أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم مرزة الاسدي - 4 - ملامح مسيرة دعبل من الولاية حتى الولاية















المزيد.....

4 - ملامح مسيرة دعبل من الولاية حتى الولاية


كريم مرزة الاسدي

الحوار المتمدن-العدد: 3941 - 2012 / 12 / 14 - 18:26
المحور: الادب والفن
    


4 - ملامح مسيرة دعبل من الولاية حتى الولاية
بين (174- 200هـ )
كريم مرزة الاسدي
دعبل أكبر مما كتب عنه محبوه , إذ حصروه في مجال مدحه ورثائه لآل البيت (ع) , ولو أنّ الآخرين مجدوا فيه هذا الأتجاه , وأثنوا عليه , ولكن ليس إلى حدّّ الأهتمام بجميع القصائد الموالية سوى التائية التي اكتست شهرة واسعة , وأخذ بعضهم موقفاً من بعض أبياتها بعد أعصر , إذ لم يكن الشرخ عميقاً في عصر دعبل - بالنسبة للخلفاء الراشدين , ولو أنه لم يمسّهم مباشرة - كما نعهده اليوم بعد أن تراكمت كتابات المغالين من الطرفين حتى أنّ معظم رموز علماء الشيعة وأقطابهم يتفقون على قول الإمام الصادق (ع) : " إنّ أبا بكر ولدني مرتين"(94) , وأشرف مما قذفه به مبغضوه الكبار من جفاء طبع وخبث لسان ونقمة على الناس , كأنه رد فعل غير مقبول , إذ لم يتسم بالموضوعية , فتناسوا جهاده ونضاله المريرين ضد السلاطين وأعوانهم , ووقوفه مع الفقراء والمحرومين , وسخريته اللاذعة من الطبقة العليا الجشعة والمستغلة التي سبق فيها كل الشعراء العرب , وربما لا نذهب بعيداً إذا أضفنا العالميين , يذكر السيد الأمين في ( أعيانه) عن صاحب( الأغاني ) بسند كان " دعبل يغيب سنين ويرجع وقد أفاد وأثرى وكانت الشراة والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه وكان إذا لقيهم وضع طعامه ودعاهم إليه فكانوا قد عرفوه وألفوه " (95) , وهذا دليل ساطع على التصاقه وحبًه للطبقة الفقيرة المعدمة , فالصعلوك هو الفقير الذي لا مال لديه ولا سسكن , والشراة هم الخارجون على الدولة من المعارضين للدولة العباسية لأسباب عديدة , لا يتوقع السيد الأصفهاني سننفي هذا الأمر كما فعل غيرنا من المدافعين عن دعبل , لأنه وضع المفرادات بوجهها السلبي لللإساءة , ونحن نراها بوجهها الأبيض الصحيح !! .على ما يبدو لي هذا قد تم خلال خروجه على الدولة , منذ تركه ولايه سمنجان وأسوان , أو بعد أن هدر دمه الخليفة المعتصم حيث رأى ما رأى من فسق وفجور في قصور الخلافة والمجتمع المتبغدد , أتجه إلى مساندة الفقراء والدفاع عنهم والدين بحكم تربيته وبيئته الكوفية لذلك أخذ عن مالك بن أنس كما ورد في (تاريخ دمشق ) و(الحافظ شعبة بن الحجاج ) ( ت 160 هـ) , والحافظ (سفيان الثوري ) ( ت 161) , الخليفة المأمون (ت 218 هـ) (96) , طبعاً قبل وفاة الإمام الرضا ويعده الشيعة من أصحاب ومعتمدي الأمامين الكاظم والرضا (ع) (97) وتؤيد الشيعة هذه الأخبار "وبهذا الطريق يروى عنه الحديث في كتب الفريقين " (98), ونستطيع أن نستخلص من موجز الروايات السابقة الرجل لم يكن طائفياً , ولم تكن في عصره هذه الأمور مطروحة , وفي ديوانه الذي جمعه وحققه عدة أدباء , وما كتب عنه في مؤلفات وموسوعات عديدة , بالأضافة إلى أنني عثرت على العشرات من المقطوعات والنتف والأبيات اليتيمة بين بطون المراجع - معظم شعره لم يصل إلينا - لم تدوّن في دواوينه المطبوعة , لم أجد أيّ بيت يمدح فيه الإمام الكاظم (ع) في حياته إذ (ت 183 هـ) , أول ما ذكره فيما أحسب , وحسب شعره الموجود الآن في تائيته الشهيرة التي ألقاها بحضرة الإمام الرضا (201هـ) ببيت واحد يقول فيه :
وقبرٌ ببغدادٍ لنفس ٍزكيةٍ***تضمنها الرحمن في الغرفاتِ
ويقصد بالقبر قبر الإمام موسى الكاظم (ع) , حيث الإمام الجواد كان عمره حين ذاك ست سنوات , ورثى الأئمة (ع) والنبي (ص) من الإمام الرضا والذين سبقوه , ولكن لم نجد في شعره الواصل إلينا أي قصيدة مدح في حق الأئمة الذين عاصروه بعد الإمام الرضا كالإمام محمد الجواد (ت 220 هـ) . والإمام علي الهادي (ت 254 هـ) والإمام الحسن العسكري (ت 260 هـ) , بل لم يرث ِ الإمام الجواد الذي سمّه المعتصم صغيرا (195هـ - 220 هـ) خشية من انتقال الخلافة للعلويين , وخصوصاً قد زوجه المأمون ابنته أم الفضل , وذلك في حياه دعبل وبالرغم من أنهما تلاقيا , فيروي الشيخ الكليني في ( أصول الكافي) :" أنه دخل على الرضا عليه السلام فأعطاه شيئا فلم يحمد الله تعالى فقال : لم لم تحمد الله تعالى ؟ ثم دخل على الجواد فأعطاه فقال : الحمد لله . فقال عليه السلام : تأدبت !" (99) , ربما لهروبه إلى أسوان ومجاهل أفريقيا بعد هجائه للمعتصم , وهذا لا ينفي أنه شيعي اثنا عشري , فالبرغم من أن وفاته (246 هـ) , ولم يدرك ولادة الإمام الحجة (255هـ) إلا أنه ذكره في تائيته (201 هـ) :
فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدِ*** تقطع قلبي إثرهم حسراتِ
خروج إمـــــــامٌ لا محالة َخارجٌ*** يقومُ على اسم الله والبركاتِ
يميز فينا كلّ حق ٍّ وبـــــــاطل ٍ***ويجزي على النعماء والنقماتِ (100)
جرّنا الحديث , والحديث شجون , فبعد ما رأى من الشرخ الطبقي والأجتماعي والمظلومية والآرستقراطية والبيروقراطية - سيأتيك شعر السخرية في حلقة قادمة - تمرّد على الأوضاع تمرد حرٍّ نبيل ذي مروءة سامية ونخوة عالية , لا كما يتوهم أو يوهّم بعض الكتاب الكبار إذ يحسبه نزعة خبيثة وسوء خلق ودناءة مبتذلة , هذا الأمر يصح لو صدر من المقتدر على الضعيف وليس العكس , فالعكس الذي يجابه الجبروت , ويصارع الطغاة فردٌ لا يجود به الزمان إلا ما ندر , فكما يقول :
هل أنتَ واجدُ شيءٍ لو عنيت ًبهِ ؟***كالأجر والحمد مرتاداً ومكتسبا
قومٌ جوادهمُ فردٌ وفارســــــــهمْ **** فردٌ وشاعرهمْ فردٌ إذا نســبا
فهو حين ودع الشباب اللعوب المغري, ولم تعد العذراء شفاءً , ولا الصهباء تملك أحلاماً , , ولا الشراب الهواء يجمع الصحاب , وشطب على لذة الكأس , وقناة العناء - كما يقول ديوانه في أوائله , وربما الشعراء يقولون ما لا يفعلون - , المهم عندما وصل إلى عمر التأمل والتفكر والتعقل في غاية الحياة والوجود ومصير المجتمع والنفس , أخذ شعره يتغير وفق المرحلة :
الجهلُ بعد الأربعين قبيحُ***فزع ِالفؤادَ وإنْ ثنـاهُ جموحُ
وبع ِالسفاهة َبالوقاروبالنهى**ثمنٌ لعمركَ-إنْ فعلتَ-قبيحُ
فلقد حدا بكَ حاديان إلى البِلى**ودعاكََ داع ٍللرحيلِ ِفصيحُ(101)
ليس هذا فقط , بل لم يعد يسأل أين توجهت سلمى ( على الأغلب زوجته) ؟ و لا يرى طيف ليلى :
سرى طيف ليلى حين بان هبوبُ***وقضيتُشوقي حين كاد يذوبُ
ولم أرَ مطروقــــاً يحلّ ُ بطارق ٍ***ولا طارقاً يقري المنى ويثيبُ
بل أخذ يستهين بمن يزعم أن التقرب من البكرالحسناء دواء , وإنما أصبح همّه مشغولا بالتوجهات الدينية والسياسية لقضح السلاطين وأعوانهم الذين يحرفون تطلعات الجماهير عن نهجها القويم :
كذب الزاعمون أنّ دواء الـ *** ـهمِّ قرب الخريدة الحسناءِ
ما دواء الهموم إلا المهارى***تعتلى على التنوفةِ الملساءِ
إنّ تحت الحشا لهمّاً دخيلاً*** ترك القلبَ ناســـياً للنســـاء (102)
خلـّف خلفه همّة الشباب البرّاق , وأخذ يتطلع ارتجالاً للمهارى التي تمتطى قاطعة الصحارى القفر (التنوفة ) فهي الدواء , بل شرع يفكر بإتخاذ موقف مديح آل البيت حيث في النصف الأول من حياته لم نعثر في ديوانه الذي وصل إلينا , من مديح لآل البيت ولا بأبيات هجاء للعباسيين , ولكن أقرأ معي الآن وأحسبها قد قيلت سنة (198 هـ / 816م) :
دعْ عنك ذكر زمانٍ فات مطلبهُ*** واقذف ْ برجلك عن متن الجهالاتِ
واقصدْ بكل مديح ٍأنــت قائلهُ*** نحو الهداة بني بيتِ الكرامـــــــاتِ (103)
مهما يكن من أمر بعد وفاة بشار (ت 168 هـ) وأبي نؤاس( ت 198 هـ)المجددين ,
وركود أبي العتاهية شاعر الزهد ( ت 210 هـ) , وخمود أستاذه صريع الغواني ( مسلم بن الوليد) ( ت 208) صانع البديع بعد ركونه للخلفاء , أقول انفرد دعبل بالساحة على امتداد رقعة الدولة العباسية , بل وصل صيته إلى الأندلس غرباً وحتى الهند شرقاًوالهجاء المقذع لرجال السلطة وأركانها الكبار طيلة ولاية المأمون التي استمرت عشرين عاماً (198 - 216 هـ) يصول ويجول و سلاحه لسانه والشعر الساخر والهجاء المقذع لموقفه من السلطة , وعاصره في هذه الفترة الحسين بن الضحاك (ت 250 هـ) الذي مدح الأمين لخلاعته , ولما تولى المأمون خافه وتوارى عن الأنظار في البصرة حتى جاء المعتصم ثم ابنه الواثق فمدحهما , أما أبو تمام قدم إلى بغداد حوالي (206 هـ) لم يقربه المأمون ولا حفل به حتى ولاية المعتصم (218 هـ) أصبح شاعره الأول وبرز كثيراً بعد أن هدر الخليفة دم دعبل , ودعبل بقى على شهرته كشاعر معارض شهير بعد وفاة أبي تمام (ت 228 هـ) , ولم يشتهر الشاعر البحتري تلميذ أبي تمام الذي عاش بين (206 - 284 هـ / 821 - 897 م) في عصر الواثق إذ كان صغير السن , ولكن من بعد تعلـّق بالفتح بن خاقان الذي عرفه بالمتوكل في (سر من رأى) , فأصبح شاعر المتوكل الأول وجليسه . وكان دعبل قد شارف على الثمانين , ولكن شعره الساخر وهجاءه بقى تتلاقفه الألسن مندهشة معجبة بجرأته وصوره الشعرية وبلاغته , وكذلك ولد الشاعر الموسوس المتطير المسكين العبقري الخالد ابن الرومي (221 هـ /835 م), و وعمر دعبل فوق السبعين(73 سنة ) , وعاصره (25 سنة) , وتوفي ابن الرومي مسموماً على يد وزير المعتضد العباسي القاسم بن عبيد الله سنه (283هـ / 896م) , وخاول التشبه بدعبل في الهجاء والسخرية , وتتلمذ على يد الحسين بن الضحاك , ولكنه لم يشتهر في عصره , وما كان يحسب له حساباً, ولا أطيل عليكم شاعرنا الدعبل من أشهر شعراء العصر العباسي الأول , والناس مجبولة على التعلق بالأبطال وهجاء الكبار الكبار وأعزُّ شيءٍ على الإنسان ما منعا .
بعد شعره في البرامكة لأجل التشفي أو العبرة والعظة , كما ذكرنا سالفا (187هـ) , , تستمر حالته طبيعية , وتحدث وفاة الرشيد سنة (193 هـ) , ومنذ وفاته وبسبب زلـّته في تعيين ثلاثة من أبنائه ولاة عهد للعرش خشية ً منه لفقدان الخلافة من بني العباس , فوقع في شرذمتهم وضعفهم فيما بعد وبعد حتى أصبحوا لعبة بيد عناصر أجنبية غير عربية , إذا أستثنينا المأمون والمعتصم والواثق والمعتضد , مهما يكن بدأ أختلاف الحال بين الأمين وأخيه المأمون حالاً , وعزم كل واحد منهما على الخلاف , وسعى الفضل بن الربيع وزير الأمين على خليفته , وحثـّه على خلع أخويه عبد الله المأمون , والقاسم المؤتمن من ولاية العهد وتنصيب ابنه موسى , وأطلق عليه الناطق بالحق , وعلى أغلب الظن (الفضل) طمح للاحتفاظ بالوزارة , بل ولتوريثها إلى أبنائه , مما حدا بالمأمون أن يقطع البريد عن الأمين , وأسقط اسمه من الضرب (104) , وانضم إلى المأمون الفضل بن سهل(ذوالرئاستين) , أو أخوه االحسن بن سهل وطاهر بن الحسينوهرثمة بن أعين ورافع بن الليث وكلهم من القادة السياسيين والعسكريين , وحاط الفضل بن الربيع وعلي بن عيسى وبكر بن المعتمر بالأمين مما عزا بأحد الشعراء المجهولين أن يغمز من قناة الأمين والفضل بن الربيع وبكر قائلا:
أضاع الخلافة غش الوزيرْ*** وفسق الأمير وجهل المشيرْ
ففضلٌ وزيرٌ وبكرٌ مشـــيرْ**** يريدان مـــا فيه حتف الأميرْ(105)
ولغدر الأمين في خلع أخيه المأمون , وظلمه له , وفسقه , وضعف حيلته , تسابق العمال للإنضمام إلى فريق المأمون , ومبايعته بالخلافة , وكان منهم المطلب بن عبد الله الخزاعي , وذلك سنة (196هـ) , ولما طال أمد الخلاف والشقاق , فاشتدت المعارك , وضاقت بغداد بأهلها , وخرج منها من كانت له القوة في الخطر العظيم سنة (197هـ) , وكان ممن خرج دعبل و أخوه رزين فذهبا للحج , وما أن دخلت (198 هـ) , حتى وصلت إليهما أخبار مقتل محمد الأمين في محرم الحرام , واندلاع ثورة أبي السرايا(السري بن منصور الشيباني ), وابن طباطبا(محمد بن إبراهيم العلوي) بالكوفة (106) ,وكان المأمون قد وجه المطلب بن عبد الله الخزاعي والياً على مصر , فقرر الأخوان التوجه إليه مع كتب توصية بهما , والنزعة القبلية كان لها دور في عصرهما , وعندما وصل دعبل وأخوه إلى مصر تعرض هو للضرب بالسوط والحجز , فذهب رزين إلى المطلب وأخبره بالأمر , فأمر الوالي بفك حجزه ,ولكنه لم يأمر بإقالة رئيس حرس الحدود , ولما وصل دعبل إلى المطلب الوالي , فضل الأخير شاعراً آخر عليه , مما حزَّ في نفسه , فرمى المطلب باللؤم الذي خفض ميزان خزاعة بين القبائل العربية , ولكن شاعرنا وازنه مع شخصية سالفة من خزاعة مشهورة بالكرم والجود يدعى (طلحة الطلحات ت 65 هـ ) , (107) بقوله :
اضرب ندى طلحة الطلحات مبتدئاً*** بلؤم مطلبٍ فينا وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ٍومن كرم ٍ**** فلا تعدُّ لها لؤماً ولا كرما(108)
وهذه ضربة قاسية للمطلب , وعلى ما يبدو , لم يسمع بهما الأخير إلا أخيرا , ولاسيما دعبل كتم شعره , ولم ينشره, لأن المطلب قريبه من خزاعة التي تبوّأت مع مواليها أرفع المناصب في عهد المأمون المدعي بمولاته للعلويين , بل غضّ الطرف , ووجد متسعاّ من الأمل, فأطلّ عليه ليمدحه بأجمل ما قالت العرب من مديح حسب مقاييس عصره , وعلى حد ما ذكر الرواة , وبعض كتب تاريخ الأدب (109) :
أبعد مصر ٍوبعد مطلبِ ***ترجو الغنى ؟ إنّ ذا من العجبِ
إنْ كاثرونا جئنا بأسرته*** أو واحدونا جئنـــــــا بمطلبِ (110)
مهما يكن , حاول الخزاعي الشاعر أن يعدل موقفه من الخزاعي الوالي , بعد أن استبشر خيراً بالمأمون , فأجزل السيد الوالي العطاء للشاعر الملهم , وعينه والياً على إسوان فقبلها وتولى لفترة وجيزة , ويتحير ثم يتساءل الأستاذ الدجيلي محقق الديوان وجامعه والمقدم له :" لم نهتدِ إلى هدف دعبل من هذه الولاية التي تـُعد ثاني ولاية يتولاها , فما هو الدافع لولاية يخضع فيها للمطلب , وهو من عملاء تلك السلطة التي يحاربها دعبل , ويختلف وإياها في الرأي واعقيدة ؟ " (111) , الحقيقة أنّ الشاعر لم يتخذ الموقف الحاسم الصارم إلا بعد أنْ سمَّ المأمونُ الإمام الرضا , ونظم قصيدته الرائية الشهيرة (يا أمة السوء) فهي بداية الهجوم العنيف علئ بني العباس , ,إذ لم نعثر في ديوانه على أيّة قصيدة هجاء بحق الخلفاء العباسيين , ثم أنه كان يتوسم في الخليفة الجديد موقفاً جديداً - كما أسلفنا - , وحالة العراق مضطربة جداً , والثورات والانتفاضات قائمة على قدم وساق , على كلّ حال ,الحاقدون والحاسدون سربوا بيتي الهجاء لتطرق أسماع الأمير الكبير , فقرر عزله حالاً ! ولما عزله , لملم الشاعر ملتزماته , وشد الرحال مغادراً مصرإلى العراق هاجياً المطلب بقصيدة هجاء مقذعة شاركه ببعضها إبراهيم بن العباس الصولي , فيروي صاحب (بدائع البدانة ) القصيدة , عن إبراهيم وعن دعبل أيضاً, وكانا متفقين ,(112) , وإليك منها :
أمطلبٌ ! أنت مــتعذبُ *** حماتُ الأفاعي ومستقبلُ
فإنْ أشفِ منكَ تكن سبًةً***وإنْ أعفُ عنكَ فما تفعلُ
سأتيك إمّّا وردت ً العراق ***صحائفُ يأثرها دعبلُ !!
منمقـــة ٌبينُ أثنائـــــــها ***مخاز ٍ تحط ُّّّّّّّ فلا ترحلُ !!
تعلقُ مصرُ بكَ المخزياتُ*وتبصقُ في وجهكَ الموصلُ
فأيـّهمُ الزينُ عند الفلا*** عطية ُ؟ أم صالحُ الأحولُ!!
شعاركَ في الحرب يوم الوغى*إذاانهزمواعجلواعجلوا
فأنتَ لأولهمْ آخـــــــرٌ**** وأنتَ لآخـــــــــرهمْ أولُ (113)
ولم يكتفًِ الشاعر بهذه , وما سبق بداية , فلما انهزم(المطلب) في سنة (200 هـ ) - وهي السنة التي توفي فيها بطريق مكة - أمام السري بن الحكم مولى بني ضبّة بعدة وقائع حتى طلب الآمان , وغادر مصر , هجاه بقصيدة قاسية :
أمطلبٌ دعْ دعاوى الكماة *** فتلك نجيزة لا رُُتبـهْ
فكيف رأيت سيوفَ الحريش*ووقعة مولى بَني ضَبهْ؟
وما المالُ جاءكَ من مغنم ٍ** ولا من ذكاءٍ ولا كِسبهْ
ولكنه رزقُ مـــــنْ رزقهُ***يعمّ ُ بـــهِ الكلبَ والكلبهْ (114)
ولكن لما توفي المطلب الخزاعي سنة (200 هـ ) رثاه دعبل , المروءة والشهامة والرجولة تقتضي هذا , وإذا سألتني عن الموقف العقائدي والسياسي , قلت سابقاً إنّ الموقف لم يتخذه بالشكل الصارم حتى سماعه نبأ وفاة الإمام الرضا (ع) , وسمه على يد المأمون وذلك سنة (صفر سنة 203 هـ) , يقول الخزاعي في رثاء الخزاعي :
كانتْ خزاعة ملءَ الآرض ما اتـّسعتْ ***فقصَّ مر الليالي من حواشيها
ٍهذا أبو القاسم الثــاوي ببلقعة ***** تسقي الرياح عليه من سواقيها
أضحى قرًى للمنايا !ذ نزلن بهِ***** وكان في سالف الأيّـــــام يقريها (115)
لم يشذ الرواة في أنّ دعبلاً قالها في المطلب , إلا أبا العباس المبرد الذي يذكر في (تعازيه ومراثيه) إنه قالها في أبي القاسم نصر بن حمزة (116), ونحن نميل للمطلب الأمير , ولو أنّ المبرد كبير , وفوق كلّ قادر قدير !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ









قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عباقرة عمالقة أخفتهم حياتهم وبرزوا بعد مماتهم ...!!
- 6 - انصهار المدرستين وبزوغ المدرسة النحوية البغدادية
- رضُ العراق ُكأرضكِ الحمراءِ منْ نزفِ القلوبِ
- 3 - ا - لمحات من مسيرة دعبل الوجه الآخر للشعر إمام المعارضين ...
- 5- مدخل لنشأة النحو العربي أضواء خاطفة عن ابن السكيت والمبرد ...
- نَّ العراقَ إذا أودعتهُ أملاً * أكرمْ به - إنْ تعافى- باذخ ا ...
- - دعبل بين هذا وذاك ...!! يجب أن نتعوّد على أحترام الرأي الآ ...
- - مدخل ل -لنشأة النحو العربي ..- سيطرة مدرسة الكوفة النحوية
- لبنانُ يا نبعً الأشاوس ِوالنفوسَ الثائرة ْ
- دعبل الخزاعي الوجه الأخر للشعر العربي... 1 - المقدمة ...لماذ ...
- القصيدة اليتيمة نعيماً أيّها العربُ ..!!
- 3- الصراع بين المدرستين النحويتين البصرية والكوفية..!!
- عيوب القافية المغتفرة وغير المغتفرة للمولدين
- وطني يبقئ شريفاً وأغرْ
- 3 - السرقات الأدبية ما لها وما عليها ...!!
- 3 - السرقات الأدبية ما لها وما عليها ...!! (توارد الخواطر)
- هذي الشّآمُ مدى التاريخ ِإفحامُ..!!
- اليرقات الأدبية ما لها وما عليها (2 -3)
- السرقات الأدبية ما لها وما عليها (2- 3)
- السرقات الأدبية ما لها وما عليها (1- 3)


المزيد.....




- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم
- الفن يزيح الغبار عن أصحاب المعاناة.. الفنان المغربي نعمان لح ...
- الطمأنينة الوجودية في -رحلة اتراكسيا- للكاتب سليمان الباهلي ...
- الجزائر والعقدة المغربية المزمنة
- شاهد: باريس وآخر ابتكارات كورونا.. -ابقوا في منازلكم وحفلات ...
- العلماء يترجمون بنية شبكة العنكبوت إلى موسيقى -مرعبة-
- مجلس الحكومة يتدارس يوم الخميس مشروع مرسوم يتعلق بتنظيم الصن ...
- فنان عراقي يصدم جمهوره بعد تسريب تقارير عن حمل نجمة خليجية. ...
- مصر.. محمد رمضان يكشف تفاصيل مشهد قتل الحصان المثير للجدل
- مصر.. فنانة مشهورة تثير الجدل بشأن ديانتها بسبب منشور عن شهر ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم مرزة الاسدي - 4 - ملامح مسيرة دعبل من الولاية حتى الولاية