أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - توتر الشخصية في اللحظة الحضارية الراهنة في رواية أخبار قرية الباشا لشعبان عبد الحكيم















المزيد.....

توتر الشخصية في اللحظة الحضارية الراهنة في رواية أخبار قرية الباشا لشعبان عبد الحكيم


محمد سمير عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 4559 - 2014 / 8 / 30 - 09:01
المحور: الادب والفن
    


(أخبار قرية الباشا) رواية حديثة للأديب، و الناقد المصري (د. شعبان عبد الحكيم محمد)، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة – فرع ثقافة المنيا سنة 2014 م.
و يقوم النص الروائي على التأثير الحتمي للتحول في الأبنية الثقافية، و الاجتماعية على نماذج من الشخصيات التي يجمعها المكان؛ و هو إحدى قرى الريف، و يسميها الراوي (قرية الباشا)، و كذلك شكولها الاجتماعية المتباينة.
إننا نعاين نمطين متباينين من الشكل الرأسي بين الشخصيات في سياقها الاجتماعي؛ و يقوم النمط الأول على سلطة الباشا، و انفعالاته التي تنعكس على أهل القرية حين يبشره درويش فقير بولد، فيقيم الأفراح، و يمنحهم العطايا، و نلمح تعالي المشاعر الروحية بمستوياتها الشعبية، و استمرارية بعض القيم في هذا السياق؛ أما الآخر فيجمع بين كونه داخليا؛ أي يقع داخل وعي الشخصيات، و يؤثر فيها بصورة ميكانيكية لا واعية، و خارجيا بمعنى أن السلطة الرأسية فيه تنبع من قوى، و تحولات كبرى في كل من المجتمع العالمي، و المجتمع المحلي، و يقوم هذا الشكل من السلطة على غلبة مبدأ اللذة المباشرة السريعة، أو المنفعة المباشرة الآلية بصورة أحادية على الشخصية، بحيث توجهها إلى السقوط في مصيدة الآلية نفسها حين تتعارض القوى، و المصالح، و الخطابات الثقافية المتباينة بين سلطة المنفعة داخل الأنا من جهة، و داخل الآخر من جهة ثانية.
و يحاول الراوي أن يتلمس قيم الأصالة، و الشفافية، و البراءة المستترة داخل ثقافة المكان، و أن يستعيدها من خلال أمرين:
الأول: مصائر الشخصيات، و تاريخها الذي يوحي بأن الأصل في شخصية الإنسان، ووجوده الفردي، و الاجتماعي هو الميل إلى الأصالة الروحية، و إلى التعدد، و التجاور بين الأنا و الآخر من جهة، و بين قيم المصلحة الفردية، و القيم الحضارية النبيلة من جهة أخرى؛ و لهذا سقطت الشخصيات في فخ أحادية المصير، و صراع القوى المتعارضة الممثلة للمصالح المختلفة.
الثاني: استدعاء فكرة العقاب من الذاكرة الجمعية، و من التراث الثقافي و الديني، و من اللاوعي؛ فتفضيل الشخصيات للذة المباشرة، و للسلطة الفوقية الثقافية للمال، قد اقترن بسقوط طبق طائر من السماء على القرية بينما يعايش الراوي مشاعر الحزن؛ لأنه لا يستطيع إنقاذ أهله، أو دفنهم؛ و كأنه يستشرف من خلال صورة الخيال العلمي المجازية ما يؤدي إليه تغليب المصلحة داخل الفرد، و خارجه من انهيار لقواه الإنتاجية، و قيمه الجمالية، و الحضارية المتعالية.
و يقوم البناء الفني للرواية على انتشار شخصيات متباينة يجمعها المكان / قرية الباشا، و كونها تنتمي إلى شرائح اجتماعية، و ثقافية متباينة، و يرتكز الراوي على لحظة تحول الشخصية باتجاه مبدأ المنفعة وحده، و تغليب خطاب سلطة المال الداخلية على الفرد، ثم يجمع بين سرده لمصير كل منها على حدة، و انهيارها الشامل بعد سقوط الطبق الطائر في نهاية النص.
و ابتداء من عتبة العنوان (أخبار قرية الباشا)، يومئ الراوي إلى ضخامة الأحداث التي سوف يسردها، و المتعلقة بالمكان، و تحولاته الاجتماعية، و الثقافية، كما يحفز أفق التوقعات لدى المتلقي المنتج بأن ما يميز قرية الباشا هو التفرد، و الاختلاف، أو غرابة المصير؛ فالخبر وفق هذا المدلول التأويلي هو النبوءة العجيبة التي صاحبت شخصيات المكان.
و من العتبات النصية الدالة الفقرة الأخيرة، أو الخاتمة التي يشير فيها الراوي إلى الانهيار، و سقوط الطبق الطائر على القرية؛ و هي توحي بالصخب، و الانهيار المجازي لشخوص المكان، و كأن الراوي يمهد لوجود حرب حقيقية، أو مجازية؛ فصراع المنافع، و السلطة، و المصالح يشبه الحرب استعاريا، و التي يقصى فيها حضور الآخر، أو كأنه يستدعي فكرة العقاب من اللاوعي، و من التراث الإنساني؛ و هو ما يوحي بأن الشخصيات تخضع لقوى داخلية، و خارجية تتفاعل مع نسق القيم، و الروح، و قيم الأصالة الحضارية الكامنة في الضمير، و الرؤى الثقافية، و العلمية المتضمنة في الثراء و التعددية التي تميز تاريخ الإنسان، و الغائبة في الوقت نفسه عن شخصيات القرية ذات البعد الواحد التي تذكرنا بتحليل (ماركيوز) للإنسان ذي البعد الواحد، و الذي يخضع لمنطق الآلية و المصلحة المباشرة.
يقول الراوي:
"ليلة و لا كل الليالي التي مرت بها قرية الباشا .. فجأة سقط من أعلى السماء طبق طائر يسد عين الشمس، نيرانه ملتهبة، و متأججة ... يؤلمني جثث أهلي الملقاة في الشوارع .. أتألم .. أتمزق من داخلي .. و لكن ماذا أفعل؟! .. حتى دفن الجثة .. لا أستطيع" ص 93، و ص 94.
إن المدلول السلبي للطبق الطائر، و نيرانه يجسد – بصورة تمثيلية - الميكانيكية المميزة للصراع بين الشخصيات، و كذلك السقوط في الدائرة نفسها من الأحادية التي تختزل الإنسان في شبكة المنافع الأحادية، و تبلغ سلبية الصورة السردية ذروتها حين يعلن الراوي عن عجزه عن مواراة الجثث، و كأنه يومئ إلى أنها شاهد على عظمة الحدث، و غرابة المصير التي ارتكز فيها على الطبق الطائر ليمعن في تلك الغرابة التي ارتبطت بعلامة من علامات الخيال العلمي.
و يلاحظ قارئ النص التعارض، و الاختلاف في الأبنية الثقافية الممثلة للمكان، و الشخصيات؛ و يرجع هذا إلى لحظات التحول من سلطة الباشا إلى السلطة الداخلية للمنفعة؛ ففندق السعادة الممثل للمتع الحسية، يقع في مفارقة مع البيوت المبنية بالطوب اللبن، و قيم المنفعة تناهض الأصالة الثقافية الممثلة لمواويل أبي زيد، و حسن و نعيمة، و قيس، و ليلى، و بهجة الموالد الشعبية؛ مثل مولد أبي زمارة.
إن المكان يجسد محاولة السارد لاستعادة قيم الأصالة المهمشة في اللحظة الحضارية الراهنة المميزة للقرية، و شخصياتها.
و من مظاهر تحول الشخصيات نحو المنفعة في النص سلب أحمد الغنام لأموال العمدة، و أرضه عبر وسيطين مزيفين، و إغراء العمدة بالمتعة، و المكسب السريع الوهمي، ثم مرض العمدة، ووفاته، و مقتل الغنام، و الحمبولي الباحث عن السلطة، و استغلاله لأرض الباشا الزراعية؛ و هو ما يوحي بالتحول الزائف نحو تغليب القوة، و المال، أما رفعت حامد ابن بواب الحمبولي فيتحول من البحث عن المكانة إلى التطرف الفكري، و يحلم (مندراوي) بالكنز فيستعين بتاجر آثار مزيف يستغل أمواله، و ابنته في طقوس وهمية، و نادية تتزوج من تحب، فيقوم أهلها بقتلهما عقب البحث عنهما، و خداعهما بالموافقة، أما علي غباشي فيبيع ابنه لأحد الأثرياء مقابل المال، و الدكتور هيثم يستغل مريضة منحرفة؛ لأنها لا تستطيع دفع تكاليف عملية، و عزة تستجيب لإغواء أموال ابن الحمبولي، و تسقط في البحث عن المنفعة السريعة.
هكذا نلاحظ انتشارا نصيا للشخصيات التي تجسد تناقض اللحظة الحضارية الراهنة بين الاستجابة الآلية الأدائية للقوى، و المصالح الأحادية، و تاريخ الأصالة الروحية المضمر، و المهمش في تاريخ المكان.
و من النماذج التحليلية للتفاعل بين العناصر الثقافية في المجتمع، و تأثيرها على النص، ما ذكره الناقد البريطاني (رايموند ويليامز) عن العلاقة بين المسيطر، و المتبقي، و الطارئ؛ إذ يرى أن العنصر المتبقي أو المهمش بعيد عن الثقافة المهيمنة الفعالة لكن جزءا منه يندمج فيها، أما الطارئ؛ فهو العنصر الثقافي الجديد، أو الممارسة الجديدة (راجع / رايموند ويليامز / المسيطر، و المتبقي، و الطارئ / ضمن نظرية الأدب في القرن العشرين – تحرير ك.م. نيوتن / ترجمة د. عيسى علي العاكوب / دار عين بالقاهرة / سنة 1996 ص 255: 257).
إن تحليل (ويليامز) الثقافي يرتكز على علاقات التفاعل، و التأثير، و التأثر بين المكونات الثقافية للمجتمع، و يمكننا تأويل النص الروائي وفق هذه العلاقات المعقدة بين العناصر المتفاعلة؛ فالثقافة المهيمنة في النص هي غلبة مبدأ المنفعة المالية، و الحسية الميكانيكية السريعة، و تفعيل غياب التواصل الروحي بين الأنا و الآخر، و المتبقي هو تراث الفن، و الجمال، و السمو المهمش، و لكنه ذو فاعلية كبيرة في العالم الداخل للراوي، و في نهاية النص التي تشير إلى عبثية المصير المبنية على انتصار لقيمة التراث المهمش، أما الطارئ فيتمثل في ممارسات همام السلبية الجديدة، و في الطبق الطائر الغريب الممثل للتداخل بين أخيلة النص، و الواقع الروائي.
إن (أخبار قرية الباشا) تمثل حلقة ذات أهمية في نتاج الكاتب (شعبان عبد الحكيم محمد)؛ إذ تشير إلى نقد الواقع، و التمثيلات الثقافية الحية لشخصيات من المجتمع، و أبنيته المؤثرة، و التي تقع بين التناقض، و الاختلاف.
د. محمد سمير عبد السلام - مصر






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,247,055,232
- ثراء العالم الافتراضي للشخصية في قصص مجيد طوبيا
- الثراء، و التناقض في بنية الشخصية الروائية في (كلاب الصيد) ل ...
- تعدد مستويات الذات في القصيدة .. قراءة لبعض أعمال شعراء العا ...
- الشخصية الروائية، و الانحياز للحياة في رواية (أبو جلال 2000) ...
- الأصالة المستمدة من روح المكان، و الاتصال بالثقافة العالمية ...
- حياة إبداعية ثرية للهامش في ديوان (معجم الغين) لعلاء عبد اله ...
- نحو تشكيل صوت داخلي، و زمن خاص في رواية (سفر اليقظة) لشطبي م ...
- بين النزوع الإنساني، و اتساع النظائر الجمالية للنوع ... مدخل ...
- بين النزوع الإنساني، و اتساع النظائر الجمالية للنوع ... مدخل ...
- بين المعاناة، و الإعلاء من القيمة الإنسانية للشخصية في قصة ( ...
- الهوية الجمالية، و دلالاتها الثقافية في سيرة (قلب العقرب) لم ...
- مصطفى الأسمر .. و تعدد مجالات الرؤية في رواية متتابعة الموت ...
- التجدد و التفرد و التضاعف .. قراءة في ثلاث مجموعات قصصية
- الكشف عن ثراء النصوص ، و الأفكار في نتاج عبد الغفار مكاوي
- الحكي كنغمات جمالية .. قراءة في مجموعة (الأمنية الأخيرة) لهد ...
- تجدد الذات، و تجدد العالم في قصص مصطفى الأسمر
- اللعب الجمالي، و انفتاح الرؤى التأويلية .. قراءة في ديوان سي ...
- من الآلية إلى تمرد الوعي المبدع .. قراءة في ديوان غازات ضاحك ...
- الإنتاجية الجمالية للتعدد، و الاختلاف .. قراءة في ديوان هكذا ...
- جماليات اللقطة، و التشكيل المجازي للواقع في عالم إبراهيم أصل ...


المزيد.....




- كويتي مفقود في أمريكا منذ ربع قرن يعود لأهله بفضل حلم مع فنا ...
- -تعويضات كورونا- تشمل مهنيي الثقافة والإبداع
- السحيمي: الثقافة الدستورية لا تقبل بقاء -البيجيدي- في رئاسة ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الاثنين
- عن الحب والجريمة والشغب.. 3 أفلام لم تنل حظها من الشهرة
- الروخ: الجائحة تؤثر سلبا على الإبداع .. والمغرب يحتاج الفرجة ...
- بالفيديو فنانة مصرية تعبر عن غضبها :-كل ما روح لمنتج بيبص لج ...
- البابا فرنسيس في الموصل: عن راهب ومؤرخ انتظراه طويلاً
- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم


المزيد.....

- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - توتر الشخصية في اللحظة الحضارية الراهنة في رواية أخبار قرية الباشا لشعبان عبد الحكيم