أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - رصانة القصة في فيلم -على حلّة عيني- لليلى بوزيد















المزيد.....

رصانة القصة في فيلم -على حلّة عيني- لليلى بوزيد


عدنان حسين أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5296 - 2016 / 9 / 26 - 10:33
المحور: الادب والفن
    


لم تنفرد المخرجة التونسية ليلى بو زيد بكتابة سيناريو فيلمها الروائي الطويل الأول "على حلّة عيني" وإنما استعانت بالسينارست ماري صوفي شومبون لتُنجزا هذه المهمة الإبداعية معًا. فمعظم الأفلام الروائية الناجحة تتكئ على سيناريو متقن، وقصة سينمائية رصينة تتيح للمتلقي أن يتتبع أحداثها الدرامية المتصاعدة التي تصل إلى الذروة ثم تنحدر بها إلى حلّ العقدة أو إلى نهاية مفتوحة تُحفِّز المُشاهِد على التفكير والمشاركة الوجدانية في أقل تقدير.
يُصنّف هذا الفيلم بالدرامي والموسيقي والرومانسي لكنه يتمحور على السياسة ولا تقوم له قائمة من دونها لأنها جوهرهُ وعصبهُ النابض على الرغم من سلبيتها ودورها القمعي في الحقبة الدكتاتورية لزين العابدين بن علي. وبغية الإمساك بالثيمة الرئيسة للفيلم لابد من الإشارة إلى الملاحقات الأمنية، وزجّ المعارضين في السجون والمعتقلات، وتعذيبهم، وابتزازهم ماديًا ومعنويًا. وربما ذهب الفيلم أبعد من ذلك لأن الضحية لم تَبُح لأمها ولحبيبها بما فعله الجلادون بها، خصوصًا أن أحدهم كان يتحسسها في أثناء التحقيق ويعرب عن رغباته الإيروسية دون خجل أو وجل.
تدور أحداث الفيلم في صيف 2010، وبالتحديد قبل بضعة أشهر من اندلاع الثورة التونسية التي تُعرف أيضًا بثورة "الحرية والكرامة" وهو توصيف دقيق لا يخرج عن حدود الثيمة الرئيسة التي يعالجها الفيلم وهي قمع الحريات الشخصية والعامة، وانتهاك حقوق الإنسان، واعتقال المناهضين لنظام الدكتاتور، وتعذيبهم بغية كسر إرادتهم وتحويلهم إلى كائنات مُدجّنة.
يقوم سيناريو الفيلم على ثلاثة أركان وهي العائلة والمجتمع والسلطة، هذا الثالوث الذي يمارس قمعه، بوعي أو من دون وعي، على الشباب ليحقق كل ركن ما يريده هو، لا ما يريده الشباب أنفسهم. تنجح فرح "بيّة مظفر" في البكالوريا بتفوق فتختار لها العائلة كلية الطب بينما تطمح هي في دراسة علم الموسيقى لأنها تحب الغناء في فرقة روك متلزمة فيحتدم الصراع بينها وبين أمها أول الأمر، ثم يمتد إلى المجتمع الذي يتسيّد فيه الذكور، وينتهي بالمواجهة مع العناصر الأمنية للسلطة التي تسرق منها كل شيء روحها وشرفها وكرامتها، كما تُطفئ في داخلها جذوة التوهج. وعلى وفق هذه القراءة فإن السلطة الدكتاتورية تهدف دائمًا إلى تدمير طاقة الشباب، وتبديد أحلامهم، وسحق إرادتهم.
تحتل الأغاني مساحة واسعة من الفيلم وهي في مجملها أغانٍ وطنية ملتزمة تمجِّد تونس وتعالج هموم الشباب المحرومين والمقموعين وتلامس مشكلات الفقر والبطالة والهجرة إلى المجهول بحثًا عن حياة حرة كريمة فيما وراء البحار التي تلتهم سنويًا آلاف المغامرين. وربما تكون أغنية "على حلّة عيني" التي تعني "عندما تفتحت عيناي" هي أشهر هذه الأغاني وأكثرها إثارة لمشاعر الشباب لأنها تلخص معاناتهم داخل الوطن وتستشرف مستقبلهم الغامض، وكذلك أغنية "يا بلادي" التي تستنهض هِمم الشباب وتطالبهم بأن يرفعوا أصواتهم عاليًا لكي يحققوا العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ويضيقوا الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
تحمل حياة "غالية بن علي" على عاتقها القسم الأكبر من مشكلات ابنتها فرح لأن الأب يعمل في "قفصة" وسنعرف أن نأيه عن الأسرة ليس بإرادته وإنما بقرارٍ من السلطة. فمن لم ينتمِ إلى الحزب الحاكم يُبعد عن أسرته، وإذا تدجّن ووقّع على قسيمة الانتماء للحزب فسوف يعود إلى العاصمة تونس حيث تعيش زوجته وابنته. ومع الاحتكاك الأول بين "فرح" التي تريد مواصلة الغناء في فرقة الروك ودراسة علم الموسيقى في الجامعة وبين أمها التي تريد لابنتها دراسة الطب يأتي الأب ليقترح عليها أن تدرس الطب لسنة واحدة وتمضي في الدراسة إذا أحبّت هذا الفرع كما سمح لها الغناء في الفرقة الموسيقية التي بدأت تشتهر في العاصمة تونس لكن الأمور تنحرف باتجاه خطير حينما تقبض العناصر الأمنية على فرح. فثمة فرد من أفراد الفرقة يتجسس عليهم وينقل أخبارهم وأنشطتهم إلى الجهات الأمنية التي بدأت تحقق مع "فرح" وتطالبها بالكشف عن اسم الشخص الذي يكتب لها الأغاني الملتزمة وحينما ترفض الإدلاء بأي معلومة يفاجئها المحقق بأن "برهان" حبيبها وزميلها في الفرقة هو الذي قدّم لهم هذه التسجيل الصوتي الذي يعترف فيه بأن "فرح" فتاة سيئة وأنها تطالبه بممارسة الحب معها ثم نكتشف أن الشخص المندسّ هو "علي" الذي يدعي أنه مكلف بحمايتها.
تبذل "حياة" قصارى جهدها من أجل إنقاذ ابنتها ولم تجد بُدًا من الإتصال بحبيبها القديم "منصف" الذي يعمل في وزارة الداخلية ولديه العديد من الأصدقاء الذين يستطيعون أن يمدّوا يد المساعدة وينقذوا هذه الفتاة الشابة من محنتها.
تخرج "فرح" من السجن لكنها لم تكن فرح السابقة التي تعرفها أمها جيدًا فلقد انطفأت جذوتها، وخبا بريقها، وذوى حماسها القديم. وها هي الآن منكسرة، يائسة هجرت الألوان البرّقة المفرحة ولم تعد ترتدي سوى الملابس ذات الألوان الكابية. الأم تحدثها بإمكانية مقاضاتهم بينما تقول فرح بيأس كبير: لا شيء يستحق المقاضاة! وكأنّ ما حدث لها لا تنفع معه المقاضاة، ولا يعوِّضه أي شيء في الوجود.
لا يقتصر الانكسار على "فرح" التي تعرضت للسجن والتعذيب والاعتداء، وإنما امتدّ إلى الأم التي فقدت حبيبها الأول وضحّت بشبابها من أجله فقد تزوجت من محمود الذي لم ينتمِ إلى الحزب فنُفي إلى مدينة "قفصة" البعيدة عن العاصمة وحينما غَضِب العمال عليه وشرعوا بضربه وإهانته قرّر الانتماء إلى حزب السلطة وسوف يُنقل إلى العاصمة قريبًا لكنّ شيئًا ما قد انكسر في نفسه وفي نفس ابنته الشابة التي تحدّت السلطة الغاشمة وهي في ريعان شبابها.
على الرغم من قتامة النهاية، وانتماء الأب لحزب السلطة، وانطفاء جذوة الحماس والتوهج عند "فرح" إلاّ أن الأم التي عارضتها أول الأمر بدأت تساندها وتشجعها على الغناء واعترفت لها بأنها كانت مثلها تمامًا حينما كانت شابة، عاشقة، وثائرة أحبت فتىً وذهبت معه في المغامرة العاطفية إلى أقصاها لكنه مشى في الدرب الذي اختاره ووصل إلى طريق مسدودة. تحاول الأم أن تدفع ابنتها للغناء فتغني معها مقاطع من أغنية "على حلّة عيني" لكي تُعيدها من جديد إلى أجواء الغناء التي أحبتها وكرّست لها قسمًا كبيرًا من حياتها.
إنّ ما يميّز هذا الفيلم هو ثيماته المتعددة التي لامسناها على مدار الفيلم وهو نجاح يُحسب لكاتبتي السيناريو اللتين بذلتا جهدًا كبيرًا في خلق قصة سينمائية جادة مبنيّة على الموسيقى والغناء من جهة، وعلى مجموعة من الأحداث والوقائع المهمة التي رصدت إرهاصات الثورة التونسية وأوصلت الأفكار والرسائل الكامنة في الأغاني وسياق الأحداث الشخصية والعامة إلى المُشاهد المحلي والعربي من جهة والمتلقي العالمي من جهة أخرى.
لم يكن السيناريو فقط هو مصدر قوة الفيلم بل ينضاف إليه الأداء والموسيقى والمونتاج. ولابد من الإشارة إلى أن غالبية الممثلين هم هواة وليسوا محترفين إذا ما استثنينا "بيّة المظفّر" التي تألقت في دور البطولة الذي أُسنِد إليها، ورغم أنها ليست مغنية لكنها تدربت كثيرًا على الغناء وخرجت بهذا الشكل الجيد الذي أقنع المشاهدين حتى وإن ارتكبت بعض الأخطاء الأدائية هنا وهناك. أما "غالية بن علي" المغنية أصلاً فقد جسدت دور الأم وأتقنتهُ جدًا، بل أنّ أداءها كان مُبهِرًا في العديد من المَشاهد المتوترة التي تحتاج إلى لغة تعبيرية هائلة. وهذا الأمر ينسحب إلى منتصر العياري وأيمن العمراني ودينا عبد الواحد وسواهم من طاقم التمثيل.
تقف موسيقى الفيلم بذات القدر من الإبهار الذي لمسناه من السيناريو والأداء والتصوير حيث تألق الفنان العراقي خيام اللامي في تأليف موسيقى هذه الأغاني التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة وتنسجم تمامًا مع روح الفيلم ونَفَسهِ الشبابي الثائر. أما سلاسة الفيلم فهي متأتية من المونتاج المُتقن للمونتيرة ليليان كوربي التي قدّمت لنا في خاتمة المطاف فيلمًا متدفقًا يخلو من العثرات التي تُفسِد الإيقاع الداخلي للمادة البصرية المُنسابة.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ترييف العاصمة المنغولية آلان باتور في فيلم وثائقي
- حيث تنمو الأعشاب عالياً
- إشكالية الموت في فيلم -شبابِك الجنّة- لفارس نعناع
- الدورة الحادية والعشرون لمهرجان بورتوبيللو السينمائي بلندن
- قبل زحمة الصيف: قصة مفكّكة في بناء بصري رصين
- أفلام تخترق التابوهات السياسية والاجتماعية في مهرجان سفر الس ...
- أفلام عربية جريئة في مهرجان سفر السينمائي بلندن
- تجليات السيرة الذاتية والأسرية في النص الأدبي
- سلالة باتريك موديانو النقيّة
- لُغز أُذن فان كَوخ: الحادثة الأشهر في تاريخ الفن المعاصر
- جورجيا أوكَيف . . .أيقونة الفن التشكيلي الأميركي
- -وصية لأجل الملك- وتنميط الشخصية العربية المسلمة
- الفن الأرضي الزائل الذي توثِّقه العين الثالثة
- أسرار القدّيس يوحنا بولص الثاني وحُبِّه لآنا تيريزا تمنيسكا
- الحياة ما بعد تشرنوبل
- أغنية الغروب . . . قوّة المرأة في مواجهة المصائر المُفجعة
- تسعة فنانين عراقيين يحتفون بزَها حديد
- نبوءة السقّا . . . بطولة جماعية في مكانٍ افتراضي
- سمكة الأمازون الكهربائية. . .صعقتها تشلّ التمساح وتطرح الحصا ...
- حنوّ الغوريلا وميولها العاطفية تجاه الإنسان


المزيد.....




- على جميع الطوائف الدينية والثقافية اداء واجبها الديني والانس ...
- إصابة الفنانة الفلسطينية ميساء عبد الهادي برصاص الجيش الإسرا ...
- المغرب في الصفوف الأمامية للتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني ...
- دعوى جديدة ضد جلاد البوليساريو
- حرب المئة عام على فلسطين.. قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاوم ...
- كاريكاتير السبت
- رواية -من دمشق إلى القدس-  للروائي يزن مصلح
- إصابة النجمة ميساء عبدالهادي برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي. ...
- كاظم الساهر يتضامن: قلوبنا مع شعب وأطفال فلسطين
- 7 أفلام جسدت النضال الفلسطيني في السينما


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عدنان حسين أحمد - رصانة القصة في فيلم -على حلّة عيني- لليلى بوزيد