أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبحي حديدي - إستشراق أسعد بيك














المزيد.....

إستشراق أسعد بيك


صبحي حديدي

الحوار المتمدن-العدد: 1379 - 2005 / 11 / 15 - 10:42
المحور: الادب والفن
    


لعلّ وقائع أذربيجان السياسية الراهنة تذكّر، أوّل ما تذكّر، بالعلاقة العتيقة الفاسدة بين النفط والسياسة الدولية، والذهب الأسود الذي يريق الدم القاني، والكيل بعشرة مكاييل بدل المكيالين. إنها، أيضاً، تعيد إلى الأذهان جملة حكايات مثيرة في علاقة ملحمية من نوع ما، تربط البشر بالمكان النفطي ذاته، على نحو أجاد الروائي الراحل عبد الرحمن منيف مسح سطوحه قبل التوغّل العميق في أغواره. هذا ما ردّني، وأنا أتابع المهازل الإنتخابية في أذربيجان المعاصرة، إلى ذاكرة أخرى للبلد ذاته تعود إلى العقود الأولى من القرن الماضي، وإلى شخصية آزرية عجيبة ما تزال غامضة حتى يومنا هذا: أسعد بيك، أو قربان سعيد، أو ليف نسيمبوم في الأصل والحقيقة...
بادىء ذي بدء، ولكي أربط أولى القرائن بين الماضي والحاضر، لهذا الرجل كتاب مثير (ورائد في موضوعه، كما ينبغي القول) بعنوان "الدم والنفط في الشرق"، وقّعه باسمه المستعار الأوّل أسعد بيك وصدر بالألمانية سنة 1930 ثمّ أعيدت طباعته سنة 1997. الرجل كان يهودياً، ولكنه أفلح طويلاً في إخفاء ديانته ليس في أذربيجان أو روسيا أو جمهوريات الإتحاد السوفييتي(التي فرّ منها لأنه كان يبغض البلاشفة) فحسب، بل في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية! هناك، كما في النمسا النازية أيضاً، ذاع صيته كواحد من أفضل كتّاب العصر المناهضين للشيوعية ودعاة وحماة الأفكار اليمينية، وكانت وزارة الدعاوة النازية تدرج مؤلفاته في لائحة "الكتب الممتازة للأدمغة الألمانية"، كما كان قاب قوسين أو أدنى من كتابة السيرة الرسمية للزعيم الإيطالي الفاشي بنيتو موسوليني لولا انكشاف ديانته.
ولد ليف نسيمبوم سنة 1905 في باكو، عاصمة أذربيجان، لأسرة من الأغنياء الجدد المشتغلين بصناعة النفط. وبعد ثورة أكتوبر مباشرة، سنة 1918، فرّت أسرته إلى إسطنبول ثمّ إلى باريس، وبرلين، حيث أكمل الفتى دراسته الجامعية بالاسم المستعار أسعد بيك نسيمبوم، وأعلن أنه مسلم الديانة، كما زعم أنه من أقرباء أمير بخارى. ولقد بدأ ينشر سلسلة مقالات أدبية وسياسية واقتصادية سرعان ما أكسبته صفة "الخبير في شؤون الشرق"، قبل أن ينضمّ إلى "الرابطة الألمانية ـ الروسية ضدّ البلشفية "، والتي ستفرّخ الكثير من القيادات النازية فيما بعد، وإلى "الحزب الملكي الألماني"، فضلاً عن صلاته الوثيقة بحركة "روسيا الفتاة" الفاشية. وفي سنة 1933 سافر إلى نيويورك لفترة وجيزة، ثمّ عاد ليقيم في فيينا حتى سنة 1938 حين انكشف أمر ديانته اليهودية، ففرّ إلى بوسيتانو في إيطاليا، حيث توفي سنة 1942.
حياة مثيرة كما يلوح، لكنّ الجانب الأكثر إثارة فيها أنّ قيمة نسيمبوم على الصعيد الآزري المحليّ لا تنهض على أيّ من هذه الأسفار والأسرار والأسماء المستعارة، بل تكاد تقتصر على تفصيل واحد وحيد: أنّ الرجل، باسمه المستعار قربان سعيد، هو مؤلف رواية "علي ونينو"، 1937، التي تروي حكاية الغرام المستحيل بين الفتى الأذربيجاني المسلم الشيعي علي والفتاة الجورجية المسيحية نينو، وتعتبر أشهر قصّة حبّ في أذربيجان. (نشرت دار الحصاد السورية ترجمة لهذه الرواية قبل سنتين، لكنّ المترجمة أميمة البهلول عجزت عن ردّ الرواية إلى نسيمبوم، فاعتبرت أنّ كاتبها الحقيقي لا يزال مجهولاً). المدهش أنّ الكثير من الآزريين لا يصدّقون حتى اليوم أنّ المؤلف كان يهودياً، ولهذا لم يكن غريباً أن تنقلب تلك القصة الغرامية إلى ملحمة وطنية تعبّر عن طموح أذربيجان للإستقلال عن السوفييت!
وفي ما يخصّ كتلة أدبيات الإستشراق على صعيد كوني، تتمثّل خطورة نسيمبوم في أنه هيمن فعلياً على التفكير الرسمي، فضلاً عن الكثير من أنساق التفكير الشعبي ـ الشعبوي، في ألمانيا وإيطاليا والنمسا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. والمرء يدرك أثر مؤلفاته حين يتذكّر أنه لم يكتب في النفط الدامي والغرام الرومانسي فحسب، بل كتب سيرة النبيّ محمّد، كما روى حكايات عن الشرق لم تكن أمينة لأيّ شرق آخر سوى ذاك المتخيََّل الذي يتشهاه القارىء الغربي. ليس هذا في ما يخصّ السحر والجان والمحظيات والقيان وتنميطات ألف ليلة وليلة المكرورة ذاتها فحسب، بل أيضاً وأوّلاً الممالك والإمارات المصمَّمة على نحو يزيّف احتمال وجود أية سياسة إسلامية، فضلاً عن تسليم تصاريف الدار والأقدار إلى الدراويش والمتصوّفة والمشايخ أصحاب الطريقة.
وفي كتابه "المستشرق"، الذي صدر أوائل العام عن "راندوم هاوس" في 464 صفحة ولعلّه السيرة الأكمل لحياة وأفعال نسيمبوم، يساجل الكاتب الأمريكي الشاب توم رايس بأنّ المستشرقين اليهود كانوا أرأف حالاً بالمسلمين من الستشرقين المسيحيين، لأنهم لم يقاربوا الشرق من منطلقات المحاصصة والغزو والهيمنة والإمبريالية. من جانبي لا أتردد في القول إنّ أشدّ تعريفات إدوارد سعيد إشفاقاً على المستشرق بوصفه مؤسسة خارج التاريخ والجغرافيا، وفي وظيفته كأداة لتصنيع معرفة إنشائية زائفة عن الشرق، إنما تنطبق تماماً على مسار نسيمبوم.
ألا يكفيه محاصصةً أنّه كان تارة أسعد بيك، وطوراً قربان سعيد، وطيلة الوقت نسيمبوم؟



#صبحي_حديدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطاب الأسد: سلوك إنتحاري وذرّ للرماد في العيون
- ابتسامة التلمود
- بعد القرار 1636: النظام السوري أمام خيارات صعبة
- لويس فرقان والإسلام الأمريكي: قصة مدينتين
- دوائر ميليس
- الإخوان المسلمون و-إعلان دمشق-: الأساطير والحقائق
- نوبل آداب... كردية؟
- تغييب أو غياب غازي كنعان: مَن سيستأجر السفينة الغارقة؟
- أيّ نزار قباني يسلسلون؟
- برنارد لويس وتركيا الأوروبية: كأننا لم نحرّر فيينا من العثما ...
- مفاجآت ال 100
- استفتاء الجزائر: المصالحة الوطنية أم تبييض الجنرالات؟
- فرد هاليداي والأشغال المتعددة لخبراء الشرق الأوسط
- افتقاد إدوارد سعيد
- أمريكا في القمم الكونية: تصنيع المزيد من الإرهاب في السفوح
- لهيب ما قبل 11/9
- فوكوياما عشية 11/9: ثمة ما يدعو للندم في كلّ شيء
- التهريج الملحمي
- خطاب الرئاسة السورية، حيث المفاضلة رَجْعٌ بعيد متماثل
- محمود درويش والتفعيلة المنثورة


المزيد.....




- الفيلم السوداني «ملكة القطن» يتوج بجائزة المهرجان الدولي الم ...
- عن قصة لتركي آل الشيخ... انطلاق عرض فيلم الرعب التركي -SOY- ...
- تايوان تتهم خمسة أشخاص بمحاولة التعرض لكوميدي سخر من الرئيس ...
- كلاكيت: إنيو موريكوني.. السينما تسمع أيضا
- بعد عقود من الاعتزال.. رحيل الفنانة رجاء محمد يعيد ذكريات ال ...
- ماسك يهدد مشرعين أمريكيين باقتباس من فيلم سوفيتي: من يأتِ إل ...
- هيام عباس.. تكريم أوروبي لمسيرة فلسطينية امتدت إلى السينما ا ...
- الخط العربي في كابل.. فن عريق يبحث عن جيل جديد
- فيلم وثائقي عن إيلون ماسك يسلط الضوء على أغنى رجل في العالم ...
- فيلم رعب من 14 دقيقة يحقق 5 ملايين مشاهدة على يوتيوب في بضعة ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبحي حديدي - إستشراق أسعد بيك