|
|
إشكاليات ما بعد الربيع العربي
عبد الحسين شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 3604 - 2012 / 1 / 11 - 19:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يمكن الحديث عن مفاجأة، كما لا يمكن الحديث عن نبوءة، لاندلاع الثورات العربية، فقد كان الأمر تراكماً طويل الأمد لحراك سياسي واجتماعي ونقابي ومهني، يتمظهر ثم يخبو، حتى يكاد يقترب من الانطفاء، لكنه لا ينقطع، وظلّ مستمراً ومتواصلاً على الرغم من الصعود والنزول، إلى أن حانت لحظة الانفجار المثيرة للدهشة حد “المفاجأة”، يوم أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه في تلك المدينة النائية “سيدي بو زيد” فانتقلت الشرارة وسرت مثل النار في الهشيم، وكما يقول ماوتسي تونغ: يكفي شرارة واحدة لكي يشتعل السهل كلّه .
حصلت اللحظة الثورية باتحاد بين العوامل الموضوعية، والعوامل الذاتية، حين انتقل الخوف من المحكومين، إلى الحاكم، فلم يعد هناك ما يخيف الشعب بعد أن عملت آلة القتل ما عملته، بالشعب الأعزل، وعندها لم يعد الموت مرعباً، في حين أصبح هذا الموت يخيف الحاكم الذي أخذ بالتراجع خطوة بعد أخرى، وتصريحاً بعد تلميح، وإجراءً بعد آخر، وهنا اختلت موازين القوى لصالح المحكومين في حين ظلّ الحاكم يبحث عن “ملاذ” عسى أن ينفذ بجلده، فقد وجده زين العابدين بن علي في الرحيل، وفي حالة محمد حسني مبارك كان بالتنازل بعد تطمينات من الجيش، الذي كان الخطوة الانتقالية للسلطة في البلدين، بينما في حالة القذافي فقد لاذ بالفرار، لكنه لم يتمكن من النجاة واضطر علي عبدالله صالح إلى التوقيع على المبادرة الخليجية لنقل السلطة بعد مماطلة دامت نحو ثمانية أشهر، في حين ظل بشار الأسد متمسكاً بالسلطة، مثلما ظلّت التظاهرات الشعبية مستمرة ودون انقطاع منذ مارس/آذار من العام الماضي، ودخلت الأزمة السورية مرحلة جديدة وخطيرة حين بدأ مسلسل العقوبات من جانب جامعة الدول العربية، الأمر الذي سيساعد في تدويل المسألة السورية، لاسيما إذا عُرضت على مجلس الأمن الدولي .
لعل أهم المشتركات للثورات العربية تتلخص بالمطالبة بالحريات والكرامة الانسانية ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري، لاسيما تماهي السلطة مع المال . وكانت تقارير التنمية البشرية لسنوات قد شخّصت الحال بهدر الحريات والنقص الفادح في المعرفة والافتئات على حقوق الأقليات وعدم مساواة المرأة بالرجل، وتلك القضايا شكّلت المشهد الذي يكاد يكون مشتركاً للوضع العربي، وإذا كان هناك بعض الخصوصيات، فوضعية المرأة وحقوقها المكفولة في تونس تختلف عن العديد من البلدان العربية منذ عهد الرئيس بورقيبة بعد الاستقلال في العام 1956 .
وإذا كانت تونس تعيش في كنف الحزب الواحد وكذلك سوريا حيث “الحزب القائد”، أما ليبيا فإن تشكيلات اللجان الثورية لا يمكن إدراجها تحت أي مسمّى سوى الحزب الواحد، فإن مصر كانت قد وجدت في فكرة التعددية الشكلية طريقاً للحكم، في حين كانت اليمن تعيش توازناً إلى حد ما بين حزب السلطة (المؤتمر الشعبي) والمعارضة السياسية الممثلة بأحزاب اللقاء الوطني .
لم تكن مفاجأة إذاً ما حدث من انفجارات مدوية حتى وإن كانت سلمية، وإن اتخذت بعضها أبعاداً عنفية، كما لم تكن نبوءة، لاسيما وواقع الحال ينذر باستحالة الاستمرار ودوام الحال، وإذا لم يكن في البلدان العربية عشية الاحتجاجات الشعبية ما يشير أو حتى يوحي في بعضها أن الذي حدث سيحدث، وبدت وكأنها أقرب إلى الاستعصاء أو الاستثناء أو حتى انسداد الآفاق، في حين كان العالم يراكم خبرات وتجارب على هذا الصعيد، لكن التراكم التدريجي وصل ذروته، فانفجر الوضع في بعض البلدان وتأخّر في أخرى، لكنها لا يمكن أن تكون بعيدة عن دائرة التأثير وبادرت بعض البلدان لاتخاذ خطوات دستورية (المغرب والأردن) وأخرى اقتصادية (المملكة العربية السعودية وعمان) وغيرها، لكي تتفادى التوتر والاحتقان وتؤجل عملية الانفجار .
ولعل ما حصل في البلدان العربية انما هو جزء من قانون للتطور التاريخي العالمي، فقد حصل في أوروبا الغربية حين استكملت تطورها الديمقراطي، بالقضاء على نظام سالازار الدكتاتوري والتوجه نحو التحول الديمقراطي في البرتغال 1974-،1975 وتم التخلص من دكتاتورية فرانكو في إسبانيا وكذلك في اليونان في أواسط السبعينات ضمن مسار ديمقراطي تدرجي، بإعداد دستور توافقي وإجراء انتخابات في إطار التعددية والتنوّع والاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية .
وجاءت الموجة الثانية للتغيير في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات بالتواصل، لاسيما عندما سارت عملية التحوّل سلمياً في بولونيا وهنغاريا وإلى حد ما في تشيكوسلوفاكيا ولاسيما في مرحلتها الأخيرة، في حين اتجهت عملية التحوّل نحو القطيعة في ألمانيا الديمقراطية، التي التحقت بألمانيا الاتحادية في إطار وحدة ألمانية في العام 1990 . ولعل موجة التحوّل الديمقراطي الثانية امتدت إلى العديد من دول أمريكا اللاتينية حيث لعبت الكنيسة دوراً إيجابياً فيما سمّي بلاهوت التحرير .
لكن موجة التغيير تلك انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، بسبب عدم استعداد القوى الدولية لاستيعاب عملية التغيير ولوجود النفط، مع عدم التيقّن بإمكانية تأمين استمرار الاستحواذ عليه واستثماره بما يؤمن مصالحها، فضلاً عن وجود “إسرائيل” .
لم يكن العالم العربي إذاً استثناءً أو استعصاءً أو شذوذاً على قانون التطور التاريخي العالمي، فقد وصلت إليه موجة التغيير حتى وإن تأخّرت، وكانت موجة التطور هذه عبارة عن تراكمات طويلة الأمد، ولكن هذه المرّة مع بيئة دولية مشجعة، من دون أن يعني أن الأمر صناعة خارجية، بل كانت تعبيراً عن ظلم معتق مع اختلال في توزيع الثروة وزيادة نسبة الفقر، لدرجة أن ملايين من العرب هم دون خط الفقر، حتى في بلدان نفطية غنية، واستمرت الأمية بما يزيد على70 مليون عربي .
إن عملية التطور هي عملية أصيلة ولا يمكن صنعها أو زرعها في بيئة غير مناسبة وفي أجواء غير صحية، وإلاّ فإن الثورات تموت وتتحول إلى ضدها، فلكل تربة كيمياء خاصة، وإن كان هناك مشتركات، وعلاقة جدلية بين الداخل والخارج . ولا يمكن أن تنجح ثورة في العالم من دون وجود مثل هذه الجدلية على مرّ التاريخ، وإن اختلفت موازين القوى، خصوصاً ونحن نتحدث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وفي ظل العولمة وثورة الاتصالات والطفرة الرقمية “الديجيتال” وقد لعب الاعلام بوسائله المختلفة دوراً كبيراً في عملية الاحتجاج والتغيير .
لعل من مزايا الحراك الشعبي الأخير غلبة الوسطية والشبابية، فحتى الذي حصل في تونس من الإسلاميين أو غيرهم، غلب الاعتدال على برامجهم الانتخابية، في حين أن خطاب التطرف والتعصب من أين أتى يمكن أن يخسر، وهذه المسألة تتوقف اليوم على ماذا سيحصل في مصر وإلى أين ستتجه سفينتها . ولا بدّ من ردّ الاعتبار لمبدأ المواطنة والمساواة والتقدم الاجتماعي، خصوصاً أن العالم العربي لا يعيش في جزيرة معزولة، بل إنه في صلب العواصف والمصالح الدولية، وتلك سمات عالمية تمثل المشترك الانساني .
إن عملية التغيير موضوعياً ودون إسقاط رغبات الكبح أو الانفلات، ستطرح الكثير من القضايا على السطح مثل الموقف من الأقليات والتنوّع الثقافي، لاسيما الديني والطائفي والإثني .
ولعل مثل هذا الأمر سيطرح على شكل أسئلة: هل الدولة الديمقراطية المنشودة ستكون دولة بسيطة أم مركبة؟ أي دولة مركزية أو لا مركزية وحتى فيدرالية، بتوزيع الصلاحيات بين السلطات الاتحادية وبين السلطات المحلية، علماً بأن هناك تشوشاً والتباساً بين مفهوم الفيدرالية وغيره من المفاهيم التي قد تصل إلى الانفصال أو التقسيم بشكل مباشر أو غير مباشر وبين مفهوم الفيدرالية الإداري والقانوني، الأمر الذي يحتاج إلى فضّ الاشتباك وتحديد المفاهيم وتوضيح ذلك بما لا يؤدي إلى الإساءة إلى النظام الفيدرالي المتطور الذي يعيش في ظلّه أكثر من 40% من سكان العالم، ونحو 25 بلداً كبيراً ومؤثراً، وبما يعزز من المسار الديمقراطي بحيث لا يؤدي إلى تفتيت الكيانات القائمة بدعوى رفض المركزية التي تحمل صورة مشوّهة عنها مثلما هي أنظمة العديد من البلدان العربية، كما لا ينبغي أن يكون مبرراً أو ذريعة لتفتيت دول المنطقة . ولعل مناسبة الحديث هذا كانت موضوع مداخلة للباحث في اجتماع لفريق الخبراء الذي دعته إليه الاسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا) بعنوان: مسار الانتقال الديمقراطي والعدالة الاجتماعية .
#عبد_الحسين_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشيخوخة
-
اللحظة الثورية وربيع التغيير
-
الإسلاميون والعلمانيون
-
ماذا بعد الربيع: العرب والجوار والعالم؟
-
الانسحاب الأميركي من العراق.. من الأقوى؟
-
ليبيا من الثورة إلى الدولة
-
اليونيسكو والثقافة بالمقلوب
-
بانتظار بايدن
-
الفدرالية العراقية والكثبان المتحرّكة
-
الدرس التونسي: القطيعة والتواصل
-
ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق!!
-
جدل دستوري عراقي وغواية الانقلاب العسكري
-
بغداد واشنطن: انتبهوا الوقت ينفد!
-
صناعة الدستور
-
الأردوغانية: زواج كاثوليكي بين الإسلام والعلمانية
-
إسرائيل- والمياه
-
مشكلة المياه العربية
-
سمفونية الرحيل- عبد الرحمن النعيمي الرجل الذي مشى بوجه الريح
-
الحق في الماء
-
سورية :هل لا يزال طريق التسوية التاريخية سالكاً!؟
المزيد.....
-
أول عمدة مهاجر منذ أكثر من قرن.. شاهد كورتيز تُقدّم ممداني ف
...
-
السعودية تنشر قواتها البحرية قبالة سواحل اليمن
-
واشنطن بوست: مسلمو نيويورك يفرضون واقعاً سياسياً جديداً بعد
...
-
مأساة ليلة رأس السنة..سويسرا تواصل التحقيق وتحديد هوية الضحا
...
-
تصعيد واشتداد المعارك في جنوب اليمن بين الانفصاليين وقوات ال
...
-
ليلة من الرعب عاشتها سويسرا عقب اندلاع حريق في حانة
-
هل تخرج احتجاجات إيران عن السيطرة وتسقط النظام؟
-
السلطات السويسرية ترجح أن صنفا من الألعاب النارية سبب الحريق
...
-
نحو 181 ألفا.. إندبندنت: المفقودون جرح سوريا الذي لم يندمل ب
...
-
-استلام المعسكرات- عملية عسكرية تهدف لتعزيز الأمن بحضرموت
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|