أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسر يونس - متلازمة دولة الخلافة















المزيد.....

متلازمة دولة الخلافة


ياسر يونس
(Yasser Younes)


الحوار المتمدن-العدد: 4848 - 2015 / 6 / 25 - 18:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا يغرني ولا يخدعني الخطاب الديني لتيارات الإسلام السياسي فقادتها يسعون فقط إلى تحقيق أهداف سياسية مهما غلفوها بغلاف ديني مهما بذلوا من جهد في نشر الطقوس والشكليات الدينية، فما هذا إلا غطاءً لتلك الأهداف السياسية. بيد أن جهودهم هذه لا تذهب هباءً في مجتمعات ما زالت تنخدع بمن يتخذون من الدين ستاراً، ولكن هذا الانخداع هو أقرب إلى اتقاء الشر منه إلى التصديق الحقيقي لهذا الخطاب. فالأمر أشبه بمتلازمة ستوكهولم وهي حالة نفسية تتمثل في تعاطف الشخص أو تعاونه مع عدوه أو مع الشخص الذي أصابه بالضرر أو الإساءة، مثل تعاطف المخطوف مع الخاطف..

ومصدر تسمية هذه الحالة بمتلازمة ستوكهولم حادثة هو حادث سطو على بنك في مدينة ستوكهولم بالسويد في عام 1973، واتخذ اللصوص بعض موظفي البنك رهائن لمدة ستة أيام، وخلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم.

وللتوضيح فإن معنى مصطلح المتلازمة (بالإنجليزية Syndrome) حسب موسوعة ويكيبيديا هو مجموعة من الأعراض المرضية والعلامات المتزامنة ذات المصدر الواحد في الطب أو الطب النفسي. وهي مجموعةٌ مترابطة jسهل ملاحظتها سريرياً من السِمات، أو الإشارات التي يراها أحدٌ غير المريض، أو الأعراض التي يبلغ عنها المريض أو الظواهر أو الخصائص التي يكثر ظهورها مجتمعةً، مما يجعل ظهور واحد أو غير واحدٍ منها يُنذِر المُعالج باحتمال وجود بقية الأعراض.



ولكن السطو الذي أعنيه هو سطو على العقول وربما القلوب يمتزج فيه التخويف من العقاب في الآخرة بالترهيب من العقاب في الدنيا عل يد أولئك المتطرفين، وهنا يجد الناس أنفسهم أمام خيارين إما الخنوع والخضوع وإما التمرد والرفض مع ما يرتبط بهما من سوء العاقبة في الدنيا وشر المآل في الآخرة. وربما يكون في هذه الحالة ما يفسر تعاطف بعض اليساريين والمثقفين بن قوسين وبعض أعضاء الأحزاب الحاكمة في الدول العربية ولو مؤقتاً مع التيار الإسلامي، وهو التعاطف الذي تدفع الأوطان وما زالت تدفع ثمنه غالياً.

وطريقة هذه التيارات في السيطرة على العقل والوجدان يصعب أن تفلح إلا مع عقول مستعدة لتصديق أي شيء وكل شيء بل تصديق الشيء ونقيضه في آن واحد. وقد ساهمت هذه التيارات بنفسها في إيصال الناس إلى هذه الدرجة من الاستعداد العجيب لتقبل أي شيء وكل شيء. وبالطبع كان للنظم الحاكمة المتعاقبة اليد الطولى في صنع هذه الحالة ونشرها على أوسع نطاق بين الشعوب من خلال نظم تعليم تطمس العقول بدلاً من أن تنورها ومنظومة إعلامية أسوأ تركز على أمجاد وهمية لصنع حالة زائفة من الفخر الوطني الممتزج بتمجيد الحاكم (مبارك وصدام مثالان واضحان).

والمريب في الأمر أننا نجد من المثقفين والمدافعين عن حقوق الإنسان من كان أو لا يزال يظن أن من حق الإخوان المسلمين الحصول على فرصة في الحكم إذا وصلوا إليه بصندوق الانتخاب، ويقولون ذلك وهم يعرفون جيدا نظرة جميع التيارات الإسلامية إلى العملية الديمقراطية، مهما ادعت غير ذلك وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، فهي في نظرهم منديل ورقي تستخدمه مرة واحدة ثم تلقي بها في سلة المهملات، ومع ذلك دافعوا عن هذا الحق بين قوسين في مغالطة واضحة وصريحة تنافي كل عقل ومنطق. وأقول لهؤلاء يأيها المثقفون الذين تدعون اطلاعكم على الفكر السياسي الغربي هل يسمح الألمان للنازيين بخوض الانتخابات؟ هل يعطونهم مساحة في الإعلام كتلك المعطاة للتيارات الإسلامية؟
وأسألهم أيضاً إن لم تكن داعش نتاجاً طبيعياً لما ينشره هؤلاء من أفكار شديدة التخلف والعنف والتطرف فعن ماذا نتجت إذن؟

إن دولة الخلافة التي تعددت مسمياتها من راشدة إلى أموية ثم صارت عباسية وفاطمية وعثمانية، وغير ذلك كثير، لم تكن إلا حكماً حسب مستوى نضج البشر آنذاك. فهل حققت للناس العدل والمساواة والرخاء بالفعل؟

إن التاريخ الإسلامي نفسه هو الذي ينفي ذلك فعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وهم ثاني وثالث ورابع الخلفاء الراشدين، مع ما لهم من مكانة في التاريخ الإسلامي، قد ماتوا مقتولين (راجع مقالتي عن مقتل عمر بن الخطاب في سلسة مقالاتي التي نشرتها بعنوان "من المتناقضات في التاريخ الإسلامي" من الرابط http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=88221).

والأمر الجدير بالملاحظة أن عمر اشتهر بالعدل في كتب التاريخ الإسلامي وقيل له حسب الروايات "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر"، ولكنه مات مقتولاً، وكذلك علي بن أبي طالب الذي اشتهر بالعدل والنقاء والفقه، ولكنه مات مقتولاً. وحتى عمر بن عبد العزيز الذي سمي بخامس الخلفاء الراشدين لعدله وإنصافه وزهده، رغم أنه ثامن الخلفاء الأمويين، أي أن الترتيب هنا لاشتراك في الصفات وليس للتسلسل الزمني، قد مات مقتولاً هو الآخر. فهل يعني ذلك، إن افترضنا فيهم هذا العدل المطلق حسب روايات التاريخ الإسلامي، أن الخليفة العادل يُقتل في هذه البقعة من الأرض ولهذا سفك كثير من الخلفاء دماء الناس اتقاءً للقتل؟ فأية دولة خلافة تلك التي يريدونها إذن؟

لنذهب أبعد من ذلك هل أقامت دولة الخلافة العدل فعلاً في أكثر فتراتها ازدهاراً؟ هل لم يثر الناس على الخلفاء لأن الخلافة هي حكم عادل بالضرورة مثلما يدعون؟

سأورد هنا مثالين أظنهما الأهم في تاريخ الثورات المتعددة على دولة الخلافة الإسلامية، وأختص هذين المثالين لأن معظم الثورات الأخرى كانت صراعاً على الحكم استغل فيه شخص يظن نفسه هو الأحق بالخلافة تصديق الناس له وتفضيلهم إياه عن الخليفة الحاكم، أي أنها لم تكن ثورات بالفعل يطالب فيها الناس بالعدل والعيش الكريم إلا بصورة هامشية قياساً بتأييدهم للشخص المطالب بالخلافة، هذا في الحالات التي شارك فيها الناس فعلاً وهي قليلة. أما المثالان اللذان أعنيهما فكان كل منهما بالفعل ثورة نتيجة ظلم وطغيان الخليفة وولاته وبطانته وأمراء جيوشه، فقد فاض الكيل بالناس ولم يجدوا إلا الثورة والتمرد ليتخلصوا من هذا البؤس والشقاء. وللأسف لم يكتب النجاح لأي من الثورتين، وعموما ً فقد ثار الناس فيهما وهم يعلمون ما هم مقدمون عليه وأن الفشل وارد بشدة والقتل قد يكون النتيجة المؤكدة، ولكن في ظل هذا الحكم الظالم تحولت حياة الناس إلى جحيم يفضلون عليه الموت قتلاً.

المثال الأول هو ثورة الزنج التي حدثت في مدينة البصرة العراقية ضد الخلافة العباسية واستمرت ثمانية عشر عاماً تقريباً. وأسس الثوار حكومة لهم كان مقرها مدينة أنشأوها وأسموها المختارة جنوب مدينة البصرة. وكان زعيم هذه الثورة يدعى علي بن محمد واستمرت الثورة من سنة مائتين وتسع واربعين للهجرة إلى سنة مائتين وست وخمسين للهجرة. ويمكن مراجعة أخبارها من كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير وكتاب تاريخ الأمم والملوك لابن جرير الطبري، وغيرهما. ومن القراءة المدققة نجد أن أسباب الثورة كانت اجتماعية واقتصادية في الأساس رفضاً للطبقية والقهر وسوء الحال والقمع الشديد. وحسب الروايات فقد أنهكت هذه الثورة الخلافة العباسية تماماً ولكها نجحت في إخمادها بعد أن بلغ عدد القتلى في ذلك الصراع نحو نصف مليون قتيل.

المثال الثاني هو ثورة البشموريين، أي سكان شمال الدلتا في مصر، على ما تعرضوا له من مبالغة في الجباية والضرائب، إلى أن جاع الناس فلم يجدوا الطعام لضيق ذات اليد وعانوا الإهمال والسلب والنهب. وكانت في عهد الخليفة العباسي المأمون الذي أرسل قائد جيشه الأفشين إلى مصر فأحرق الديار والعباد ولاحق من تبقى من البشموريين فنقله إلى بغداد. ويقال إن عدد السبايا والعبيد الذين أرسلهم إلى بغداد فاق السبعين ألفاً.

الأمر واضح فدولة الخلافة لم تحقق العدل والرخاء للناس ولم تحمهم من العسف والبطش والسلب والنهب والقتل، بل مورست فيها جميع أشكال الظلم والققهر وغير ذلك مما لا مجال لذكره في هذه العجالة. لذا وجدنا خلفاء يُقتلون وثورات تندلع ويموت فيها مئات الآلاف. وقد استخدم الخلفاء والثوار الشعارات الدينية ليمنحوا أنفسهم الشرعية وليغتال كل منهم الطرف الثاني معنوياً تهيدا ًلاغتياله جسدياً.

إن أهل السياسة والثقافة والفكر في بلادنا لا يجهلون أن الهدف الرئيسي لكل هذه التيارات هو إقامة دولة الخلافة أو دويلات خلافة متناثرة هنا وهناك، ثم التناحر فيما بينها إلى ما لا نهاية في ممارسة محببة لهم تاريخياً هي الاقتتال والصراع على الغنائم. إن أي تعاطف أو تعاون مع هذه التيارات هو بالضرورة خطوة نحو إقامة دولة الخلافة. فهل يدرك هؤلاء المتعاطفون مع تلك التيارات أن الكارثة ستكون أكبر من كل الكوارث التاريخية التي وقعت في عصور الخلافة وتسبب فيها أسلافهم لأن قدرات الدمار المتاحة للدول الآن، حتى المتخلفة، منها صارت أكبر ملايين المرات مما كانت عليه أيام السيف والخنجر وعلى أكثر تقدير المنجنيق؟


فهل هي متلازمة دولة الخلافة التي تدفعهم دون أن يدروا إلى التعاطف مع جماعات الإسلام السياسي أو ربما التعاون معها؟.



















#ياسر_يونس (هاشتاغ)       Yasser_Younes#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الله بن سبأ والطابور الخامس
- الوليد بن يزيد ولفحة -ربيع عربي- في العصر الأموي
- إسلام البحيري في عش الدبابير
- قصيدة الإرهابي الدجال
- التعددية اللغوية والتواصل بين العرب
- قصيدة سقطت كل أقنعتك آخر قصيدة في المخلوع الإخواني محمد مرسي
- من يمسك البقرة من قرنيها
- في جوف حمار
- الوصايا العشر كي تصبح كاتباً إسلامياً
- مفسر القرآن صاحب الكتب الماجنة
- قصيدة إلى الدكتور سيد القمني
- الحقائق الغائبة في قضية الدكتور سيد القمني
- قصيدة خرطوم الفيل من ديوان لاتُعارض الصادر عن مركز الحضارة ا ...
- قصيدة لا تُعارض من ديوان لا تُعارض الصادر عن مركز الحضارة ال ...
- الكل يصفق للسلطان
- السقوط 2003
- من المتناقضات في التارخ الإسلامي-9
- من المتناقضات في التاريخ الإسلامي-8
- (من المتناقضات في التاريخ الإسلامي 7 - ( بطرس المصري
- عن المرأة والحجاب


المزيد.....




- مصر.. عبدالله الشريف يهزأ من تغريدة نُسبت له عن -القرضاوي بج ...
- عين على شبكات التواصل في العالم العربي والاسلامي
- أورتيغا يهاجم الكنيسة الكاثوليكية وماناغوا تطرد سفيرة الاتحا ...
- حرس الثورة الاسلامية يواصل استهداف معسكرات الارهابيين في شما ...
- رئيس نيكاراغوا: الكنيسة الكاثوليكية -ديكتاتورية تامّة-
- بيان بعد اتهامات خطيرة لأول مستشارة لشيخ الأزهر في مصر
- قرار رسمي بوقف كافة نشاطات جمعية كاريتاس الكاثوليكية في الجز ...
- الرئيس رئيسي: 43 عاما يسعى العدو الأميركي لانهيار الجمهورية ...
- الرئيس رئيسي: أعداء الثورة الإسلامية يسعون إلى زعزعة استقرار ...
- رائد الوسطية ومناصر ثورات الربيع العربي.. الشيخ القرضاوي الذ ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسر يونس - متلازمة دولة الخلافة