أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - ثراء العالم الافتراضي للشخصية في قصص مجيد طوبيا















المزيد.....

ثراء العالم الافتراضي للشخصية في قصص مجيد طوبيا


محمد سمير عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 4523 - 2014 / 7 / 25 - 09:42
المحور: الادب والفن
    


تتميز كتابة الروائي المبدع المجدد (مجيد طوبيا) بالكشف عن ثراء وعي الشخصية، و ذكرياتها التي تجدد أحلام الطفولة، و براءتها في المستقبل، و علاقاتها المعقدة بثقافة المكان، و تجلياته الفريدة، و بالاتساع الكوني، و مجالاته، و علاماته الخيالية الإبداعية المحتملة، و كذلك الإحالة إلى العوالم الافتراضية الجمالية البديلة التي تتحدى آلية المنفعة، أو ميكانيكية الإحساس بالغربة الذاتية، أو الموت؛ فالعالم الجمالي الجديد، و الدائري، و المتوهج عنده يقاوم الوحدة، و يوحي بأصالة التعدد، و أصالة الجمال الفني في الواقع الذي يبدو متجاوزا لأبنيته المباشرة، و المعروفة سلفا، باتجاه الأخيلة المستمدة من تاريخ الفن، و من الوعي المبدع، و الذاكرة الجمعية معا؛ و هو ما يوحي بثراء متواليات القصة، و علاماتها لديه، و إيماءاتها الفلسفية غير المباشرة بالانحياز للبراءة الإبداعية، و الجمال المتجدد داخل الشخصية، و في سياقاتها الاجتماعية، و الكونية في آن.
و بصدد العلاقة بين التاريخ، و الفن، و العوالم الخيالية يرى الناقد، و المفكر الفرنسي (أندريه مالرو) في كتاب (المذكرات المضادة)، أنه في الإبداع الروائي، و المتاحف الحقيقية، و الخيالية، و الثقافة، و التاريخ كواكب تضيئها شمس خفية، كأنها تعد لتكوين مجرة جديدة، ينتمي بعضها للمخيلة، و الآخر لومضات الماضي. (راجع / مالرو/ المذكرات المضادة / ترجمة هنري زغيب / دار عويدات ببيروت مع جاليمار بباريس / سنة 1983 ص 21).
يشير (مالرو) إلى الطاقة الخيالية المصاحبة لتاريخ الفن في سياقاته الحضارية المختلفة، و ازدواجها الأصيل بالواقع، و بالذاكرة، و سنلاحظ – حين نقرأ قصص (مجيد طوبيا) – أن الخيال المرتبط بالربيع مثلا سيعود، و يتجدد؛ ليقاوم وحوشا معدنية تدمر الأشجار، أو وجود كائنات فضائية تبدو أكثر عقلانية، أو عودة استثنائية لبهجة الطفولة في وعي البطل؛ و هي عوالم جديدة افتراضية تنحاز - فلسفيا - للجمال، و تقاوم الغربة، و تحول بعض النماذج الشخصية إلى العدوان في السياق الاجتماعي.
و الروائي المبدع (مجيد طوبيا) تعود نشأته إلى مدينة (المنيا)، و قد قدم للحياة الثقافية المصرية أعمالا روائية مؤثرة؛ مثل (الهؤلاء)، و (دوائر عدم الإمكان)، و (أبناء الصمت)، و (تغريبة بني حتحوت)، و غيرها، و قد حاز هذا العام 2014 جائزة الدولة التقديرية عن أعماله الإبداعية؛ و هو ما يعكس أصالتها، و تجديدها لوعي المتلقي، و ذائقته.
و نقدم هنا قراءة لمجموعته المعنونة ب (ثلاث و عشرون قصة قصيرة)، و قد صدرت عن الهيئة العامة المصرية للكتاب – مكتبة الأسرة 2001 ، و يقدم فيها نصوصا قصصية تتميز بالكشف عن الجوانب الإنسانية العميقة في الشخصية، و عن العوالم الخيالية، و الاجتماعية العديدة التي تحيط بها، و بذاكرتها، و أحلامها.
و يمكننا ملاحظة ثلاث تيمات فنية في المجموعة؛ هي الانحياز للبراءة و مرح اكتشاف العالم، و ثراء الواقع الافتراضي للشخصية، و كثافة السرد، و إيماءاته الجمالية.
أولا: الانحياز للبراءة، و مرح اكتشاف العالم:
يحتفي الراوي ببراءة الطفولة، و تجدد ذكرياتها، و طاقتها الإبداعية في المستقبل، و يؤولها من خلال آلية الاكتشاف الأول لعناصر الواقع، و للعالم الداخلي معا.
الراوي في قصة (الراية و البراءة) طفل؛ و هو ينحاز - بصورة طبيعية – للحرية، و الإحساس اللاواعي باتساع الذات، و التوافق الاجتماعي مع أصحابه، و مع زميلته نادية، و قد حاز فريقهم كأسا رياضيا، ثم تغير ناظر المدرسة بآخر يعاقب دون تسامح، و يغلب عليه التجهم؛ ففشلوا في المباراة الأخيرة؛ لأنه أمرهم عنوة بالفوز، و رفض العفو عن أقرانهم، ثم نرى البطل وحيدا فقد الحماسة، و حالة التوافق، و البهجة السابقة.
لقد أعاد الطفل تمثيل بهجة الحياة، و الاكتشاف الداخلي الحر للوجود في مواجهة آلية القواعد المفروضة من سلطة أعلى؛ و من ثم جاءت المتوالية القصصية الأولى مواكبة للبهجة الطبيعية للحياة داخل البطل؛ أما الأخرى فغلب عليها الانصياع للقواعد مع التمرد الداخلي في آن.
أما البطل في قصة (القرد الطبال) فهو رجل وحيد في الخمسين، تعجبه براءة طفلة، و ينصرف إلى عمله؛ فيتذكر فكرة الزواج، و تكوين الأسرة، و عدوله عنها، ثم يذهب إلى محل للعب الأطفال، و يشتري قردا طبالا، و ينشئ في المنزل عالما افتراضيا يعاين فيه بهجة اللعب، و مهارة صانع القرد، و كأنه يقوم بدور الطفل، و الكبير معا.
و ابتداء من عتبة العنوان (القرد الطبال)، نلاحظ الإيماء باستمرارية الطفولة، و بهجتها كطاقة إبداعية في المستقبل؛ فهي تعلو على الوحدة، و الحزن، و تمزج الواقع بشاعرية الفن، و نموذج الخصوبة الكامن في الذاكرة الجمعية، كما تعيد تشكيل هوية البطل الجمالية، و تاريخه الذي اختلط بأحلام البراءة ممثلة في أخيلة الفتاة الصغيرة، و لعبة القرد الطبال.
و يبحث الراوي عن إمكانية تحقق السلام الداخلي المفقود في صورة طفلة صغيرة في قصة (عصافير الأشجار البعيدة)؛ إذ يرصد حالة تعرض الطفلة لروتين يومي في سياق اجتماعي يغلب عليه الازدحام، و فقدان الهوية الفردية، و تشيؤ الجسد؛ فالفتاة تنتقل من يد الأم للجد عبر نافذة المترو، و تفقدها الأم ثم تجدها في سلسلة من أفعال آلية ميكانيكية، يحاول الراوي اكتشاف البراءة، و التناغم الداخلي فيما وراء الجمود الظاهر.
ثانيا: ثراء الواقع الافتراضي للشخصية:
يقوم العالم الافتراضي عند (مجيد طوبيا) على تأويلات الوعي المبدع، و أخيلته للواقع، أو على صور ذات طابع استعاري، أو حلمي سوريالي تقوم بدور مكمل أو بديل للواقع الحقيقي؛ و هو ما يعكس تعدد الرؤى، و المنظور في قصصه.
يبحث البطل عن الربيع الغائب، أو عن روح الربيع داخل الذات في قصة (و شدت البلابل)؛ إذ يبتهج بعودة الربيع، ثم يتذكر سخرية أقرانه من ملاحظته؛ فأحدهم يعده بنشر نعي للفقيد الغالي، و يصل التأويل الخيالي للذروة حين نعاين مخلوقات آلية ضخمة جاحظة العينين تقوم بالعدوان على الأشجار، و قد مثلت عودة الربيع انتصارا ضمنيا لجمال الفراشات، و تغريد الطيور، و للجمال الذاتي الداخلي المقاوم للعدوان الممثل في الكائنات المعدنية التي تغيب الربيع، و تخشى عودته في آن.
إن الكائنات الآلية تحاول السخرية من الجمال، و من السلام الداخلي للبطل، و لكنها تسخر من بنيتها المظلمة أيضا؛ إذ يتهيأ البطل للمقاومة، و تنتصر رغباته غير الواعية لتجدد تيار الحياة فيما وراء الميكانيكية الجامدة للآلات.
و نعاين الشخصية الفريدة لملاح الفضاء في قصتي (جاذبية الحب)، و (عودة ملاح الفضاء)؛ ففي الأولى يبدو ملاح الفضاء مندهشا من قصة حب للبطل، و من الشجار على المقهى؛ فيبدو عقلانيا بدرجة كبيرة، و يرى أن البسيط أحوج دائما للسلام، و يكره الحرب، و في قصة (عودة ملاح الفضاء) يسأل الملاح البطل عن حبه القديم، فيومئ بانحساره، ثم يشير الملاح إلى انتظار زبون في المقهى لمرور موكب، و يأتي الموكب وسط تصفيق، و يطرح إشكاليات تتعلق بالوجود، و الزمن، و موقف الذات من العالم.
و تبدو شخصية الملاح كنموذج لتواصل يجمع بين الرقي، و الغربة، و الاكتشاف، و التساؤل؛ فهو ينبع من الداخل؛ ليومئ إلى الحكمة، و المعرفة، و إلى تواصل إبداعي افتراضي بديل عن لغة العدوان، و الشجار في الواقع.
ثالثا: كثافة السرد، و إيماءاته الجمالية:
يقوم السرد القصصي عند (مجيد طوبيا) على البلاغة الجمالية للإيماءة المكثفة التي توحي بالأثر العميق للحدث، أو الشخصية بصورة تعبيرية تصل كنغمة في وعي المتلقي؛ فنعاين ثقافة المكان / روما، و تفرده في قصة (آخر نمور السيرك) عبر نغمات البهجة، و التواصل، و البيوت العتيقة، و المسلات، و مطاعم المكرونة، و البيتزا، و ذكريات الحب عند البطل، ثم تلك الدهشة المتعلقة بالأسد المتمرد الذي يقوم بدوره بإتقان في النهاية، أو المرأة داخل القفص التي يرفع الساحر عنها الغطاء فيظهر أسد في موقعها.
لقد جمع السرد المكثف بين اللذة، و الرعب، و بين ذكريات البطل المحلية، ووضعه في السياق العالمي، و مدى إدراكه لجماليات المكان من خلال صوره، و حركته الصاخبة.
و يعيد الراوي اكتشاف مشاعر الطفل، و انفعالاته في قصة (طرح .. جمع)؛ فالطرح نغمة للانفصال بين الأم، و الأب، و الجمع يمثل نغمة عودة الأسرة، و البهجة، و منهما تتشكل الانفعالات، و الرغبة في التناغم، و أصالته في وعي الطفل.
نلاحظ في قصة (لكن لماذا؟) مجموعة من البشر، يمثل كل منهم نغمة اجتماعية، و نصية متحولة؛ فهمام ابن الأسطى نصر يكره الدراسة، و يتجه للكسب السريع للمال، و يمثل الآلية، و فقدان الهوية الجمالية، و ابن مدكور يدمن، و يمثل نغمة الغياب، و تأجيل الإرادة، و بائع الفول يتحول إلى جمود الديكور، و يبدو الحانوتي مثل الضبع، و يمثل وحشية الموت، و الآلية التي يوجه الراوي لها نقدا مستمرا في قصص المجموعة.
د. محمد سمير عبد السلام – مصر




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,685,144
- الثراء، و التناقض في بنية الشخصية الروائية في (كلاب الصيد) ل ...
- تعدد مستويات الذات في القصيدة .. قراءة لبعض أعمال شعراء العا ...
- الشخصية الروائية، و الانحياز للحياة في رواية (أبو جلال 2000) ...
- الأصالة المستمدة من روح المكان، و الاتصال بالثقافة العالمية ...
- حياة إبداعية ثرية للهامش في ديوان (معجم الغين) لعلاء عبد اله ...
- نحو تشكيل صوت داخلي، و زمن خاص في رواية (سفر اليقظة) لشطبي م ...
- بين النزوع الإنساني، و اتساع النظائر الجمالية للنوع ... مدخل ...
- بين النزوع الإنساني، و اتساع النظائر الجمالية للنوع ... مدخل ...
- بين المعاناة، و الإعلاء من القيمة الإنسانية للشخصية في قصة ( ...
- الهوية الجمالية، و دلالاتها الثقافية في سيرة (قلب العقرب) لم ...
- مصطفى الأسمر .. و تعدد مجالات الرؤية في رواية متتابعة الموت ...
- التجدد و التفرد و التضاعف .. قراءة في ثلاث مجموعات قصصية
- الكشف عن ثراء النصوص ، و الأفكار في نتاج عبد الغفار مكاوي
- الحكي كنغمات جمالية .. قراءة في مجموعة (الأمنية الأخيرة) لهد ...
- تجدد الذات، و تجدد العالم في قصص مصطفى الأسمر
- اللعب الجمالي، و انفتاح الرؤى التأويلية .. قراءة في ديوان سي ...
- من الآلية إلى تمرد الوعي المبدع .. قراءة في ديوان غازات ضاحك ...
- الإنتاجية الجمالية للتعدد، و الاختلاف .. قراءة في ديوان هكذا ...
- جماليات اللقطة، و التشكيل المجازي للواقع في عالم إبراهيم أصل ...
- العمل الفني ، و الجمهور النشط .. حديث لإيهاب حسن


المزيد.....




- كاريكاتير -القدس- لليوم الجمعة
- بعد اتهامها فنانة بنقل العدوى...دعوات للتحقيق مع مي العيدان ...
- ورشة تفكير تصوغ -الأفق العملي- للهيئة الأكاديمية العليا للتر ...
- ليدي غاغا تعرض نصف مليون دولار مكافأة للمساعدة في استعادة كل ...
- ديو غنائي بالأمازيغية والحسانية بعنوان -وني يا سمرا- يجمع اس ...
- الكشف عن آخر تطورات الحالة الصحية للفنان يوسف شعبان
- المسلسل الكوميدي الشهير -فريرز- يعود للشاشة بعد غياب 17 عاما ...
- رئيس الحكومة: إنجاح حملة التلقيح إنجاز يحق لجميع المغاربة ال ...
- المفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد وموقف نقدي من الأدب ال ...
- وفاة الفنان الكويتي مشاري البلام عن عمر يناهز 48 عامًا بعد م ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد سمير عبد السلام - ثراء العالم الافتراضي للشخصية في قصص مجيد طوبيا