أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة إسماعيلي - سيكولوجية المومس















المزيد.....

سيكولوجية المومس


حمودة إسماعيلي

الحوار المتمدن-العدد: 3983 - 2013 / 1 / 25 - 21:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المومس كشخصية و البغاء كظاهرة ، تناولتها العديد من الدراسات و البحوث, وتجلّت في العديد من الكتابات الروائية منها و الشعرية, و برزت في فن السينما و التلفزيون من أفلام و مسلسلات تُظهر المومس كدور ثانوي غالباً و كدور رئيسي أحياناً, وذلك نظرا لما تمثله هذه الشخصية في البنية السوسيوثقافية و الاقتصادية للمجتمع .

تختلف النظرة للمومس : فهناك من يرونها في كل امرأة تركب سيارة الغير باستمرار أو تملك مالاً من مصدر مجهول لهم ، أو حتى تتجول مع رجل أو رجال في الشارع ، و هذا ما يَدخل ضمن الهوس الجنسي .

فئة أخرى من الذكور تطلق لقب مومس على كل امرأة ترفض طلب إقامة علاقة, كرد دفاعي يهدف الذكر فيه حماية نرجسيته, "لأنه لا ينظر إلى جوابها السلبي على أنه ممارسة لحق من حقوقها، بل يعده جُرحاً لكبريائه ومساً بكرامته ورجولته."(1) فيتم تأويل سبب الرفض غِياب المقابل المادي .

نظرة الأديان لا تختلف كثيرا عن المنظور الشعبي التي تعتبر أي علاقة جنسية خارج مؤسسة الزواج بغاء ، نلحظ ذلك جلياً في استنكار المجتمع اليهودي لحمل مريم بالمسيح, باعتبار أن " العذراء ربما واجهت الكثير من الهزء والافتراء بسبب حملها، كما أن خطيبها يوسف أراد أن يفك خطوبته سرًا لما علم بالأمر"(2) ; كما يظهر ذلك بوضوح على لسان نبي القرآن : " لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا "(3) .
كما ترى بعض المذاهب الأصولية المومس في كل امرأة تمتهن التمثيل, الرقص, الموضة والفيديو كليب

تختلف النظرة للمومس كشخصية, لكن تتفق النظرة للبغاء كظاهرة في اعتبارها أقدم مهنة في التاريخ رغم أنها ليست كذلك, فأقدم مهنة تاريخية هي الصيد ثم الزراعة, أما البغاء فيمكن اعتباره من أقدم التضحيات الدينية علما بأنه ارتبط بطقوس عبادة منح المتعة من طرف كاهنات المعبد للمريدين, إما مجاناً أو بمقابل مادي لفائدة المؤسسة الدينية, فكان دور مومسات المعبد رمزا للفخر والخدمة الدينية, أشهرهن في ذلك العشتاريات المقدسات .

تغيرت النظرة للبغاء من المقدس إلى المدنس مع تغير المجتمع الأمومي القديم و سيطرة النظام الأبيسي على المؤسسات السياسية و القتصادية و الدينية للمجتمعات, فصار الرجل هو المشرع وتم فصل البغاء الغير المؤسسي ووصمه بالمدنس عن البغاء المقدس(المُشرَّع) الذي اتسمر تحت مسميات كثيرة مختلفة كسرايا الحروب, ملكة اليمين, زواج المتعة أو المسيار ...

عندما نقول بَغاء نحدد بذلك العلاقة الجنسية في إطار تقديم الجسد للمتعة لقاء مقابل مادي، ما يعرف في التشريعات القانونية "بالدعارة" وهي مبادلة المال بالممارسة الجنسية أو الجماع. تُحوِّل هنا المومس جسدها لسِلعة تُقدَّم مُؤقتاً للزبون المُهيء للدفع نقداً, حسب قانون العرض والطلب

تتعدد الأسباب التي تدفع بالأنثى لامتهان البغاء لكن الهدف واحد وهو المال, مع العلم أن هناك بدائل كثيرة للحصول على المال لكنه يتم اختيار هذا الطريق لأنه "عالم يوحي بالسعادة الوهمية التي تغري النساء غير المؤهلات لخوض الحياة العملية وماتفرضه من منافسة وكد, يجلبهنّ بريقه وسهولة الحصول على المال"(4) أي نساء يعانين من نقص مادي أو معنوي يحاولن تعويضه بإبراز تفوق اقتصادي, مهما كانت الوسيلة لتحقيق ذلك طالما أن النتيجة هي جلب الربح والاهتمام, يساعدها في ذلك المجتمع الاستهلاكي الذي يُقيم الأفراد حسب مايملكون بغض النظر عن الوسائل, تجد المومس هنا أقرب الطرق وأسهلها للتحقيق المكانة الاجتماعية, نجد أفضل تعبير عن هذه الوضعية عند إميل زولا في رواية "نانا" .

تظل مشاعر الاحتقار مطاردة للمومس بسبب الوعي الجمعي الذي ينظر للبغاء نظرة دونية، فتَخلُق حيلة دفاعية لتحقيق توازن نفسي عن طريق الانتقام من المجتمع متمثلا في الرجل بأن "تسلب الرجل مصدر قوته(المال) بينما لا يحصل منها على شيء"(5) لأنها "تحقق انفصالاً تاماً عن جسدها, إنه الجسد/السلعة الذي يقدم إلى الآخر في إطار من الامبالاة"(6) ما يجعلها بالنسبة له "موضوعا جنسيا ناقصاً ومؤقتاً كذلك"(7) فالشق الوجداني غائب هنا ما يجعل العلاقة "لا تبلغ إشباعا كاملا إلا إذ أَشْبعت في فعل واحد كلا من الدافع الجنسي وحاجات الأنا, ومن بين هذه الأخيرة ذلك المطلب الذي ندعوه بالعاطفة"(8) لأن العلاقة "تحتاج من الاثنين معا التبادل الإنساني, بحيث ينظر كل منهما إلى الآخر على أنه إنسان مثله تماما، وليس هناك من هو أقل من الآخر أو أدنى"(9) .

تُخلي المومس المسؤولية عن نفسها بإلقاء اللوم على الفقر, أو الأب, أو التفكك الأسري, ف"تحاول تجنب الخزي والعار على السلوك البغيض بنسبه إلى أسباب قاهرة"(10), لكن علينا ألا ننسى أنه "تحت نفس الظروف الاجتماعية السيئة قد يتحول البعض إلى جانح وبعضهم يختار القلق, ويبقى لبعضهم الثالث بعض السبل البناءة"(11) وإلا سيصبح البغاء النتيجة الحتمية لكل امرأة تمر بظروف سيئة وهذا مالا نجده في الواقع .

تدفع مشاعر الذنب المومس إلى محاولة تغيير واقعها بتأسيس علاقة سوية يعمل طرفها الآخر على معاملتها "كامرأة وليس حاوية فضلات لمنيه" (12), ويلزم هذا الطرف كذلك مساعدتها على تجاوز ماضيها, وذلك بعدم نبشه وتعييرها به به إثر أي خلاف, وبتعبير أوضح تحويل ماقاله نزار قباني إلى واقع ملموس :

أتُحبّني . بعد الذي كانا؟
إني أحبّكِ رغم ما كانا
ماضيكِ. لا أنوي إثارتَهُ
حسبي بأنّكِ ها هُنا الآنا..
تَتَبسّمينَ.. وتُمْسكين يدي
فيعود شكّي فيكِ إيمانا..
عن أمسِ . لا تتكلّمي أبداً..
وتألّقي شَعْراً.. وأجفانا
أخطاؤكِ الصُغرى.. أمرّ بها
وأحوّلُ الأشواكَ ريحانا..
لولا المحبّةُ في جوانحه
ما أصبحَ الإنسانُ إنسانا.. (13)

ـــــــــــــــــ

ـ هوامش :
1 : صادق العظم - في الحب والحب العذري ـ المدى، ص99
2 : التفسير التطبيقي للعهد الجديد - مجموعة من الاهوتيين ـ تاندل للنشر، ص201
3 : القرآن - سورة مريم، الآية 27 و28
4 : فاطمة أزرويل - البغاء أو الجسد المستباح ـ أفريقيا اشرق، ص18
5 : نجية محمد - سيكولوجية البغاء ـ مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص59
6 : فاطمة أزرويل - المصدر السابق، ص18
7 : نجية محمد - المصدر السابق، ص59
8 : ثيودور رايك - سيكولوجيا العلاقات الجنسية؛ ترجمة: ثائر ديب ـ المدى، ص263
9 : نوال السعداوي - الرجل والجنس ـ ص192
10 : ب.ف.سكينر - تكنولوجيا السلوك الإنساني؛ ترجمة: عبد القادر يوسف ـ عالم العرفة، ص46
11 : عبد الستار إبراهيم - العلاج النفسي الحديث ـ عالم المعرفة، ص43-44
12 : عماد ابو حطب - صديقتي المومس/قصة قصيرة ـ ahewar.org
13 : نزار قباني - قصيدة بعدَ العَاصِفَة ـ موقع الموسوعة العالمية للشعر






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- نوبة ضحك تصيب مذيع CNN على الهواء خلال استضافته ممثلة كوميدي ...
- بريطانيا: الملكة إليزابيث والأسرة الملكية تودعان الأمير فيلي ...
- دراسة تكشف عن -نغمة المنبّه- الصباحية التي قد تساعدك على الش ...
- شاهد: كينيا تراقب الجمال عن كثب خشية تحولها إلى مصدر الجائحة ...
- شاهد: كينيا تراقب الجمال عن كثب خشية تحولها إلى مصدر الجائحة ...
- تفجير بئر نفطي شمال غرب كركوك
- مستشار رئيس الوزراء: 72 في المئة من شركات الدولة خاسرة
- الصحة تصدر جملة تعليمات جديدة بخصوص كورونا
- ايران: نرفض بقوة أي أجراء يهدد هذه المبادئ في العراق
- عملية نقل متفجرات لإحدى المليشيات كانت وراء انفجار شرقي بغدا ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة إسماعيلي - سيكولوجية المومس