|
|
حَسْنَاءُ بِسْنَادا
علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 4928 - 2015 / 9 / 17 - 15:41
المحور:
الادب والفن
قي القطار المسافر من أقصى الجنوب الغربي إلى أقصى الشمال الألماني .. هو يقرأ، هي تصيح بدهشة طفلةٍ: قوس قزح، قوس قزح ..
ينظرُ إلى وجهها وعبر النافذة إلى الشجر الأخضر المترامي، لا يرى سوى عينيها الفرحتين، الشمسُ ساطعة، تعود نظراته لتتابع تصفح مجلة "فوكس" .. تفرحُ المرأة الجالسة إلى يمينه من جديد، تقطع عليه وحدته التي اعتادها في سفراته البعيدة .. تهمس عالياً: قوس قزح، قوس قزح .. قوس قزح على صفحة وجهك، قوس قزح على نظارتك، قوس قزح في عينيك، قوس قزح على قميصك الأبيض ..
يبتسم لأقواس قزحها، يدخل بعينيه إلى صفحات المجلة، بأصابع يدها اليسرى تعانق ذراعه اليمنى، تسأل بشبقٍ ماذا تقرأ؟ "العريس كلب اسمه بيلو" .. كان جوابه.
تسحب أصابعها عن ذراعه، تغضب منه وتقول بامتعاض: يا الله كم أنت رومانسي! .. يجيبها بهدوء: التقاليد الهندوسية تسمح للناس أن يتزوجوا الحيوانات أو النباتات من أجل تفادي كارثة قد تداهم قرية ما .. انظري إلى صورة هذه الفتاة الهندية وزوجها الكلب .. إنها تريد أن تكسر موجة الشر والسحر عن القرية. تضحك غير مصدقة: عندما أعود إلى قريتي سأطلب من أهلي تزويجي إلى جذع شجرة. يداعبها: لقد كنت فيما مضى متزوج مع ثمرة "جوز هند" .. معها استطعت ترويض الطبيعة.
يعانق ظهرها الطري بأصابع يده اليمنى القوية، يشرد مع أفكاره ويخاطبها فجأة: الحيوانات الأليفة وجدت لها مكاناً في البيوت الألمانية .. إنها إحدى مُخمّدات العنف عند الأطفال والمراهقين .. يتعلم المراهق معها معنى الإحترام، معنى الهدوء، معها يشعر المسنون بأهميتهم، بأن هناك من يحتاج إليهم .. تسأله: هل يعجبك سلوك الألمان مع حيواناتهم؟ يجيب: عندما دخلنا في ألمانيا وبدأنا نرى النساء بصحبة الكِلاب والرجال برفقة الكَلْبَات، عندما أدهشتنا طرق تعاملهم مع كلابهم وقططهم .. حينها ظننا أن الألمان يتزوجون الكلاب والقطط، كثيراً ما كنا نتساءل بخبث فيما إذا كانوا يمارسون الحب مع قططهم وكلابهم!؟ .. لم يعجبها جوابه، أشاحت بوجهها عنه، نظرت إلى طواحين الهواء المنتشرة في الشمال، سألته دون أن تحرك نظرها نحوه: متى نصل؟
بيده اليسرى تناول هاتفه المحمول، نظر إلى الوقت: بقي ثلاث ساعات على وصولنا، و راح يستكشف في الإنترنت معالم المدينة التي يقصدانها، أول ما لفت نظره هو تمثال العنزة في ساحة المدينة وبجوارها استلقى تمثال رجل، ينظر إلى ضرع العنزة، إلى بطنها المنتفخ ويضحك بصوت عالٍ .. أغلق هاتفه، استرخى في مقعده، أغمض عينيه، هدأت نبضات قلبه ليجد نفسه في باحة الدار في قريته البعيدة ..
يا الله .. كم أحبها! .. كم أحب حسناء، يجلس إليها في المساءات يناجيها، يحكي لها عن همومه وتعبه .. يُخرج البطحة من جيب سترته، يرفعها ويقول: كاسك يا حسنا .. حسناء تخجل وتتمتم شيئاً لا يفهمه إلا هو. يسألها عن يومها، رأيها، طعامها وشرابها، يسألها عن فضلاتها، إسهالاتها، آلامها، حليبها، جنينها وموعد مخاضها .. تخجل حسناء وتتمتم شيئاً لا يفهمه إلا هو. بعد الرشفة الأولى يمازحها: لحيتكِ حلوة يا حسنا ..لا تدعيها تَطول أكثر .. لماذا تصرين على الاحتفاظ بها؟ تَثْغُو حسنا: هي لكَ، لتلعب بها متى وكيف تشاء، لتداعبها، لتشدها وتنتفها إن أحببت، هي لك طالما أنك لا توجعني .. بعد الرشفة الثانية يقول لها: غرتك جميلة يا حسنا .. لكن أسألك بالله قولي: لماذا ترتدين على رأسك القبعة ذات القرون؟ .. إننا نعيش في الشرق يا حسنا ولستِ في باريس! .. تضحك حسنا بحياء لا يفهمه إلا هو وتَثْغُو: أحمل القرون على رأسي لأطاردك بها متى آلمتني! إذا جرحت مشاعري أو إذا قسوت على أمومتي .. انتبه لنفسك يا رجل! ..
بعد الرشفة الثالثة ابتسم لها وقال: سنرى .. اقترب منها وشد لحيتها .. تركته يفعل مستلذاً .. شدها أكثر، أوجعها، ثغت ألماً: سامحك الله، لقد أوجعتني يا رجل، رفسته بيدها وهربت من طريقه .. ضحك لها، ذهب إلى الغرفة المجاورة وأحضر معه حزمة من عشب وطعام، اعتذر منها وقدم لها الحزمة عربون محبة .. يمسح بطنها بيده ويتمتم بلغة لا تفهمها إلا هي: لا تقلقي، لن أتركك وحيدة مهما حصل، لن أفك ارتباطي بك مهما قالوا .. أنت الوحيدة في وجودي .. أنت من تخفف آلامي .. تَثْغُو بحنان: لا تخف يا حبيبي، أنا لن أهجرك، أجائع أنت؟ أأرضعك الليلة؟ ..
تحشر يدها اليسرى بين فخذيه، تسترجعه من أعماقه، تهمس بإذنه: أثدائي الصغيرة هي لك وحدك، أأرضعك الليلة؟ .. متى نصل إلى الفندق؟ .. تُغيّرُ مجرى الحديث وتباغته بسؤالٍ: ما أجمل هذا الجسر! .. ما هو اسم هذه المدينة التي نمر بها؟ يجيبها بلغة العارف: اسمها "ريندسبورغ"، هذا هو جسرها المعدني الشهير، أحد معالم فنون الهندسة التاريخية في ألمانيا .. تسأله من جديد: أين سَرَحت بأفْكَارِكَ في استرخاءتك القصيرة؟ يضمها بحبٍ: تذكرتُ حسناء .. تحاول تخليص نفسها من قبضةِ الضَمّة، تُتمتمُ: دعني، أنا أكرهكَ! ..
كنا نخجل من حبه ورعايته لحسناء، كنا نخجل أن يسمع بنا الآخرون، كنا نخاف أن يقول أطفال المدرسة: في بيتهم حسناء .. لم نرغب أن نشبه القرويين وأهل الضيع البعيدة، عندما دفع أبي مهرها وجاء بها إلى البيت عمّدها فوراً باسم حسناء، بنى لها غرفة تحت شجرة التوت المقدسة، غرفة تليق بشموخها وجمالها، كان يذهب من أجل عينيها إلى أراضي الوادي الأحمر ويعود محملاً بما لَذّ وطاب، يسهران سوية، يأكلان ويتمازحان بلغة لا يفهمها إلا هما ..
هل تعلمين؟ لقد كتب لها أغنيةً جميلةً، كم يؤسفني أني نسيت كلماتها، كان يغني لها بصوته الحزين أجمل المواويل، كان يبكيها إذا مرضت، حين حان موعد ولادتها سهر معها حتى الصباح، و حين خرج الولد من أحشائها بكى يومها كما لم يفعل من قبل .. كنا نخجل من ضعفه أمام حسناء .. كنا نخجل من سلوكه الإنساني معها .. فقط الآن واليوم أقول: "إنساني" .. فقط الآن واليوم، بعد أن رأيت وقرأت وتعلمت كيف يهتم الألمان بحسناواتهم ويدللونهن ..
تهمسُ: أحسدُ هذه الحسناء .. يالله كم كان أبوك رجلاً مع النساء .. وتضيف هل لك أشقاء من حسناء؟ ينظر إليها بمحبة وعتب ، يخاطبها: كم أنت حلوة يا حبيبتي، كم أنت ساذجة يا حبيبتي: حسناء، لم تكن إلا عنزة أبي، لم تكن إلا "عنزة وطارت".
#علي_دريوسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -46-
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -45-
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -44-
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -43-
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -42-
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -41-
-
جراح أدونيس
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -40-
-
بُوْظَة وشَّاي
-
من مذكرات ضابط
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -39-
-
موسيقا المفرقعات
-
خبرات جنسية قرغيزية بسندلية
-
مسامير الرئيس
-
الطالب الألماني الأحمر
-
معلمة الكيمياء
-
نصية عرق بسندلية
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -38-
-
فول مالح .. مالح يا فول
-
حَمِيمِيَّات فيسبوكية -37-
المزيد.....
-
سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع
...
-
فيديو.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة
-
سطو -سينمائي- على محل مجوهرات تركي باستخدام رافعة وحمار
-
الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في
...
-
بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني -كرت أزرق- من -
...
-
شربل داغر: الشاعر يطرق بمطرقته الخاصة ليقدح زناد اللغة
-
وزير الخارجية السعودي يلتقي الممثل السامي لمجلس السلام في قط
...
-
فيلم -ساعي البريد-.. البوابة السرية لتجنيد الجواسيس
-
كرنفال ألمانيا يتحدى الرقابة ـ قصة فنان يُرعب زعيم الكرملين!
...
-
انسحابات من مهرجان برلين السينمائي على خلفية حرب غزة
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|