أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - أم غاوية 8














المزيد.....

أم غاوية 8


حيدر الكعبي

الحوار المتمدن-العدد: 4649 - 2014 / 12 / 1 - 11:02
المحور: الادب والفن
    



راحت الأمور تختلط في ذهن أم غاوية. لم تعد تميز بين الواقع والخيال ولا بين الماضي والحاضر. أصبحت شبه عمياء، شبه صماء. واستطاعت أمي إقناعها أخيراً بالسكن معنا في شارع الكويت. لقد تخلت عن استقلالها للمرة الأولى منذ قدومها الى البصرة أيام الحرب العظمى. ولأنها لم تعد تسمع جيداً صرتُ أعيد عليها الكلام عدة مرات، وأحياناً أفقد صوابي فأصرخ بها. وكان نظرها قد ساء جداً، فصارت تعتمد على يديها في تحسس الأشياء. وراحت تقف ساعات في منتصف (الحوش) تحت الشمس اللاهبة لتستقبل "العروس،" أو توقد النار من شظايا خشبية ملتقطة من هنا وهناك، وتظل تنفخ فيها حتى يصفوَ اللهب وينقشعَ الدخان وهي تمسحُ دموعها بشيلتها. ولم أكن أستطيع رفع نظري عنها وهي تفعل ذلك، خشية أن تمسكَ النارُ بذيل شيلتها فتحترق. وأحياناً أتأملها صامتاً وهي تضع برفق وبيد مرتعشة أقراص العجين الثخينة (الشِلِّكين) في مقلاتها المخضرمة ذات الذراع المهتزة المخلخلة، والتي تصر على استعمالها دون سواها، وهي تدندن وتغمغم غافلة عن فرقعة الدهن كلما استقبل شلكينة جديدة. وأحياناً أخرى أرقبها وهي تعيد غسل الملابس المغسولة تواً لأن بنات ابنتها الحضريات لا يعرفن كيف يغسلنها. فتحرص على أن تريهنَّ (رغم أنهن لا ينظرن إليها) كيف تُغسل الثياب. فتغسلها وتعيد غسلها حتى تتهرأ من الغسل. ثم تَقْشَعُ بكفها رغوةَ الصابون عن سطح الماء وتقول لحفيداتها الغائبات: "شوفن جدة، جير على حيله." وتجهد في عصر الثياب حتى آخر قطرة، وعروق يديها الزرقاء البارزة تتوتر وتنتفخ. ثم أراها تترنح تحت ثقل الطست المليء وهي تحمله لترش بمائه باحة الدار. ثم تعود فتملؤه بالماء وتغمر الثياب فيه، وتعاود غسلها، والثياب تئن وتتذمر وتتشكى وتدور في الطست ببطء باتجاه عقرب الساعة— دائماً بهذا الإتجاه—، وأم غاوية لا تكف عن دعكها وفَرْكها والضغط عليها بثقلها كله وتغطيسها في الماء وانتشالها منه وشطفها وعصرها وفحصها ثانية ثم إعادة غسلها من جديد، كل ذلك وهي تذم الدنيا وتشكو من الدهر والزمان الأغبر الذي أمات أهلها جميعاً وأسكنهم "الغريرية" وتركها وحيدة فريدة، وجعل حتى التائهات من النساء ی-;-شمتن بها ويعيِّرنها بعزلتها.

الدنيا ناكْرتْني وانكرِتْها
لا هيْ خالْتي ولا بنت اختْها
سِطْرتْني على عيني وعِمتْها
يا دنيا من سطرتچ رايحه نحيلْ
فوگ الهضم يا عار النساوين
كلمن تايهة تگلّي هلچ وين
واهلي بالغريرية مجيمين
ملّينا يا الدنيا دخيلچ.



#حيدر_الكعبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدي الذي قتل الأسد
- عن قصيدة -نهير الليل- لعلي أبي عراق
- الكابوس
- الإستجواب
- دعوة الى جمع شعر الشعراء المعدومين
- وداعاً منقذ الشريدة
- أم غاوية 7
- أم غاوية 6
- أم غاوية 5
- أم غاوية 4
- أم غاوية 3
- أم غاوية 2
- أم غاوية 1
- توطِئة - أوكتافيو باث
- بصرة عام 11 (الحلقة الرابعة)
- بصرة عام 11 (الحلقة الثالثة)
- بصرة عام 11 (الحلقة الثانية)
- بصرة عام 11 (الفصل الأول)
- المتنبي شهيداً
- كتابة على حيطان الطفولة


المزيد.....




- مدارس الباليه الكلاسيكي الأمريكي الكبرى.. صروح فنية شُيدت بأ ...
- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر الكعبي - أم غاوية 8