أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم مرزة الاسدي - سامي العامري و حقّه في -طرافة النقد الشعري العراقي...-















المزيد.....

سامي العامري و حقّه في -طرافة النقد الشعري العراقي...-


كريم مرزة الاسدي

الحوار المتمدن-العدد: 3947 - 2012 / 12 / 20 - 00:42
المحور: الادب والفن
    


سامي العامري و حقـّه في "طرافة النقد الشعري العراقي..."
عباقرة عمالقة أخفتهم حياتهم وبرزوا بعد مماتهم
الحلقة الثانية
كريم مرزة الاسدي

شاعرنا ونقده للنقاد :
بادئ ذي بدء أنا لم أتشرف بمعرفة شاعرنا المتميز الأستاذ سامي العامري شخصياً , وإنما أعرفه من خلال قراآتي لتعليقاته وردوده على شعري وشعره وشعر الآخرين , والأهم من خلال بعض مقالاته و شعره المتعدد الوجوه , فهو يجيد الشعر العمودي , وشعر التفعيلة , ويكتب ما تسمى قصيدة النثر التي لا أميل إليها , لأنني اعتبر الوزن ركناً أساسياً في الشعر العربي , لا يمكن لأحد مهما تطاولت قامته الشعرية - حتى آدونيس - أن يغضّ الطرف عنه , فلولاه لما وصل إلينا الشعر الجاهلي - وما بعده - , وحفظه الرواة , وتغنى به الخاص والعام ... , ولكنني أحترم وجهة نظر كتـّابها , وأقدر بثناء تجربتهم الأدبية , فما أدراك وما أدراني بالمستقبل الآتي مع علمي هنالك العديد من التجارب ظهرت وانقرضت كالموشحات والبند والكان كان والقوما البغدادي والمواليا وهو شعر موزون !! , والتجربة الآن في ملعبهم , والحق شاعرنا - أحياناً - يكتب النص الأدبي المفتوح الجميل لسهولته وامتناعه , ولكن المنثور يصعب حفظه لتتناوله أفواه الناس , وأخص العرب , مهما يكن الأسلوب هو الإنسان نفسه , والكتابة بشقيها تعبر عن مكنونات كاتبها النفسية والسلوكية , وما يختزن في وعيه ولا وعيه , لذلك ربما الناقد يتفهمه أكثر من أقرب متعلقيه , ولكن ليس أكثر من الكاتب نفسه سيان في مجالي الشعر أوالنثر , ولهذا يذهب (ت. س . إليوت) " عملية الإبداع عملية نقدية لذا أن نقد الكاتب لإنتاجه الخاص أعظم إنتاج في الأدب "(إليوت :د. فائق متي ص 65 - ط .1966م ) , وعلى العموم النقد فن مستقل , لأن أصحابه يعالجون أفكارهم فيه معالجة فنية , والشاعر للشاعر أفهم " وأكبر دليل على نمو ملكة النقد عند الشعراء أننا لا نصل إلى الشاعر الممثل أرستوفان حتى نجده يؤلف مسرحيته المشهوره ( الضفادع), وفيها ينقد الشعراء "(النقد - د. شوقي ضيف - دار امعارف مصر - ص 10) , لذا هذ المقال الذي أكتبه , هو وجهة نظري ورؤيتي الخاصة على مقال شاعرنا الموسوم (طرافة النقد الشعري العراقي المعاصر ومرَحُهُ ) لا غير , وأثريته بتجارب شعراء وأدباء كبار , فهو خليط من النقد وتاريخ الأدب !!
يشرع شاعرنا العامري المبدع مقاله بعد عدة أسطر كتمهيد للدخول إلى تجاهل النقاد في زمن تاهت فيه العباد بقوله : " إن تجاهل من يسمون أنفسهم بالنقاد لشعري وشعر العديد من زملائي الشعراء الأصلاء لهو إدانة مستمرة للنقد العراقي المعاصر أولاً أما النقد العربي فهذا شأن آخر فليس شرطاً أن يكون النقاد في بلداننا العربية الأخرى قد اطلع جميعهم على قصائدي " , ثم يستطرد في وسط المقال قوله : " وأما النية التي أحملها فهي المساهمة مع العديد من الشرفاء في الحد من هذا الهذيان النقدي والمحاباة ومحاولة كسب ود النساء الشاعرات، والمحسوبيات والصداقات ومبدأ : المقربون أولى بالمعروف ! "
نعم... للنقاد والكتاب الكبار دور كبير لإخفاء الشعراء في حياتهم أوإشهارهم حسب العلاقات والانتماءات والعواطف والمصالح... , ونحن نرى أنهم ليسوا السبب الرئيسي الوحيد بعد أن تشرذمت الأمة , وحُصر المبدعون في أقطارهم لولا توسع وتعدد وسائل الإعلام الحديثة , ولكن توسع الإعلام لا يوازي وحدة الأمة , فكانت قصيدة واحدة ربما تذيع شهرة الشاعر بين سكان لغة الضاد كابن زريق في عينيته , والحصري القيرواني في داليته , والتهامي في رائيته , وابن الأنباري في تائيته , ثم سادت الفتن , وقامت الحروب , وهاجرت العقول بعد حكم الدكتاتور الواحد والحزب الواحد وما تفجر من تكتلات وطوائف ومناطق وقوميات , فما عدنا نسمع بعمالقة كبار من وزن الجواهري والسياب ونازك والوردي ومصطفى جواد وغيرهم وغيرهم من أيام ذاك الزمان !!
الحقيقة على أساس الكلام عن مقال شاعرنا العامري سيكون مقدمة للحلقة الثانية , ولكنها توسعت لتشغل مقالاً على مقال , إذ كانت المقدمة في الحلقة الأولى عن تأثير العوامل البيئية والوراثية , أي تمازج الظروف الذاتية - بما فيها الوراثية - والموضوعية لكبت أو إخفاء بروز عباقرة عمالقة في عصورهم , ولكن بعد مماتهم , تختفي الظروف الذاتية , والصراع بين الفرد العبقري والأفراد الآخرين المعاصرين له من أجل الملذات وبروز الذات , فلا يبقى سوى نتاجه الفكري أو العلمي أو الإبداعي مع أفراد آخرين غير معاصرين له , وظروف موضوعية جديدة , أي تحييد الظروف الذاتية , فإن عجز العصر أن يستوعبه ويمنحه حقـّه للظروف السائدة والأقلام الحاقدة والعقول المعاندة , فالتاريخ أمامه يخلده ويمجده والذكر للإنسان عمر ثان !!
الشاعر بين التاريخ والإصرار وقضية الفوات :
وشاعرنا المبدع سامي العامري أدرك هذه النقطة المهمة ودونها في شعره , وأكـّد عليها في مقاله الموسوم في حلقتنا السابقة بقوله :
"أنا مَن تدفأ بالشقائق والصواعق والحرائق كلِّها
أُبكي وأُطرِبْ
أنا مَن صنعتُ من الخيالِ حقيقةً
ومِنَ الحقيقةِ عمقَ أخيلةٍ
ستُعْجِزُهم وأصعبْ
تدرينَ معنى الكبرياءِ
فإنْ كتبتُ لعصريَ المُعتلِّ هذا ما استطعتُ
فإنني والحقِّ للتأريخِ أكتبْ "
لا ريب أن الأنانية والزهو والبساطة والعفوية والطفولية والتسامح (قصية الفوات ) والخيال والتحدي والكبرياء والتطلع إلى الخلود من سمات الفنانين والشعراء الملهمين , وجمع بعضها شاعرنا في هذا المقطع الرائع وأشار إليها في ذاك المقال الذائع , ولا أروم التوسع في هذا المجال , فالتلميح يكفي , وكتابي عن العباقرة يفي !!
إنْ رغبت أن ترجع معي ألى الحلقة الأولى ونقارن بين موقف أبي حيان (ت 414 هـ) الذي يحرق كتبه بنفسه وبين موقف معاصره الأندلسي ابن حزم ( ت 456 هآ / 1064 م) الذي أحرق المعتضد بن عباد كتبه , وأصر إصرار العباقرة على مواصلة الدرب دون كلل أو ملل :
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي ***تضمنه القرطاس إذ هو في صدري
لا تتخيل أنّ أبا حيان أقل عبقرية وإصرار وعناد من ابن حزم , وأنا ربما أول كاتب عربي أو أجنبي يشير للعلاقة بين أبي حيان وقصص ألف ليلة وليلة , كلا...التوحيدي من بداية حياته حتى التسعين من عمره حيث حرق كتبه , لم يذق إلا مرارة العيش والبؤس والهوان مما أدى إلى قناعة فلسفية ترى أن العبقرية خدعة وهمية و ضريبة مجانية يدفعها الفرد المتميز بنبوغه لخدمة النوع الذي لا يستحقها , وقال المتنبي قبله ( ت 354 هـ / 965 م) :
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله ***وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعمُ
المتنبي مرّ بالنعيم مرات ومرات , وهذا البيت قاله حكمة للحظات مرّت به , والشاعر طبعاً بعيد الرؤية للزمان والأحوال يتفكر ويتحسس ويتدبر , وابن حزم عاش العزّ والثراء والنعيم منذ الصغر , وتقلد الوزارة ثلاث مرات , ثم تلاعبت به الأيام , وحيكت ضده المؤمرات , وتعرض للنقد والإيقاع حتى حرق الخليفه كتبه , وإصراره للمواصلة والدأب إصرار العبقري للخلود , وعناده عناد من يرد الصاع صاعين بوجه الحاقدين والمغرورين و المتجاهلين لنبوغه الفني وكبريائه الشعري, فكما يقول ( غوته) شاعر الألمان الأكبر : الإنسان أزهى الحيوانات , والشاعر أزهى بني البشر وهذا ما ذهب إليه شاعرنا العامري في قصيدة له غاية الروعة منشورة في ديوانه الثالث المعنون (العالم يحتفل بافتتاح جروحي ) , والشعر تعميم وليس بتخصيص :
"ألقاكَ تفترُّ
بَلَهاً ودونَك صارمٌ حُرُّ
لو عُشتَ قبلَ العصر هذا شاعراً
أو بعدَه
لرأيتَ مَن ليسوا يرونك (فلتةً)
لكنْ بحيثُ تكون أسقام الكبار
تكون عافية الصغار وهكذا
عُوفيتَ لمّا أُسْقِمَ العَصرُ "
لا تذهب بك الظنون أن الشاعريضمر الحقد لأسباب شخصية , ومن يتخيل هذا لا يفقه نفسية الشعراء , وقد عبّر العامري نفسه بقوله : " بربّك هل يمكن أن يفعل هذا حتى المراهق !؟ " , لأن الشاعر كما ذكرت يتمتع بظاهرة ( قضية الفوات) , وتعني أنه يتناسى أقسى أنواع الإساءات , كأنها خطوط محيت بيد ماح ٍ, وقد جسدها إلينا الجواهري ببيتين رائعين من قصيدته الخالدة (يا دجلة الخير ) , إذ يناجي نفسه :
ىسمتها الخسف أعدى ما تكون له*** وأمنع الخسف حتى من يعاديني
ورحت أظمي وأسقي من دمي زمراً***راحت تسقي أخا لؤم ٍوتظميني
ولكن العامري يعبق بخلجات نفسييه إنسانية النزعة لحظة الإبداع , وهذا هو ديدن الشعراء يخطون ملامح العلاقات الإنسانية التي تصلح لكل زمان ومكان , وهنا يكمن مضمون الشعر الخالد بتعميمه.
العامري بين المرأة والكبرياء :
ما قاله الجواهري من تسامح أثير ينطبق على مستوى العلاقات الشخصية , ولكن على مستوى الحق العام والمصلحة الوطنية , والقضايا الإنسانية (النوع) , يكون الشاعر أشد حماساً , وأكثر شعلة , وأقوى عزيمة , وأبعد رؤية من بقية أبناء جبلته , لأنه لسانهم الناطق , وضميرهم الصادق لحظات نظم القصيد الملهم , وفي طبيعتهم البنيوية والفسيولوجية , ويعجبني الشاعر الأوكراني فيتالي كور فيتج في تشبيهه للشعراء قائلاً : " هم العروق العصبية الممتد في جسم المجتمع الذي يعيشون فيه , فالأمة المتطلعة إلى الكمال مثل الجسم الحي , يجب أن تكون حساسة تجاه الألم والسرور , وكلّ ما يجري في في هذا العالم " ( اتجاهات الشعر العالمي المعاصر- بقلم فيتالي كور فيتج - المقدمة - ترجمة عادل العامل) ,فلا تستغرب إذن من الجواهري نفسه أن يخاطب الحاكمين بحزم صارم للوقوف مع المصلحة العليا للشعب :
أنا أحتفهم ألج البيوت عليهمُ *** أغري الوليد بشتمهم والحاجبا
ولا تعتبر قول العامري عن المرأة ضرباً من المجاملات , أو كسباً للعواطف , وإنما هذه هي جبلة الشعراء التي فطروا عليها لاحترام الذات الإنسانية , باعتبارهم اعصاب جصم المجتمع , أقرأ معي ما يقول : " وأنا معروف عني دفاعي في كتاباتي حد التطرف عن حقوق المرأة العربية المسلمة وحريتها ".
ويزيد العامري :
"أنا ليْ من الأصحاب والأحبابِ
ما ابتسمتْ نجومٌ في السماء له
بلى
وارتجَّ مَركبْ
تدرينَ معنى الكبرياءِ "
التواصل بين الأجيال مألوف في الأدب العربي والأجنبي , ولابد أنّ الأكبر سناً , والأقدم تجربة , يكون أكثر شهرة , وأعلى مرتبة في معرفة أسرار الشعر وخباياه على العموم , ولكن إلى حين فالحياة لم تعطِ عهداً لأحد سيبقى هو الأفضل والأروع , والحقيقة دائمة أن الدنيا دول , ولكلّ زمان دولة ورجال , ولا عيب أن يأتي الكميت الأسدي (ت 126 هـ /744 م ) إلى الفزدق التميمي ( ت 114 هـ / 732م) , ويعرض عليه قصيدة من أروع قصائده :
طربت وما شوقاً إلى البيض أطربُ *** ولا لعباً مني وذو الشيب يلعبُ
فاثنى عليه وأجازه وكرمه وحاججه , والبحتري (206 هـ - 284 هـ /821م - 897م) تعرف على أستاذه أبي تمام (180 - 228 هـ / 796 - 843 م) في حمص , ووظفه في معرة النعمان , ولما أصبح أبو تمام شاعر المعتصم , لزمه البحتري , وتعلم على يديه كيف يتعامل مع الخلفاء , وكتب الأستاذ رسالة ثمينة إلى تلميذه , سار على نهجها البحتري , وأصبح شاعر المتوكل الأول وجليسه , هكذا كانت تلك الأيام , وهذه سنـّة الشعراء قديماً وحديثاً , فمن الطبيعي أن يقدم شاعرنا المبدع باكورة أعماله في بدايات حياته الشعرية إلى شاعر يثق بتجربته لقدمه في هذا المجال , لاسيما هما مغتربان ( وكل غريب للغريب نسيبُ ) ليستمد مشورته من باب التواضع لا الضعف , فهنالك خيط رفيع يفصل بينهما , يجدر باللبيب أن لا يفوته , يذكر شاعرنا في مقاله :" وانتظرتُ وانتظرتُ حتى يئستُ من رده فها قد مضت شهور ولا جواب ... وعلل ذلك التأخر بالإنشغال وأنه سيحرص هذه المرة , ومضى شهران وما من رد وأخيراً أمسكت بقلمي وكتبت قصيدة " .
القصيدة التي أوردنا مقطعها المنقول من مقاله (ألقاك تفترُ...) , بغض النظر عن الخصوصيات والأسباب والأعذار والمبررات هذا ليس من شأني , ولكن ما يهمني أنْ أثبته أنّ كل شاعر فنان رغم تواضعه وبساطته وتسامحه , يتماهى بشعره ويفخر , والفخرباب من أبواب الشعر العربي , لأن الشعر عمل فكري عالي القيمة , رفيع الموهبة , و يُعتبر ( أبو الفنون) , بل حتى الفنون الأخرى الأدنى منه يزهو صاحبها بعمله الفني , فهذا (ميشال أنجلو) يقف أمام تمثال موسى مبهوراً صارخاً به " تكلم أيها المخلوق " !! ومن هنا يتولد كبرياء الشاعر والفنان عموماً , فشخصيتهما متوازنة في شعورها , ولا شعورها , فإنها تضيف إلى ذاتها إضافات صحيحة غير مجتمعة , وغير زائفة , قوامها الوعي , أما إذا أضاف الإنسان إلى (أناه) إضافات زائفة , (فالأنا المضخمة) تسعى إلى المفاهيم المتجمعية كالكبرياء والجاه والثروة ...إلخ لتقارن ذاتها بكلّ (أنا) أخرى وتكون مثلها , الأمر الذي يجعلها (عقدة نقص) التي أشار إليها (أدلر) , وعقدة العظمة التعويضية تضيف للفردية - وهي الأنا - إضافات كاذبة لكي تغطي الشعور بالنقص , الأمر الذي يجعل الشعور بالنقص يتضخم , وإن عقدتا النقص والعظمة هما من الأمراض النفسية, وهذه تختلف اختلافاً كلياً عن كبرياء وزهو وفخر وإباء العباقرة والشعراء الملهمين والفنانين العظماء , لآنها عند هؤلاء تنبثق من الوعي والمقدرة الصحيحة , وليس من اللاوعي كعقد عقبى إضافات كاذبة لتضخيم (الأنا) , نعم من حقّ المتنبي وغوته وأنجلو والمعري والجواهري أن يزهو بأنفسهم بكبرياء , وبدوافع غريزية يتمتع بها الشعراء والفنانون المجبلون , ولا يتميز بها العلماء المكتسبون.
والشيء بالشيء يذكر , والأمثلة تضرب ولا تقاس , البحتري ولادة منبج قرب حلب سنة (206 هـ / 821 م) وهو طائي صحيح النسب , صعد على أكتاف أبي تمام الطائي بالولاء , ولمقدرته ونبوعه وشاعريته استطاع أن يصل إلى قصر المتوكل (الجعفري) في سامراء , ويعتبر من أخص خواص المتوكل , وشاعره المقدم , وجليسه الدائم حتى عندما قتل المنتصر أباه المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان سنة (247 هـ) , كان الشاعر جليسهما , وطـّعن في ظهره , أما معاصره ابن الرومي ولادة بغداد سنة (221 هـ /836م ) , أي أصغر من زميله الأول خمس عشرة سنة , ولكن هذا الرومي العربي لم يكن يمتلك قدرة ودهاء ونفوذ البحتري العربي , وإنما شاعر المساكين , وكلما رغب بالتسلق يقع على وجهه مستغيثاً , ولا من مغيث , بالرغم من أنه يمتلك زهو الشعراء وفخرهم بأنفسهم , اقرأ ما يقول في همزيته المطولة (216 بيتاً) المكابرة الخائفة بحكم الغريزة , الصاعدة الهابطة من حيث زعزعة نفسية شاعرها , لا من حيث قوة شاعريتها , وهو يخاطب وزيره القاسم بن عبيد الله الذي سمه, ويعدّد نواحي عبقريته الصادقة :
إنْ أكنْ غيرمُحسن ٍكلّ ما تطـْ *** ـلبُ إني لمحســنٌ أجزاءَ
فمتى ما أردتَ صاحبَ فحص ٍ**كنتَ ممن يشارك الحكماءَ
ومتى ما أردتَ قارض شعر ***كنتُ ممن يساجلُ الشعراءَ
ومتى ما خطبتَ من خطيباًً***جلَّ خطبي ففاق بي الخطباءَ
ومتى حاول الرسائلَ رُسلي****بلـّغتني بلاغتي البلــغاءَ
نعم الرجل كان يمتلك هذه المواهب , فما قوله بعقدة نقص , ولا الأنا المتضخمة , فالرجل بسيط فقير , لا يمتلك الدهاء , والطبيعة بقدر ما تعطي تسلب , والبحتري الأكبر سنـّاً , والأعلى شأناً , والأكثر مالاً منه , كان لا يحفل بصاحبه ولا يبالي به , ولا يلتفت إليه , وحدثت مشاجرات كلامية بينهما , فما كان من ابن الرومي إلا أنْ يرفع قلمه ليدافع عن نفسه بقصيدة لاذعة شنـّها على بحتريّه ختمها بقوله :
أبا عبادة : ذر ما كنت تنسجهُ *** وخــــــــذ لنفسك يا مسكينُ في الندبِ
قد كنتَ تعرف مني في الرضا رجلاً**حلو المذاقة فأعرفني لدى الغضبِ
تعرفْ فتًى فيه طوراً مجتنى سلع ٍ*** للمجتنين , وطوراً مُجتنى رُطــبِ
هذه هي الدنيا بين ساعة وساعة , تمرّ أجيال وتأتي أجيال , من فاته زمنٌ جاءتهُ أزمانُ , مضت حلقات وستأتي حلقات عن هذا وذاك , حفظك الله وأبقاك...!!






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 4 - ملامح مسيرة دعبل من الولاية حتى الولاية
- عباقرة عمالقة أخفتهم حياتهم وبرزوا بعد مماتهم ...!!
- 6 - انصهار المدرستين وبزوغ المدرسة النحوية البغدادية
- رضُ العراق ُكأرضكِ الحمراءِ منْ نزفِ القلوبِ
- 3 - ا - لمحات من مسيرة دعبل الوجه الآخر للشعر إمام المعارضين ...
- 5- مدخل لنشأة النحو العربي أضواء خاطفة عن ابن السكيت والمبرد ...
- نَّ العراقَ إذا أودعتهُ أملاً * أكرمْ به - إنْ تعافى- باذخ ا ...
- - دعبل بين هذا وذاك ...!! يجب أن نتعوّد على أحترام الرأي الآ ...
- - مدخل ل -لنشأة النحو العربي ..- سيطرة مدرسة الكوفة النحوية
- لبنانُ يا نبعً الأشاوس ِوالنفوسَ الثائرة ْ
- دعبل الخزاعي الوجه الأخر للشعر العربي... 1 - المقدمة ...لماذ ...
- القصيدة اليتيمة نعيماً أيّها العربُ ..!!
- 3- الصراع بين المدرستين النحويتين البصرية والكوفية..!!
- عيوب القافية المغتفرة وغير المغتفرة للمولدين
- وطني يبقئ شريفاً وأغرْ
- 3 - السرقات الأدبية ما لها وما عليها ...!!
- 3 - السرقات الأدبية ما لها وما عليها ...!! (توارد الخواطر)
- هذي الشّآمُ مدى التاريخ ِإفحامُ..!!
- اليرقات الأدبية ما لها وما عليها (2 -3)
- السرقات الأدبية ما لها وما عليها (2- 3)


المزيد.....




- العناني يبحث مع سفير الإمارات بالقاهرة دفع حركة السياحة الثق ...
- سيدني.. تحية تقدير لجلالة الملك لالتزامه بالحفاظ على التراث ...
- أول تحرك من البرلمان المصري ضد الفنان محمد رمضان
- القضاء المصري يحاكم فنانا مشهورا
- ديفيد بيكهام مُرشدا للهواة في برنامج واقعي جديد تبثه ديزني ب ...
- صدر حديثًا رواية جديدة بعنوان -عفريت بنت علاء الدين-
- صدر حديثا كتاب -فتنة الذاكرة والأسئلة فى تجربة السعيد المصري ...
- ?ذكرى ميلاد ابن رشد الفقيه والطبيب والفيلسوف الاندلسي
- موسكو تشهد أول عرض لفيلم -تشيرنوبل- الروسي
- نوال الزغبي: أعيش الوجع والذل والكرامة المفقودة


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم مرزة الاسدي - سامي العامري و حقّه في -طرافة النقد الشعري العراقي...-