أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - جمالية اللغة البصرية في فيلم -بأقصى سرعة- لرينغر هوفل















المزيد.....

جمالية اللغة البصرية في فيلم -بأقصى سرعة- لرينغر هوفل


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5359 - 2016 / 12 / 2 - 14:44
المحور: الادب والفن
    


يُخصص مهرجان بورتبيللو السينمائي في لندن كل عام ثلاثة أيام للأفلام الوثائقية ويعرض قرابة خمسين فيلمًا من مختلف بلدان العالم وفيلم - End TimesIII Full Throttle للمخرج الهولندي رينغر فان دن هوفل هو أحد هذه الأفلام المتميزة التي تجمع بين الصيغة التوثيقية والتجريبية وأفلام الطريق. بكلمات أخر لا تخلو تقنية الفيلم من مغامرة وجرأة ومحاولة لتحطيم الحدود الفاصلة بين الأنواع البصرية التي تراهن جميعها على الخطاب البصري لكنها لا تهمل كليًا اللغة المكتوبة وبعض المعطيات الأدبية التي تُعين المتلقي على فهم وقائع الفيلم وأحداثه الدرامية.
تتمحور أحداث الجزء الثالث من فيلم "أقصى سرعة - نهاية الأزمنة" على رحلة الكاتب والروائي الهولندي المحبوب جماهيريًا خيرتن يان ماريا ميشنغ (9 أغسطس 1950) إلى كالابريا (ماغنا كريسيا) متتبعًا فيها خطى الروائيين البريطانيين جورج غيسينغ ونورمان دوغلاس. يُعتبر خيرتن ميشنغ كاتبًا وروائيًا ومترجمًا مشهورًا في هولندا وقد نال العديد من الجوائز مثل جائزة AKO الأدبية عام 1988 عن روايته المعنونة "مُتقلِّب ومُتغيِّر"، وجائزة البومة الذهبية عن روايته المهمة "بين السكين والحنجرة" عام 1999. نشر ميشنغ كتبه الأولى تحت اسم مستعار وهو Joyce & Co وخاصة ثلاثيته ذائعة الصيت التي كرسها للأدب والرسم والموسيقى (إروِن، مايكل فان ماندر وسسيليا)، هذا إضافة إلى ترجماته لكتب ويلم بوروز، جاك كرواك، مارسيل بروست، غوستاف فلوبير، ستندال، جورج غيسينغ، فريدريك رولف وكتاب آخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعا. عاش خيرتن ميشنغ في مدينة بيلاجو الإيطاليةعام 1979 ثم انتقل إلى منطقة قريبة من "لوكا". ويقيم منذ عام 2001 في شبه جزيرة أورتيجا "سيركوزا".
لعل هذا التقديم الوافي لحياة وأعمال خيرتن الأدبية يساعد المتلقي في فهم الفيلم والإحاطة ببعض جوانبه العامة مثل السيرة الذاتية لخيرتن وأسرته، والمناطق التي أحبها، وتعلّق بها مثل كلابريا، وجزيرة صقلية، وكروتوني، وشبه جزيرة أورتيجا التي يريد أن يضع فيها اللمسات الأخيرة لروايته التي تحمل عنوان الفيلم نفسه.
يتعالق المخرج رينغر هوفل مع اقتباس شديد الدلالة للروائي الإنكليزي الشهير جورج غسينغ الذي يشكِّل مع توماس هاردي وجوج ميريديث الثالوث الذي يقود الرواية الإنكليزية. وغسينغ، بحسب التِربْيون، "ربما يكون أفضل روائي أنجبته انكلترا". نقرأ الاقتباس الذي يهيمن على الشاشة برمتها: "لكل إنسان رغبته الذهنية، ورغبتي الذهنية هي الهروب من الحياة كما أعرفها، وأنا أغمر نفسي بالحلم في العالم القديم الذي يحمل بهجة الخيال لأيام شبابي، عالم اليونانيين والرومان هو عالم رومانسيتي". إذن، ثمة نزوع إلى العوالم الأوروبية القديمة وليس إلى أماكن أكثر قِدمًا من الناحيتين الحضارية والتاريخية كما هو الحال في بلاد ما بين النهرين أو وادي النيل أو الحضارة المكسيكية.
بنى المخرج فيلمه على خمس طبقات أساسية على التوالي وهي "الكاتب، السيارة، كُتاب ميتون، المرأة ونهاية الأزمنة" وصنع منها فيلمًا وثائقيًا مُهجّنًا ينطلق من السيرة الذاتية ثم يتشعب لاحقًا إلى الذات الإنسانية التي تحب، وتقرأ، وتكتب، وتفكر ثم تموت لكن ليس أي ميتة عادية، فهذه الشحصية المبدعة تريد أن تُقيم في أرض الخالدين.
أشرنا إلى منجزات الكاتب والروائي والمترجم خيرتن مشينغ سلفًا وها نحن نتأمله كيف يتجول باسترخاء ومتعة كبيرة في جزيرة كلابريا التي تزدان بالمناظر الخلابة وهو في طريقه إلى هدفه الأخير سيراكوزا.
أخذت السيارة في الطبقة الثانية من البناء معالم شخصية متفردة وهي على ما يبدو لا تختلف عن بقية شخصيات الفيلم على قلتها مثل الكاتب والمرأة العاملة في محطة الوقود، لكننا من خلال هذه السيارة الستروين نتعرف على حياة الكاتب وطفولته إذ نعرف أنه خلال ظهيرات السبت كان الوالد يسمح لهم بأن يضربوا على إطارات السيارات بينما كان هو ينظر تحت غطاء المحرك ليعرف إن كانت ثمة مشكلة يمكن حلّها بقطعة سلك أو ما شابه. كانوا كأطفال يتعاطفون مع السيارة القديمة البالية لوالدهم، وعندما كانوا يسافرون معه فهم في الحقيقة يذهبون من كراج لآخر وليس من فندق لآخر.
نتعرف من خلال الطبقة الثالثة من بناء هذا الفيلم على بعض الكُتّاب الميتين جسديًا لكنهم أحياء بكتاباتهم وإبداعاتهم الروائية على وجه التحديد. وما إن أتيحت له أول مرة إمكانية السفر لوحده ككائن مستقل لا يعتمد كثيرًا على أبويه حتى انطلق إلى إيطاليا وتوغل إلى جنوبها الذي يتصوره بعيدًا وعميقًا وغامضًا إلى حد كبير. وبما أنه قادم من الأراضي المنخفضة والمعتمة فإنه لا يستطيع أن ينسى الضوء الساطع الذي يغمر مدن الجنوب الإيطالي. وهنا يبرز دور الروائي البريطاني نورمان دوغلاس الذي تحوّل بالنسبة إليه إلى ما يشبه الدليل السياحي فقد أوقد فيه "كالابريا القديمة" 1915 الرغبة لمعرفة هذا المكان، وتمثّله، والتماهي فيه. وتعتبر كالابريا الجسر الأرضي الذي يربط بين إيطاليا وصقلية. يحرضنا هذا الفيلم على معرفة الروائي جورج غسينغ، صاحب "نساء غريبات" و "ديموس" و "شارع كَراب الجديد". كما استدل إلى الجنوب الإيطالي من خلال عدد من الكُتاب اليونانيين والرومانيين الذي أثاروا شهيته لزيارة هذه الأمكنة المنبثقة من أعماق التاريخ الأوروبي البعيد. هنا يأخذ الفيلم صفة ثقافية تحرض المتلقي على القراءة والاستزادة المعرفية كما لا يُنسيك، كمتلقي، أنك تشاهد خطابًا بصريًا يهدف إلى الإمتاع والمؤانسة والفائدة الأدبية بكل جوانبها. لا ينسى المخرج الإشارة إلى أن المذكرات الأدبية المدونة في أدب رحلات الكاتب هي اللحظات الأكثر سعادة في حياة الكاتب خصوصًا عندما يكون في المضارب الجغرافية التي يحبها ويتمنى العيش في ربوعها.
يمسك المخرج بأويقات العزلة والسكينة والهدوء، فالبحر هادئ لا حركة فيه، كما يخلو من أي سفينة أو زورق، أو شراع، وربما تهيمن أشعة الشمس لوحدها على المكان، الأمر الذي يمنح المتلقي فرصة الاستمتاع باللغة البصرية التي ستتضاعف كثيًرا في الطبقة الرابعة من بنية الفيلم حينما تحضر المرأة التي جسّدت الدور باسترخاء كبير "لوريندانا" وهي تقف في مواجهة "إريك- يان بروفينير" الذي أدى دور الكاتب خيرتن ميشنغ وتألق فيه من دون افتعالات زائدة. لعب المخرج لعبتة الفنية بذكاء شديد حينما ترك الكاتب الروائي مع عاملة محطة الوقود التي قبلت دعوته وخرجت معه إلى مكان لا يعرفة المُشاهد وقد ظلا يتحدثان لبضعة دقائق لكننا لم نسمع من حديثهما أي شيء غير أساريرهما المنفرجة، وابتساماتهم التي لم تنقطع كانت كافية لنقل الأجواء الحميمة التي سادت بين الطرفين الأمر الذي ترك المتلقين يفسرون ما تعكسه الملامح المنشرحة وربما يشاركون في صناعة الفيلم بطريقة أو بأخرى. وقد نجح المخرج في هذا الرهان الفني الجميل الذي لا يخلو من مغامرة.
في الطبقة الخامسة من البناء التي بدت مثل أي حركة ختامية في سمفونية متقنة لا تقبل الشطط يصل بنا المخرج إلى لحظة العبور إلى صقلية لمواجهة الموت أو الإقرار بنهاية الأزمنة. فكثير من الكتب قد تظل بلا نهايات لأن بعض الكُتاب قد لا ينجحون في خلق نهايات فنية تنسجم مع مناخات الأحداث التي خلقوها. يعترف الكاتب خيرتن في مذكراته بأنه كبُر في السن، وربما يشنّ هجمته الأخيرة في سيراكوزا، ولكنه يريد نهاية لكتابه نهاية مُنحنية تقترب من الخاتمة ولكنها لا تصلها أبدً. تُرى، هل يستطيع أن يُمسك بهذه المُصادفة الهندسية في كتابه الأخير؟ أنه يريد أن يمسك بحياة شخص ميت لكنه خالد في الوقت نفسه ومُقيم في أرض الخالدين؟






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشكل الفني الجديد في -جوهرة التَّعْكَر-
- إشكالات الحَبْكة في رواية سماء قريبة من بيتنا
- رحلة الفنان سعد علي من صندوق الدنيا إلى أبواب الفرج والمحبّة
- التشكيلي الهندي بُوبِن كاكار : إرضاء الجميع غاية لا تُدرَك
- أوغادين: عار إثيوبيا المخفي
- قيثارة أور الذهبية وعبق الزمن السومري القديم
- زرادشت: النجمة الصفراء. . .مغامرة وثائقية بلا أدلّة
- الأحياء المتوهجة في ممالك العتمة وأعماق البحار
- الفنان الكوبي ويفريدو لام وشخصياته المهجّنة في التيْت غاليري
- رصانة القصة في فيلم -على حلّة عيني- لليلى بوزيد
- ترييف العاصمة المنغولية آلان باتور في فيلم وثائقي
- حيث تنمو الأعشاب عالياً
- إشكالية الموت في فيلم -شبابِك الجنّة- لفارس نعناع
- الدورة الحادية والعشرون لمهرجان بورتوبيللو السينمائي بلندن
- قبل زحمة الصيف: قصة مفكّكة في بناء بصري رصين
- أفلام تخترق التابوهات السياسية والاجتماعية في مهرجان سفر الس ...
- أفلام عربية جريئة في مهرجان سفر السينمائي بلندن
- تجليات السيرة الذاتية والأسرية في النص الأدبي
- سلالة باتريك موديانو النقيّة
- لُغز أُذن فان كَوخ: الحادثة الأشهر في تاريخ الفن المعاصر


المزيد.....




- الموت يفجع الفنان السوري باسل خياط
- حفل في دار الأوبرا بدمشق بمناسبة عيد النصر
- أحمد زغلول الشيطي: الاستقلال هو القيمة الأدبية الأرفع.. وهذه ...
- صدر حديثاً كتاب -الفن الفلسطيني المعاصر الأصول، القومية، اله ...
- بيع مليون نسخة من «لانومالي» الفائزة بجائزة غونكور 2020
- «كان ياما كان» تدعو للتبرع بقصص الأطفال
- اليوم ذكرى ميلاد الكاتب والروائي الكبير جمال الغيطاني
- خديجة بن قنة تحاضر في الشرف: حقائق عن -حرباء الإخوان- وعلاقت ...
- أشرف عبد الباقي يعود بـ-مسرحية كلها غلط-
- فنانة مصرية تفتح النار على محمد رمضان وتدافع عن فستان رانيا ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - جمالية اللغة البصرية في فيلم -بأقصى سرعة- لرينغر هوفل