أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد رفعت الدومي - عندما تكهَّن غسان كنفاني















المزيد.....

عندما تكهَّن غسان كنفاني


محمد رفعت الدومي

الحوار المتمدن-العدد: 5060 - 2016 / 1 / 30 - 22:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أشهد أن "رجال في الشمس" ما تزال من أشد ما قرأت عنفاً علي حواسي، برغم أنني، وربما بفضل أنني، لم أكن أنتبه عندما قرأتها لأول مرة إلي ازدحامها بالرموز التي يضاعف الوعي بها من عنف الرواية!

لقد سقط "غسان كنفاني" مبكرًا علي السبب المفصلي للمأساة الفلسطينية بقدر شاهق من وضوح الرؤية، وفيما بدا أنه كان يدرك أن تعريف "ياسر عرفات" وسابقيه للنضال كان شديد الشبه بتعريف خليفته له كما نعرفه، وأنهم جميعًا يحملون أرواحًا كروح قائد شاحنة "رجال في الشمس"، رسم "كنفاني" بالكلمات صورة لـ "أبو الخيزران" سيفهم المتلقي من أول مرور علي ملامحها أنه شخصٌ يختزل هدف الحياة في جمع المال بكل طريقة ممكنة، وعلي حسب أي قيمة أخري، حتي يتمكن من ادخار ما يؤمن له الراحة في الظل بعد التقاعد، وهذا هو التفسير الأكثر عدالة لتمسك إسرائيل بـ "محمود عباس"، وبنفس القدر، صدور أوامر إسرائيلية قاطعة في الثمانينيات برفض استهداف "ياسر عرفات" عندما كان قاب أمتار من فوهة بندقية إسرائيلية في لبنان!

هكذا شخصية، بطبيعة الحال، من الطبيعيِّ أن يسع تصدرها القيادة نهاية فاجعة لثلاثة فلسطينين من أجيال مختلفة ومن خلفيات مختلفة وذرائع مختلفة للاختباء من الواقع في جوف تغريبة!

"أبو قيس"، خسر الوطن وأنفق عمره بعد ذلك مشردًا من مخيم إلى مخيم، يداعبه حلم بالعودة إلي الديار لكنه لا يعرف كيف يحققه، و "أسعد"، مناضل متقاعد عالق بوعدٍ قطعه غيره ورسم له به ملاح مستقبله، و "مروان"، شاب مقيد بإعالة أمه وبعجزه عن مكاشفة أبيه بكراهيته له لأنه هجر البيت وتزوج من امرأة أخرى مقطوعة الرجل، تزوج بيتاً في الحقيقة!

الثلاثة، بالإضافة إلي وجع الحنين، جمعهم حلم بالعبور من البصرة إلي الكويت في سبيل الحصول علي فرص أكبر مساحة، ومن هذه الخلفية يخرج "أبو الخيزران"، إنه فلسطيني آخر، حسب تقديره، تحظى شاحنته بمعاملة خاصة على الحدود!

بعد إبرام الإتفاق، يغادر الجميع، في جحيم الصحراء الصيفيِّ، من البصرة متجهين إلى الكويت، قبل الوصول إلي نقطة تفتيش "صفوان" العراقية يأمرهم "أبو الخيزران" بالاختباء في خزان الشاحنة، ويحالفه الحظ هذه المرة في الخروج بهم من هذه النقطة الحدودية قبل أن يلفظوا آخر أنفاسهم، وهذا ما فشل فيه في نقطة "المطلاع" الكويتية، ذلك لأن رجال الحدود توهموا أنه تأخر في البصرة نتيجة إرتكابه مغامرات نسائية أرادوا استدراجه للبوح بتفاصيلها دون أن يدور ببالهم أنه عاجز جنسيًا، لقد فقد رجولته عام 48!

يصل عنف الرواية علي المتلقي ذروة النقطة حين ينتبه إلي أن أيًا من الثلاثة لم يجرؤ خلال 21 دقيقة على طرق جدران الخزان، وبطبيعة الحال، لفظوا أنفاسهم جميعًا مفضِّلين هذه النهاية على مواجهة حرس الحدود، ومن ناحيته، عندما يكتشف "أبو الخيزران" المأساة لا يفعل سوي أن يسلبهم كل متعلقاتهم قبل أن يلقي بجثثهم في قمامة الكويت وهو يتسائل في ألمٍ صادق:

- لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟!

هذه رؤية "غسان كنفاني" مشفرة للواقع الفلسطيني في زمانه، أجيال محتجزة داخل حلم مغلق، يزداد نحافة كل دقيقة، تدور في هزيمتها بأسلوب قديم تجاوزه الواقع، وتنصاع لقيادة يعرفون جيدًا أنها مأجورة لتسير بهم في الإتجاه الخاطئ!

مع ذلك، لقد نسي "كنفاني" أن يترك وراءه جوابًا لسؤال فرضته الأعوام القليلة الماضية:

- ماذا لو ثاروا علي عهر الواقع؟

لقد فعلها غيرهم ونزلت بهم نفس النهاية إلي حد جعلني والله حتي قبل أن أنتهي من قراءة الخبر، وبرغم شعور الجليد الذي كان يلازمني أثنائها، أهذي بصوت مسموع:

- لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟

تداولت الصحف في الأيام الماضية خبرين يتعلقان باللاجئين، ويؤكدان أن الماضي ليس مجرد عملية حصر تحليلية لأحداث أزلية ولإنسان محدد نهائيًا ولقيم تخضع لقواعد ثابتة، إنما مزارٌ لاستنباط معانٍ غير متوقعة بالمقارنة بين، أو بإعادة تركيب، أحداث صغيرة جدًا وأليفة جدًا، تُختطف من مضامينها التقليدية، لتتحول تلقائيًا إلي سرديات كبيرة بمثابة إضاءة للعقول وتهيئتها لاستيعاب حركية العالم ووسائل السيطرة علي توحشه وخبثه!

مهربون فى باريس استغلوا غفلة سائق شاحنة كان نائمًا في الكابينة، ووضعوا عائلة لاجئين داخل ثلاجة الشاحنة المتجهة إلى ألمانيا ما عرض أفراد العائلة للتجمد بعد بقائهم عدة ساعات داخل الثلاجة فى درجة حرارة لم تزد عن ثلاث درجات مئوية، ولم يتم اكتشاف مأساة اللاجئين العشرة نصفهم أطفال، إلا عند تفريغ محتويات الثلاجة بعد رحلة استغرقت ثمانى ساعات فى مدينة كيمبن غربى ألمانيا، قالت الشرطة الألمانية أنهم كانوا متجمدين تمامًا، وأنهم كانوا يرغبون فى التوجه إلى بريطانيا!

الأغرب أن بعض من نجحوا في الوصول إلي بريطانيا دون عوائق، ومنحوا الإقامة في مدينة كارديف، عاصمة مقاطعة ويلز، أكدوا بالتزامن مع هذا الخبر تقريبًا أنهم، حتى يتسنى لهم الحصول على الوجبات اليومية، مُجبرون على ارتداء أساور ملونة تحدد هويتهم كلاجئين، وإن هم رفضوا ارتدائها، سوف يُحرمون من الطعام المجاني، حدث هذا بعد أيام قليلة من طلاء منازل طالبي اللجوء في شمال إنجلترا باللون الأحمر!

من المثير لدهشة من لا يستطيع استيعاب أبعاد المشهد كاملة أن هذا التصرف مغرق في الماضوية حتي كأنه مقصود، ففيما بدا أن السيد "كاميرون" يتصرف مؤخرًا كراهب متحجر، استدعت حكومته أسلوبًا للانتقاص من كرامة اللاجئين والتنكيل بإنسانيتهم كان يعامل به اليهود في الماضي، وغيرهم أيضًا!!

في روما القديمة علي سبيل المثال، كان الرومان يفرضون علي سكان المستوطنات التزيي بأزياء تميزهم، وحتي وقت قريب كانت العائلات اليهودية في ألمانيا مرغمة علي وضع شارة علي منازلها أو محالها حتي يسهل التعرف علي مدي ارتباطها بالسلطة الزمنية، "آل روتشيلد" علي سبيل المثال!

وفي الأندلس أيضًا فرض المسلمون علي اليهود والسكان المحليين ذلك التقليد، ذلك لأنه عندما ثار سكان طليطلة في عام 713 ميلادية ثورة عارمة لم تنطفئ إلا عندما أباح "موسى بن نصير" المدينة لجنوده لمدة 3 أيام، خافوا أن تمتد الثورة إلى بقية المدن، فعزلوا أهل الذمة في أماكن سكن خاصة بهم وفرضوا عليهم لبس شارات معينة حتى يسهل معرفتهم!

العثمانيون أيضًا أرغموا يهود الشام على ارتداء ملابس ملونة مختلفة عن المسلمين والمسيحيين!

في النهاية..

من السهل أن نكتشف أن اليهود هم الرابط بين كل هذه الأحداث، الخيالي منها والواقعي، وأغلب الظن أن لهم في صناعتها نبض أكيد، صحيح أن قرار "كاميرون" بارتداء اللاجئين أساور ملونة قد تم تجميده، لكن الرسالة من وراءه قد وصلت:

- لقد اكتملت عملية تبادل المقاعد، وفي انتظار أعزة الأمس شتاتٌ وجيتوات ومزيد من الموت في الخزانات!

لقد انتبه اليهود قبلنا إلي أن العالم لم يكن أبدًا رحيمًا ولا كلاً يخضع لإيقاع واحد، إنما غابة تستر بشاعتها ووحشيتها برداء شفاف من التحضر الكاذب، وعلي هذه الخلفية، قرروا أن يشغلوا العالم في حروب إنصرافية حتي تسهل السيطرة عليه، وهذا هو ما حدث، لا تلمسوا شيئاً أو دقوا جدران الخزان..

محمد رفعت الدومي



#محمد_رفعت_الدومي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من قتل الفنانة ميمي شكيب؟
- يا مواليَّا
- آينشتاين في هوليوود
- عندما أعاد السماد كتابة التاريخ
- هم لا فرانسيسكو ريدي
- في فيروز، قوقعتي !
- نجَّار القرن
- من الذي لا تخجله الكتابة عن نهاية شيخ الصيادين؟
- الكنديون الجدد
- لفيف
- لاستعادة المصريين العالقين في ستوكهولم
- فكري أباظة : حياته من حكاياته (2)
- عدالة داعش وعنصرية العالم
- آية الله أبو الطين
- مطلوب خياطة
- عفريت (1)
- بنات كلب
- للَّه أمُّكِ جومانا
- تليفزيون الواقع
- عادوا


المزيد.....




- البحرية الأمريكية تعلن مصادرة أسلحة إيرانية كانت في طريقها ل ...
- البحرية الأمريكية تعلن مصادرة أسلحة إيرانية كانت في طريقها ل ...
- قبل إرسالها إلى أوكرانيا.. وزير الدفاع الألماني يستقل دبابة ...
- أندرو تيت: رفض طعن صانع المحتوى المثير للجدل على احتجازه في ...
- واشنطن تدعو لاستئناف التفتيش المتبادل للمواقع النووية الروسي ...
- الجزائر.. الجيش يوقف إرهابيا في تمنراست
- السويد: الدين ليس جزءا من بروتوكول الانضمام إلى الناتو
- مراسلنا: كييف تستهدف دونيتسك بـ99 صاروخا وقذيفة
- كشف ملابسات مقتل مصري بطريقة وحشية في إيطاليا
- الأردن يستعد لأمطار مصحوبة بالثلوج


المزيد.....

- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي
- الدَّوْلَة كَحِزْب سِيَّاسِي سِرِّي / عبد الرحمان النوضة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد رفعت الدومي - عندما تكهَّن غسان كنفاني