذات الدخل المتوسط العالى 4.9 2.87 8.82
جدول رقم (3) مصدر الإحصاءات المصرية سبق ذكره فى جدول (1)، مصدر البيانات العالمية الإحصاءات الصحية العالمية، منظمة الصحة العالمية بالإنجليزية
النظام الصحى الصالح لمصر من وجهة نظرنا وخطوات إنجازه:
بتحليل معطيات الجدول رقم (3) نجد أن توافر الاسرة العلاجية فى مصر (1.4 سرير لكل 1000 مواطن) يقل عن نصف المتوسط العالمى (2.9 سرير/1000 مواطن) ويقل عن ثلث متوسط الدول متوسطة الدخل المرتفع (4.9/1000 مواطن). بل إنه يقل بشدة عن مصر نفسها طوال عقد الستينات التى كانت نسبة الأسرة فيها 2.2/1000 مواطن. فإذا وضعنا مستهدفا متواضعا يصل بنا إلى النسبة التى كنا عليها فى الستينات لوجدنا أننا نحتاج إلى 191400 سريرا. ولما كان المتوافر حاليا فقط 133731 سريرا فإن عجز الأسرة الحالى يساوى 43%. ولم نضع فى اعتبارنا أن معظم المستشفيات القائمة بالذات المستشفيات العامة والمركزية تم بناؤها فى الستينات من القرن الماضى، أى مضى على بنائها حوالى نصف قرن، وتحتاج إلى ترميم كثيف أو إلى هدم وإعادة بناء (وبعضها بالفعل آيل للسقوط)، مما يزيد من هيكل الخدمات الطبية المطلوب إنشاؤه.
كما أن توافر الأطباء حاليا الذى يقترب من المتوسط العالمى ويقترب من نصف معدل الدول متوسطة الدخل المرتفع. فإذا كان المعدل المطلوب هو طبيبين لكل 1000 مواطن (وهو حتى يساوى المعدل الذى رآه حاتم الجبلى مناسبا) فإن عجز الأطباء الحالى يساوى 30%.
أما بالنسبة للتمريض الذى تبلغ نسبتة ما يقرب من ثلث الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع، فإننا نرى أن معدل 5 ممرضات لكل 1000 مواطن (2.5 ممرضة لكل طبيب) يجعل عندنا احتياجا ل435000 ممرضة بنسبة عجز تساوى 55%.
نلاحظ أننا فى كل هذه النسب قمنا بحساب كل الإمكانيات فى مصر الحكومية والخاصة وخرجنا بنسب العجز الضخمة تلك مما يوضح احتياجنا الشديد لتلك المقومات الأساسية التى بدونها لا يمكن الحديث عن هيكل صحى حديث وكفء وفعال.
من هنا نرى عدم صحة وتداعى تفسير مؤسسات التمويل الدولية لمشاكل الهيكل الصحى المصرى الذى يقتصر على أن المشكلة الأساسية هى الجودة. وتطرح حلا للجودة يساوى الخصخصة . فمن المعروف أن الجودة لا تتحقق إلا بعد توافر المقومات الأساسية، ومشكلاتنا ليست فى تطبيق معايير الجودة على القطاع العام والخاص إلا إذا كانت الجودة ستارا للتخلص من الهيكل الحكومى وخصخصته. نحن لا نرفض بالقطع معايير الجودة العلمية (وليس المختلطة بمعايير الجودة السوقية)، ولكننا نرى بتواضع أن التحدى المباشر أمامنا هو فى توفير المقومات الأساسية للخدمة مادمنا نعانى عجزا فى أسرة المستشفيات بنسبة 43%، وعجزا فى الأطباء بنسبة 30%، وعجزا فى الممرضات بنسبة 55%.
إننا نرى أن إنشاء نظام صحى جديد لابد وأن يرتكز إلى القضاء على فوضى النظام الصحى بتوحيد هيكل الخدمات الصحية الحكومية فى نظام تامينى غير ربحى وشامل لكل المواطنين. يوفر تأمينا صحيا شاملا. كما إننا نرى أن السبب الرئيسى لمشاكل نقص المقومات الأساسية للخدمة الطبية هو نقص التمويل المطلوب لسد العجز فى هيكل الخدمات من مستشفيات وأَسِرَّة، ولإقرار هيكل أجور عادل للأطباء والتمريض والفنيين والإداريين العاملين فى الحقل الصحى بحيث نشجع الكوادر الفنية بالذات من أطباء وتمريض وفنيين على البقاء فى مصر بدلا من الكم الهائل منهم الذى يعمل فى الخليج، بل واستعادة قسم من الطيور المهاجرة بحثا عن لقمة العيش.
ونلخص مطالبنا فى إنشاء هيكل صحى كفء وعادل فى المطالب التالية:
1- الالتزام بالمادة 18 من الدستور بألا يقل الإنفاق الصحى عن 3% من الناتج القومى الإجمالى (وهى فى هذا العام 1.9% من الناتج القومى الإجمالى) تزداد تدريجيا لتصل إلى المعدلات العالمية وهى تدور حول 6%.
2- توفير بند تمويل بناء الأصول ببناء مستشفيات جديدة وترميم القابلة للترميم للقضاء على عجز أسرة المستشفيات البالغ 43%.
3- توفير هيكل أجور عادل للأطباء لحل مشكلة العجز فيهم البالغ نسبته 30%.
4- توفير هيكل أجور عادل للممرضات الذين يبلغ العجز فيهم 55%.
5- تعميم التأمين الصحى الاجتماعى الشامل على كل المصريين.
6- توحيد الهيكل الحكومى المصرى فى هيكل تأمينى واحد غير ربحى.
7- رفض كل محاولات الخصخصة للهيكل الحكومى الحالى سواء بالبيع أو بالمشاركة مع القطاع الخاص، لأن هذا معناه زيادة تكلفة التأمين الصحى بإضافة نسبة الربح إليه، ونظرا لمشاكل تمويل التأمين الصحى فى مصر فإنه من العبث الحديث عن بيع جزء منه للصرف على الباقى، فنحن نحتاج إلى ما هو أكثر من الهيكل الموجود، وتقتضى الكفاءة الاقتصادية أن يتحمل التأمين الصحى تكلفة علاج المواطنين واللجوء إلى القطاع الخاص (وخدماته محملة بالربح بالطبع) فى الحدود التى تقتضيها الضرورة وبتعاقدات نزيهة وشفافة، ولكن الحرص على أن يظل الهيكل الأساسى هيكلا حكوميا غير ربحى.
دكتور محمد حسن خليل, منسق لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة
27 ديسمبر 2016
المصادر
عبد الخالق فاروق: الصحة وأحوال الفقراء فى مصر. الناشر: مكتبة الشروق الدولية، 2013. الفصل الأول المبحث الأول.
"النشرة السنوية لإحصاء الخدمات الصحية لعام 2010 الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الصادر فى أكتوبر 2011 مرجع رقم 71- 12323 /2010
اعتمدت الأرقام المذكورة هنا وفى المقال عموما على "النشرة السنوية لإحصاءات الخدمات الصحية لعام 2014 الصادر فى ديسمبر 2015 مرجع رقم 71- 12422 – 2014.
الكتاب الذهبى، وزارة الصحة، 1936-1986، بدون مؤلف، 1986.
النشرة الإحصائية...2014، مصدر سابق
عبد الخالق فاروق، مصدر سابق
النشرة السنوية لإحصاءات الخدمات الصحية لعام 2014، مصدر سابق، و عبد الخالق فاروق، مصدر سابق بالنسبة للبيانات، أما الرأى والتقسيم فإنه خاص بنا.
صدفه محمد محمود، مارى كلير سامى، نجوان فاروق شيحه. (2006) استطلاع رأى المواطنين في خدمات التأمين الصحى الحكومي. القاهرة: مجلس الوزراء، مركز المعلومات و دعم اتخاذ القرار
سيلفيا شيفولو، "الطب والأطباء فى مصر" 1997 ترجمة ماجدة أباظة، المشروع القومى للترجمة 2006 والكتاب الذهبى، مرجع سابق بهما كل التطورات
الكتاب الذهبى، وزارة الصحة، مرجع سابق.
Ministry of Health, Egypt, and Health Systems 20/20. National Health Accounts 2007/2008: Egypt. Bethesda, MD: Health Systems 20/20 project, Abt Associates Inc. September 2010.
الكتاب الذهبى، مرجع سابق.
Conn & Walford - An introduction to Health Insurance for Low Income Countries (1998) The Health Systems Resource Centre. )It is managed for the UK Department for International Development by the Institute for Health Sector Development).
Conn & Walford - An introduction to Health Insurance for Low Income Countries (1998) Health Systems Resource Centre. )It is managed for the UK Department for International Development by the Institute for Health Sector Development).
رفعت رضوان، فلسفة التأمين الصحى فى جمهورية مصر العربية. إصدار الجمعية العلمية للتأمين الصحى الاجتماعى بالقاهرة، ط2 1995.
رفعت رضوان، فلسفة التأمين الصحى، مرجع سابق.
عبد الخالق فاروق: مرجع سابق، المقدمة.
McEuen, Mark. August 1997, Assessing Health Sector Policy Reform Strategies in Egypt: A summary of PHR Analysis. Technical Report No. 5 Volume VII. Bethesda, MD: Partnerships for Health Reform Project, Abt Associates Inc.
مأخوذ من البيان الثانى للجنة الدفاع عن الحق فى الصحة من موقعها على الإنترنت http://el7a2felse7a.wordpress.com
نشرة إحصاء الخدمات الصحية عام 2006 صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء مرجع رقم 71- 12323/2006 إصدار يونية 2008
النشرة السنوية لإحصاءات الخدمات الصحية لعام 2014 مرجع سابق.
أنظر س وج ما لا تعرفه عن مستشفيات التكامل على موقع برلمانى على الإنترنت بالرابط التالى: http://m.parlmany.com/News/5/148322/%C2%AB%D8%B3-%D9%88-%D8%AC%C2%BB-%D9%85%D8%A7-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84
وانظر أيضا: "انفراد أسماء مستشفيات التكامل بعد قرار الرئيس ببيعها" للصحفى ضياء السييرى على الرابط http://www.albawabhnews.com/2285521
نص القرار كما صدر فى ملحق الجريدة الرسمية بتاريخ 21 مارس 2007 حيث حمل قرار رئيس الوزراء رقم 637.
نص البيان موجود على موقع اللجنة على الإنترنت http://el7a2felse7a.wordpress.com
منقول عن نص حكم محكمة القضاء الإدارى فى القضية رقم 21550 لسنة 61 قضائية
الموقع هو http://www.ems.org.eg
البيان التأسيسى للجنة الدفاع عن الحق فى الصحة، مصدر سابق
يمكن فى هذا مراجعة كافة بيانات لجنة الدفاع عن الحق فى الصحة وهى مع الأسف ليست كلها منشورة على الموقع المذكور، ولكنها منشورة بمختلف الصحف ويمكن الاطلاع عليها عند إجراء أى بحث على الإنترنت.
أنظر مواد متعددة بدءا من نص الإعلان حتى آخر تحديث بمناسبة مرور عشر سنوات على الإعلان، والأخير موجود على الموقع التالى: http://www.who.int/healthsystems/publications/abuja_declaration/en/index.html
World Health Statistics 2015, I.World Health Organization, ISBN 978 92 4 156488 5 (NLM classification: WA 900.1) ISBN 978 92 4 069443 9 (PDF)
National Health Accounts 2007/2008, IBID




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,225,400,471
- مشروع قانون التأمين الصحى الجديد يسلب الشعب مستشفياته
- انتخاب ترامب والتوازن العالمى للقوى
- قلب العالم العربى والثورات ومواجهة الإمبريالية
- بديل الصندوق
- نرفض قرض صندوق النقد الدولى، نرفض وضع مصر على طريق اليونان
- ثورة إنصاف الأغنياء!
- بريطانيا والاتحاد الأوروبى بين العبث والدوافع الحقيقية
- البنك الدولى والعدالة الاجتماعية
- العالم العربى بين أمس والغد
- عشر سنوات من مشروعات قانون التأمين الصحى
- اللحظة السياسية الراهنة وتكتيكات اليسار المصرى
- المطر يفضح الفساد
- سحب الغضب تتجمع
- التقشف وصحة اليونانيين
- عام على حكم السيسى
- تناقضات الثورة اليمنية ومحيطها العربى والإقليمى
- الأزمة السياسية ومستقبل الثورة
- أربع سنوات من عمر الثورة المصرية الإنجازات والتحديات
- العدالة الاجتماعية فى مجال الصحة فى العالم العربى
- الانتخابات البرلمانية ووضع الثورة الراهن


المزيد.....




- كرة نارية تضيء سماء كندا والولايات المتحدة.. كيف تشكّلت؟
- نتنياهو يتفق مع سلمان بن حمد على زيارة البحرين -في أول فرصة- ...
- مصادر لـCNN: إدارة بايدن تسلم تقرير الاستخبارات عن مقتل خاشق ...
- كيف يمكن أن يغيّر تقرير الاستخبارات الأمريكية حسابات بايدن م ...
- نتنياهو يتفق مع سلمان بن حمد على زيارة البحرين -في أول فرصة- ...
- مصادر لـCNN: إدارة بايدن تسلم تقرير الاستخبارات عن مقتل خاشق ...
- كيف يمكن أن يغيّر تقرير الاستخبارات الأمريكية حسابات بايدن م ...
- مسؤول كوري جنوبي: واشنطن وافقت على تحويل بعض الأموال الإيران ...
- الإعلان عن منافس قوي لهواتف هواوي
- الصين تسجل لقاحين محليين جديدين ضد COVID-19 ليرتفع العدد إل ...


المزيد.....

- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد
- تاريخ الشرق الأوسط-تأليف بيتر مانسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد
- كتاب أساطير الدين والسياسة / عبدالجواد سيد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسن خليل - القطاع الصحى المصرى ومشاكل التطوير