أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - الحكي كنغمات جمالية .. قراءة في مجموعة (الأمنية الأخيرة) لهدى توفيق















المزيد.....

الحكي كنغمات جمالية .. قراءة في مجموعة (الأمنية الأخيرة) لهدى توفيق


محمد سمير عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 3914 - 2012 / 11 / 17 - 01:50
المحور: الادب والفن
    


تؤكد كتابة هدى توفيق القصصية أصالة العالم الداخلي للمرأة، و إعادة تشكيل الذاكرة في مشهد الكتابة، و تداعياتها، و البحث المستمر عن تجدد الهوية الإبداعية من خلال الجدل الممتد بين الذات، و الصور، و الأخيلة المختلطة بالسياق الواقعي النسبي في لحظة الحضور.
و يتشكل العالم الداخلي للشخصيات النسائية من خلال التناقض بين أحاسيس المعاناة، و الوحدة، و الحزن، و الغربة، و تحقق الهوية الشعرية، و تجددها في الوعي المبدع الذي يستمد حضوره من العلاقة المتجددة بين الصوت، و صور الوجود المجازية، و نغماته، و إيحاءاته المتجاوزة للأنساق التقليدية، و المعاني الشمولية، أو الأبنية الاجتماعية القهرية.
و تبدو هذه الدلالات بوضوح في مجموعة هدى توفيق القصصية (الأمنية الأخيرة) الصادرة عن ورشة الزيتون بالقاهرة سنة 2012؛ فالساردة تعيد تشكيل الانفعالات الإنسانية الأنثوية في سياق متجدد للخصوصية، و تجلياتها الفريدة التي تقع في المسافة بين أصالة الصوت الداخلي، و النغمات الواقعية المتنوعة في لحظة الحضور؛ إذ تتجدد بكارة البدايات دائما في سياق بحث الشخصية عن هوية متعالية، و مختلفة.
و تتميز كتابة هدى توفيق في هذه المجموعة بالتجريب في الكتابة السردية؛ فالقص وسائطي بدرجة كبيرة؛ لأنه يتعلق بعالم الشخصية الداخلي، بينما تذوب المسافات بين الوعي، و الواقع، و يختلط الحكي بتداعيات الأخيلة، و الصور؛ فالسرد هنا تصويري، و كثيف، و يقوم على الجمع بين التداعيات الشعرية، و الفجوات التي تعزز من الفاعلية التأويلية للقارئ، و أرى أن قدرة الكاتبة على تحويل العلامات، و الوحدات السردية إلى نغمات، و إيحاءات تشكل معزوفة فنية فريدة للاتصال الروحي بين النص، و القارئ المحتمل؛ فالإيماءات الجمالية المتولدة عن التداعي الكثيف للسرد تتولد من حالات داخلية متنوعة، و تكوينات مجازية ذات دلالات قابلة للتجدد في الآخر المحتمل؛ و من ثم تعكس الكتابة تفاعلية الصوت الأنثوي، و أصالته فيما وراء السياق العلاماتي.
و يمكننا رصد خمس تيمات فنية رئيسية في المجموعة؛ هي:
الأولى: العلامات المجازية للأنوثة.
ثانيا: بين صور التلاشي، و استشراف البدايات.
ثالثا: الأصداء الإبداعية للمكان.
رابعا: كثافة السرد، و شاعريته.
خامسا: نغمات جمالية.
أولا: العلامات المجازية للأنوثة:
تتراوح إشكاليات النوع، و دلالاتها الفنية، و الفكرية في قصص هدى توفيق بين البحث عن الهوية، و مسارها الإبداعي، و التجلي الجمالي لمدلول الأنوثة في بعض العلامات المجازية، و مدى تطور دلالاتها في تداعيات الكتابة، ووعي البطلة، و قدرتها على تأويل لحظة الحضور النسبية في العالم؛ مثل الماء، و الغرف المغلقة، و صورة الطفلة الافتراضية، و المرآة، و الرحم، و الصحراء، وغيرها.
إن هذه العلامات تعيد تشكيل الهوية الداخلية للأنثى في بدائل جمالية اختلافية؛ إذ تعكس تفرد البطلة، و عزلتها، و تحققها الإبداعي الآخر في فعل الكتابة الذي يتجاوز البنية الداخلية للمرأة من داخلها؛ فالعلامات المجازية تعكس الخصوصية، و تجددها في الاحتمالات التأويلية للنص في الوقت نفسه.
و تتشكل علامات الأنوثة من الاتصالية الجمالية بين الإحساس بالتفرد في وعي، و لا وعي البطلة، و العلامات المجازية المتجاوزة لسطوة الفقدان، و الغربة في السياق الواقعي للبطلة، و تبدو هذه الرؤية بوضوح في قصة (الحزن لا يجيء دفعة واحدة)؛ إذ ترصد البطلة الشقاق بين الشعور بالهوية الروحية، و لحظة التحول إلى السكون السلبي، و الصمت العبثي.
تقول: "في البدء كنت أنثوية، و بعد أن جاء الظلم، و الصمت جلدني صوت الحقيقة، فصرت باردة كالليل، جافة كالصحراء، كأني كنت مسافرة بلا طريق".
إن لحظة التحول هي لحظة فقدان جذور الهوية الممثلة في علامة (الطريق)؛ و كأن التفرد هو الأصل الذي يعتريه التلاشي المؤقت، و يلاحظ المتتبع لعلامات الكتابة في نصوص هدى توفيق أن بدائل نقص الخصوصية، أو فقدانها؛ مثل الليل، و الصحراء، و الصمت، و غيرها تشكل – بصورة خفية – نسقا جديدا للصوت الأنثوي يتجاوز حالة التحول السلبي من داخلها؛ إذ إن الكتابة الشعرية توحي ببدايات جديدة محتملة للصوت، و تستمد طاقتها من جذوره الطبيعية في اللاوعي.
و تتواتر وحدات النص بين فقدان الرجل، و صور البطلة وحيدة بين الموتى، و الغجر، و البربر، و اللون الأسود حتى يصدمها قطار شارد، و يلاحقها الطوفان، و تغيب دلالة الرحم عن جدران الغرفة، بينما تتأمل أشكال التحول في موجات البحر، و تتذكر لحظات الرسوب، و الانتظار العبثي، ثم تتمنى طفلة صغيرة.
إن مسار فقدان الأصالة في النص يتجه في تداعيات الكتابة إلى بعث استعاري للهوية الداخلية في علامات البنت الافتراضية التي تمثل ولادة جديدة للصوت، و الرحم التي تتهيأ لاستبدال الجدران الغريبة الصامتة، بينما تجسد تشكلات الأمواج عودة حلمية إلى سكون الأنوثة، و اتساعها في لاوعي المتكلمة، و يستعيد فعل الحكي بحد ذاته الروح الفنية المتعالية للبطلة، و التي تناهض هيمنة الفقدان، و الوحدة، و الحزن.
و يتعارض الضمير الأنثوي مع الضجيج، و العبث في الواقع في قصة (الأمنية الأخيرة)؛ فالبطلة تواجه العالم من جحر؛ لأنها تشعر بالاغتراب عن هيمنة السطحية، و الخواء، و العنف، و التكرار، و لكنها تواجه تلاميذها بجملة المستقبل لكم، و تتوضأ بالأمنية الأخيرة، و كأن علامة (الطهارة) هنا تمثل محو ندب العنف الواقعي، و أمنية لوجود آخر استعاري يبعث في داخلها الوهج الأول للحياة.
و تجسد الساردة تناقضات الوحدة بين تأكيد الصوت الأنثوي، و أصدائه التي تملأ فراغ الشقة، و المخاوف الداخلية المتولدة عن الأصوات الغريبة في قصة (الوجه الآخر من الوحدة)؛ فالبطلة تتوهم التهديد عند طرق عامل النظافة على الباب، ثم ينبعث صوت بكاء طفولي داخلي يجلجل المكان.
لقد تصاعدت نغمات الهوية في الاتحاد بالمكان كبديل عن خصوصية الروح، و تصاعدت معها نغمات الغربة الداخلية الممثلة في الصوت الآخر الداخلي؛ و كأن الحضور الآخر يتسم بتناقض ذاتي متجدد لا يمكن محوه، أو هيمنته على الصوت الأول في الوقت نفسه.
و تتصاعد سطوة العنف ضد البطلة في قصة (امرأة حزينة)؛ إذ تعاني من التهميش، و الطرد بسبب مسألة الإنجاب، و لكن صوتها الداخلي يتفاعل مع الأشجار، و البحر و تحاول الانتصار على النبذ، و الإهمال بإعادة تشكيل الذات في أخيلة الماء، و سكونه الداخلي، و التحقق الافتراضي للخصوبة القديمة.
و تظل معلقة بين الموت العبثي، و الاندماج الحلمي بالأخيلة، و الحركة المجازية للعناصر الكونية.
و تستعيد البطلة سؤال الهوية (من؟) في نص (نظرة في المرآة)؛ إذ تغترب عن تلك الصورة في المرآة، و تربي أبناءها، ثم تنقل المتلقي إلى رتابة اللعب في دريم بارك، و كأن تلك التأملات محاولة جديدة للبدء، و التخلص من الرتابة، و انتظار الموت.
إن البطلة تحاول استرداد الحضور الأول للمرآة، أو بعث طفولتها الاستعارية خارج منطق التكرار، و المباشرة؛ فالمرآة الأخرى هنا معلقة بقدر تأجيل سؤال الهوية نفسه.
و تتأمل الساردة مشاعر الوفاء بين الرجل، و المرأة من منظور يرتكز على النوع؛ ليتجاوزه في قصة (الجوهر)؛ فقد حزنت المرأة عقب وفاة أحد الزملاء، ثم خفت الحزن تدريجيا، و تناقش الساردة هذه الإشكالية انطلاقا من النوع، ثم تتأمل أفكار الجوهر، و الخلود، و البقاء، و تعود إلى فكرة النفس، و مدى نقائها، و تعاليها عن مقولات خصوصية النوع.
ثانيا: بين صور التلاشي، و استشراف البدايات:
ترصد الساردة لحظات الانكسار، و التلاشي داخل الشخصية، و خارجها؛ كي تبرز العلاقة المعقدة بين أصالة الصوت الإنساني، و معاناته، و قدرته على استشراف البدايات الجديدة خارج مركزية الحتميات، و التهميش، و صراع المصالح، و القوى المتعارضة في العالم، و تنحاز الساردة إلى الوجود المجرد لذلك الصوت في حزنه، و انزوائه، وولاداته الجديدة، و المتكررة.
تختلط صورة الجدة بالعالم الداخلي للبطلة في قصة (ليلة رمضانية)؛ فالبطلة تعاني من تجدد الحزن المتمثل في انكسار النظارة، ثم تقاومه باستعادة بهجة ليالي رمضان، و ترسم صورة للجدة تنبع من داخل أحاسيس التهميش، و القهر، و التمرد الذاتية؛ فهي تبكي عندما تتذكر وفاة زوجها، و معاناة المرض، و لكنها تبدو كالهرم، و تطيل الذكر، و السجود، و عقب وفاتها تشعر البطلة بالخوف، و تهديد اللصوص.
ثمة تشكيل جمالي للتلاشي، و الغياب في النص؛ فالجدة تولد من أحزان البطلة، و الأخيرة تتصل بأخيلة الجدة عقب وفاتها، و كأن الولادة الجديدة تلازم الغياب؛ و من ثم تفكك مركزيته؛ فالاتصال الروحي يحتمل وهجا متجددا للبدايات، و تؤكد تداعيات الكتابة هذا التصور؛ فحجرة البطلة تشبه الزنزانة كحجرة الجدة.
إن التجدد بحد ذاته يناهض النهايات، و كأن الغياب يوحي بحياة جديدة مجازية، و مجهولة، و معلقة في امتداد القيم الجمالية المتجاوزة للموت العبثي السريع، و الغريب عن أصالة الصوت الإنساني.
و قد يعاني الصوت من التهميش، و الانسحاق أمام صيرورة المصالح، و القوى في قصة (أوهام عبد الباقي)؛ فالبطل الذي توقع تهنئة بالشفاء بعد مرضه، و إحساسه بالفقدان، و المعاناة في المستشفى، يقصى إلى الأرشيف، و يبكي لرفض الوظيفة له.
إن الإحساس بالفراغ يغيب الهوية، و يبعثها من جديد في صرخة التمرد التي تجسد التطلع إلى ماوراء حتميات الواقع التي تستبق النهايات؛ فينفك حضورها المركزي من داخل قهرها للشخصية، بينما يعاين الصوت ولادته في الفراغ، و جمالياته الطيفية.
و تهيمن دلالات الغياب على البطلة من خلال مشهد الانتظار، و تكراره الدائري في قصة (ركلة الزمن)؛ فمشهد وداع الرجل ممثلا في صورة القطار، و أصدائها في الوعي يلح على الذاكرة؛ فتتصاعد نغمات الرحيل، و تتناقض مع استشراف البطلة لبدايات جديدة يتشكل فيها الصوت مستعيدا لحضوره الأول في علامات استعارية جديدة في المستقبل.
تقول: "تووووت .. الآن أتقيأ كل الذكريات المتراكمة منذ القدم فيعاودني ألم المخاض. فلألد .. فلألد الآن .. الآن، و لتكن لي بنت تجيء من بعدي .. تووت .. قال سلام عليك".
نغمات الانتظار تولد الغياب، و الولادة الجديدة في الوقت نفسه؛ فأصداء القطار التي خلفت شعورا متجددا بالرحيل تحفز تشكل الوجود الآخر للذات ممثلا في تلك الطفلة التي تبعث صوت المرأة مرة أخرى خارج آلام الذاكرة، و حتميات الواقع؛ فالطاقة الإبداعية للغياب هنا تعزز من تكرار الحضور، و تكرار البدايات المقاومة للانتظار في تداعيات الكتابة، و إعادة تشكيلها لعالم البطلة.
و تتجدد الذكريات العائلية في جو من الميكانيكية، و الفتور، و احتجاب الصوت الإنساني الأصيل في قصة (من يبعث الألم)؛ فوهج الحياة يخفت داخل البطلة في تفاعلها الصامت مع الأم المريضة، و نظرات الأب.
و يزدوج الغياب في النص بتجدد الألم في تلك الفجوات، و الانقطاعات المجازية التي تضع الذات في مواجهة صامتة مع أخيلة الآخر، و أطيافه التي تتوقف عند آثار الماضي، و رتابة الحضور، و تبعيته لحالة الانفصال، و الغربة؛ و تظل إيماءات الطفولة كامنة في صوت البطلة، و رغبتها في تجدد الاتصال الروحي بالأم، و استعادة طاقة الأمومة الكامنة فيما وراء التفاعل الصامت.
و ترصد الساردة ضغوط الحياة الزوجية، و العمل على الشخصية في قصة (الأمان الضائع)، و تؤولها جماليا من خلال علاقتها بحدث الزلزال، و محاولتها محو لحظة الخوف من عقول أبنائها.
لقد تطورت علامات النص من فساد الآخر، و العلاقات العبثية المحيطة بالبطلة إلى تصاعد نغمة الاضطراب، و الهدم في الزلزال الذي بدا كذروة جمالية للقلق، و المعاناة، و القهر، و كشف الميل الأنثوي للسلام الداخلي، و رغبة المرأة في الخروج من دوائر الهيمنة.
ثالثا: الأصداء الإبداعية للمكان:
تجسد هدى توفيق الروح الإبداعية للمكان من خلال الأصداء، و الصور، و الذكريات، و الأحاديث، و اتصاله الروحي بالوعي، و سيرته، و تحولاته، و تأثير البنى الاجتماعية، و الثقافية على أهله، و أنشطتهم، و مزاجهم؛ إنه يكتسب حضورا شخصيا ينبع من الصوت الداخلي للبطلة، و يتجلى في الصور الفريدة، و الأصوات التي تنبع من هويته الجمالية، و الثقافية في آن.
تتذكر الساردة آثار المكان، و ملامحه، و تحولاته في قصة (حارة سد)؛ فالخصوصية الجمالية للمكان تدل على الأصالة، و الاتصال الروحي بصوت البطلة، و حضورها الإبداعي.
و ترصد الساردة تبدل حال الأم من الرضا إلى الحزن بعد وفاة زوجها، ثم تشير إلى بعض ملامح الحارة، و شخصياتها مثل (متولي) صاحب المصلى، و الفرن، و الكوافيرة، و ابنتها إيمان التي تعشق اللبان، و مغامرات الطفولة، و تستعيد أصداء الازدحام في المكان، و أحاديث النميمة، و جذورها الاجتماعية، و الثقافية، و الصراع بين الأصالة، و التغير في بنية الحارة، و من ثم تأويل الوجود الإنساني نفسه في علاقته بالموت، أو التحول.
لقد صارت الحارة معزوفة جمالية من نغمات الموت، و الصخب، و الأصالة، و البدايات الجديدة المحتملة في علاقة الصوت بالمكان، و تجدد ذكرياته، و أصدائه.
إن الشكل القديم للحارة يندمج ببكارة الحضور الروحي للبطلة؛ ليقاوم عوامل التهميش من خلال بعث الأصداء، و الأحاديث، و الحكايات المناهضة لمنطق القوى الاجتماعية، و المصالح الاقتصادية الطارئة على الانسجام الجمالي للمكان، و صوره القديمة المتجددة، و امتزاجه بالأصوات الإنسانية، و أطيافها الحلمية في الوعي.
و ترصد الساردة بواكير ثورة يناير، و دور المكان / التحرير، و رمزيته فيها في قصة (التحرير) من خلال البطلة التي تشتري السلع بالتقسيط من البقال (محمد الفار)، و حديثها معه عن تعقد إجراءات بطاقة التموين، و معاناته مع الغلاء، و ارتفاع إيجار الشقة، و حديثه عن ثورة شباب الفيس بوك، ثم تشير الساردة لانحياز البطلة للفكرة؛ إذ تربي ثلاثة أطفال بمصاريف قليلة، و تتطور الأحداث حتى نجاح الثورة، و دور اللجان الشعبية.
يمثل المكان / التحرير هنا قيمة ثقافية؛ لارتباطه بتناقضات القهر، و التحرر، و الموت، و المعاناة، و تشكل وهج الحياة من جديد؛ فالعوامل الاجتماعية، و الثقافية، و الاقتصادية للثورة تتجلى في الاتحاد بروح المكان، و أصواته المتجاوزة للحتميات من داخل تكاثرها، و استنزافها لبنية الهيمنة من خلال حالة استعارية تكتسب حضور الواقع، و تتجاوزه، و تعيد تشكيله في الصوت الداخلي للبطلة.
رابعا: كثافة السرد، و شاعريته:
ترتكز الساردة في مجموعة هدى توفيق على الأثر الذي تخلفه الوحدات السردية الكثيفة في وعي القارئ؛ إذ يختلط المعنى بتداعيات الصور المجازية، و الشخصيات الاستعارية التي تنبع من وعي الساردة، و عالمها الداخلي.
تتخذ وحدات السرد شكل النغمات، و الصور، و البدائل الرمزية في قصة (مجنون ليلى)؛ فالبطل المجرد يبكي، و يبحث عن ليلى، و يسترجع ذكرياته معها بعد أن تزوجت بآخر، و يختلط حضوره بأطياف ليلى، و المجنون في التراث.
لقد ولد الرجل من أخيلة الساردة حول ازدواجية الخصوبة، بالتلاشي، و العبث؛ و من ثم احتمالية تكرار القصة، و بعثها في أطياف جديدة تستعيد بكارة الماضي، و إيحاءاته.
إن عشق ليلى يتضخم في صور الحزن الصاخبة، و يتجدد بقدر حدث زواجها، و يتجاوزه في ولاداته الجديدة المحتملة.
تقول الساردة: "كان الأنين أعلى من دق الطبول .. و صوت دحرجة الدموع فوق الأرصفة أقوى من ضجة الموسيقى .. تجري السيارات، و تمر القطارات .. يطير تراب الشوارع، و هو كتمثال حجري".
تتصاعد إيماءات الحزن، و الرحيل حتى تصل إلى ذروتها في صورة التمثال، الذي يشير إلى تحول استعاري ضمني، و متكرر في صورة المجنون نفسها، و يؤكد الصمت، و نقص الفاعلية في الوقت نفسه.
خامسا: نغمات جمالية:
تعيد الساردة تمثيل الوقائع، و الانفعالات الداخلية، و الرؤى الفكرية، و الثقافية عن طريق الإيقاع التأويلي الجمالي الملازم للتكوين الإبداعي للعلامة نفسها؛ فثمة أخيلة، و دلالات فنية، و إيحاءات استعارية تتولد من وجود العلامة الفريد، و صيرورتها السردية في النص.
تبرز علامة النار في المشهد القصصي كنغمة تتجمع حولها دلالات الموت، و الغضب، و التهميش، و التكرار، و غياب الصوت الفردي، و احتمالات صعوده في فعل تأمل النار في قصة (النار)؛ فالنص يجسد اختلاط النار بغضب مجموعة من النسوة، ثم احتراق طفل، و تكاثر الأطفال في المشهد، و عودة الكبار مرة أخرى.
النار تجسد غريزة العدوان، و زيادتها التصويرية، و تجاوزها للصوت، و للهوية الذاتية، كما تومئ بصخب الانسحاق، و الغضب، و الذوبان في الأداء الآلي للمجموع.
و تستعيد الساردة صور الطفولة كنغمات يتشكل منها حضورها الأنثوي المتفرد في قصة (و دقت الساعة)؛ فضحك الطفولة، و صورة الضفائر المنطلقة، و بهجة اللعب، و تناول الشيكولاتة تتعارض مع إيقاع الرحيل الممثل في علامتي القطار، و الدائرة التي تفتقد المركز.
إن إيقاعات الصور تعيد تشكيل الهوية الجمالية للبطلة انطلاقا من تعقيد لحظة الحضور التي تجمع بين البهجة، و تفريغ الحلم تحت عجلات القطار.
و تستمر أسئلة الوجود، و الهوية، و الفقدان في قصة (ترنيمة على وتر قديم)، و أرى أن هدى توفيق قد وفقت في اختيار ذلك العنوان الذي يوحي بأن النص مجموعة إيقاعات، و نغمات جمالية تنتقل بشكل مباشر إلى حدس القارئ.
تستعيد الساردة حدث رحيل الرجل، ثم تتساءل عن هويتها ووجودها، و يتجلى الرجل وسط تبعثر للرمال، بينما يعانقها أخطبوط، و تفتقد الشمس للدفء، و تتجلى النسوة اللاتي يرتدين السواد.
إن الحدث هو ما يتولد عنه من إيقاع تصويري، و تأويلي متجدد؛ فالرجل يعاين غيابه المحتمل في تجلي علامة (الرمال)، و البطلة تحاصرها الأسئلة مثل (الأخطبوط)، و تهددها إيماءات الظلام، بينما تستشرف بداية جديدة في نغمة التعاطف الكوني مع الأشجار.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,248,988,288
- تجدد الذات، و تجدد العالم في قصص مصطفى الأسمر
- اللعب الجمالي، و انفتاح الرؤى التأويلية .. قراءة في ديوان سي ...
- من الآلية إلى تمرد الوعي المبدع .. قراءة في ديوان غازات ضاحك ...
- الإنتاجية الجمالية للتعدد، و الاختلاف .. قراءة في ديوان هكذا ...
- جماليات اللقطة، و التشكيل المجازي للواقع في عالم إبراهيم أصل ...
- العمل الفني ، و الجمهور النشط .. حديث لإيهاب حسن
- الولادة المتجددة للأعمال الفنية عند ثروت عكاشة
- الطاقة الإبداعية للسؤال .. قراءة في رواية اللاسؤال و اللاجوا ...
- من المعاناة إلى السلام الإبداعي .. قراءة في ديوان (من أجل ال ...
- سرد إبداعي للأشياء .. قراءة في رواية هليوبوليس ل مي التلمسان ...
- سيمفونية للموت ، و الحياة .. قراءة في رواية بيوت بيضاء ل هدى ...
- حياة المكان ، و علاماته الثقافية .. قراءة في رواية وردة الني ...
- بين تشكل الهوية ، و جماليات التجاوز .. قراءة في رواية أرضنا ...
- من الهيمنة الرمزية إلى أصالة الإبداع .. قراءة في موسيقى المو ...
- بين الحلم ، و تناقضات الهامش
- من السلب إلى اكتشاف الحياة .. قراءة في نص متشردا في باريس و ...
- من التحليل البنيوي إلى التعددية النصية و الثقافية
- أغنية كونية للأثر الجمالي .. قراءة في حجارة بوبيللو ل إدوار ...
- جماليات العوالم الصغيرة .. قراءة في شارع بسادة ل سيد الوكيل
- الهوية الجمالية للمكان .. قراءة في واحة الغروب ل بهاء طاهر


المزيد.....




- الطريقة الوحيدة للتقارب بين الشعوب هي العودة إلى المعرفة وال ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء
- مي عمر تخرج عن صمتها وتكشف علاقة مسلسل -لؤلؤ- بالفنانة شيرين ...
- نحو اللاجندرية في الخطاب الأدبي
- المؤسسات المنتخبة بالصحراء تسقط عن -البوليساريو- أكذوبة -الت ...
- زوجة فنان مصري تنشر صورا لاحتراق ابنتها وتثير جدلا واسعا
- في أول ظهور لها... ابنة يوسف شعبان تكشف تفاصيل زواج الفنان ا ...
- مجلس النواب يصادق على أربعة مشاريع قوانين تنظيمية مؤطرة للعم ...
- من ضحايا حرب إلى رواد مكتبات.. مبادرة سودانية تحاول جلب الحل ...
- صدر حديثًا ديوان -فى البدء كانت الأنثى- للشاعرة سعاد الصباح ...


المزيد.....

- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - الحكي كنغمات جمالية .. قراءة في مجموعة (الأمنية الأخيرة) لهدى توفيق