أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال الدين أحمد عزام - الخطيئة الكبرى















المزيد.....

الخطيئة الكبرى


جمال الدين أحمد عزام

الحوار المتمدن-العدد: 4039 - 2013 / 3 / 22 - 14:32
المحور: الادب والفن
    


الخطيئة الكبرى

..شكرا يا عم متولي، هل نظفت الشرفة جيدا؟..بالطبع. ثم ضحك الرجل..ما بالك تضحك؟..لا، أبدا و لكنك تهتم جدا بنظافة الشرفة مع أنك لا تجلس فيها مطلقا..و ما دخل هذا بذاك؟..يا بني، اجلس فيها قليلا، تنسم بعض الهواء، ألق نظرة على الناس، منذ حصلت على الدكتوراة و أنت حبيس هذا المكان..أنا مرتاح هكذا، أنت تعرف كلام الناس، لماذا يجلس هنا؟، ماذا يفعل هنا؟، هل يتلصص على بناتنا؟، و صدقني لن يشفع لي مرضي..لا فائدة..هذه نصيحة خالي رحمه الله، كان يقول لي دائما: عش في حالك و لا تضع نفسك موضع شبهة. همّ بالخروج من الباب قائلا..رحمه الله. حبست دمعي..لقد مر على وفاته أسبوعا، اشتقت إلى زيارته الأسبوعية..نعم صحيح، كل جمعة في التاسعة صباحا، تضبط عليه ساعتك..الحمد لله على كل شيء..هلا سمحت لي بالإنصراف، فباب العمارة لا حارس عليه. كاد يغلق باب الشقة..أنا آسف يا عم متولي، طلب أخير، أريدك أن تضبط اللوحة..أية لوحة؟..إنها لوحة أرسلها إلي خالي قبل أن يموت..أه، تلك التي أحضرتها لك مع باقي أشيائه..نعم.
نظر معي إليها و هي معلقة على جدار الصالة، كانت مائلة قليلا فضبطها..شكرا يا عم متولي، لا تنسى أن تمر علي ليلا..سأرسل لك ابنتي..يا إلهي؟، لا يصح يا عمنا، كم مرة سأخبرك، أنا مشتبه فيه أصلا دون أن أفعل شيئا، لن يشفع لي أني مقعد.
ساد الهدوء جو الشقة، دفعت كرسي المتحرك نحو مفتاح النور، أضأت نور الصالة. أخذت أتأمل لوحة خالي الأخيرة، وجه امرأة جميلة بيضاء في فرجة باب. ينبعث النور من الفرجة مبهرا مبهجا يضيء وجهها، العينان العسليتان الواسعتان ترنوان إلى الناظر إلى اللوحة، و ابتسامة باهتة تبديها الشفاه الوردية أسفل الأنف الذي تبدو أرنبته الصغيرة بالكاد من شدة النور.
اللوحة جميلة بالفعل. كان خالي رساما يتمتع بالموهبة و لكنه لم يحلم يوما أن يحترف و يصبح نجما. كان في إمكانه ذلك، لكنه كان يؤثر حياة العزلة و القناعة التي وصلت به إلى درجة الزهد، حتى أنه كان لا يوقع أسفل لوحاته.
كل ما يشغلني منذ توفى هو السر الكامن وراء هذه اللوحة التي رسمها في أيامه الأخيرة و قد اشتد به المرض، و لماذا أسماها الخطيئة الكبرى، ثم إنه لم يكتب اسما للوحة رسمها قبل هذه. والاسم غريب، ليس في اللوحة دلالة له، لو كنتُ مكانه لأسميتها الحوراء، فهاتان العينان الواسعتان الجميلتان تستحقان ذلك. هل للاسم الذي أطلقه دلالة لا أراها؟، هل هناك رسالة ما كان يريد إيصالها إلي؟، فهو يعلم أني سأرث اللوحة فأنا كل عائلته، و هو يعلم أيضا أنها ستكون ذات مكانة خاصة لدي إذ أنها الأخيرة التي لم أرها، فكل لوحاته عندي و قد رأيتها كلها و علقت بعضها. أشعر أن هناك رسالة مهمة و إلا لم أجهد نفسه بمواصلة رسمها و هو في الرمق الأخير و كأنه كان يسابق الزمن. تمتمت..ماذا كنت تقصد يا خال؟.
حل الليل، مرالوقت علي بطيئا كالعادة حتى دقت العاشرة مساء. فتح باب الشقة فتوجهت إلى الصالة، دخل عم متولي، سمعت ضجيجا، أصوات أناس كثر و أغاني..ماذا هناك يا عم متولي؟. ابتسم و هو يضع البقالة على الطاولة..إنها خطبة الآنسة ندى..ندى من؟..جارتك، شرفتهم لصق شرفتك. لم أعقب و لكنه جلس على كرسي قبالة الطاولة يراجع ما جاء به من البقالة و هو يردف..فتاة جميلة، تربيتها عالية جدا، وحيدة أبيها و أمها، ظلت ترفض كل من تقدموا لخطبتها و.... ضحكت مكملا..و من كثرتهم أصبحت عانسا..كلا ليس لهذه الدرجة و لكنها كفرس طليق، كحلم شارد..ما هذا يا عم متولي؟، هل تقرأ شعرا أم ماذا؟. نهض..يا سيدي، لا شعر و لا هم يحزنون، الخلاصة أنها تشعر أنها جوهرة غالية جدا و لن تمنح نفسها إلا لقلب جسور. ضحكت..جسور يا عم متولي!، لقد أفسدك التلفاز تماما. لم يعقب و لكنه دخل المطبخ بالأشياء، سمعت صوته من الداخل..أم عالية ستصنع هي و عالية محشيا غدا، هل يعملون حسابك؟. قلت محاولا مجاهدة الأصوات العالية..كلا، شكرا، لا داعي. عاد الرجل إلي من المطبخ..البقالة ستقضي عليك..أنت تعلم يا عم متولي، أمعائي لا تتحمل و أنا لا أتغدى أصلا..أنت حر، و لكن ستفوتك وجبة محترمة، فزوجتي وابنتي لا تتقنان شيئا في الحياة إلا الطبخ..اجعلها في وقت لاحق..حسنا، هل ستتعشى؟..كلا، لا أريد، ساعدني لدخول الفراش لعلي أنام، و إن كنت أشك في ذلك وسط هذا الضجيج.
كانت معركة حامية الوطيس بيني و بين خالي في الحلم، أنا أصر.. الحوراء!. و هو يصر..الخطيئة الكبرى!. ثم تلاشى لتظهر صورة لفتاة جميلة لا أعرفها و عم متولي يشير إليها صائحا..هذه ندى.
أخذت أزحزح نفسي من فوق السرير، جلست على الكرسي، دفعته نحو الحمام، خرجت، صليت و انتظرت عم متولي كالعادة. دخل و قد بدا عليه الوجوم..صباح الخير..صباح الخير يا عم متولي، ما بك؟!..لا أبدا، يبدو أني حسدتها..من تقصد؟..ندى..ندى مرة أخرى؟..لم تنتهي الليلة على خير فقد عدلت عن رأيها. ضحكت..و هذا ما يحزنك؟..لست حزينا بقدر شعوري بخيبة أمل أهلها. بدا التهكم في صوتي..ماذا تظن نفسها، أميرة الزمان؟، يا رجل دعك منها.
حلت الظهيرة و أنا أحاول فك الطلسم و فهم فحوى الرسالة. ما هذه اللوحة العجيبة؟، ماذا كان يريد أن يخبرني؟، و لماذا لم يخبرني به مشافهة و قد كنت أتصل به في المستشفى كل يوم؟، ربما لم يدرك الهدف من اللوحة إلا لما أنهاها. اسم اللوحة هو الرسالة التي لم يسعفه الوقت لإبلاغي إياها بنفسه. ترى ما الأمر الجلل الذي دفعه لذلك؟، ما الذي نسي أن يعلمني إياه؟، الرجل لم يقصر معي طوال حياته؟، هو الذي رباني تقريبا من الناحية الفكرية، كنت كلما شكوته شدة مرضي وتفاقمه مع الزمن كان يؤكد لي على فكرة عدم التفكير في المستقبل، عدم الإكتراث به، الإكتفاء، الرضا، القناعة، عدم مقارعة الأحداث بل و الإنسحاب أحيانا لأن المعركة لا تستحق، كان هذا رأيه. كانت له رؤية تصوفية لا أنكر أنها شكلت قدرا كبيرا من وعيي. ماذا اذن؟، رجل عاش حياته مسالما، لم يؤذي أحدا و لم يؤذه أحد، مر بالحياة كطيف خفيف، فارقها بهدوء، لم يخلف ورائه زوجة أو ولدا أو إرثا إلا من بعض لوحات رسمها على سبيل الهواية، و لم يمثل عبئا على أحد، يسكن في غرفة متواضعة بجوار المصنع الذي يعمل فيه هناك في الصحراء في آخر العالم، يؤدي ما يؤمر به دون تذمر. كان متصالحا للغاية مع نفسه و الأخرين، حظه الحسن أنه لم يدخل محكا أو اختبارا، كان دائما ما يدعوا أن ينجوا من الفتن و الاختبارات. كنت كلما سألته عن شيء مستقبلي كان يقول: لا تفكر، دع الأمر لله. كان كلامه يريحني، فكان قوام منهجه أن ترتاح، أن ترضى، أن تقنع. كان يرى أن الإنسان مهما حاول ببله التمرد أن يصل بغرور إرادته إلى شيء سيظل يلهث و يلهث حتى يكل و في النهاية ما سيحصل هو تحصيل حاصل. و لكني لا أعلم كيف انسجم فيه حب الخيال من خلال الرسم مع تلك الحالة المحافظة المسالمة بل و المستسلمة التي تكسو حياته. لا أعلم لماذا كنت أشعر دائما أن بداخله شيء مغطى حرص على ألا يكشفه و إن أفلت منه أحيانا في لوحة خلابة.
انحسر خضم الأفكار عن الفكرة التي ألحت علي، ما المقصود من الخطيئة الكبرى؟ السر في العينين، ترى ما بالهما؟. أخذت أتأملهما، إنهما ترنوان في قلق من شيء ما، ربما بهما مسحة من خوف، لماذا اختارت النظر إلينا و ليس إلى النور المنبعث بقوة من فرجة الباب؟، و لماذا فتحته إن لم ترد النظر أم تراها ستنظر؟. عيناها فيهما سحر و خوف، هل تخشى مما رأته سابقا فالتفتت إلينا؟، أم تخشى مما لم تره؟. إنها حالة معلقة غريبة تشي بتوتر للناظر فيشعر أنها لم تحسم أمرها أو حسمته و تخشى التنفيذ.
لا أعلم لماذا اختنقت من المكان؟، هل ربما لأن اليوم هو الجمعة و لم و لن يأتي خالي؟. اختنقت أنفاسي فاتخذت قرارا لم أتخذه منذ خمس سنوات، سأدخل شرفتي.
آلم عيني ضوء النهار، تحاملت على نفسي و واصلت دفع الكرسي، استقررت في منتصف الشرفة و قد مست قدماي السور، أحسست بأني في عالم آخر. خمس سنوات لم أرى فيهن الشارع أو ملامح المباني و الشجر و البشر. أخذت أتأمل من طابقي الرابع قطا و هو يحاول الدخول من شق صغير في حائط العمارة المقابلة، ظل يحاول رغم ضخامته على الشق، لم ييأس، ترى ماذا خلف الحائط يدفعه إلى بذل كل هذا الجهد؟.
سمعت باب الشرفة الملاصقة يُفتح، خرجَت إليها، صرخت في نفسي.. ما أجملها!. لم تشعر بوجودي و هي تسقي صبارتها و تدندن بلحن ما. التفتت، فزعت لما رأتني، حدقت فيّ فخفضت رأسي و أخذت أنظر إليها من طرف خفي، لاحظتُ أنها تحاول إستكشافي و كأني مخلوق فضائي. ارتخت ملامحها المتوترة ثم نظرت إلي بضيق خالطه قدر من التأفف و دخلت شقتها. قلت في نفسي، صدقت يا عم متولي، إنها فرس طليق بل بالأحرى حرون.
استيقظت فزعا مما رأيت، هل عاودتني المراهقة أم ماذا؟. حلمت بندى تحتضنني، نفضت عن رأسي الحلم و غسلت وجهي بالماء البارد.
جاء عم متولي و مضى و لم أحكي له شيئا. تأملت اللوحة، سألتها مرة أخرى.. لماذا لم تنظري إلى النور؟. العقل الباطن له اليد الطولى، ترى ماذا كان في عقلك الباطن يا خال؟، ما موضوع اللوحة أساسا، مم هي تخشى؟، مم كنت تخشى يا خال؟، ما هي خطيئتك الكبرى؟.
اختنقت من التفكير، توجهت نحو شيش الشرفة، فتحت جزءا يسيرا منه وعيناي ناظرتان إلى اللوحة في الصالة من بعيد. النور ملقى على وجهي و لا أنظر إليه، شيء ما يدفعني لأخرج إلى الشرفة و أنا ممسك بمقبض الشيش مترددا. تمتمت..أريد أن أراها. حسمت أمري؛ التفت و نظرت إلى النور، ثم تجرأت و فتحت الشيش عن آخره، دفعت الكرسي و جلست في الشرفة.
تمت




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,232,137,138
- فراسة
- إيناس
- ماتروشكا
- سعاد
- مكان شاغر
- أزمة مرور
- بيت الشمس
- رسائل من العالم الآخر
- خواء العودة
- يقظة ذكرى
- العقاب
- كان لي صديق
- رائحة الليل
- المأوى
- تي
- الجلاد
- فستان الزفاف
- العصفور الأحمر
- ثورة يناير و نظرية الفوضى 1
- ثورة يناير و نظرية الفوضى 2


المزيد.....




- الشاعر الكريك يصدر ديوانا جديدا -ما بعد الخريف-
- وفاة الفنانة المصرية أحلام الجريتلي عن 73 سنة
- الجزائر تُقنن دعوة الفنانين الأجانب حفاظا على المرجعية الثقا ...
- -توم أند جيري- يتصدر إيرادات السينما في أمريكا الشمالية (فيد ...
- وفاة الفنانة المصرية أحلام الجريتلي
- وفاة الفنانة المصرية أحلام الجريتلي عن عمر ناهز الـ70 عاما
- أكثر من 400 موقع يضم أسرار التاريخ.. خفايا تحت تراب الأنبار ...
- وفاة الفنان المصري يوسف شعبان متأثرا بفيروس كورونا
- الفنانة نهال عنبر تروي تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة يوسف ش ...
- رأفت الهجان أشهر أعماله… محطات في حياة الممثل المصري يوسف شع ...


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال الدين أحمد عزام - الخطيئة الكبرى