أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حمودة إسماعيلي - الحيض بين الطب والدين















المزيد.....

الحيض بين الطب والدين


حمودة إسماعيلي

الحوار المتمدن-العدد: 4046 - 2013 / 3 / 29 - 17:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ القدم ربط البشر الدم بالحياة، بإدراكهم أنه لدى فقدان الإنسان الكثير من دمه فإنه يفقد حياته كذلك. ومن خلال هذه العلاقة، وجد الإنسان في تقديم دمه للآلهة تقديما لحياته، وبذلك يمنحهم أفضل هدية هي أغلى مايملك. فبتقديم القرابين البشرية بِسكب دمائها سواءً في المعابد والمذابح أو فوق الأراضي الزراعية، انتقالا لتقديم القرابين الحيوانية نتيجة التطور التاريخي وزيادة الوعي الإنساني. اعتُبر الدم المُقدم للرب دما مُقدسا.
من تم صار فقدان الإنسان دمه في الحرب باسم الرب، يجعل دمه مقدسا لأنه سكبه دفاعا عن اسم ذلك الرب، مانحا إياه بذلك حياته. من هنا ارتبطت القداسة بوهب الحياة للرب، فصار كل طرف في الحرب ينْدفع بفكرة أنه لو تم سكبُ دمه أثناء المعركة فهو في عداد القديسين، طالما أن هدفه هو الحفاظ على كلمة المعبود. وبالحديث عن القداسة بمعناها الذي يشير للنقاء نتيجة تخلص الجسد من الخطيئة (القذارة)، فإن الدم الممنوح باعتباره مقدسا يُطهر الجسد. من هنا أتت فكرة طهارة قتلى الحروب، يمكن أن نراها في الإسلام بعدم القيام بطقوس التطهير لضحايا الحرب نظرا لأن الدم يُطهرهم، وقد تم أيضا توسيع هذا المفهوم ليشمل ضحايا الحوادث والكوارث. ويمكن أن نرى كذلك علاقة الدم بالتطهير في واقعة المسيح الذي خلص البشرية من الخطيئة بتقديم دمه، "فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً"(1)، يتجلى لنا ذلك في الطقس المقدس المتمثل في الأفخارسيتا، بتناول الخبز(لحم المسيح) بعد غمسه في النبيذ(دمه المقدس)، ف"دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ"(2)، فصار مفهوم القديس هو إنسان متطهر من الخطايا.

وبحديثنا هنا عن الدين كمؤسسة سياسية مساهمة في تشكيل أسس البنية الثقافية والاقتصادية للمجتمع، فحتى بالمجتمعات التي تدعي المدنية وفصل الدين، فهذا الأخير يؤثر طالما أنه موجود كمؤسسة مستقلة. والدين كمؤسسة كهنوتية تؤسس إيديولوجيا لاهوتية ونعني بذلك الديانة الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلامية)، نرى استمرار ارتباط الدم بالقداسة. إلا أنه عندما نأتي لمسألة الحيض يصبح الدم هنا نجسا وقدرا. فبالنسبة لليهودية كمهد للمؤسسات الدينية اللاحقة، فالمرأة "فِي أَيَّامِ طَمْثِ عِلَّتِها تَكُونُ نَجِسَةً"(3). غير أن هذه الرؤية لم تكن كذلك في المجتمعات القديمة المقدِسة للمرأة، فدورة الحيض ارتبطت بدورة القمر باعتبار هذا الأخير تجسدا للآلهة الأم ربة الحكمة والسحر والمعرفة التي تُنير مملكة الظلام، فكان دم الحيض دما مقدسا لأنه يخرج من جسد الأنثى المُعجِز والقادر على الخلق بوظفيته المشابهة أو المكتسبة من وظيفة الخالقة الكبرى للكون، فاعتبرت المرأة ممثلة لسلطة الآلهة في الأرض، فصار الجنس المُمارس في فترة الحيض، طقسا جنسيا مقدسا لأنه يمكن الرجل من التّوصل للمعرفة والحكمة عبر الأنثى التي يحتوي جسدها على السائل القمري. إلا أنه بعد الانقلاب الديني للذكر على اللآلهة الأم وتنصيب الإلاه الأب، انقلبت الكثير من المفاهيم الدينية، فأصبحت ربةُ القمر ربةً للشر والظلام والدمار والموت، ومنه صار الحيض سائلا نجسا ومؤذيا مرتبطا بطقوس الشعودة والسحر. وما سبب ذلك إلا ليتحتم للرجل إبعاد المرأة عن السلطة الدينية، ليُمثِّل الرب بدالها، بعد تحويلها من كاهنة وأصل للحياة إلى أصل للخطيئة.

وبالعودة لليهودية نجد أن الحائض صارت امرأة نجسة، لدرجة أن كل ما تلمسه يصبح نجسا، كما يصف لنا ذلك الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاويين، وهي رؤية نراها كذلك في الهندوسية التي تمنع الحائض من الطبخ وعدم الاقتراب من الأطفال والزوج. فأحرز بذلك الرجل تقدما في منع المرأة من العودة والتغلغل في السلطة الدينية. يظهر لنا ذلك في منع بعض القيادات الكنسية دخول الحائض للكنيسة، كما كان الأمر بالنسبة للزاردشتية بمنعها المرأة من دخول معبد النار، وأيضا الإسلام بمنعها من دخول المسجد بل عدم القيام بالطقوس الدينية، كالصوم والصلاة لبطلانها خلال فترة الحيض.
وبذلك استطاع الرجل أن يبعد المرأة عن المعبد وسلطته، وربط عبادتها للرب به هو كواسطة. فلكي ترضي الرب يلزمها إرضاء الرجل كأب وزوج، لأن طاعة الرب الأصغر دليل على طاعة الرب الأكبر. وهذا هو مضمون التشريع اليهودي، وكذلك الأمر في المسيحية كما نرى ذلك في بعض رسالات بولس، أما بالنسبة للإسلام فطاعة الزوج تؤدي لدخول الجنة. فصار الرجل هو المشرع للمرأة في أمور تخصها، متدخلا في شؤونها الخاصة، مبرزا وقاحته في فرض أوقات الاغتسال والاستحمام والطقوس المصاحبة لذلك، زيادة على تحقيرها بعدم لمسه خلال فترة الحيض، كما هو الأمر في اليهودية. ولزيادة توضيح هذه النقطة، نجد نظرا للتأثير الديني أن الفكرة قد تسربت عند بعض المذاهب الإسلامية التي تمنع وتحرم مصافحة الرجل للمرأة (دون تحديد زمني)، مبررة ذلك باتقاء الفتنة، لكن هذا المصطلح جاء في الخطاب القرآني إشارة للصراعات الطائفية والمذهبية داخل الحقل الديني، لا علاقة له بأنثى ترتدي ثوب سباحة، كما يؤولون ذلك مُجبرينها على ارتداء زي باتمان.

هذا الدم الذي صار نجسا لربطه بالجهاز التناسلي الذي تخرج منه باقي السوائل القدرة عند المرأة، إنما هو دم عادي يخرج نتيجة سقوط بطانة الرحم بسبب نقص هرمون البروجسترون عند عدم حصول إخصاب(حمل)، فإن كان الرحم ملوثا أو يحتوي بكتيريا مُمرضة فهو يؤدّي لالتهابات تؤلم المرأة وتؤثر على صحتها، فهل ستفكر حينداك في الجنس ؟. وحتى بالنسبة للأمراض الجنسية فلها أيضا أعراض وتأثير (على المرأة) من حكة واحمرار أو انتفاخ إلخ. فالقول بتلوث الجهاز التناسلي للمرأة أثناء الحيض ما يسبب انتقالا للأمراض، يُغَيِّبُ عنا أن هذه الأمراض تنتقل من الإفرازات المهبلية وليس الرحم، ويمكن أن تنتقل سواء بحيض أو دون حيض إن تم تأكيد وجود المرض، فالحيض ليس شرطا للأذى. والقول بإعجاز الخطاب القرآني في هذه المسألة : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ"(4)، فمن هذا المنظور هن لا يطهرن لأن الجهاز التناسلي يظل متشبعا بالبكتيريا والدم، ومن نفس المنظور فإن الأجهزة التناسلية لجميع الثدييات غير طاهرة سواء عند الأنثى أو حتى الذكر. دون أن ننسى أن التطهر والاغتسال ارتبط في الدين بالتخلص من الخطيئة الجنسية والذنوب وخراجات الجسد، بتأدية طقوس من الاغتسال والمسح الخ، كطقوس تطهير رمزية أكثر منها مادية(طاردة للجراثيم)، كما نرى لدى الاغتسال اليومي للهندوسيين في نهر الغانج رغم أنه ملوث، أو التيمم في الإسلام(المسح على حجر أو تراب).
أما بالنسبة للرائحة، فهي لا تتعلق بالحيض بقدر ما تتعلق بالبكتيريا التي تعيش على سطح الجلد، وتتكاثر في الأماكن التي تفرز العرق بزيادة، كالإبطين والعانة وحتى القدمين وشعر الرأس، فتنتج الرائحة إثر تغذّيها على الإفرازات. ولا اختلاف في هذا الأمر بين المرأة والرجل.

نجد المستفيد الأكبر من هذه الرؤية الدونية للمرأة هي الشركات التجارية التي تتهافت على انتاج الفُوَط الصحية بمقدار بيع المليارات منها في السنة، مجتهدة في تقديم رسائل إشهارية مفادها حرية التصرف والحركة، وعدم الخجل، وزرع الثقة في النفس بالمرأة خلال هذه الفترة، معتمدة على الضغط الاجتماعي والديني بقرفه من دم الحيض(حتى أنها تُظهر الدم أزرقا في الإعلان)، هذا الضغط الذي نرى أنه هو سبب متلازمة ما قبل الطمث أو PMS وهي التّغيُر النفسي الذي يحدث لبعض النساء كانقلاب المزاج والحزن أو سرعة الغضب، وقد يُصاحَبُ أحيانا بأعراض فيزيولوجية كالألم والانتفاخ، الأمر الذي يعزوه الأطباء لانحباس السوائل بالجسم. لكنه قد يعود الأمر لانحباس كره الذات والإحساس بالدونية في العقل، فكيف ستحب الأنثى نفسها ؟ لعلما أنها قذرة ومتسخة في نظر المجتمع خلال فترة نزول الحيض، بل يجب أن تخفي ذلك الدم الشهري لأنه يثير قرفهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :

1 : الرِّسالَةُ إلى العِبرانيِّينَ 10 : 10
2 : رِسالَةُ يوحَنا الرَّسولِ الأولَى 1 : 7
3 : سفر الاويِّينَ 12 : 2
4 : سورة البقرة : الآية 222




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,242,825,623
- لما النساء تكره العاهرات ؟
- سيكولوجية الحب : الذل كشرط
- عقدة لوقيوس والنرجسية
- عقدة لوقيوس أو اللوقيوسية
- تحليل نفسي للصوص المقالات والنصوص
- سيكولوجية الخيانة : تحليل لدور الضحية
- سيكولوجية تدمير المرأة
- الكوتش أو المُخدر اللغوي العصبي
- سر العين الثالثة
- سيكولوجية البيدوفيلي أو المتحرش جنسيا بالأطفال
- الباراسيكولوجي أو الهلوسة باسم العلم
- سيكولوجية الجيغولو أو دعارة الرجال
- المتأخرات زواجيا : لعنة اختيار أم حظ عاثر ؟
- سيكولوجية المومس


المزيد.....




- فتوى من الأزهر بخصوص لقاحات كورونا والصيام
- اليوم الثاني لبابا الفاتيكان بالعراق.. لقاء تاريخي مع السيست ...
- اليوم الثاني لبابا الفاتيكان بالعراق.. لقاء تاريخي مع السيست ...
- لقاء تاريخي.. السيد السيستاني يستقبل بابا الفاتيكان بالنجف ا ...
- زيارة بابا الفاتيكان التاريخية للعراق
- شاهد.. بابا الفاتيكان يقبل العلم العراقي
- البابا يدعو من العراق لاحترام الحرية الدينية ويندد بالإرهاب ...
- بابا الفاتيكان من العراق: لا يمكن الصمت عندما يسيء الإرهاب إ ...
- بابا الفاتيكان والسيستاني من العراق يدعوان لنبذ الحرب وتغليب ...
- البابا يزور السيستاني: لقاء -القمة- بين الكاثوليك والشيعة


المزيد.....

-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي
- للقراءة أونلاين: القبر المحفور للإسلام - دراسة نقدية شاملة ... / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حمودة إسماعيلي - الحيض بين الطب والدين