أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسر يونس - انتحارية هنا استشهادية هناك















المزيد.....

انتحارية هنا استشهادية هناك


ياسر يونس
(Yasser Younes)


الحوار المتمدن-العدد: 4854 - 2015 / 7 / 2 - 18:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ بداية العمليات الانتحارية الفلسطينية ضد الإسرائيليين عسكريين ومدنيين كان العقلاء في العالم العربي يتعرضون للتخوين والوصف بالعمالة بل والسب أيضاً في الإعلام العربي حين كانوا يصفون تلك العمليات بأنها انتحارية وليست استشهادية. وقد بُح صوتهم وهم يحذرون من أن هذه العمليات ستنتقل يوماً ما إلى الدول العربية فماذا سيكون وصفها عندئذ. وسرعان ما حدث ذلك في العراق بداية من تنفيذ تلك العمليات الانتحارية ضد الجيش الأمريكي في العراق، وحتى أصبحت عمليات شبه يومية بين العراقيين أنفسهم.

وفي الحالة الفلسطينية وجدنا الإسلاميين وكثيراً من اليساريين وغيرهم من المزايدين يصرون على وصفها بالاستشهادية دون أن يدعوا أي مجال للاختلاف أو النقد أو العقل. أما في الحالة العراقية فوجدنا مراوغة من الإسلاميين وتناقضاً أكبر من التيارات الأخرى من يساريين وغيرهم إذ كانوا يصفون هذه العمليات ضد الأمريكان بأنها استشهادية ولكن حين يتحدثون عن العمليات الانتحارية بين العراقيين كان معظمهم يراوغ أيضاً ويحصرها في إطار الصراع السني الشيعي.

والحقيقة أن العالم لم ينظر إلى العمليات الانتحارية الفلسطينية، ومعه كل الحق، إلا على أنها ضرب من القتل المجنون، ولم يكسب الفلسطينيون من ورائها أي شيء لأن العالم الذي في يده أن يضغط على إسرائيل كي تتفاوض وتعطيهم بعض الحقوق لم يحترم عملهم العنيف هذا ولا تبخيسهم لأرواحهم وأرواح ضحاياهم، على العكس من انتفاضة الحجارة التي جعلت ضمير العالم يستفيق ويضغط على إسرائيل كي تجلس معهم على مائدة المفاوضات أملاً في الحل.

ومن الجدير بالذكر أن جدلاً كبيراً قد ثار في فرنسا حول عدد ضحايا العمليات الانتحارية الفلسطينية فقد كانوا لا يعرفون هل يحسبون منفذ العملية ضمن الضحايا أم لا. وأعتقد أن تفكيرهم في هذه النقطة كان عميقا ومنطقياً.

وللتوضيح فإن العمليات الانتحارية في العصر الحديث بدأت أثناء الحرب العالمية الثانية ابتداءً من عام 1944 على يد الطيارين العسكريين اليابانيين، حيث كانوا ينفذونها ضد سفن قوات الحلفاء، وخصوصاً حاملات الطيارات، لإلحاق أكبر قدر من الضرر بها فقد كانوا يصدمون تلك السفن بطياراتهم بما فيها من حمولات الذخائر والوقود فيحدثون ضرراً أكبر مما كانت تحدثه الأسلحة المزودة بها طائراتهم الحربية.

وأصل الكلمة باليابانية هو Kamikaze" أي الريح الإلهية (Kami الإله وKaze الريح). وكان للجوء إلى هذه الهجمات الانتحارية أسبابه فقد كانت الإمبراطورية اليابانية تعاني اقتصادياً ولا تستطيع تمويل نفقات الحرب بالقدر الكافي كما كانت تعاني نقصاً في عدد الطيارين العسكريين المؤهلين لخوض هذه المعارك. ومع ذلك كانت الإمبراطورية اليابانية ترفض التسليم والقبول بالهزيمة. وهنا لجأت إلى هذا النوع من العمليات علها تصنع الفارق. ومنبع هذه الفكرة هو معتقدات محاربي الساموراي وفكرة الإخلاص والتضحية حتى الموت في الفلسفة البوذية. وبالطبع كان الطيار الياباني الانتحاري يجد في ذلك سبباً عادلاً للتضحية بنفسه، خصوصاً أنه لم يكن يهاجم مدنيين ولم يكن ينتمي إلى جماعة أيديولوجية إرهابية بل كان مجندا ًفي جيش نظامي يدافع عن مصالح وطنه.

والملاحظة الهامة هنا أن العمليات الانتحارية يتم اللجوء إليها عند الشعور بالعجز والضعف إزاء العدو، أي أنها ليست لها قيمة في حد ذاتها، فلو كان اليابانيون انتصروا دون عمليات انتحارية كانوا سيتذكرون جيشهم بالخير والفخر والاعتزاز، والأمر نفسه كان سيحدث لو انتصروا من خلال العمليات الانتحارية أيضاً. ولكن الحقيقة أنهم منوا بالهزيمة، ولعل من أسبابها أنهم كانوا يفكرون تفكيراً ذا خلفية ماضوية في عصر حديث وفي مواجهة عدو حديث لا يعبأ بكل ما يمكن أن يلحق الضرر بمصالحه حتى ولو كان أيديولوجيا أو ديناً أو غير ذلك.

وفي حالة العرب والمسلمين نجد أن التشابه هو العجز والضعف في مواجهة الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي، ولكن ماذا عن الهجمات الانتحارية فيما بينهم؟ فالطرفان العربيان المسلمان ضعيفان عاجزان ولكن كل منهما يريد الانتصار لقضيته التي يظنها الصواب وما عداها باطل وصاحبها من أتباع الشيطان. إنهم ينفذونها ضد أهاليهم وأوطانهم، وبالمنطق الإنساني أيضاً لا بد من أن ننفر من تنفيذ تلك العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين وغيرهم ونجرمها أياً كانت ديانتهم وجنسيتهم، وأياً كان سبب الاختلاف.

إن الجندي من أي جنسية كان يلجأ منذ القدم إلى التضحية بنفسه إذا أيقن بالهزيمة فيقاتل حتى النهاية ولا يسلم نفسه للعدو لأن لديه شرف الجندية، وكان يُقدر له النصر في بعض الأحيان إثر ذلك. ومن أمثلة هذا ما فعله كثير من الجنود المصريين في الحروب التي خاضتها مصر في عصرها الحديث. والوقائع التي فعلوا فيها هذا أكثر من أن تحصى أو تعد. ولكن الأمر مختلف فموقفهم أقرب إلى موقف الكاميكاز الياباني المنخرط في جيش نظامي ويدافع عن وطنه ضد جيش نظامي يدافع عن وطنه. وموقفهم بعيد كل البعد عن الحالة الفلسطينية مثلاً فالجيش المصري لا يهاجم مدنيين ولا يحارب من لا يحارب وطنه. كما أن إقدامهم على التضحية بأنفسهم يأتي في سياق معارك لا هجمات مباغتة دون داع إلا الإيذاء.

وما يهمني هنا هل تعلم العرب، وأخص المصريين نظراً لما تتعرض له مصر في الآونة الأخيرة من هجمات إرهابية بعضها انتحاري، أن قتل المديين أياً كان سببه هو جريمة كبرى، وأنه لا يوجد ما يسمى عملية استشهادية فكلها عمليات انتحارية بصرف النظر عن منفذها، حتى الجندي الذي يضحي بنفسه حماية لوطنه وشعبه، لأننا لو طبقنا ذلك سنصنف الناس حسب ديانتهم فالمسلم سيعتبر المسلم شهيدا وغيره ليس بشهيد والمسيحي سيعتبر المسيحي شهيدا وغيره ليس بشهيد، حتى وإن كانوا ممن نفس الوطن ومنخرطين في نفس الجيش، وفي هذا خراب البلاد والعباد. وبالتأكيد يعتبر أنصار الإرهابيين الذين قتلهم الجيش المصري أمس أن هؤلاء شهداء ومثواهم الجنة. فما معنى كلمة شهيد في التراث الإسلامي؟


إن معنى كلمة شهيد في لسان العرب جدير بالملاحظة:

"من أَسماء الله عز وجل: الشهيد. قال أَبو إِسحق: الشهيد من أَسماء الله الأَمين في شهادته. قال: وقيل الشهيدُ الذي لا يغيب عن علمه شيء."

وفي التنزيل: واستشهدوا شَهِيدين.

والشَّهادَة خَبرٌ قاطعٌ تقولُ منه: شَهِدَ الرجلُ على كذا، وربما قالوا شَهْدَ الرجلُ، بسكون الهاء للتخفيف؛ عن الأخفش.
وقولهم: اشْهَدْ بكذا أَي احْلِف."

كما وردفي لسان العرب أيضاً:

وقوله: ونزعنا من كل أُمة شهيداً؛ أَي اخْتَرْنا منها نبيّاً، وكلُّ نبي شَهِيدُ أُمَّتِه.

وورد في نفس الباب من لسان العرب أيضاً أن "الشَّهِيدُ المقْتول في سبيل الله، والجمع شُهَداء."

إذن من معاني الشهيد الإله والنبي وأي شخص يحضر أمراً ما أو حدثاً ما أو يشهد على واقعة أو عقد، وما إلى ذلك. وكذلك المقتول في سبيل الله، والأخير معنى اصطلاحي.

وقد عرف النووي الشهيد على النحو التالي:

" واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:

أحدها : المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال ، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفى أحكام الدنيا ، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه .

والثاني : شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا ، وهو المبطون والمطعون وصاحب الهدم ومن قتل دون ماله وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً ، فهذا يغسل ويصلى عليه , وله في الآخرة ثواب الشهداء ، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول .

والثالث : من غلَّ في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار ، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه , وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة " . (انظر شرح النووي على مسلم). انتهى

ولا مجال هنا لأن أورد المزيد من التعاريف لمعنى الشهيد. ولكني أعدكم بأن أعد دراسة وافية عن ذلك.

ويتضح من شرح النووي أن الإسلاميين في العصر الحديث يستعملون مصطلح الشهيد بمعنى مختلف كثيراً عما ورد في أمهات الكتب التي يؤمنون هم أنفسهم بها ويقدسون من كتبوها. فهم يطلقون وصف الشهادة على الانتحاريين لا لشيء إلى لأنهم ينفذون ما يرغبون هم فيه من حرب على كل مخالف. لذلك يستندون إلى التكفير كي يصبح الشهيد شهيداً وكي يتقبل أن يقدم على عمل القتل وهو مرتاح الضمير، وطبعاً مع التبشير بمتعة الحور العين الفورية بعد الشهادة/ الانتحار/ القتل.

إن الطيار العسكري الياباني لم تخطر الحور العين له على بال وهو يصطدم بسفن الحلفاء ويقدم نفسه فداءً لوطنه. ولم يخطر له على بال أيضاً أنه يقتل كافراً. وفي هذا فارق كبير عما نشهده في بلادنا من مصريين يفجرون أنفسهم في مصريين ومن عراقيين يفجرون أنفسهم في عراقيين ومن دواعش يتفننون في البحث عن أبشع طرق القتل والتنكيل ليبثوا الرعب في قلوب الناس فيُنصروا بالرعب.

إن من فرضوا على الناس تقبل فكرة العمليات الاستشهادية، سواء أكانوا من الإسلاميين أم من المزايدين عليهم، قد مهدوا الطريق أمام القتلة الذين نفذوا عمليات أمس وقبل أمس وغيرها في مصر وأعطوهم مبرراً دينياً لجرائمهم. تماماً كما فعلوا في العراق وفلسطين.

إن أول خطوة نحو الإصلاح الديني هي فرز كل نص تكون نتيجته تقبل العنف أو اقترافه، وينبغي أن يتم هذا الفرز دون انتقائية. فلابد من حصر النصوص المشجعة على العنف ضمن نطاقها المكاني والزماني كي لا يأتي من يغسل أدمغة الناس كي يسحبوها على الحاضر والمستقبل.



#ياسر_يونس (هاشتاغ)       Yasser_Younes#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متلازمة دولة الخلافة
- عبد الله بن سبأ والطابور الخامس
- الوليد بن يزيد ولفحة -ربيع عربي- في العصر الأموي
- إسلام البحيري في عش الدبابير
- قصيدة الإرهابي الدجال
- التعددية اللغوية والتواصل بين العرب
- قصيدة سقطت كل أقنعتك آخر قصيدة في المخلوع الإخواني محمد مرسي
- من يمسك البقرة من قرنيها
- في جوف حمار
- الوصايا العشر كي تصبح كاتباً إسلامياً
- مفسر القرآن صاحب الكتب الماجنة
- قصيدة إلى الدكتور سيد القمني
- الحقائق الغائبة في قضية الدكتور سيد القمني
- قصيدة خرطوم الفيل من ديوان لاتُعارض الصادر عن مركز الحضارة ا ...
- قصيدة لا تُعارض من ديوان لا تُعارض الصادر عن مركز الحضارة ال ...
- الكل يصفق للسلطان
- السقوط 2003
- من المتناقضات في التارخ الإسلامي-9
- من المتناقضات في التاريخ الإسلامي-8
- (من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 7 - ( بطرس المصري


المزيد.....




- مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى
- مصر.. عبدالله الشريف يهزأ من تغريدة نُسبت له عن -القرضاوي بج ...
- عين على شبكات التواصل في العالم العربي والاسلامي
- أورتيغا يهاجم الكنيسة الكاثوليكية وماناغوا تطرد سفيرة الاتحا ...
- حرس الثورة الاسلامية يواصل استهداف معسكرات الارهابيين في شما ...
- رئيس نيكاراغوا: الكنيسة الكاثوليكية -ديكتاتورية تامّة-
- بيان بعد اتهامات خطيرة لأول مستشارة لشيخ الأزهر في مصر
- قرار رسمي بوقف كافة نشاطات جمعية كاريتاس الكاثوليكية في الجز ...
- الرئيس رئيسي: 43 عاما يسعى العدو الأميركي لانهيار الجمهورية ...
- الرئيس رئيسي: أعداء الثورة الإسلامية يسعون إلى زعزعة استقرار ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسر يونس - انتحارية هنا استشهادية هناك