أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود روفائيل خشبة - لماذا الدين؟














المزيد.....

لماذا الدين؟


داود روفائيل خشبة

الحوار المتمدن-العدد: 4085 - 2013 / 5 / 7 - 19:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




لا يعجبنى شطط بعض الملحدين وبعض اللادينيين فى الهجوم على الدين والأديان. ولكى لا يسىء أحد فهمى أقول بداية أن اعتراضى ينصبّ على منهج وعلى أسلوب هذا البعض من الملحدين واللادينيين فى حملتهم على الدين والأديان، مع أنى أتفق معهم إلى حدّ بعيد فى المضمون. فأنا أرفض الأديان كلها، وفى كل كتبى أعلنت رفضى للأديان فى وضوح وفى شدّة. ويستند اعتراضى على منهج وأسلوب الهجوم على الدين إلى عدد من الاعتبارات أحاول تلخيصها فى هذا المقال وآمل أن أنجح فى اقناع البعض بوجهة نظرى فى بعضها وإن كنت أدرك أن واحدا على الأقل من الاعتبارات التى سأذكرها يصعب على بعض اللادينيين والملحدين أن يتقبّلوه.
فى المكان الأول، الدين ظاهرة إنسانية صاحبت الجنس البشرى منذ اكتسب القدرة على التفكير المجرّد والخيال. وفى ظنـّى أن هذا يوحى بأن الدين فىى مختلف أشكاله يلبّى حاجة إنسانية، فإذا أردنا أن نزيل الأديان القائمة فى مختلف بقاع الأرض، علينا أوّلا أن نتعرّف على طبيعة هذه الحاجة الإنسانية وأن نبحث عن السبيل إلى إشباع هذه الحاجة ببديل لا ينطوى على المثالب التى تعترى الأديان فى صورها المعروفة. ولست أريد فى هذا المقال أن أغوص عميقا فى مسألة طبيعة هذه الحاجة الإنسانية والبديل الذى يمكن أن يشبعها فيغنينا عن الأديان، فهذه أمور تناولتها باستفاضة فى كل كتبى. إنما أردت هنا أن أقول إنه لهذا السبب فإن الهجوم السلبى على الدين وتعرية ما فى المعتقدات الدينية من سخف ولاعقلانية بل ومن قبح وبشاعة، كل هذا يقصر عن بلوغ الهدف المنشود.
اعتبار ثان أرى أن معظم الملحدين واللادينيين لا يولونه حقـّه من العناية، أن الأديان المؤسسية بعد أن يستقرّ وضعها فى مجتمع بشرى معيّن يتبلور من حولها تراث حضارى وثقافى، يرتبط بالدين بوشائج متينة. هكذا استوعبت المسيحية التراث الفكرى والفنى للبلاد الواقعة حول البحر الأبيض المتوسط، والتحم الفكر المصرى والفكر اليونانى بنسيج الثيولوچيا المسيحية، وامتصّت الأخلاقيات المسيحية رحيق الفلسفات الأفلاطونية والرواقية والأفلوطينية. هل يمكن لأحد أن يكتب تاريخ أوروپا فى الألفيتين الأخيرتين، أدبا وشعرا وميسيقى وعمارة، فى انفصال عن المؤثرات المسيحية؟ والإسلام ما كاد يخرج من منشأه القاحل الأجرد حتى تلاحم مع الحضارات والثقافات الفارسية والمصرية والرومانية والهندية، وتبلور حول النواة تراث فكرى وفنـّى ومعمارى ثرى. فما يشكل الوجدان الإسلامى للمسلم المعاصر يتجاوز كثيرا ما كان الإسلام يعنيه عند المسلمين الأوائل. ويمكن أن نقول هذا أيضا عن البوذية وعن البراهمانية. والملحد أو اللادينى الذى يحتدّ فى مهاجمته للمسيحية أو الإسلام دون تحفـّظ يغيب عنه أن المسيحى البسيط أو المسلم البسيط يرى فى هذا الهجوم تهديدا لكل قيمه وكل ما يشكل هويته ويمنحه عزته وكرامته.
حتى هنا قد لا أكون مغرقا فى التفاؤل إذا توقـّعت أن يوافقنى بعض من أعنيهم من الملحدين واللادينيين، لكنى أعرف صعوبة أن يمضوا معى فيما سأقول بعد هذا. فأنا مع رفضى للأديان كلها أرفض إنكار البعد الروحانى فى الإنسان وأرفض الفلسفة المادية التى يراها البعض تترتـّب لزاما على نبذ الإيمان بإله خالق للكون. أنا أستسخف فكرة الإله الخالق ولا يستسيغها عقلى. ولكنى أرى أن ما هو جدير باسم الحقيقة ليس هو الكون المادى أو العالم الموضوعى أو ما يمكن التحقق من وجوده الفعلى بالوسائل العلمية، إنما الحقيقى هو القيم والمثل والأفكار التى لا أعرف لها كيانا ولا مكانا غير عقلى. هذه القيم والمثل والأفكار، أيًّا كان منشأها أو مصدرها، تكوّن عالمنا الروحى الذى نتميّز به ككائنات إنسانية والذى يُكسبنا كل ما لنا من قيمة وكرامة. وهذا العالم الروحانى يتجاهله أو ينكره معظم اللادينيين والملحدين لظنـّهم أن من ينبذ أسطورة الإله الخالق يتحتـّم أن تنحصر الحقيقة عنده فى الكون المادى. هذا المنظور طرحته ودافعت عنه فى كل كتبى ومن الصعب أن أفيه حقـّه فى سطور قلائل.
خلاصة ما أردت التعبير عنه فى هذا المقال أن من يشتطون فى محاربة المعتقدات الدينية يخطئون السبيل إلى غايتهم وقد يُحدثون من الضرر أكثر مما يحقـّقون من الفائدة. فلننتقد الدين والأديان، لكن فى هدوء وعقلانية، مع الحرص على توكيد إيجابيات التراث الحضارى والثقافى الذى يتكوّن بالضرورة حول كل الأديان المؤسسية فى مسيرتها التاريخية.
القاهرة، 7 مايو 2013
http://www.virtualbookworm.com/mm5/merchant.mvc?Screen=SRCH



#داود_روفائيل_خشبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرية والسلطة
- التاريخ الإسلامى والدولة الإسلامية
- مرجعية الأزهر
- الإخوان والثقافة دونت ميكس!
- وحى الشعراء ووحى الأنبياء
- سورة الفتوى
- حكايتى مع الدين
- حدود احترام أحكام القضاء
- هل بقى أمل؟
- فى الدين (8) الإسلام
- فى الدين (7) المسيحية
- فى الدين (6) اليهودية
- فى الدين (5) البوذية
- فى الدين (4) الهندوكية
- فى الدين (3) زرادشت
- فى الدين (2) نشأة الدين
- فى الدين (1) كلمة تمهيدية
- الهزل والجد فى أمر تعريب التعليم والعلوم
- عبثية التفاهم مع الإسلام السياسى
- ما العمل؟


المزيد.....




- إسرائيل تفرض قيوداً على أطقم -الخطوط الفرنسية- بناءً على جنس ...
- بابا الفاتيكان يعلن خضوعه لعملية جراحية لإزالة عقدة في الرئة ...
- إسرائيل تفرض قيوداً على أطقم -الخطوط الفرنسية- بناءً على جنس ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتلال الإسر ...
- -لن نكون أمة تحت محمد-.. تصريحات مغنٍ أمريكي في تجمع لترامب ...
- هل ظهر التوحيد مع ظهور الدولة المركزية ولماذا لا ينطبق ذلك ع ...
- بابا الفاتيكان يعلن عن إجراء عملية جراحية لإزالة ورم رئوي.. ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى تحت حماية قوات الاحتل ...
- وثيقة تكشف دور الحمائل المحلية في فلسطين في المشاركة والمساه ...
- الإسلامية المسيحية تحذر من خطورة تقويض الحضور الدبلوماسي الأ ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود روفائيل خشبة - لماذا الدين؟