أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - تجدد الذات، و تجدد العالم في قصص مصطفى الأسمر















المزيد.....

تجدد الذات، و تجدد العالم في قصص مصطفى الأسمر


محمد سمير عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 3884 - 2012 / 10 / 18 - 03:21
المحور: الادب والفن
    


يتميز النتاج القصصي للمبدع الراحل مصطفى الأسمر بإعادة إنتاج علاقة الوعي بالعالم انطلاقا من التجليات البكر للظواهر ، و العلامات الفريدة، و إمكانية تحولها في الوعي، و اللاوعي بفعل الكتابة القصصية التي تكشف عن الدهشة الأولى في تلقي الصيرورة الإبداعية للوجود، و لكن من خلال حدث استثنائي تلتقطه عين الراوي المفكر؛ لتذكر المتلقي بذلك اللقاء غير الواعي العميق في نفسه بين الذات، و التحولات الوجودية، و الحلمية التي تقع بين نشاط الوعي، و الظواهر الواقعية نفسها بوصفها جزءا من حركية إبداعية كونية تستعصي على الأطر المعرفية، و تتحد بأصالة فعل الكتابة؛ فالسرد عند مصطفى الأسمر يتميز بالنزوع إلى توليد العلامات، و الأماكن، و الصور الحلمية، و مساءلة الوعي، و إعادة تشكيله في السياقات الاستعارية المتجددة في حلقات النص العديدة؛ إنه يرتكز على بساطة الوجود الفطري في العالم؛ ليكشف عن إمكانية توليد صوت آخر في سياق آخر، و فضاء مجازي مختلف يضع المتلقي في مسافة ملتبسة بين الحياة، و ما وراء الحياة؛ فليس للموت، أو العدم سطوة في مشروعه القصصي؛ إذ نجد أحداث دفن الجثث تختلط ببهجة سريالية للصراع في صورة احتفالية، أو يقترن العقاب، و ابتلاع الأرض للبيوت بتضخم صورة الأنا، و إيماءات التعالي الروحي.
و تمتزج الرؤى عنده باستدعاء التراث الديني، و البحث عن الروح، و تغيرات العالم الداخلي للإنسان، و الكشف عن تأثير البنى الثقافية، و الاجتماعية على الوعي، و استجاباته الخيالية الحادة التي تجسد مقاومة التهميش، و الأغلال المقيدة لانطلاق الروح، و البحث عن هوية جمالية أصيلة يختلط فيها الجمال، و تحولاته بالأحداث اليومية.
يتحول صخب اليومي، و الحتمي – إذا – في الأبنية الاجتماعية المهيمنة على الشخصية إلى صخب حلمي مرح، و مواز يكتشف فيه الصوت تجدده، و قدرته على تجديد العالم من خلال فعل الكتابة.
و يمكننا ملاحظة ثلاث تيمات فنية في نتاج مصطفى الأسمر القصصي هي؛ تجدد الذات، و تجدد العالم، و الانتشار الإبداعي للصورة، و الفضاءات المجازية.

أولا: تجدد الذات، و تجدد العالم:
لا يكتفى الوعي بمراقبة الظواهر الإبداعية المدهشة في أصل العالم، أو أحداثه الاستثنائية، أو الحلمية، و إنما يسائل هويته التي تكتسب فاعلية تعديلية في المشهد الجمالي، أو تقبل التحول في صيرورة الكتابة، و سياقاتها الجمالية التي تلتحم التحاما وثيقا بأحداث الواقع، و مؤثراته الثقافية، و الاجتماعية.
في نص (ذئب) يعاين السارد – من خلال عين الكاميرا- بكارة الصباح التي تحوي مشهدا دمويا يوشك أن يحدث؛ فثمة جندي يأمر أعوانه بالقبض على شخصين، و سحلهما، ثم نراه في حالة من التحفز البدائي للقتل، أو الالتهام الأسطوري القديم .. هل صار الرجل ذئبا؟
إن الراوي ليتخلى عن منظور الكاميرا، و يحور مركزية تكوين الرجل؛ فيمنحه صفات الذئب الجسدية، و المعنوية، بينما يسائل ذاته المدركة التي تجاوزت منظور العاكس إلى المؤول الذي يلج العوالم الداخلية للشخص، و نموذجه الملتبس بين الوحش، و الإنسان.
و في نص (غوص مدينة) يبحث البطل عن هويته، و صوته الخاص في سياق يومي يختلط فيه الموت، بالعلاقات العبثية، و البهجة، و العقاب، و الشعور بالتعالي الروحي للذات التي تقاوم قهر الحتميات، و الحدود؛ فالموت يلج سياق التحول و البهجة حين يرتبط – في تداعيات الكتابة- بصراع مرح لكبشين يتحول قرن أحدهما إلى مشط في يد امرأة، و مواء القط يتحول إلى عواء، بينما يبشره الشرطي بأن الأرض ستبتلع المدينة، و قد لا يجد بيته، ثم نجد جزءا من النبوءة يتحقق بينما يلامس البطل حضورا روحيا جديدا في المشهد.
إن السارد يفكك سطوة المشهد، و حتميات الحياة اليومية؛ مثل اختزال الشخص في وضعه الاجتماعي، و رتابة العادات اليومية، و تكرار مشهد دفن الموتى من خلال الإعلاء من الأحداث الاستثنائية غير المعقولة التي ترد الوعي إلى جذوره الإبداعية، و تعيد قراءة الأشياء من خلال بهجة الاختلاف، و المرح المضاد للموت، أو العدم.
و تعلو نغمة مساءلة الذات في نص (الصعود إلى القصر)؛ فبعد أن يشير السارد إلى صلابة رأسه / البديل التمثيلي للوعي، و الإرادة، نجده يسعى إلى لقاء زعيم، و تقديم شكوى، أو طلب إليه، ثم يعاين مجموعة من المشاهد العبثية التي تنتهي بعريه، و استعداده للقاء ينتهى بالفراغ؛ إنه يعاين بكارة المواجهة، و الصدمة المعرفية للوعي حين يكتشف وجوده قبل أن يتشكل بصورة خاصة، أو يصبح ذا سيرة فردية؛ فالفراغ يوحي بامتلاء جديد محتمل، أو بمخاوف للسقوط؛ فقد يكون الزعيم هو الهوية الجديدة للذات، أو أنه مصدر جديد لنغمات القهر.
ثانيا: الانتشار الإبداعي للصورة:
تنتشر الصور، و العلامات، و تتضاعف في السرد القصصي عند مصطفى الأسمر؛ فالسارد يعاين مرح التكوينات في مسافة بين الحلم، و الواقع، أو بين الحياة، و الحياة الفائقة القائمة على توليد عنصري البهجة، و استشراف الخلود في الوعي، و العالم معا.
تتكاثر العوالم الصغيرة، و الكبيرة، و تتحول إلى بحر استعاري في نص (جزر)؛ فحلقات النص الحكائية العديدة تصب في معاينة السارد لهذا التضاعف المادي / الروحي للأشياء، و الجسد، و الصوت دون نهاية واضحة، و كأنه ينتج حياة فائقة من العلاقات غير المعقولة في المشهد اليومي؛ فمسارات المخ تتقافز دون مركزية، أو ائتلاف، و كلمات الزوجة تتحول إلى ثلج، ثم بحر، و الكرة تتكاثر، و تتجاوز مدلول اللاعب، بينما يتكاثر الرمل الأبيض، و يهدد زجاج المكاتب، و يتضاعف الختم، و يثقل الرأس في البحر المحتمل.
إن انتشار الصور هنا يوحي بأن الحياة الفائقة تتصاعد كسيمفونية من الداخل إلى الخارج لتحطم الرتابة اليومية، و الأغلال، و القهر.
و يتعالى الصوت الطيفي، أو المجازي داخل الذات، و خارجها في نص (النداء) فالسارد يعاين مكبرا للصوت يحاول تعريته، و إغواءه بالعودة لمكان مجهول، ثم يتضاعف في الحجرة و يشير إلى حتمية عودة البطل، أو خروجه.
هل يدعو المكبر البطل إلى العودة إلى عوالم الحلم الفسيحة، و أن يرد الوعي إلى اللاوعي؟
إن النص ليوحي بغربة عن الصوت، و بعمق دفين في الوقت نفسه، و لكنه يشير أيضا إلى تجدد محتمل في الصوت الذي يهدم التاريخ القديم؛ ليبدأ تاريخا آخر قيد التشكل.
ثالثا: فضاءات مجازية:
يعيد السارد اكتشاف فانتازيا المكان في إبداع مصطفى الأسمر القصصي؛ فالمكان الحلمي الأسطوري يكمن فيما وراء المكان الحقيقي، و بداخله أيضا بحيث يوحي منطق الاستبدال بتبادل مواقعهما، أو تجاورهما في الوعي؛ و كأنه يتصل – عن طريق الحدس- بالعوالم العديدة الممكنة، أو الطيفية، أو الخيالية التي تكمن في بنية المكان الأولى نفسها.
يعلو السياق الحلمي في نص (انفلات)؛ إذ يستلب البطل من قبل مجموعة رجال يبحثون عن شيء ما في حديقة من الأشجار التي تتبدل ثمارها إلى أحجار كريمة؛ مثل العقيق، و الزبرجد، و المرجان، و يستخدمون آلات خيالية للحفر بالقرب من شجرة جرداء كبيرة.
و يؤول البطل الحدث بأنه بحث عن كنز ما، ثم ينخرط معهم في السياق المجازي.
و أرى أن الحدث يصب في فكرة التبديل، و التجدد نفسها؛ فالواقع الحلمي يقوم بإغواء البطل؛ للخروج من أسر الانغلاق؛ فثمة عوالم أكثر رحابة فيما وراء الواقع، أو في عناصره نفسها التي تحمل حياة خيالية جديدة ضمن بنيتها الأولى.
إن انفلات العناصر في النص يوحي ببحث معرفي عن كنز آخر هو تجدد العالم الداخلي للإنسان، و تجاوزه للقهر، و الموت، و الاختزال في الأطر باتجاه الانفتاح المرح للصوت حين يتحد بالأخيلة الممكنة، و المولدة من داخل الواقع اليومي، و أحداثه البسيطة التي يكشف السرد عن عمقها، و جمالها الخاص.
د. محمد سمير عبد السلام - مصر






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
واقع المرأة في المشرق والمهجرمقابلة مع د. إلهام مانع
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي
في الثامن من مارس لانريد وردا ولامدحا - مقابلة مع د.امال قرامي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,246,939,816
- اللعب الجمالي، و انفتاح الرؤى التأويلية .. قراءة في ديوان سي ...
- من الآلية إلى تمرد الوعي المبدع .. قراءة في ديوان غازات ضاحك ...
- الإنتاجية الجمالية للتعدد، و الاختلاف .. قراءة في ديوان هكذا ...
- جماليات اللقطة، و التشكيل المجازي للواقع في عالم إبراهيم أصل ...
- العمل الفني ، و الجمهور النشط .. حديث لإيهاب حسن
- الولادة المتجددة للأعمال الفنية عند ثروت عكاشة
- الطاقة الإبداعية للسؤال .. قراءة في رواية اللاسؤال و اللاجوا ...
- من المعاناة إلى السلام الإبداعي .. قراءة في ديوان (من أجل ال ...
- سرد إبداعي للأشياء .. قراءة في رواية هليوبوليس ل مي التلمسان ...
- سيمفونية للموت ، و الحياة .. قراءة في رواية بيوت بيضاء ل هدى ...
- حياة المكان ، و علاماته الثقافية .. قراءة في رواية وردة الني ...
- بين تشكل الهوية ، و جماليات التجاوز .. قراءة في رواية أرضنا ...
- من الهيمنة الرمزية إلى أصالة الإبداع .. قراءة في موسيقى المو ...
- بين الحلم ، و تناقضات الهامش
- من السلب إلى اكتشاف الحياة .. قراءة في نص متشردا في باريس و ...
- من التحليل البنيوي إلى التعددية النصية و الثقافية
- أغنية كونية للأثر الجمالي .. قراءة في حجارة بوبيللو ل إدوار ...
- جماليات العوالم الصغيرة .. قراءة في شارع بسادة ل سيد الوكيل
- الهوية الجمالية للمكان .. قراءة في واحة الغروب ل بهاء طاهر
- التفاعل الصاخب بين الفن و الحياة .. قراءة في نساء و ألغام ل ...


المزيد.....




- السحيمي: الثقافة الدستورية لا تقبل بقاء -البيجيدي- في رئاسة ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الاثنين
- عن الحب والجريمة والشغب.. 3 أفلام لم تنل حظها من الشهرة
- الروخ: الجائحة تؤثر سلبا على الإبداع .. والمغرب يحتاج الفرجة ...
- بالفيديو فنانة مصرية تعبر عن غضبها :-كل ما روح لمنتج بيبص لج ...
- البابا فرنسيس في الموصل: عن راهب ومؤرخ انتظراه طويلاً
- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم
- أطباء بلا حدود تطالب بالتخلي عن بعض قيود الملكية الفكرية لإن ...
- تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع ...


المزيد.....

- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - تجدد الذات، و تجدد العالم في قصص مصطفى الأسمر