أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خليل كلفت - من أجل نحو عربى جديد - الجزء الأول















المزيد.....



من أجل نحو عربى جديد - الجزء الأول


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3601 - 2012 / 1 / 8 - 18:32
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


  
من أجل
نحو عربى جديد
(الجزء الأول)
 
خليل كلفت
 
الطبعة الأولى صادرة عن المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2009
 
  


المحتويات
تصدير ..................................................................        
مفهوم النحو (مقدمة عن العلاقة بين العلم وموضوعه) .......................     
1: تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية - ازدواج غريب وخاطئ ................      
2: المسند إليه والمسند ........................................................  
3: المسند إليه ...............................................................      
4: المسند إليه: بعض تجلياته أو أشكال تحقيقه ..................................  
5: ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر أ: الأفعال المسماة بالناسخة .................... 
6: ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر ب: الحروف المسماة بالناسخة ................   
7: المسند أو ما يسمى بالخبر ...............................................     
8: المسند (الخبر) ومتعلَّق الجارّ والمجرور .....................................  
9: المسند أو الخبر: تحليل لعناصره المكونة ..................................    
10: الإعراب: خطيئة تمحور النحو حول الإعراب ..............................  
11: الإعراب: وظيفته كأداة من أدوات النحو ..................................   
12: الإعراب وعناصر الجملة ...............................................    
13: خرافة الإعراب المحلى والإعراب التقديرى ..............................    
14:  وقفة عند من ينكرون الإعراب كأصل من أصول اللغة العربية ..........     
15:  ما يسمى بمنصوبات الأسماء بين عناصر الجملة والإعراب ..............     
16: محاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ووزارة المعارف المصرية
 لإصلاح النحو العربى فى 1945 ...........................................     
ملاحق
الملحق 1: هل الخبر مرفوع؟ ..............................................       
الملحق 2: لويس عوض والبحث عن أصل اللغات: حول مقدمة فى فقه اللغة العربية ..
الملحق 3: معجم لتصريف الأفعال العربية .......................................   
الملحق 4: 3 أعمدة فى مجلة الإذاعة والتليڤزيون بعنوان "لغة" ...................     
 
 
 
 
 
تصدير
 
على مدى شهرين، بين 8 أكتوبر و8 ديسمبر 1997، تم تأليف هذا البحث النحوى، دون إعداد، وقد قمتُ بـ "تبييض" 12 فصلا من الكتاب بصورة كاملة، وتركت الفصول الباقية بلا "تبييض"، وفوق هذا كتبت مقالا بعنوان "هل الخبر مرفوع؟" (نُشر فى مجلة "جسور" العدد الثانى، سپتمبر 1999، وهى مجلة قاهرية يسارية لم تُصدر سوى عددين)، كما نشرتُ (مجلة العربى الكويتية، عدد يوليو 2000) الفصل الأول منه فى وقت لاحق كمقال بعنوان "جملة عربية واحدة لا اسمية ولا فعلية"، وأنا أعيد نشر هذين المقالين ضمن ملاحق الكتاب لأنهما يمثلان أول ظهور لهذه الأفكار، وتقديرا لموقف مجلة "العربى" الكويتية، رغم أن المقال المنشور فيها إنما هو الفصل الأول من الكتاب فلا يختلف عنه إلا قليلا (تم حذف هذا الملحق هنا مع تأكيد التقدير لمجلة العربى الكويتية).
وتلت ذلكما الشهرين أعوام طويلة تنوعت فيها الظروف التى عرقلت استكمال "تبييض" الفصول الباقية ونشر الكتاب، وكانت ظروفا معيشية وأخرى صحية وفى كثير من الأحيان كانت ظروف استغراق شديد فى مشروع من مشروعات الكتابة أو الترجمة، دون العودة إلى كتاب النحو الذى كان قد فصلنى عنه التهاب رئوى شديد استمرت النقاهة بعده طويلا.
والآن، وقد فرغت من إعداد الكتاب للطبع، وبعد أن كتبت له مقدمة حديثة (أكتوبر 2008)، يهمنى قبل كل شيء أن أوضح أن هذا الكتاب لا يهدف إلى إحداث أىّ تغيير فى اللغة العربية أو فى حقائق النحو العربى أو الإعراب العربى. إنه بالأحرى دفاع عن النحو العربى، انطلاقا من اتخاذ اللغة ذاتها ونحوها الجمعى وإعرابها السليقى معيارا مطلقا ومرجعا نهائيا، وانطلاقا من المنجزات العظيمة للنحو العربى خاصة عند نشأته خاصة عند الخليل وسيبويه، ولكنْ باعتباره رغم عظمته ابن زمانه. وهو دفاع عن النحو العربى ضد التعقيدات التى أدخلها النحاة من عندياتهم دون مبرر حقيقى من اللغة العربية أو نحوها الجمعى أو إعرابها السليقى، وما ذلك إلا لخلطهم بين البحث اللغوى الوصفى الاستقرائى الذى برعوا فيه فأبدعوا والتنظير الذى أمعنوا فيه فحوَّل جانبا كبيرا من النحو إلى نظر كلامىّ وفقهىّ ومنطقىّ وميتافيزيقىّ. وقد أدى هذا الانصراف شبه الكامل إلى التعليلات الميتافيزيقية للإعراب وعوامله إلى الجمود والتحجر مما أوقف نمو علم النحو إلى حدّ أن العصور التالية لسيبويه لم تستطع أن تضيف إلى صياغة سيبويه "إلا بعض تعريفات وبعض تسميات"، كما يقول الدكتور شوقى ضيف، أحد حراس النحو العربى التقليدى، فى كتابه المدارس النحوية (دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1999، ص 22).
ويبدأ الكتاب، الذى يمثل رغبة فى العودة بالنحو العربى إلى البساطة التى هى سمة علم النحو بالذات بحكم طبيعته ومحتواه، بمقدمة تدور حول علاقة علم النحو بموضوعه فى السياق الأوسع للعلاقة بين كل علم وموضوعه.
ويطمح الكتاب إلى وضع النحو العربى فى السياق الواسع للثورة النحوية فى لغات أخرى، الإنجليزية بوجه خاص، وهو ما صار يحتمه التطور العام للنحو كعلم وكذلك تطور المجتمع الذى يجعل من المعالجة الحاسوبية للمعلومات ضرورة لا غنى عنها لتقدم المجتمع أو حتى لمجرد مقاومة الحد الأدنى لتدهوره.
ويحاول الفصل الأول إثبات خطأ تقسيم الجملة العربية إلى جملة اسمية وجملة فعلية، كما يفعل النحو العربى وكل نحو تأثر به كالنحو الفارسى والنحو القبطى. وهو ينتهى إلى أن الجملة العربية الواحدة تنقسم إلى "ركنين" وحيدين هما المسند إليه (الفاعل) والمسند (الخبر) وإلى أن المسند هو كل ما نثبته للمسند إليه أو ننفيه عنه، أىْ كل ما يرد فى الجملة غير المسند إليه. كذلك يجرى بحث وتفنيد نظرية التقدم الوجوبى للفعل على فاعله والتأخر الوجوبى للفعل عن المبتدأ.
وفى الفصول الثانى والثالث والرابع، يناقش الكتاب مفهوم "المسند إليه" الذى يشمل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء الخبر. وعلى أساس التركيز على بناء الجملة، وعناصر هذا البناء، وأشكال تحقيق هذه العناصر، بعيدا عن التمحور التقليدى لنحونا حول الإعراب، تناقش هذه الفصول الثلاثة مختلف أشكال تحقيق المسند إليه.
ويركز الفصلان الخامس والسادس على مناقشة ما يسمى بالأفعال والحروف الناسخة على الترتيب، حيث يبحث الفصل الخامس أفعال "كان وأخواتها" وأفعال "ظن وأخواتها" وأفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" كقسم متميز من أفعال "أعطى وأخواتها"، حيث تجرى إعادة نظر واسعة فى مفهوم خبر كان، ونصب أفعال "ظن وأخواتها" لمفعولين، ونصب أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" لثلاثة مفاعيل، مع استنتاجات تخص علاقة كل هذه الأشياء بعناصر الجملة وكذلك بنماذج الجملة. ويبحث الفصل السادس حروف أو أدوات "إن وأخواتها" ووظيفتها الخاصة بنصب المسند إليه بعدها مع إلغاء مفاهيم مثل اسم إنّ وخبر إنّ وما إلى ذلك.
وفى ثلاثة فصول متواصلة، هى السابع والثامن والتاسع، يبحث الكتاب المسند (الخبر). ويمكن القول إن إصلاح مفهوم الخبر فى النحو العربى هو المحور الحقيقى لهذا الكتاب. ولأن الخبر هو كل ما نثبته للمسند إليه أو ننفيه عنه، شاملا كل عناصر الجملة غير المسند إليه، صار من الضرورى التوصل إلى مفاهيم ناجعة عن عناصر الجملة التى يتكون منها الخبر وهى الفعل والمفعول به ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به والظرف. والاستنتاج الضرورى من هذا المفهوم للخبر هو أن الخبر غير مرفوع وخارج دائرة الإعراب أصلا وأن ما يبدو أنه الخبر المفرد ليس خبرا إلا مع المحذوف وفقا لنظرية "متعلَّق الجار والمجرور" التى قام النحو العربى بتهميشها على مرّ القرون، وكل ما يقاس إعرابيا على هذا الرفع للخبر المفرد ليس سوى قياس فاسد.
ورغم أن هذا البحث ليس بحثا فى الإعراب، ورغم أنه يسعى إلى الاتجاه بالنحو العربى بعيدا عن التمحور حول الإعراب، بل ربما بسبب هذا الطموح إلى أن يركز النحو العربى على موضوعه الحقيقى كعلم لبناء الجملة بعيدا عن الإعراب، يخصص الكتاب فصولا عديدة للإعراب: طبيعته، وأنواعه، والوسائل الحقيقية لتيسيره، وبالأخص علاقته بعناصر الجملة. وبعد مناقشة هذه الأمور فى الفصلين العاشر والحادى عشر والثانى عشر، يتوقف الكتاب عند أمور أخرى تتعلق بالإعراب، يناقش الفصل الثالث عشر خرافة الإعراب المحلى والإعراب التقديرى، داعيا إلى إلغائهما والتخلص منهما بلا رجعة. ويقف الفصل الرابع عشر وقفة متأنية عند من ينكرون الإعراب كأصل من أصول اللغة العربية والمقصود بالطبع نحويان كبيران لا ثالث لهما فى كل تاريخ النحو العربى وهما الإمام محمد ابن المستنير الشهير باسم قطرب، مؤلف إعراب القرآن وتلميذ سيبويه، والدكتور إبراهيم أنيس فى العصر الحديث.
ويبحث الفصل الخامس عشر بحر المنصوبات الأعظم بهدف استيعاب كل ما يمكن استيعابه منها فى عناصر بناء الجملة، بعيدا عن هذه التسميات الإعرابية الخاطئة فى حد ذاتها وفى تمحورها حول الإعراب والتى تحول دون بلورة علم أكثر نضجا لبناء الجملة أىْ النحو syntax بمعناه الصحيح.
وكان من الطبيعى تماما أن يكون الفصل السادس عشر، وهو الفصل الأخير فى مكانه وليس فى أهميته، حول أنضج محاولة فى كل العصور لتطوير وتحرير النحو العربى وهى تلك المحاولة الكبرى التى قام بها مجمع اللغة العربية بالقاهرة ووزارة المعارف المصرية فى عام 1945، وهى المحاولة التى تمثلت ثمرتها الناضجة فى كتاب تحرير النحو العربى الذى قررته وزارة التربية المصرية فى الخمسينات على المدارس. ومن المؤسف أن تلك المحاولة العظيمة قد انتهت إلى الفشل فقد تخلى عنها فى صمت كل من مجمع اللغة العربية بالقاهرة ووزارة التربية، وقد تمثل السببان الكبيران وراء ذلك الفشل من ناحية فى نقاط ضعف خطيرة فى تلك المحاولة ومن ناحية أخرى فى قوة أعداء تطوير النحو العربى بالذات الذين يشكلون نوعا من الأصولية اللغوية والنحوية، وهى لا تعدو أن تكون فرعا من الفروع الأخطبوطية للأصولية الدينية السياسية، فى بيئة اجتماعية وعلمية تتميز بغياب البحث اللغوى الحر، فى السياق الأوسع لقمع الحرية فى البلاد، وما مأساة كتاب مقدمة فى فقه اللغة العربية للدكتور لويس عوض ببعيدة.
ولأننى كنت بعيدا عن الخوض فى تفاصيل وتعقيدات النحو العربى التقليدى بحكم طبيعة بحثى، فقد أردت أن أبتعد بالكتاب عن الاعتماد المكثف على المراجع الأصلية، مكتفيا بالموسوعة النحوية النحو الوافى للأستاذ عباس حسن، وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، حريصا على أن تكون غالبية أمثلتى من الكتب الشائعة ومنها الكتاب المدرسى القواعد الأساسية للنحو والصرف، وكتاب تجديد النحو للدكتور شوقى ضيف، وكتاب تحرير النحو العربى، وقرارات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومعجم النحو للأستاذ عبد الغنى الدقر، وبعض الكتب والمراجع الأخرى بطبيعة الحال، وقد كانت هذه المراجع القليلة كافية تماما فى حدود المسائل النحوية العامة المطروحة فى هذا البحث الذى لا يدور حول "نُكَت" الإعراب بل عن بناء الجملة.
***
والآن، والكتاب يوشك على دخول المطبعة، لا أملك إلا أن أتذكر بكل امتنان أولئك الذين ناقشت معهم بعض أفكارى المتصلة بالنحو، خاصة بعد كتابة القسم الأساسى منه فى عام 1997، ولن يفوتنى التنويه بأن ابنتى هند خليل كلفت كانت القارئة الأولى لمواضع مهمة فى الكتاب، رغم صغر سنها فى ذلك الوقت، وقد استطاعت بمعجزة لا أفهمها أن تركز إلى درجة تدقيق وتصحيح بضع صياغات هنا وهناك، مسلَّحة بمنطق صارم تتميز به، كما أنه لن يفوتنى التنويه بكل من ساعدنى بطريقة أو بأخرى وفى مقدمتهم زوجتى هويدا نور الدين التى ساعدتنى وشجعتنى فى كل ما أنجزت خلال قرابة ربع قرن فى مجال التأليف والترجمة، ولن أنسى التشجيع الدائم الذى قدمته لى دائما ابنتى الصغرى عزة خليل كلفت. ولأن هند وعزة كانتا صغيرتين جدا وكانتا تملآن علىّ حياتى فإنه لا غرابة فى أنه كان لهما نصيب من الأمثلة النحوية طوال الكتاب على حين أن الأمثلة بجانبها الأكبر مستمدة من كتب النحو الشائعة التداول، باعتبارها الأمثلة المعتمدة فى كتب النحو العربى الحديثة.
***
وأخيرا وليس آخرا، يهمنى أن أعبر عن اعتزازى بصدور هذا الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة الذى ظل لفترة غير قصيرة مركزا لحرية الإنتاج الفكرى والبحث العلمى، رغم البيئة المحيطة، وإذا كان الفضل يرجع فى هذا إلى وجود المفكر والناقد الأدبى الكبير الدكتور جابر عصفور أمينا عاما له طوال أعوام ممتدة، فإن فضل ظهور هذا الكتاب من المجلس الأعلى للثقافة يرجع أيضا إلى موافقة هذا الرجل نفسه على نشره ضمن مطبوعات المجلس، رغم معرفته بوضوح أن الكتاب يمثل معارضة جذرية للنحو العربى التقليدى، فإلى الدكتور جابر عصفور أهدى هذا الكتاب، راجيا أن يسير المجلس على نفس الطريق الصعب للثقافة الجادة والحرية.
خليل كلفت
الحى المتميز، مدينة 6 أكتوبر، القاهرة الكبرى
8 ديسمبر 2008
      


مفهوم النحو
(مقدمة عن العلم وموضوعه (
 
يجرى التفكير فى النحو عادة على أنه يساوى تماما علم النحو، بنفس الطريقة التى يجرى بها التفكير فى الظواهر اللغوية الأخرى وكأن كل ظاهرة منها تساوى العلم الذى يدرسها ضمن العلوم اللغوية الأخرى. ويمكن القول إن هذا النحو من التفكير فى النحو والعلوم اللغوية الأخرى أفضى ويفضى وسيفضى دائما إلى أخطاء علمية وعملية قد تكون فادحة. ويمكن القول أيضا إن الخطأ الأول (وهو مصدر كل الأخطاء الأخرى) يتمثل فى أن هذا النوع من التفكير ينطلق من تجاهل حقيقة بسيطة يعرفها الجميع وهى أن اللغة موجودة قبل ظهور العلوم اللغوية وأن أصول هذه العلوم اللغوية موجودة فى اللغة وعندالناطقين بها قبل أن تظهر هذه العلوم، التى انطلقت على أساس استقرائى حيث أخذت تعمل على "جمع" كل ما اشتملت عليه هذه اللغة أو تلك من "تصنيفات" وهى تصنيفات قائمة فى وعى جماعة الناطقين بها، هذه الجماعة التى هى ليست فقط واعية بهذه التصنيفات بل إنها هى التى ابتدعتها بصورة جمعية تاريخية منذ ظهور الإنسان الكرومانيونى (أىْ الإنسان العاقل العاقل أو العارف العارف homo sapiens sapiens أو الإنسان كما نعرفه اليوم) منذ قرابة مائة ألف سنة وفقا لإحدى النظريات، أو أكثر أو أقل وفقا لنظريات أخرى، بالاستناد بالطبع إلى تاريخ طويل أسبق صنع فيها الإنسان نفسه ولغاته السابقة على اللغة كما نعرفها اليوم.
وإذا كانت العلاقة بين اللغة والعلم اللغوى مماثلة من الناحية الجوهرية للعلاقة بين كل علم ومجال بحثه، مثلا بين الكيمياء وعلم الكيمياء، باعتبار أن هذا العلم الكيميائى يبحث هذه الظاهرة الكيميائية تماما كما يبحث هذا العلم اللغوى هذه الظاهرة اللغوية، فإن هناك اختلافا جوهريا بدوره بين العلوم التى تدرس الطبيعة وتلك التى تدرس الحياة الاجتماعية والفكرية واللغوية إلخ... للبشر. ويتمثل هذا الاختلاف فى أن ظواهر الطبيعة خالية من الوعى وبالتالى خالية من التصنيف الذاتى لمختلف نواحيها وعناصرها. ولهذا يستقرئ العلم ظواهر الطبيعة معتمدا على أدواته وحدها لدراسة طبيعة غير واعية بذاتها. إن الطبيعة لا تمنح العلم أسرارها وتصنيفاتها لأنها لا تعى بها وليست هناك لغة مشتركة بينها وبين العلماء. غير أن العلم تطورىّ، فهو يعتمد إذن على تاريخ طويل من محاولات العلم فى مختلف مراحل تطوره. وهذه الأسرار والتصنيفات والمفاهيم التى تدور حول الكيمياء أو الفيزياء أو البيولوچيا أو الرياضيات يكتشفها البشر بالتدريج، حتى منذ مراحل بدائيتهم، ويرثها جيلٌ بعد جيل، ويبرز بينهم أشخاص يرتبط ذكاؤهم ببحث هذه الظاهرة الطبيعية أو الاجتماعية أو تلك، ببحث الفيزياء أو الكيمياء أو المجتمع، ليشكلوا تاريخا تطوريا يستغرق آلاف السنين وعشرات آلاف السنين ومئات آلاف السنين. وعندما نشأت العلوم بألف لام التعريف، أىْ العلوم دون أوصاف أخرى، فى الآلاف الأخيرة من تاريخ البشر، فقد انطلقت من وراثة تلك الجهود العلمية التطورية الطويلة للبشر و"للعلماء" منهم، بالاعتماد على ممارسة البشر طوال التاريخ وما قبل التاريخ وما قبل ما قبل التاريخ. وفى الآلاف الأخيرة من السنين هناك علم العصور القديمة، وعلم العصور الوسطى، وعلم العصر الحديث، أىْ العلم الحديث. وعلى هذا فإن العلم الحديث لم يقف أمام الطبيعة وظواهرها، أمام فيزيائها وكيميائها إلخ...، عاريا، مجردا من كل الأدوات باستثناء ذكائه المباشر. ذلك أن هذا الذكاء المباشر، الذى تسلح به العلم الحديث، ليس إلا الثمرة الناضجة لتاريخ وما قبل تاريخ العلم. وقد تسلَّح بكل ثمار ذلك التطور الطويل، منطلقا من تصنيفاته ومفاهيمه واستنتاجاته كفرضيات للبحث.
وباختصار فقد تسلَّح العلم الحديث بمنجزات ماقبل تاريخه ولكنْ أمام الطبيعة وظواهرها العمياء الصماء البكماء التى لا تقول شيئا بنفسها وإنْ كانت تعرض نفسها للفهم أمام الممارسة وأمام البحث العلمى، وبدون هذا الفهم، بدون فهم الإنسان العادى للطبيعة فى ممارسته التطورية وبدون فهم العلم للطبيعة من خلال بحثه التطورى، تستحيل كل ممارسة بشرية، أىْ كل حياة بشرية بكل جوانبها، ويستحيل كل علم.
ورغم تماثل العلاقة الجوهرية بين الطبيعة والعلم مع العلاقة الجوهرية بين اللغات (وغيرها من ظواهر الحياة البشرية من حيث هى كذلك) والعلوم اللغوية (وغير اللغوية) التى تدرسها، فإن الأمر يختلف تماما، بعد ذلك. فالبشر يعيشون حياتهم واعين بها، بكل جوانبها، بما فى ذلك الوعى بلغاتهم، وإنْ كان كل هذا وعيا مشروطا تاريخيا؛ إذْ تقرره مرحلة التطور الاجتماعى التى جرى بلوغها، وتحفزه أو تشوهه الأيديولوچيات، وتزرع فيه صراعات المصالح الاجتماعية المتعارضة تناقضاتها.
ولا مجال هنا لمناقشة قضية: الوجود الاجتماعى والوعى الاجتماعى أيهما أسبق؟ ويكفى هنا أن أشير إلى أن الوجود الاجتماعى مستحيل بدون الوعى الاجتماعى مهما كان نوع أو مستوى أو مرحلة هذا الوجود أو هذا الوعى، ذلك أن الإنسان الذى هو بحكم التعريف كائن لا يفارقه وعيه الصحيح أو الناقص أو المشوَّه أو الزائف، هو الذى يصنع وجوده الاجتماعى ووعيه بالنفس والمجتمع والكون، ويصنع بكل وعى حياته بكل جوانبها بمنجزاتها وتناقضاتها وكوارثها، فى إطار الطبيعة التى تواجهه كمعطى ليس من صنعه إلا أنه يعطى نفسه لتفاعل الإنسان معه لاستخدامه لمصلحة حياته، وفى إطار المجتمع الذى يواجهه – رغم أنه من صنعه بصورة تاريخية – كشرط كأنه طبيعى يتفاعل معه ويغيِّره ويحوِّله ولكنْ لا يسيطر عليه لمصلحة الإنسان إلا فى المجتمع المتقدم اجتماعيا والمتقدم تكنولوچيًّا، إلا فى المجتمع اللاطبقى، كما أن الإنسان يصنع كل علومه ومنها العلوم الإنسانية واللغوية فى الإطارين المذكورين، الطبيعة والمجتمع، كما يصنع لغته أو لغاته ضمن هذه الشروط الموضوعية ولكنْ القابلة دوما للتعديل والتحويل وفقا لهذه المرحلة أو تلك من مراحل تطور الإنسان.
ورغم الاشتراك مع كل ظاهرة وكل علم فى علاقة العلم بمجال بحثه، باعتبارها علاقة تبدأ بالبحث الاستقرائى، ورغم الاشتراك مع ظواهر الحياة الاجتماعية وعلومها فى الوعى الذى يجعل هذا الاستقراء لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ بمنجزات استقراء الممارسة و"العلم" طوال التاريخ وما قبل التاريخ، إلا أن اللغة تختلف أيضا حتى عن العلوم الإنسانية الأخرى.
وسأضرب الآن مثلا لإيضاح خصوصية العلوم اللغوية، وبالأخص علم النحو، فى هذا المجال. عندما يدرس عالم الذرة فى العصر الحديث الذرة أو نواة الذرة أو الپروتون أو الجزيئ فإنه لا يملك لغة للتخاطب مع هذه العناصر أو مع الظواهر الكيميائية ككل، فهى جميعا بكماء، وهذا العالم لا يبدأ من الصفر بل يبدأ من منجزات العلوم عند الإغريق والعرب وغيرهم قبلهم وبعدهم، وقد منحته هذه المنجزات أحدث أدوات بحثه، ولا مجال هنا لوعى غير وعى العلم طوال تاريخه ووعى الممارسة اليومية للبشرية طوال تاريخها. وهنا يتعامل الوعى العلمى مع الظاهرة الكيميائية غير الواعية بنفسها وغير القادرة على الحديث عن خصائصها وعناصرها رغم استعدادها لمنح أسرارها كما سبق القول لأدوات البحث. ورغم أن العلم يعتمد هنا على الوعى التراكمى بالظاهرة الكيميائية، أىْ على وعى البشر بها، إلا أن الوعى ليس عنصرا ماثلا فى جوهر الظاهرة، ولم يسهم فى صنع الظاهرة، على العكس من الظواهر الاجتماعية والفكرية واللغوية التى يشكل الوعى عنصرا ماثلا فى صميمها وليس فى مجرد الوعى بها، فالاقتصاد من صنع أشياء منها الوعى، والوجود الاجتماعى بأكمله من صنع أشياء منها الوعى، وكلها من صنع الإنسان بوعيه الصحيح والزائف فى إطار معطى من الطبيعة والمجتمع. أما الظاهرة اللغوية فهى من صنع الإنسان بوعيه، وبالطبع بأشياء أخرى، منها المخ البشرى، ومنها الفيزياء أىْ الوسط الذى تنتقل فيه الأصوات اللغوية للبشر، ومنها الحياة الاجتماعية التى تعبر عنها اللغة، فاللغة إذن من صنع الإنسان، والوعى ماثل فى صميمها، ففيم تختلف عن الظواهر الاجتماعية الأخرى التى يسهم الوعى فى وجودها وتطورها؟
تختلف اللغة عن غيرها من الظواهر الاجتماعية فى أنها أداة التعبير عن كل مناحى الحياة، من الحياة اليومية، إلى الأدب، إلى العلوم الاجتماعية، إلى العلوم الطبيعية التى تصل مستوياتها المعقدة إلى لغة الرموز المشتقة بطبيعة الحال من اللغة الطبيعية (أىْ اللغة كما ننطقها ونكتبها ونقرأها). ولأن اللغة هى لغة الحياة ولغة كل علم فقد كان من المنطقى أن تكون المسافة بين خصائصها الموضوعية واستيعابها من جانب الناطقين بها أقصر من المسافة بين كل علم طبيعى ومجاله، وحتى كل علم اجتماعى ومجاله. أىْ أن مدى وضوح المفاهيم والتصنيفات التى تنطوى عليها اللغة الطبيعية (الموضوعية، الجمعية) يجعل المسافة بين العلم (اللغوى) وموضوع بحثه (اللغة) مسافة قصيرة للغاية، وهى مسافة قصيرة ليس فى العلم فقط، بل حتى فى ممارسة الحياة اليومية بين الناطق العادى بلغة وبين مفاهيمها وتصنيفاتها. ذلك أن اللغة تغدو مستحيلة، كما يغدو التفاهم مستحيلا، إذا لم تكن مفاهيمها وتصنيفاتها واضحة وبديهية وجاهزة لدى كل ناطق بلغة من اللغات. وإذا كانت اللغة تتكون من كلمات موجودة فى المعجم الجمعى الموضوعى وتتكون من جمل تتكون من تلك الكلمات بطريقة معلومة لبناء الجملة، فإن المعرفة الواضحة بالكلمات وطرق بناء الجمل منها شرط ضرورى للتفاهم بين أفراد كل جماعة بشرية فى كل نواحى حياتهم وبصورة متواصلة (ربما باستثناء حالة روبنسون كروزو فوق جزيرته). فإذا لم يعرف الناطق بلغة معانى الكلمات التى يستخدمها ولا طريقة بناء جمل منها فإنه سيكون عاجزا عن التعامل، وبالتالى عن الحياة، مع البشر، وإذا عجزت الجماعة اللغوية بأسرها عن فهم الكلمات وبناء الجمل فقد عجزت عن الحياة. غير أن اللغة ليست مجرد كلمات (يدرسها علم الصرف وعلوم أخرى) وليست مجرد بناء للجمل (يدرسه علم النحو بالمعنى الدقيق syntax) بل هناك أسلوبيات وبلاغيات وخصائص لا حصر لها تدرسها علوم لغوية لاحصر لها، غير أن الناطقين بلغة يدركونها بمستويات تتناسب مع مراحل التاريخ ومع قدرات الأفراد. على أن البحث اللغوى قد يرتفع إلى مستويات قد لا يفهمها إلا علماء اللغة ودارسوها، وهذا يصدق على كل علوم اللغة بدرجات مختلفة ومنها النحو ذاته، أو النحو بالذات.
ولنقارن الآن باستخدام مثلين بسيطين بين الاقتصاد والنحو، كما يتعامل معهما مجتمع لم يصل بعد إلى مرحلة بالغة النضج من مراحل تطوره، ولم يصل بعد بالتالى إلى العلم البالغ النضج.
فى اقتصاد سلعىّ (وليكن قديما وسابقا على الرأسمالية) يفهم كل إنسان ما هى السلعة ويتعامل فى السوق مع السلع، غير أن المسافة بين فهمه سواء أكان شخصا عاديا أم باحثا اقتصاديا للسلعة وبين مفهومها العلمى الصحيح لن تكون مسافة يمكن تجاهلها أو اعتبارها قصيرة بحال من الأحوال. والآن: يستخدم شخص عادى جملة من فعل وفاعل ومفعول، فهل تراه يخلط بين الفاعل والمفعول، أو يخطئ فى معرفة زمن الفعل أو لزومه أو تعديه؟ إن المسافة بين تصور هذا الشخص العادى للفاعل مثلا وبين المفهوم الصحيح قد تصل إلى الصفر. لماذا؟ لأنه بدون هذه المفاهيم والتصنيفات الأولية لن يستطيع هذا المرء الكلام مع أحد ولا حتى مع نفسه. وهنا يحدث تطابق حقيقى بين العلم ومجاله، بين المفهوم وواقعه، وإلا ضاعت اللغة وضاعت معها إمكانية التعبير عن مختلف نواحى الحياة وكذلك إمكانية التعبير عن مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية. ورغم المسافة القريبة بين اللغة وعلم اللغة إلا أن هذا لا يعنى أن العلم غير ضرورى، بل إن من الضرورى أن يحاول العلم دوما أن يقطع هذه المسافة التى تظل على قربها قائمة ومفتوحة. وتظل هناك حاجة دائمة إلى قيام العلم بتطوير المفاهيم والتصنيفات التى تنطوى عليها اللغة والتى يعرفها كل ناطق بها. إن العلم يرفع وعى الجماعة اللغوية بلغتها إلى مستويات أخرى جديدة من الصقل والتمفصل واكتشاف العلاقات الأكثر تعقيدا، بالإضافة إلى ما لا يمكن أن تصل إليه جماعة لغوية من وعى، وهو الوعى بالعلاقات بين اللغات، والوعى بالأصول المشتركة بينها، والوعى بالخصائص العامة للغة والتى لا يمكن رؤيتها عند البقاء داخل نطاق لغة واحدة أو داخل مجموعة صغيرة من اللغات. كذلك فإن العلم هو الذى يصون ويطور الذاكرة اللغوية للجماعة اللغوية بدراسة ظواهرها من حيث تطورها التاريخى، ونشأتها من لغات أخرى، ومختلف المؤثرات اللغوية التى استقبلتها، والمراحل التى مرت بها، واتجاهاتها المستقبلية المحتملة، وباختصار فإن العلم يقوم بإحلال الوعى العلمى محل الوعى التلقائى، وبدون إحلال الوعى العلمى وتطويره بصورة متواصلة تستحيل أشياء كثيرة ليس أقلها شأنا فى هذا العصر تهيئة اللغات لتقنيات معالجة المعلومات حاسوبيًّا.
لقد أشرت منذ قليل إلى أن مفهوم الفاعل مثلا فى الوعى النحوى التلقائى يتطابق أو يكاد مع المفهوم الصحيح الذى يمكن أن يقدمه علم النحو الناضج. كما أن هذا الوعى التلقائى أو الجمعى هو المعيار الذى يساعد علم النحو على معرفة صدق أو زيف مفاهيمه. غير أن العلم يجرى إنتاجه ضمن شروط اجتماعية وتاريخية قد تكون مواتية وقد تكون غير مواتية لتوفيقه ونجاحه. ورغم أن المسافة بين الوعى قبل العلمى والوعى العلمى قد تصل، كما سبق القول، بالنسبة لبعض المفاهيم اللغوية، فى النحو على وجه الخصوص، إلى الصفر، فإن من المفارقات أن تؤدى الشروط الاجتماعية لإنتاج النحو إلى تخلف هذا العلم فى كثير من الأحيان عن الوعى النحوى قبل العلمى. وعندما يستقرئ عالم النحو مكونات الظاهرة النحوية فإن استقراءه قد يكون غير مكتمل، ولأن الاستقراء لا يكون منفردا فإن هناك مجالا واسعا لتدخل الأفكار المسبقة التى قد تسير بالاستقراء فى اتجاهات بعيدة عن الصواب. إن العالم النحوى لا يذهب للبحث عن الحقيقة النحوية طارحا عنه كل فكر مسبَّق بل يذهب باستنتاجات سابقة وبتصورات وأيديولوچيات قد تكون غريبة على علم النحو، وقد تكون غريبة على كل علم. وكما مرّ علم الكيمياء بمراحل سيميائية باحثا عن حجر الفلاسفة، وكما طمست علوم اجتماعية حقائق الاجتماع البشرى وقدمت تفسيرات أسطورية فى كثير جدا من مراحل العلم إلى يومنا هذا، مرّت العلوم اللغوية، والنحو بالذات، بمراحل شهدت ضغوطا أيديولوچية لا نهاية لها على الاستقراء واستنطاق الظواهر اللغوية العينية. وبدلا من أن يخلع عنه كل فكر مسبَّق، تسلّح علم النحو، فى كثير من اللغات، فى كثير من الأحيان، إلى جانب أدوات البحث الحقيقى، بأوضاع وأفكار وأيديولوچيات ونظريات أقحمها على العلم، وكانت النتائج المنطقية منجزات علمية حقيقية تشوِّه الكثير منها أنواع وأشكال من الوعى الزائف تعكس مقتضيات المصالح الاجتماعية والأيديولوچيات والفلسفات وليس مقتضيات البحث العلمى. ومن المنطقى بالتالى، كما نرى فى تاريخ النحو العربى، أن تتحقق خطوات كبرى إلى الأمام مطعونة بخطوات أخرى إلى الوراء. وهى خطوات إلى الوراء ليس فقط بالقياس إلى طموح العلم الجديد بل أيضا بالقياس إلى المنطق الكامن فى النحو الجمعى، الذى هو فى نهاية المطاف المعيار الحقيقى والمرجع النهائى. ذلك أن اللغة كما تستخدمها الجماعة اللغوية هى الأصل والمرجع، وهى بالتالى معيار قياس نجاح العلم اللغوى أو فشله.
ولكى أميِّز فى هذا السياق النجاح من الفشل من جانب علم النحو العربى مثلا بالنسبة لبعض مفاهيم هذا النحو، سأشير باختصار إلى أمثلة قليلة وإنما سيأتى أوان النقاش التفصيلى فى تضاعيف فصول الكتاب. فلنأخذ مفهوم الفاعل الذى أشرنا إليه منذ قليل، وهو مفهوم بسيط مباشر فى استخدام الجماعة اللغوية، فهو من ناحية "مَنْ قام بالفعل أو قام به الفعل" (كما علمنا النحو العربى) وهو من ناحية أخرى مَنْ/ ما جرى إسناد الفعل إليه، وبدون هذا ما كان هناك تفاهم، فربما أعدموا المقتول الميت ودفنوا القاتل الحىّ لو لم يكن مفهوم الفاعل واضحا جليا بسيطا مباشرا، فماذا فعل النحو العربى؟ أولا اكتشف مفهوم الفاعل أو أعاد اكتشافه أو أقرّ هذا المفهوم عند الناس، وكل هذا فضل لهذا العلم، غير أنه سرعان ما قام بتشويه كل ذلك إذ قال النحاة إن الفاعل يتقدمه فعله، وهكذا فبعد أن كان "القاتل" فى جملة من فعل وفاعل ومفعول به، مهما كان ترتيب هذه العناصر أو الوظائف النحوية، هو الفاعل فى كل الأحوال، سواء تقدمه فعله أو تأخر عنه أو سبقه ناسخ، جرى تعقيد مفهوم الفاعل فالقاتل (الفاعل هنا) يكون فاعلا إذا تقدمه فعله، ويكون المبتدأ إذا سبق القاتل الفعل، ويكون اسما للناسخ، وهنا جرى اختراع مسميات متعددة تشكل القسم الأكبر مما يسمى بمرفوعات الأسماء لمن قام بالفعل حقا وصدقا بدلا من المسمى الوحيد الجدير به، وليكن المسند إليه، وليكن الفاعل، وليكن ما يكون. ليس هذا فقط بل كانت هناك خطوة أخرى بدت منطقية: التمييز بين جملة بدأت بالاسم وأخرى بدأت بالفعل، وبالتالى الخطأ النحوى الذى انفرد به النحو العربى والنحو فى بعض اللغات التى تأثرت به كالقبطية والفارسية وهو تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية دون أىّ سند من اللغة العربية كما استخدمتها الجماعة اللغوية. ومع جملة مثل "الكتاب مفيد" لم يقدم النحو الجمعى قبل العلمى ما يفيد أن كلمة "مفيد" خبر للمبتدأ؛ إنه مرفوع حقا ولكنْ هل هو الخبر؟ أجاب علم النحو العربى بأنه هو الخبر دون غيره، وهنا ضاع مفهوم الخبر، وبخطوة أخرى جرى اختراع أنواع من الخبر، وبخطوة ثالثة قيس ما يسمى برفع الخبر بكل "أنواعه" على رفع ما يسمى بالخبر المفرد، وبخطوة رابعة جرى اختراع ما يسمى بالرفع المحلى لغير ما يسمى بالخبر المفرد. وهذه ظاهرة خاصة بفعل الكينونة بالذات وفى المضارع المثبت بالذات، كما سوف نرى، وبالتالى فإن فعلا واحدا فى حالة واحدة ضلل النحو العربى فقاده إلى اختراع رفع الخبر، واختراع أنواع للخبر، واختراع الرفع المحلى، ونتج عن هذا التمييز بين المبتدأ والفاعل اختراع ما يسمى الضمير المستتر وتقديره ورفعه رفعا محليا أيضا. وليس هذا فقط: لأن الجملة "بدت" دون فعل عمليا ولأن كلمة "مفيد" ماثلة هناك، ولأنه "يبدو" أن المنطق يقول إن ما يسمى بالجملة الاسمية تتكون من مبتدأ وخبر، فقد جرى زعم أن كلمة "مفيد" خبر، واستطاع هذا المفهوم الخاطئ للخبر أن يسود وأن يهمِّش ويسحق مفهوما رائعا من مفاهيم النحو العربى هو مفهوم "مُتعلَّق الجارّ والمجرور" الذى يقول بأن هناك محذوفا يصنع الخبر مع كلمة "مفيد"، وكان من شأن صقل وتطوير مفهوم "مُتعلق الجارّ والمجرور" أن ينقذ مفهوم الخبر ومفهوم الجملة ليس فى النحو العربى وحده بل كذلك أيضا فى النحو الأوروپى (الإنجليزى والفرنسى مثلا) من مفاهيم ظلت خاطئة بشأن الخبر إلى وقت قريب جدا، أىْ إلى أن اكتشفت الثورة النحوية الجديدة فى العقود الأخيرة فى النحو الإنجليزى مثلا أن الخبر هو كل ما يرد فى الجملة من غير المسند إليه، وهذا ما يجعل الخبر مفهوما غير قابل للإعراب أصلا، لأنه لا يكون كلمة واحدة إلا إذا كان فعلا واحدا غير رابط، كما سنرى. أىْ أن النحو العربى توصَّل فى وقت ما إلى مفهوم نحوى ناجع عن الخبر كان من شأنه أن يفيد النحو فى اللغة العربية وغيرها من اللغات، غير أن الاتجاه النحوى السائد سحق هذا المفهوم. كذلك فإن نشأة النحو فى زمن ساد فيه اللحن الإعرابى، والخوف منه ومن سقوط الإعراب الذى أدى إليه على اللغة والدين، أفضت إلى رفع الإعراب من أداة ضرورية لكل نحو فى أىّ لغة، وليس فى اللغة العربية فحسب، فى بعض مراحل تطورها، إلى مستوى النحو ذاته وبالتالى النظرة الخاطئة التى جعلت النحو علما لأحوال الإعراب (وهذا هو ما يردده النحو العربى ومجمع اللغة العربية بالقاهرة وغيره من مجامع اللغة العربية إلى يومنا هذا) بدلا من أن يكون النحو علم بناء الجملة، يبحث الجملة من حيث ما تشتمل عليه من وظائف وعناصر نحوية هى لبنات بنائها. ويعنى هذا أن النحو العربى يدور حول إحدى أدواته الفرعية المتمثلة فى الإعراب، رغم أهميته التى لا جدال فيها إلا فى حالة إسقاطه من جانب الجماعة الناطقة باللغة العربية، وفى حدود هذا الإسقاط (القرن الثانى الهجرى فى الأمصار والقرن الرابع الهجرى فى البادية)، مع الاحتفاظ بالإعراب فى مجال الثقافة الرفيعة والعلوم والدين إلى يومنا هذا.
ورغم المفهوم الخاطئ عن النحو باعتباره علم أحوال الإعراب فإنه لا أحد يستطيع أن ينكر منجزات النحو العربى باعتباره علم بناء الجملة. فقد بلور هذا النحو وطور مفهوم الجملة، رغم خطأ تقسيمها إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ورغم خطأ إعراب ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية والجملة الفعلية وما يسمى بالخبر شبه الجملة، وبلور هذا النحو وطور مفهوم المسند إليه باعتباره مَنْ/ ما أسند إليه الفعل، رغم أنه أغرق مفهوم المسند إليه لينجرف تحت فيض مما يسمى بمرفوعات الأسماء أىْ المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم إن وأخواتها واسم كان وأخواتها واسم أفعال المقاربة والشروع، ورغم أنه فصل بين الفاعل ونائب الفاعل فى المبنى للمجهول رغم أنه يدخل ضمن مفهوم المسند إليه، مع أخذ خصوصيات كل من هذه "المرفوعات" فى الاعتبار من حيث الإسناد بين تقدم الفعل على المسند إليه أو تأخره عنه، ومن حيث إن الفاعلية النحوية للمسند إليه لا تعنى الفاعلية الحقيقية بل يمكن أن يكون المتأثر بالفعل هو المسند إليه أو الفاعل رغم أنه بمثابة المفعول به من حيث المعنى مثل فاعل الفعل اللازم "غَرِقَ" أو نائب فاعل الفعل المبنى للمجهول "قُتِلَ". والنحو العربى هو الذى بلور وطور مفهوم الخبر رغم أن أخطاءه فيما يتعلق بالخبر فاقت كل أخطائه الأخرى ليس فقط بالقول بإعراب الخبر، بل أيضا من حيث تحديد مفهوم الخبر، وبالتالى اعتبار ما يسمى بالخبر المفرد خبرا فى جمل الكينونة المحذوفة فى المضارع المثبت مع أنه حَذْف يعود إلى نوع من الاقتصاد اللغوى اعتمادا على حالة الكون العام، ومع أن المحذوف جزء من الخبر، كما أن هذا النحو أخطأ فى تقدير "أنواع الخبر" أىْ الخبرالجملة وشبه الجملة فلم يعرف أين يكون الخبر حقا فى هذه الجمل ومن هنا أدخل الإعراب المحلى أو قام بتوسيعه، ولم يأخذ هذا النحو بفكرة أن كل ما تشتمل عليه الجملة من غير المسند إليه هو الخبر وفتح الباب أمام تصورات غريبة مثل العمدة والفضلة والمتعلقات، وهذه الفضلة هى التى صارت مكملات لدى مجمع اللغة العربية بالقاهرة حتى فى عهده الذهبى بقيادة طه حسين برعايته للبحث الحر وإبراهيم مصطفى من الناحية النحوية، هذا المجمع الذى أخذ فكرة الفضلة من النحو العربى وفكرة المكملات، أىْ نفس الشئ، من النحو الفرنسى الذى ارتكب تاريخيا نفس خطأ النحو العربى. كما بلور النحو العربى وطور مفهوم الفعل ولزومه وتعديه وأزمنته، رغم ما قيل من أن الإعراب أصل فى الأسماء فرع فى الأفعال كما أن الصرف أصل فى الأفعال فرع فى الأسماء، وذلك لأن عدد حالات تصريف الفعل الواحد يفوق كثيرا عدد حالات تصريف الاسم الواحد، وهذا هو ما يخصّ الصرف، ولأن إعراب الفعل يكاد يكون غائبا ويكاد يكون لا معنى له لأنه لا يؤثر فى المعنى. غير أن هذا التصور ساعد على ابتعاد النحو عن الدوران حول الفعل لأن لزومه أو تعديه إلى مفعول أو مفعولين بالإضافة إلى خصائص أفعال مثل كان وأخواتها هى أساس بناء الجملة وأساس تحديد نماذجها: مثلا نموذج جملة كان وأخواتها أىْ نموذج المسند إليه مع كان وأخواتها مع إضافة متمم المسند إليه، ونموذج جملة الفعل اللازم، ونموذج جملة الفعل والمسند إليه والمفعول به، ونموذج جملة أعطى وأخواتها أىْ نموذج المفعولين، ونموذج جملة ظن وأخواتها أىْ نموذج المفعول به الواحد مع إضافة متمم المفعول المباشر، ونموذج جملة أعلم وأرى وأخواتهما أىْ نموذج المفعولين (أعطى وأخواتها) مع إضافة متمم المفعول المباشر، وفقا لخصائص الأفعال، وهنا ظهرت أساطير مثل اعتبار أن أفعال ظن وأخواتها تتعدى إلى مفعولين لمجرد أنها يمكن أن تنصب لفظتين إحداهما المفعول به، ومثل اعتبار أن أفعال أعلم وأرى وأخواتهما تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل رغم أن هذه الأفعال هى ذات أفعال أعطى وأخواتها مع إضافة "منصوب ثالث" يمكن القول إنه متمم المفعول به المباشر تماما كما أن "المنصوب الثانى" مع أفعال ظن وأخواتها هو متمم المفعول به الوحيد فى هذا النموذج وهو مفعول به مباشر (وسيأتى الحديث عن متمم الفاعل أو المسند إليه ومتمم المفعول به المباشر فى المكان الملائم من هذا الكتاب). كذلك فإن النحو العربى هو الذى بلور وطور مفهوم المفعول به (المباشر) والمفعول به (غير المباشر) الذى هو "مستلِم" المفعول به المباشر (ويقابل تعبير "المستلِم" فى النحو العربى، تعبير recipient فى النحو الإنجليزى)، فعندما يعطى محمود عليًّا كتابا فإن "كتابا" هو المفعول به المباشر و "عليًّا" هو المفعول به غير المباشر، "مستلِم" أو recipient المفعول به المباشر، وهذا رغم أن هذا النحو لا يتعرَّف على المسند إليه فى هذا المفعول به عندما يتحول إلى نائب الفاعل فى المبنى للمجهول.
وإذا اعتبرنا أن عناصر الجملة هى المسند إليه (أو الفاعل)، والفعل، والمفعول به المباشر، والمفعول به غير المباشر (ويمكن أن نسميه أيضا المفعول إليه)، ومتمم المسند إليه، ومتمم المفعول به المباشر، فإن النحو العربى هو الذى اكتشف وجود هذه العناصر فى النحو العربى الجمعى قبل العلمى كما أنه بلورها وصقلها وطورها استقرائيا رغم التشويه الذى لحق بالكثير منها، وهذا ما يقرّ به كثير من النحاة المحدثين الذين حاولوا إصلاح هذا النحو.
وهذا يعنى باختصار أن النحو العربى بالمعنى الدقيق كان منذ الخليل ابن أحمد، وعلى أيدى كل علماء النحو، علم بناء الجملة العربية وليس علم أحوال الإعراب كما قيل، وهذا رغم الأخطاء التى شوهت مفاهيم عناصر بناء الجملة ومفهوم الجملة ذاتها، وكذلك رغم دوران علم النحو العربى حول الإعراب بحكم ظروف نشأته التى ساد فيها اللحن الإعرابى والخوف من نتائجه على اللغة والدين كما سبق القول.
على أن دوران النحو حول الإعراب كانت له، رغم منجزاته فى مجال بناء الجملة، أضرار فادحة على مدى التركيز على الجملة وعناصر بنائها بصورة أدت إلى ضمور هذا البحث النحوى الذى هو جوهر النحو، كما أدى تقديس نحو النحاة إلى استعباد علماء النحو جيلا بعد جيل، فلم يكن أمامهم سوى تسويد جبال من الورق ببحار من الحبر ليكرروا بصورة متواصلة، جيلا بعد جيل، نفس ما قيل فى القديم دون اجتهاد حقيقى[i]. فالنحو الذى نشأ باعتباره مدافعا عن اللغة والدين وحارسا لهما ضد اللحن وأخطاره كان من المنطقى أن يفرض ديكتاتوريته وديكتاتورية علمائه، هذه الديكتاتورية التى كانت بحاجة لكى تتواصل إلى أن تمنع الاجتهاد وأن تستعبد علماء النحو أنفسهم، كما يفعل كل منع للاجتهاد، وكل قمع لحرية البحث العلمى. وهكذا فلكى يستمر العلماءُ، سدنةُ النحو، سادةً للنحو كان لا مناص من أن يرتضوا بأن يكونوا عبيدا للنحو، وصارت مهمتهم حراسة نحو النحاة بعيدا عن النحو الحى فى اللغة الحية بل ضد هذا النحو رغم أنه الأصل الحقيقى والمرجع النهائى لنحو النحاة.
وكانت النتيجة المنطقية لكل ذلك هى انفصال النحو عن الحياة، وعن لغة الحياة (وأنا لا أقصد ما يسمى بالعامية ولا أعنى إسقاط الإعراب بل اللغة بكل مستوياتها كما تستخدمها الجماعة الناطقة بها)، ويؤدى انفصال النحو عن لغة الحياة وتعاليه عليها مع إقفال كل باب للاجتهاد إلى خلق وَهْم مؤداه أن النحو علم علوىّ لا يتصل بالجماعة اللغوية ولا يحتاج إلى العودة المتواصلة إليها.
ويحتاج علم النحو إلى العودة إلى النحو الجمعى لسببين على الأقل، من ناحية لتصحيح مفاهيمه الأصلية كلما أدرك علم النحو أن هناك ما يدعو إلى إصلاح أسسه ومفاهيمه أو حتى فرعياته وتفريعاته، لأن علم النحو هو ابن زمانه ويدعوه تقدم العلم بوجه عام إلى تطوير نفسه لأن من الصعب تماما أن "يبدأ" علم النحو بمفاهيم صحيحة بصورة مطلقة. ومن ناحية أخرى، وهذا هو السبب الآخر، لا تقف اللغة فى مكانها ولا يقف النحوالجمعى، المنطق الفعلى لتلك اللغة، فى مكانه. وعلى هذا يمكن أن نتصور أن يعمل علم النحو على متابعة واستيعاب التغيرات النحوية التى لا مناص من حدوثها إنْ لم يكن فى الأصول فعلى الأقل فى الفروع.
ولنتصورْ، رغم صعوبة هذا التصور، أن النحو العربى بدأ كاملا مكتملا، كعلم نضج واحترق كما قيل قديما، ولنتصورْ أن نضجه هذا كان باعتباره علم بناء الجملة وأنه توصل إلى مفهوم صحيح للجملة وإلى مفهوم صحيح عن عناصر أو مكونات الجملة وعن مرونة ترتيب عناصر الجملة فى نسق الإعراب وتقييد هذا الترتيب فى حالة إسقاط الإعراب (وهو البديل المنطقى والتاريخى الوحيد للإعراب فى كل لغة وليس فى اللغة العربية وحدها)، ولنتصورْ أنه توصل إلى اكتشاف كامل لأشكال تحقيق كل عنصر من عناصر الجملة وأنه اكتشف بالتالى الخريطة الكاملة النهائية لكل نماذج الجمل الممكنة.
فى هذه الحالة يمكن أن نتصور أن علم النحو لن يحتاج إلى إعادة النظر فى نفسه، فى أسسه ومفاهيمه، وأنه سيحتاج فقط إلى متابعة واستيعاب التطور النحوى فى الفروع والفرعيات. لماذا؟ لأن النحو الجمعى السليقى وعلم النحو المتطابق معه يتصفان بأنهما باقيان على حالهما ما بقيت اللغة على حالها وما بقى بناء الجملة على حاله. وهذه السمة المتمثلة فى البقاء الطويل الأمد للنحو ترجع إلى بساطة النحو وعلم النحو بالمقارنة مع الظواهر والعلوم اللغوية الأخرى. فالنحو هو أبسط نواحى اللغة، كل لغة، ومن هنا بقاؤه الطويل الأمد. والنحو الجمعى لا يتغير من الناحية الجوهرية، أىْ من حيث الجملة وعناصر بنائها، لأنه "محاكاة" مباشرة للحياة البشرية واللغة التى تعكسها، ومن هنا فإن النحو العلمى حقا لن يحتاج إلى تغيير نفسه متى تجسدت علميته فى بساطته وفى تطابقه مع النحو الجمعى. وفى بساطة النحو يكمن سرّ من أهم أسراره وهو أنه واحد فى كل اللغات، وكما قلت فى كتابات سابقة لى فإن النحو واحد كالبحر الواحد الوحيد على كل الأرض الذى نسميه بالبحر الأبيض هنا وبالبحر الأحمر هناك وبالبحر الأسود فى مكان ثالث وفى غيره بالمحيط الهادى وفى غيره ببحر العرب وفى غيره ببحر الصين. ومهما تحدثنا عن نحو عربى أو إنجليزى أو صينى فإن النحو فى كل اللغات واحد وحيد، فهو يتمثل دائما فى الجملة وبنائها من عنصر المسند إليه وعناصر المسند وهذا المسند قد يتكون من معظم أو بعض العناصر المستعملة فى بناء الجملة غير المسند إليه وهى عناصر الفعل، والمفعول به المباشر، والمفعول به غير المباشر، ومتمم المسند إليه (مع الفعل الرابط copula)، ومتمم المفعول به المباشر (مع أفعال ظن وأخواتها أو مع أفعال أعلم وأرى وأخواتهما وهى أفعال أعطى وأخواتها ذاتها بإضافة المتمم).
وهذه العناصر حتمية فى اللغات ولهذا فإن نماذج الجمل أو نماذج الأفعال كما تسمى أيضا تظل هى هى فى كل اللغات فيما يبدو وفى اللغات القريبة منا كالأوروپية بكل تأكيد. صحيح أن أشكال تحقيق كل عنصر قد تختلف فى بعض الفرعيات غير أن الحقيقة هى أن النحو واحد وحيد فى كل اللغات بل فى كل لغة بشرية متطورة ممكنة فى كل عالم من العوالم الممكنة فى هذا الكون الشاسع.
لماذا؟ لأن الحياة البشرية المتماثلة تعبر عنها لغات بشرية متماثلة تشتمل على نحو واحد، رغم المفردات المختلفة للأسماء المختلفة لهذا النحو وللجملة وعناصرها باختلاف اللغات.
فهل تحتاج وحدة حياة البشر، أو تماثلها، بقدر ما تنعكس فى اللغات، إلى محاولة إثبات؟ لا أعتقد هذا ولكننى سأوضح الآن ما أعنيه.
يعيش البشر حياة مترابطة النواحى والحلقات وتواجههم حياتهم ببيئتها الطبيعية والاجتماعية بآلاف وعشرات الآلاف من الأشياء: المأوى الذى يعيشون فيه، والجبل الذى قد يكون خلفه، والبحر أو النهر الذى قد يجرى أمامه أو على مبعدة منه، وهناك بشر وحيوانات ونباتات وحشرات، وهناك نجوم فى السماء وشمس وقمر، وهناك حرّ وبرد. هناك صفات من ألوان من الأصفر والأخضر والأحمر وغير ذلك ومن الأطوال والأحجام والكبر والصغر ومن الطباع من شراسة ووداعة. إذن هناك أشياء لا حصر لها وصفات لا حصر لها. ويسمى الناس هذه الأشياء بأسماء هى كلمات ويعطون للصفات كلمات ويأخذون فى اعتبارهم النوع والعدد وغير ذلك، وهم يمارسون أنشطة كما يرون ما يقع للأشياء، فهم يأكلون ويشربون ويرون ويعرفون ويجهلون وهم يرون الماء يجرى والشمس تشرق وتغيب والنجوم من بعيد تلمع ويرون الطير يطير والزواحف تزحف. ويدرك الناس أن لديهم أسماء للأشياء والمشاعر وأن لديهم صفاتٍ وأوصافا تتميز من الأسماء، ويدركون أن للكلام أو الكلمات أقساما ويعرفون أن الاسم غير الضمير وأن هناك أدوات متمايزة للعطف والتعريف والتنكير، ويدركون أن أنشطتهم أفعال. والإنسان كنوع يأكل ويشرب ويقرأ ويكتب ويحب ويكره ويضرب ويقتل كما أنه يدرك تمايز هذه الأفعال. وهو يدرك أن الأشياء والحيوانات والنباتات تحدث منها أو لها أو تقع عليها أحداث ويدرك أن هذه الأحداث أيضا أفعال.
والمهم أن الناس جميعا وفى كل البيئات يفعلون نفس الأشياء. وإذا فكرنا فى المجتمعات الموجودة فى مناطق وأقاليم الوطن العربى نفسه أو تلك التى رأيناها أو قرأنا أو سمعنا عنها سنجدها عاشت نفس الحياة، أكلوا وشربوا وقتلوا وأحبوا وعبدوا وأدركوا أن هذه الأنشطة أفعال وأن لها تصنيفات وأدركوا أنهم، بلغتهم، استخرجوا من هذه الأفعال حجما ضخما من أسماء مصدرية ومشتقة وصفات مشتقة فى معاجمهم الحية. ولديهم جميعا إدراك بالجهات وبفوق وتحت وأمام وخلف ويمين ويسار وماض وحاضر ومستقبل، وتعبر لغاتهم جميعا عن هذه الأشياء. وهذه الحلقات المترابطة فى الحياة واللغة منها الضروريات المستمرة ومنها خصوصيات الزمان والمكان. هناك تغيرات مع التقدم أو التراجع الاجتماعى غير أن صفاتهم البيولوچية تجبرهم على الدوام على الغذاء والإخراج والنمو والرؤية والتفكير والإحساس والإدراك، كما أن أوضاعهم الاجتماعية تجعل التعاون والتضامن والتفاهم والتباغض والحرب والحب والكراهية والاضطهاد والقهر والطموح وغير ذلك أشياء لا تفارقهم، وقد تخلو بيئة من النهر والشجر وقد تكون بيئة ما مدارية أو معتدلة وقد تختلف أشياء عديدة، غير أن هناك حياة مترابطة النواحى تعبر عنها لغة متمفصلة الحلقات. وإذا عبرنا عن هذه الحقائق اجتماعيا لقلنا إن حياة البشر متماثلة جوهريا فى نفس مسار التطور الاجتماعى حتى إذا انعزل جانب من البشر كهنود أمريكا إلى أن اكتشفهم العالم القديم. لقد بنوا حتى الأهرامات فى عزلتهم كما فعل العالم القديم فى عصوره القديمة. ويمكن القول إن الحاجات البيولوچية والجغرافية (على تنوعها) والاجتماعية (التى يصنعونها بأنفسهم ولكنْ تواجه كل جيل جديد منهم كمعطى موضوعى) تدفعهم إلى حياة متماثلة ومن هنا وحدة الإنسان وعالميته. ويتمثل ما يوجِّه كل هذا المسار فى وحدة طبيعة الإنسان التى تتمثل فى الانفتاح الدائم على التطور والرقى والتقدم.
وإذا عبرنا عن كل هذا لغويا فإننا سنجد أننا أمام معاجم حية غير مكتوبة (قبل ظهور معاجم العلماء وبالطبع بعد ظهورها أيضا). وهذه المعاجم الحية بمختلف اللغات تسمى نفس الأشياء، نفس الشمس ونفس القمر ونفس النجوم، نفس البحر والنهر والجبل (رغم اختلاف البحار والأنهار والجبال)، نفس الحيوانات والنباتات والحشرات حتى إنْ اختلف الكثير جدا منها باختلاف المناطق الجغرافية، ونفس المشاعر من حب وكره، ونفس الإدراك من علم وجهل، ونفس الجوع ونفس الشبع، ونفس الخبز ونفس الماء. وعندما ظهر العلم المعجمى وظهرت المعاجم اتضحت كل هذه الحقائق، وعندما ظهرت المعاجم الثنائية اللغة اتضح أنها كلمات مختلفة موضوعة لنفس الأشياء واتضح أن قابلية الترجمة من لغة إلى أخرى آية من آيات وحدة البشر والحياة البشرية واللغة البشرية، ومع تقدم الإحصاءات المعجمية وتقدم علم الآثار أخذ يتضح أن الإنسان الكرومانيونى، أىْ إنسان أرسطو الناطق، أو الإنسان كما نعرفه اليوم، نشأ فى منطقة واحدة بلغة واحدة ثم انتشر على وجه الأرض، حيث قضى على الإنسان النياندرتالى فى كل مكان ونشر لغته التى هى لغة الإنسان الجديد المنتصر حيث اختفت لغة الإنسان النياندرتالى مع اختفائه.
وفى الزمن الطويل المنقضى إلى الآن تمايزت اللغات فى مناطق عزلتها وبدا الأمر وكأنها لا تنتمى إلى أصل واحد. ومثلما يتصور الطفل منا، أو الجاهل الملتصق ببيئة بدائية، أن لغته هى اللغة الوحيدة فى هذه الدنيا إلى أن يكتشف فيما بعد وجود لغات أخرى، اكتشفت العلوم اللغوية المعنية أولا ما هو مشترك بين مجموعة من مجموعات اللغات، واكتشفت فيما بعد أن لهذه المجموعات بدورها أصولا مشتركة، أىْ أنها تنتمى إلى مجموعات قليلة أشمل منها، واكتشفت فى وقت لاحق، أو أن عليها أن تكتشف بصورة شاملة، أن كل هذه اللغات بكل مجموعاتها تنتمى فى الأصل إلى لغة واحدة ما زالت أصداؤها تتردد عبر عشرات الآلاف من السنين فى الكثير من اللغات إلى يومنا هذا.
فإذا صحت هذه النظرية ذات النفوذ الكبير اليوم عن نشأة الإنسان الكرومانيونى فى منطقة واحدة فإن اللغات الحية حاليا وتلك المنقرضة ترجع جميعا إلى أصل واحد، إلى لغة واحدة. أما إذا صحت النظرية الأخرى ذات النفوذ أيضا عن نشأة الإنسان الكرومانيونى فى عدد من المناطق بصورة متزامنة فإنها ترجع إلى أصول قليلة العدد. وهناك بالطبع النظرية الثالثة التى تقول باندماج الإنسان الكرومانيونى مع الإنسان النياندرتالى ونشوء اللغات الهجينة من أصول لغات كرومانيونية ونياندرتالية. ومهما يكن من شئ فإن وحدة النحو لا تتوقف على وحدة نشأة الإنسان فى منطقة واحدة بلغة واحدة بل تنتج عن تماثل الحياة البشرية التى تعبر عنها اللغات جميعا.
وكما سبق القول فإن النحو واحد فى كل هذه اللغات. وفى كل لغة يكون النحو الجمعى هو الأصل والمرجع لنحو النحاة. ويدعونا هذا إلى وقفة وجيزة عند هذا التمييز بين النحو وعلم النحو، وعند مغزى وفائدة هذا التمييز، وهذا فى كل اللغات وليس فى لغتنا العربية وحدها.
لقد صار الآن واضحا جليا أن الوعى النحوى، الشامل والدقيق، موجود لدى الجماعة الناطقة باللغة، لدى كل أفرادها الأصحاء العقل، ولا التباس لديهم فى قواعد هذا النحو، ونظرا لظهور النحو كعلم لغوى متميز فى مرحلة تأتى بعد عشرات وعشرات الآلاف من السنين (فى حالة اللغة كما نعرفها اليوم)، نستطيع القول إذن إننا إزاء نوعين من النحو فى كل لغة: النحو الموضوعى، الجمعى، السليقى، النحو باعتباره منطق وعناصر وقواعد بناء الجملة، لدى الجماعة الناطقة باللغة، بكل أفرادها من ناحية، والنحو الوضعى، العلمى، أىْ نحو النحاة من ناحية أخرى. وينظر، أو ينبغى أن ينظر، نحو النحاة إلى النحو الموضوعى الجمعى السليقى باعتباره الأصل والمنبع والمرجع دوما، وعليه بالتالى أن يتعلم منه ويصحح ويطور نفسه بالرجوع إليه كلما أبرز تقدم المجتمع أو تطور الفكر أو تغير اللغة ضرورة ذلك التطوير.
وعلى هذا فإن علم النحو يجد نفسه، عند نشأته، إزاء مصدرين ينهل منهما مفاهيمه وتصنيفاته وأسسه وقواعده الأولى. إنهما النحو الموضوعى الذى تحدثنا عنه، كما تحقق فى وعى كل أفراد المجتمع، وكما تجسد أيضا فى وعى هؤلاء الرواد لعلم النحو أنفسهم، أىْ علماء النحو، مبدعى نحو النحاة، باعتبارهم من أبناء نفس اللغة وحاملين لنفس الوعى النحوى الجمعى السليقى. أما المصدر الثانى فهو تاريخ من الاجتهاد النحوى الذى يختص به أفراد تيسروا لهذا النوع من الاهتمام اللغوى طوال تاريخ طويل. وهذا الاستيعاب النحوى الشفاهى المتميز من جهة من النحو الجمعى ومن جهة أخرى من نحو النحاة، من النحو المكتوب هو المصدر الثانى لرواد علم النحو وهو الجسر الوطيد الموصِّل بين النحو الموضوعى والنحو الوضعى. وينطبق الشئ ذاته على الإعراب السليقى، الأصلى، الجمعى، الموضوعى، والإعراب باعتباره مجموع دراسات وأبحاث واستقراءات وتفسيرات النحاة الخاصة بالإعراب (للتمييز أساسا بين الفاعلية والمفعولية كما يقول ابن جنى).
ولكنْ ما أهمية أو مغزى أو فائدة هذا التمييز رغم أنه لا غبار عليه فى حد ذاته؟ وأقول بإيجاز إن هذا التمييز ضرورى جدا لتطوير نظرة علمية حقا إلى علم النحو، نظرة تجرده من أوهامه عن نفسه وتحرر أفراد الجماعة اللغوية من تقديسهم لهذا العلم بغثه وسمينه، بمنجزاته الحقيقية وبإخفاقاته المروِّعة، وبالتالى من أجل فتح الطريق أمام تطوير علم النحو، وحلّ مشكلاته، وتهيئته لجعل المعالجة الآلية للمعلومات بلغتنا أمرا ممكنا حقا. فاليوم لم يعد بوسع جماعة من البشر أن تواصل مجرد البقاء بدون اللحاق بالحضارة الرأسمالية الحاضرة (رغم طابعها العبودى والضرورة التاريخية لتخطيها اجتماعيا). كذلك فإن هذه الجماعة البشرية لن تكون قادرة على مجرد البقاء أيضا بدون تطوير علومها اللغوية وبالأخص علم النحو الذى صار أداة لا غنى عنها لهذه الحضارة أو لتجاوزها إلى مجتمع إنسانى حقا.
وعندما وضع أبو الأسود الدؤلى علم النحو، وفقا لبعض الروايات، وقيل بإشارة من على، فقد نهل هو ومن تبعه من المصدر الأول أىْ النحو الموضوعى الجمعى السليقى غير أنهم تعلموا أيضا من المصدر الثانى أىْ النحو الشفاهى (غير المكتوب والسابق على ظهور الكتابة، وكان هذا حال كل العلوم، فحتى علم العروض الذى أنشأه الخليل ابن أحمد الفراهيدى لم يكن أول كلمة تقال فى هذا العلم، بل كان استمرارا لعلم العروض الشفاهى الذى كان موجودا قبله بزمن طويل طول زمن وجود الشعر ذاته. وهذا ما نجده فى كل علم طبيعى أو اجتماعى أو لغوى).
ولا يهدف هذا الكتاب، وليس من حقه أن يهدف، إلى تغيير حقائق وقواعد اللغة العربية أو النحو العربى الجمعى أو الإعراب الجمعى السليقى، بل يريد أن يعيد النظر بعمق فى نحو النحاة، فى النحو الوضعى، ليس باعتباره نحوا تتمثل مشكلته الوحيدة فى أنه نحو صحيح تماما غير أنه معقد يحتاج إلى تبسيط وتيسير وتسهيل، بل باعتباره ابن زمانه ويحتاج بالتالى إلى التجديد والتصحيح والتطوير، للعودة به إلى بساطة منبعه الحقيقى، إلى اللغة العربية ومنطقها الداخلى، إلى البساطة التى لا مبرر لتعقيدها، إلى البساطة التى هى سمة النحو بالذات فى كل اللغات، بالطبع فى مفاهيمه وتصنيفاته الأكثر ضرورية للاستخدام السليم للغة من جانب كل أفراد الجماعة اللغوية، مع الاعتراف بوجود جوانب قد يختص بها علماء النحو ودارسوه وطلابه على أعلى المستويات باعتباره استقصاءً تفصيليا لا تستوعبه إلا ذاكرة المتخصصين، ومع الإقرار بأن تطويع هذا النحو للمعالجة الآلية للمعلومات إنما هو فرع علمى معقد يجمع بين علوم اللغة ومنها النحو وعلم الكمپيوتر، وليس من المتصور أن يستوعبه كل أفراد الجماعة اللغوية مهما استفادوا بثماره.
ولن أستعرض تتابع موضوعات فصول الكتاب، ويكفى إلقاء نظرة على فهرس المحتويات لمعرفتها. وسأكتفى بالإشارة إلى فصل من فصوله الأخيرة يعرض عرضا نقديا أعظم محاولة فى القرن العشرين لتجديد النحو العربى، وقد قام بهذه المحاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ووزارة المعارف العمومية، وتجسدت فى القرار التاريخى للمجمع المذكور فى عام 1945 كما تجسدت فى كتاب "تحرير النحو العربى" الذى صار مقررا على طلاب المدارس الإعدادية فى مصر فى منتصف الخمسينات، وهى المحاولة التى قضى عليها أعداء تطوير النحو العربى، كما سهّل عليهم القيام بهذه المهمة ما كانت تنطوى عليه تلك المحاولة من نقاط ضعف سوف نتناولها فى الفصل المعنىّ، إلى جانب مآثرها ومنجزاتها التى ستظل منارة يستضيئ بها ويسترشد كل من يتطلع حقا إلى تطوير النحو العربى، بدلا من دعاوى تجديد النحو الملصقة على كتابات وكتب هى استمرار مباشر لمسار التكرار المتواصل البدائى الطابع لما سبق قوله تقديسا لعلم النحو والنحاة كوسيلة لفرض القيود الثقيلة على حرية البحث العلمى فى مجال النحو العربى، ولمنع كل اجتهاد فيه.
پيزا – روما، إيطاليا
8-15 أكتوبر 2008 
 
    
 
   
 
 
 


1
تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية
ازدواج غريب وخاطئ
 
يميز النحو العربى بين نوعين من الجمل: الجملة الاسمية والجملة الفعلية. ولا تخرج جملة عربية عن هذا النوع أو ذاك من وجهة نظر هذا النحو. وللجملة الاسمية ركناها الأساسيان وهما: المبتدأ والخبر. وللجملة الفعلية بدورها ركناها الأساسيان وهما: الفعل والفاعل. وتتميز الجملة الاسمية من الجملة الفعلية بأن الأولى تبدأ باسم، بينما تبدأ الثانية بفعل.
وللوهلة الأولى يبدو هذا التصنيف للجمل موضوعيا للغاية، ووصفيا للغاية، وغير قابل للجدل. فهذه جملة بدأت باسم؛ فما وجه الخطأ فى تسميتها كما بدأت جملة اسمية، وفى أن نسمى ما بدأت به المبتدأ بحكم بداهة الابتداء به؟ فلا بأس إذن بالجملة الاسمية والمبتدأ والخبر. وتلك جملة بدأت بفعل؛ فما وجه الخطأ فى أن نسميها كما بدأت جملة فعلية، وفى أن نسمى فاعل الفعل فاعلا؟ فلا بأس إذن بالجملة الفعلية والفعل والفاعل والمفعول به.
وما دمنا نسمع أو نقرأ جملة تبدأ باسم وأخرى تبدأ بفعل، فلا مجال لإنكار أن الجملة تبدأ من الناحية العملية بفعل أو اسم. ولكننا نسمع ونقرأ جملة تبدأ بحرف، وجملا أخرى تبدأ بأشياء أخرى. ومن شأن تطوير فهم النحو العربى لأقسام الكلام، بدلا من الاقتصار على الاسم والفعل والحرف، أن يبين أن هذه الأشياء إنما هى من أقسام الكلام كالاسم والفعل والحرف، وأن يبين أن الاسم فى النحو العربى مفهوم فضفاض ينطوى على أقسام كلام أخرى (الضمير، الصفة، الظرف)، بالإضافة إلى التقسيم الواجب للحرف نفسه إلى أقسام كلام متمايزة: حروف أو أدوات الجر والنصب والعطف والتعجب. فإلى أين ينتهى بنا تقسيم الجمل حسب أقسام الكلام التى تبدأ بها؟!
وقد يبدو أن النحو العربى اختار البدء بالاسم والفعل دون غيرهما معيارا لتقسيم الجملة، ليس فقط لأن الاسم والفعل قسمان من أقسام الكلام، بل لأن الفعل - إلى جانب كونه من أقسام الكلام - مفهوم نحوى أساسى يمكن أن نسميه بالاصطلاح الحديث عنصرا من عناصر الجملة[ii] وهى: 1: الفاعل (أو المسند إليه) 2: الفعل 3: المفعول به 4: متمم الفاعل أو المفعول به 5: الظرف، ولأن الاسم - إلى جانب كونه من أقسام الكلام - هو "المبتدأ"، فهو بالتالى عنصر أساسى من عناصر الجملة لأن مفهوم المسند إليه ينطبق عليه.
وإذا كان هذا يصح على "الفعل" فهو فى المعجم قسم من أقسام الكلام، وهو فى النحو عنصر من عناصر الجملة؛ فإنه لايصح على "الاسم" فهو فى المعجم قسم من أقسام الكلام(وإنْ كان مفهوما فضفاضا ينطوى بداخله على عدد من أقسام الكلام الأخرى)، غير أنه فى النحو ليس عنصرا من عناصر الجملة. فالاسم لا يأتى "مبتدأ" فقط، بل إن الجملة المسماة بالاسمية لا تبدأ فقط "بالمبتدأ" فقد تبدأ أيضا "بالخبر" أى المسند. و"الخبر" (المسند) ليس عنصرا من عناصر الجملة (إلا فى الحد الأدنى "للخبر"، وحسب مفهوم بعينه "للخبر") بل قد يشتمل "الخبر" على عدد من عناصر الجملة، وقد تبدأ الجملة المسماة بالاسمية بعنصر منها كالمفعول به، أو متمم الفاعل أو متمم المفعول به، أو الظرف.
ومعنى هذا أن تسمية الجملة بما تبدأ به من أقسام الكلام ستضيف إلى الجملة الاسمية والجملة والفعلية أنواعا أخرى من الجملة؛ كجملة الحرف، والجملة الضميرية، والجملة الظرفية، وجملة الصفة، إلخ.. إذا طوّرنا ووسّعنا - كما ينبغى - مفهوم أقسام الكلام فى النحو العربى. كما أن تسمية الجملة بما تبدأ به من عناصر الجملة ستضعنا أمام تسميات أخرى جديدة إلى جانب الجملة الفعلية؛ كالجملة الفاعلية (أو جملة المسند إليه)، والجملة المفعولية (أو جملة المفعول به)، وجملة متمم الفاعل أو متمم المفعول به، والجملة الظرفية.
وليس هناك مانع مبدئى من الاحتفاظ بالتصنيف الحالى أو من توسيعه فى هذا الاتجاه أو ذاك، بشرط أن يكون له مغزى نحوى حقيقى، حتى رغم ما ينطوى عليه هذا التصنيف من ازدواج ومن تعقيدات لا أول لها ولا آخر. غير أن العلاقات النحوية بين كلمات أو عناصر أو مكونات الجملة لا تتغير فى لغة تقوم على الإعراب ومرونة ترتيب عناصر الجملة بالبدء بهذه الكلمة أو تلك، بالاسم أو بالفعل، بالفاعل أو بالمفعول، الأمر الذى يستبعد أى مغزى نحوى لهذا التصنيف المزدوج للجملة العربية على أساس ما تبدأ به من اسم أو فعل.
والحقيقة أنه لا مجال لتقسيم الجمل بصورة تنطوى على مغزى نحوى حقيقى، إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ولا إلى غيرهما، لا فى لغة تقوم على الإعراب ومرونة ترتيب عناصر الجملة ولا فى لغة تقوم على إسقاط الإعراب وتقييد ترتيب عناصر الجملة. وذلك لأن لغة مرونة الترتيب تعنى بالبداهة حرية التقديم والتأخير لعناصر الجملة (مع أخذ الترتيب الإلزامى لبعض الكلمات فى الجملة فى الاعتبار، مثل: حرف الجر قبل المجرور) دون أن تتأثر العلاقات النحوية بين هذه العناصر، لأن هذه العلاقات إنما تتأثر بمورفيمات وعلامات الإعراب فى أواخر الكلمات (أو فى أوائلها أو حتى بأحوالها الصفرية فى بعض اللغات). أما لغة تقييد الترتيب فتعنى بالبداهة أيضا تثبيت الكلمات التى تمثل العناصر النحوية المحورية للجملة فى أماكن بذاتها، فى ترتيب بذاته، وكثيرا ما يقوم ترتيب هذا النظام لعناصر الجملة على أسبقية الفاعل للفعل وهذا للمفعول، إلا فى أحوال كالنفى أو الاستفهام أو لأغراض بلاغية، مع مرونة بعض العناصر، فى بعض أحوالها، من حيث مكانها فى الجملة.
والنتيجة أن تصنيف النحو العربى للجمل إلى جملة اسمية وجملة فعلية يضعنا أمام عالمين للجمل يقوم بينهما سور صينى عظيم. وتنفرد الجملة الاسمية بركنين أساسيين ينفردان بلقبيهما الخاصين وهما المبتدأ والخبر، اللذين لا ينبغى أن يختلطا بالركنين الأساسيين اللذين تنفرد بهما الجملة الفعلية، واللذين ينفردان بدورهما بلقبيهما الخاصين وهما الفعل والفاعل.
ومن مبادئ هذا التصنيف أنه لا يجوز النظر إلى المبتدأ فى الجملة الاسمية على أنه فاعل الفعل الذى يليه رغم إسناده إليه وتصريفه معه، كما لا يجوز، وفقا له، النظر إلى الفاعل فى الجملة الفعلية على أنه مبتدأ تأخر عن خبره، ولا إلى فعل الجملة الفعلية على أنه خبر تقدم، وهكذا.
والجملة المسماة بالفعلية، فى أبسط أشكالها أى فى الجملة المسماة بالمستقلة، وهى أحد نوعى الجملة المسماة بالأصلية أى المقتصرة على الإسناد دون الدخول فى تركيب؛ مثل: ظَهَرَ الحقُّ[iii]، جملة بلا تعقيدات، غير أنه عندما يغدو "الفعل" ... "خبرا" فى الجملة المسماة بالاسمية (وهنا يسمون ذلك الفعل مع فاعل يفترضون أنه ضمير مستتر جملة فعلية خبرا فى محل رفع) تبدأ التعقيدات، أما الجملة المسماة بالاسمية فهى المجال الطبيعى، حتى فى أبسط صورها أى فى الجملة المسماة بالبسيطة وهى النوع الثانى من الجملة المسماة بالأصلية؛ مثل: العلمُ نورٌ[iv]، لتعقيدات لا أول لها ولا آخر.
فكيف أقيم هذا السور العظيم؟ وما منشأ هذا الازدواج؟ وما كل هذا التعقيد بلا مبرر حقيقى؟ وهل هناك وسيلة أو وسائل نحوية لهدم هذا السور، وإزالة هذا الازدواج، وتبسيط هذا التعقيد؟
وينبغى أن نلاحظ قبل كل شيء أن هذه المفاهيم والتصنيفات لأنواع الجمل، ولأركان كل نوع منها، إنما هى من ابتداع علم النحو، فهى تنتمى جميعا إلى النحو الوضعى أو العلمى، وهو نحو النحويين أو النحاة. فلسنا إذن إزاء عناصر متنافرة فى اللغة العربية ذاتها، ولا فيما تنطوى عليه من منطق داخلى فى تكوين الجمل، وفى تحديد العلاقات النحوية بين كلماتها أو مكوناتها أو عناصرها، أى النحو الموضوعى أو الطبيعى أو الجمعى، الماثل دوما فى صميم كل لغة تنطق و/أو تكتب بها الجماعة اللغوية المعنية (العرب فى حالتنا). وإنما نحن إزاء تناقضات مفاهيم نحو النحاة. فلا مناص إذن من محاولة قطع تلك المسافة بل الهوة القائمة دوما بين النحويْن، الموضوعى والوضعى، ذهابا وإيابا، إلى أن نهتدى إلى إدراك واضح لطبيعة وأبعاد وأضرار هذا الازدواج ولسبل إزالته.
وينبغى أن يكون واضحا أن ازدواج التصنيف للجملة العربية الواحدة، إلى جملة اسمية وجملة فعلية، إنما يرتبط بصفة خاصة بقاعدتيْن نحويتين خاطئتين من وضع النحاة تكفى كل قاعدة منهما لخلق هذا الازدواج ويكفى اجتماعهما لتأبيده.
والقاعدة الأولى هى قاعدة تقدُّم الفعل على فاعله. وبهذا فإن المبتدأ (أو المفعول به - لفعل سابق - أو المنصوب بأحد حروف إن وأخواتها أو المجرور) الذى يليه فعل مسند إليه ومصرَّف معه، ومتطابق معه فى النوع والعدد، لا يكون مع ذلك فاعله. وعندما يأتى بعد ما يسمى بالمبتدأ فعل فلابد من البحث له عن فاعل يتقدمه هذا الفعل، ولا بد من العثور على هذا الفاعل إما فى صورة أو بالأحرى فى "شبح" ضمير مستتر تقديره كذا يعود على المبتدأ، وإما فى صورة ما يسمى بضمير الرفع البارز المتصل، تاركين على كل حال ذلك الفاعل الحقيقى الذى أسند إليه الفعل من الناحية العملية، والذى هو فاعله دون شك، والذى لا مناص من ربط الفعل به بضمير مزعوم، بارز أو مستتر، يعود عليه فى نهاية الأمر.
وبالإضافة إلى هذه القاعدة التى تنطلق من الجملة الفعلية، أو تقوم بحمايتها من أن تنقلب إلى جملة اسمية (نتيجة تأخير الفعل عن الفاعل)، هناك القاعدة الأخرى التى تنطلق من الجملة الاسمية، أو تقوم بحمايتها من أن تنقلب إلى جملة فعلية (نتيجة لتقديم الفعل على المبتدأ).
وتحت عناوين، مثل: وجوب تأخير الخبر، وجوب تقديم الخبر، جواز تقديم الخبر وتأخيره، نجد موجبات حقيقية مقنعة لا أمل بدون مراعاتها فى منع التباس المعانى. غير أننا نجد بين أسباب وجوب تأخير الخبر سببا غريبا للغاية. فالفعل الذى يلى المبتدأ واجب التأخير فلا يجوز تقديمه. فهذا الفعل المتأخر، الذى يصنع مع فاعله الضمير المستتر أو ضمير الرفع البارز المتصل المزعوميْن ما يسمونه جملة فعلية هى خبر المبتدأ، لا يجوز تقديمه لأنه إنْ تقدَّم يغدو فاعلا وليس مبتدأ. فوجوب التأخير يرجع إلى خشية الالتباس بين المبتدأ والفاعل. وسبب تأخير الفعل وجوبا هنا غريب حقا لأنه لا يزيل التباسا فى فهم معنى الجملة، أى فى اللغة ذاتها من حيث هى لغة، وهو التباس غير قائم أصلا، بل يزيل الالتباس النحوى بين مفهومين نحويين من وضع النحاة أنفسهم وهما المبتدأ والفاعل. فالخوف من الالتباس ليس على اللغة أو المعنى، بل على علم النحو كما وضعه هؤلاء العلماء‍‍‍‍‍‍‍! وهكذا نعرف من صاحب معجم النحو السبب الثانى الموجب لتأخير الخبر وهو:
أن يُخاف التباس المبتدأ بالفاعل نحو "على اجتهد"[v]
وهاتان القاعدتان (قاعدة تقدم الفعل على فاعله، وقاعدة تأخير الفعل الذى يلى المبتدأ وجوبا) تصنعان ازدواج تصنيف الجمل وتؤبدانه، كما أنهما تأتيان من هذا الازدواج وتتغذيان عليه. والحقيقة أنهما غريبتان على اللغة العربية وعلى منطقها الداخلى، ذلك أن اللغة ذاتها ظلت على مرونتها حيث تتقدم عناصر الجملة أو تتأخر ما شاء الناطقون أو الكاتبون بها ذلك، بشرط أمن اللبس أو التشويش أو الاضطراب فى المعانى وليس بأى شرط غريب على اللغة. أما تقييد هذه المرونة فلا أساس له إلا فى تصورات ونظريات وأوهام ومزاعم علماء النحو الذين لا يقيدون مرونة اللغة، ولا يريدون أصلا تقييدها، وإنما يقيدون فى الحقيقة أدوات الاستيعاب النحوى النظرى لهذه المرونة فى اللغة عن طريق مفاهيم نحوية متحجرة.
وبطبيعة الحال فإن هاتين القاعدتين تجدان مكانهما ضمن نسق كامل من المفاهيم النحوية التى تصنع وتؤبد تعقيدات نحوية لا تحصى ولا تعدّ. والحقيقة أن إلغاء هاتين القاعدتين يكفى (مع إعادة النظر فى النسق بكامله) لإعادة الوحدة للمفهوم النحوى للجملة العربية بعيدا عن الجملتين الاسمية والفعلية. وبهذا وحده يمكن إزالة السور والازدواج والتعقيد فى آن معا[vi].
وأكتفى هنا بإشارة موجزة إلى تصنيف آخر للجملة العربية إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ليس على أساس الابتداء بالاسم فى الأولى والابتداء بالفعل فى الثانية، بل على أساس أن الجملة الفعلية هى تلك التى تشتمل على فعل مهما كان مكانه فيها، وأن الجملة الاسمية هى تلك التى لا تشتمل على أى فعل مطلقا. وهذا التصنيف المزدوج لا ينطوى بدوره على مغزى نحوى حقيقى من حيث العلاقات النحوية بين عناصر الجملة بافتراض وجود جُمل تشتمل على الفعل وأخرى لا تشتمل عليه. على أننا سنعود إلى هذه النقطة فى الفصل الثانى لنبحث مسألة: هل هناك أصلا جملة لا تشتمل على فعل؟ وهى نفسها مسألة: هل هناك مسند (أو خبر) لا يشتمل على فعل؟ وذلك عندما نبحث مسألة حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبت.
ويعنى كل هذا بطبيعة الحال ضرورة الاكتفاء بالمفهوم النحوى الأساسى المتمثل فى الجملة وإلغاء التصنيف المزدوج إلى جملة اسمية وجملة فعلية، وكذلك ضرورة أن يحل محل مفهوم الركنيْن الأساسيين لكل نوع منهما (المبتدأ والخبر فى الأولى والفعل والفاعل فى الأخرى) مفهوم ركنين وحيدين للجملة مهما كان ما تبدأ به. وهذان الركنان الوحيدان اللذان استخدمهما علماء النحو القدماء أنفسهم (على الأقل منذ الخليل بن أحمد الفراهيدى وسيبويه) ولكن جنبا إلى جنب (أو بصورة ثانوية أو فرعية) مع التصنيف المزدوج إلى جملتين اسمية وفعلية وبركنين "أساسيين" لكل منهما (وليس بالطبع بركنين وحيدين لجملة عربية واحدة وحيدة) وبكل ما يترتب على هذا التصنيف من مذاهب مضللة، واللذان أحياهما ثم أماتهما من جديد علماء محدثون نتيجة للحدود الضيقة لتصوراتهم عما يسمونه بتيسير النحو، وكذلك نتيجة لقوة أعداء كل تجديد حقيقى للنحو فى مصر والعالم العربى، ..... هذان الركنان الوحيدان للجملة هما: المسند إليه والمسند، ولا يميز بينهما ابتداء ولا تقدُّم فعل بل يميز بينهما المعنى فى المحل الأول.
وكان يجدر بنا أن نكتفى بالإشارة إلى الجملة العربية "الواحدة" بركنيها الوحيدين أى المسند إليه والمسند (بعيدا عن مفهوم الفضلة فى النحو العربى وعن مفهوم التكملة فى النحو الفرنسى)، فى سبيل الانطلاق إلى الموضوعات الحقيقية لهذا البحث، غير أن واقع سيادة التصنيف المزدوج للجملة، وما يترتب على هذا من تصنيفات أركان الجملتين، يرغمنا على تعميق المناقشة لإنقاذ المفاهيم الأصيلة، إدراكا منا لحقيقة أن عمق تأصيل هذه المفاهيم هو الأساس الحقيقى المتين للتغلب نهائيا على هجوم أعداء تجديد النحو العربى.
 
 
 
 
 
2
المسند إليه والمسند
 
تشمل مرفوعات الأسماء كما تسمَّى فى النحو العربى: المبتدأ، والفاعل، ونائب الفاعل، واسم كان وأخواتها (بما فى ذلك أسماء أفعال المقاربة وأفعال الرجاء وأفعال الشروع)، إلى جانب خبر المبتدأ (وخبر إن وأخواتها).
وقد تعمدتُ تأخير الخبر فى العبارة السابقة للإشارة إلى أن من الواضح تماما أن الخبر يختلف عن بقية مرفوعات الأسماء فى أمر جوهرى هو أن الفعل إنما يُسند إلى هذه المرفوعات ويجرى تصريفه معها دون الخبر، الذى يُسند هو ذاته إلى المسند إليه فيما يُعْرَف بالمبتدأ. ولهذا فإن مفهوم المسند إليه يشمل كل هذه المرفوعات دون "الخبر"، فيما يندرج هذا الأخير تحت مفهوم المسند الذى يشمل، إلى جانب "الخبر"، الفعل المتقدم على المسند إليه، وهذا فى أبسط أشكال المسند.
ونقرأ فى لسان العرب، لابن منظور، فى مدخل "سَنَدَ" هذا الاقتباس الطويل إلى حد ما عن المسند إليه والمسند:
قال: وقول سيبويه هذا باب المسند والمسند إليه؛ المسند هو الجزء الأول من الجملة، والمسند إليه الجزء الثانى منها، والهاء من إليه تعود على اللام فى المسند الأول، واللام فى قوله والمسند إليه وهو الجزء الثانى يعود عليها ضمير مرفوع فى نفس المسند، لأنه أقيم مُقام الفاعل، فإنْ أكّدْتَ ذلك الضمير قلتَ: هذا باب المسند والمسند هو إليه. قال الخليل: الكلام سَنَدٌ ومُسْنَدٌ، فالسند كقولك عبد الله رجل صالح، فعبد الله سَنَدٌ، ورجل صالح مُسْنَدٌ إليه[vii].
ويعلّق الأستاذ عبد الله على الكبير،أحد محققى لسان العرب، على ذلك بقوله فى الهامش:
هكذا فى الأصل. والمعروف أن المسند هو الفعل فى الجملة الفعلية والخبر فى الجملة الاسمية. والمسند إليه هو الفاعل أو نائبه فى الجملة الفعلية، والمبتدأ فى الجملة الاسمية[viii].
ورغم حديث سيبويه فى "الكتاب" عن المسند والمسند إليه فقد ظل يحتفظ، كما احتفظ مَنْ بعده، بمفهومى المبتدأ والخبر، بل شاع وساد هذان الأخيران واحتلا مكان الصدارة. ويقول سيبويه فى مؤلفه "الكتاب":
هذا باب المسند والمسند إليه – وهما لا يغنى [أو: لا يستغنى - المحقق] واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدا. فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبنى عليه [يعنى الخبر - المحقق][ix].
ويقول أيضا:
هذا باب الابتداء - فالمبتدأ كل اسم ابتدئ به ليُبنى عليه كلام. والمبتدأ والمبنى عليه رَفْعٌ. فالابتداء لا يكون إلا بمبنى عليه. فالمبتدأُ الأولُ والمبنى ما بعده عليه فهو مسند ومسند إليه[x].
وتعريف "المعجم الوسيط"، الذى أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مدخل: "جَمَلَ"، للجملة هو ما يلى:
الجملة (عند البلاغيين والنحويين): كل كلام اشتمل على مسند ومسند إليه[xi].
وهنا نتخلص من التمييز الذى تتضمنه عبارة سيبويه، ومَنْ بعده، ومنهم الأستاذ عبد الله على الكبير، بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وكذلك بين الفاعل (ونائبه) من ناحية والمبتدأ من ناحية أخرى. على أنه تخلُّص مؤقت ذلك أن هذا المعجم كان متأثرا بطبيعة الحال بقرارات الدورة الحادية عشرة للمجمع ومنها إلغاء التمييز بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، وبين المبتدأ والفاعل، وغير ذلك، وهذا ما تراجع عنه المجمع فيما بعد كما رأينا وكما سنرى. وفى سياق هذا التطور المؤقت جاء تعريف "المعجم الوسيط" (فى مدخل: سَنَدَ) للمسند والمسند إليه كما يلى:
المسند (فى العلوم العربية): المحكوم به. والمسند إليه: المحكوم عليه[xii].
وتختفى لفظة "المبتدأ" من مدخل "بدأ"، ويختفى المعنى النحوى الاصطلاحى للفظة "الخبر" فى مدخل "خبر"، مع بقاء هذا المعنى للفظة "الفعل" و"الفاعل" فى مدخل "فعل" فى المعجم المذكور، بطبيعة الحال[xiii].
فهل هناك معنى نحوى حقيقى لإدراج كل تلك المرفوعات المتنوعة (ما عدا المسند أو الخبر) فى مفهوم واحد وحيد هو المسند إليه؟
قلنا منذ قليل إن المسند إليه يشمل كل هذه المرفوعات (بالاستثناء المذكور) لأن الفعل يُسند إليها ويُصرَّف معها (كما يُسند إليها "الخبر") وهذا معنى نحوى مشترك لا سبيل إلى الشك فى أهميته الجوهرية. غير أن الأمر يحتاج إلى المزيد والمزيد من الإيضاحات.
ونبدأ بالاختلاف البادى بين المبتدأ وبقية أنواع المسند إليه.
وهناك، أوَّلا، الواقع اللغوى الصرفى المتمثل فى أن إسناد الفعل يختلف حسب تقدمه على المسند إليه أو تأخره عنه. ويظهر هذا الاختلاف عند تصريف الأفعال مع ضمائر الغائب (فى المثنى بنوعيه والجمع بنوعيه) فى الماضى كما فى المضارع. فعندما يتقدم الفعل فاعله (وينطبق هذا على كل المرفوعات التى تندرج تحت اسم المسند إليه باستثناء ما يُسمى بالمبتدأ)، يكون تصريف الفعل فى المفرد المذكر مع كل مذكر (مفرد أو مثنى أو جمع)؛ وفى المفرد المؤنث مع كل مؤنث (مفرد أو مثنى أو جمع). وعندما يتأخر الفعل عن فاعله (أى ما يُسمى بالمبتدأ) تظهر كل نهايات التصريف فى الماضى وبوادئ ونهايات التصريف فى المضارع (وهى النهايات التى يزعم النحو العربى أنها ضمائر الرفع البارزة المتصلة، والبوادئ التى يسميها حروف المضارعة) وفقا للنوع والعدد.
ويتضح هذا الاختلاف من الأمثلة التالية:
الفعل قبل الفاعل               الفعل بعد الفاعل
المثنى المذكر: تفوق/ يتفوق التلميذان      التلميذان تفوقا/ يتفوقان
المثنى المؤنث: تفوقت/ تتفوق التلميذتان    التلميذتان تفوقتا/ تتفوقان
جمع المذكر: تفوق/ يتفوق التلاميذ       التلاميذ تفوقوا/ يتفوقون
جمع المؤنث: تفوقت/ تتفوق التلميذات      التلميذات تفوقن/ يتفوقن
والحقيقة أن هذا الاختلاف فى الإسناد إلى الضمائر المذكورة بين ما يسمى بالمبتدأ وبقية أنواع المسند إليه، لا يمكن أن يبرر بحال من الأحوال الاحتفاظ بازدواج/ تعدد مفاهيم المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم كان وأخواتها وأسماء أفعال المقاربة والرجاء والشروع، بل يكفى إيضاح هذا الاختلاف فى الإسناد (التصريف) بين الفعل الذى يتقدم على فاعله والفعل الذى يتأخر عن فاعله فهو الفاعل فى الحالين مهما اختلف التصريف مع أربعة ضمائر من أصل ثلاثة عشر ضميرا، وحتى بافتراض اختلاف التصريف مع كافة الضمائر. ذلك أن العلاقة النحوية بين الفعل المسند والفاعل المسند إليه تختلف بهذه الاختلافات فى تفاصيل (وليس فى جوهر) التصريف والإسناد.
وبطبيعة الحال فإن من النتائج الإيجابية لإلغاء هذا التمييز بين المبتدأ وبقية أنواع المسند إليه حقيقة أننا نتخلص بذلك من افتراض وجود فاعل بعد الفعل الذى يلى المبتدأ يعود على هذا الأخير (فى هيئة ضمير مستتر) أو يربطه بالمبتدأ (فى هيئة ضمير رفع بارز متصل كما يسمونه وذلك مع كافة ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب باستثناء ضمير الغائب المفرد بنوعيه)، ونتخلص بالتالى مما يسمى بالخبر الجملة الفعلية.
ولعلنا نلاحظ هنا أن هذا الفعل الذى "تأخر" عن المبتدأ قد "تقدَّم" فى الوقت نفسه على الفاعل المزعوم (الضمير المستتر أو البارز المتصل) وأن الإسناد يعامله على أساس "تأخره" على المبتدأ وليس على أساس "تقدمه" على الفاعل المفترض الذى لا وظيفة له سوى تعقيد النحو والإعراب.
وهناك، ثانيا، الواقع اللغوى النحوى الإعرابى المتثل فى أن الفاعل الذى يتقدم عليه فعله مرفوع دوما (إلا فى حالات قليلة يعتبرون فيها أن الفاعل مجرور، فى محل رفع، بحرف جر زائد، مثل: "وكفى بالله شهيدا"[xiv])، أما الفاعل الذى يتأخر عنه فعله (أى ما يسمى بالمبتدأ) فهو مرفوع ما لم يسبقه ناصب أو جارّ، وهذا كثير لأن "المبتدأ" قد يأتى منصوبا بعد حرف ناسخ أومفعولا به منصوبا لفعل سابق وقد يأتى مجرورا بحرف الجر أو الإضافة.
ومرة أخرى فإن هذا الاختلاف الإعرابى بين الحالة التى يتقدم فيها الفاعل والحالة التى يتقدم فيها الفعل لا يبرر بحال من الأحوال ذلك التمييز النحوى التقليدى بين المبتدأ وبقية أنواع المسند إليه، بكل التعقيدات التى يجلبها ذلك التمييز ويفتعلها افتعالا. ويكفى أن نعرف أن الفاعل (المسند إليه) الذى يتقدمه فعله مرفوع دوما (بالاستثناء النادر المذكور أعلاه)، وأن الفاعل الذى يتأخر عنه فعله مرفوع إنْ لم تسبقه عوامل/ أسباب/ مؤثرات نصب أو جر لفظية أو معنوية يخضع لها بدلا من الرفع الذى يمثله وضعه الإعرابى الأصلى كفاعل ينبغى تمييزه بالرفع من المفعول به المنصوب على قاعدة المخالفة النحوية الإعرابية.
وهناك، ثالثا، اختلاف يبدو فى البداية بالغ الأهمية بين ما يسمى بالمبتدأ وبقية أنواع المسند إليه. فالفاعل يُسند إليه الفعل دوما (إذا وضعنا الحذف جانبا)، بينما المبتدأ لا يُسند إليه الفعل بالضرورة فهذا لا يحدث إلا فى حالة ما يُسمى بالخبر الجملة الفعلية حيث يأتى المبتدأ يليه الفعل. وهنا يبدو من السخف التام أن نجمع فى مفهوم واحد هو المسند إليه، بين الفاعل الذى لا يستغنى عن فعل قبله والمبتدأ الذى قد يستغنى عن فعل بعده فلا يحتاج إليه إلا فى نوع واحد من ثلاثة أنواع من الخبر (أعنى الخبر الجملة الفعلية) حسب مذاهب أو مزاعم النحو العربى.
فهل تكمن الحقيقة فى هذا الذى "يبدو"، أم أن هناك "مسافة" ينبغى أن يحاول العلم "دوما" أن يقطعها بين ما يبدو وبين الحقيقة؟
وهناك، من الناحية العملية، جمل لا تحصى ولا تعد، نسمعها أو نقولها، نقرأها أو نكتبها، فلا نجدها تشتمل على الفعل أصلا. وهذا ينطبق على كل "جملة اسمية" لا يكون خبرها "جملة فعلية". فهل هناك حقا جملة خالية من الفعل فى اللغة العربية؟ وما دام المبتدأ ليس فعلا ولا يفترض فيه أن يكون فعلا (إلا فى مثل قولنا: يأكل فعل مضارع)، وما دام الخبر هو الذى يشتمل أو لا يشتمل على الفعل، فمن المنطقى أن نتوقع أن التحليل الدقيق المعمق لما يسمى بالخبر هو الذى سيقودنا إلى الإجابة عن السؤال المذكور آنفا عن حقيقة وجود أو عدم وجود جملة خالية من الفعل، ومن المنطقى أيضا أن ينقلب السؤال إلى: هل هناك خبر خال من الفعل؟
وهنا يحضرنى أن المرحوم الدكتور مهدى علام، النائب الأسبق لرئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، أشار ذات مرة، ضمن تقديمه لكتاب لا أذكر الآن ماذا كان، إلى أن الجملة الاسمية لا ينبغى أن تشمل تلك التى خبرها جملة فعلية لأن هذه الجملة البادئة بالاسم تشتمل مع ذلك على الفعل، وإنما الجملة الاسمية، فى اعتقاده، هى تلك الخالية من الفعل تماما، بينما الجملة الفعلية هى تلك التى تشتمل على الفعل مهما كان مكانه داخل الجملة. وأضاف أن الجملة الاسمية الخالية من كل فعل لا وجود لها فى لغة كالإنجليزية التى لا تعرف سوى الجملة الفعلية بمعنى الجملة المشتملة على فعل مع أن مكانه ليس، نموذجيا، فى بداية الجملة.
ولا يسعنى إلا أن أتفق مع الدكتور مهدى علام فى نقطة أن مكان الفعل (فى أول أو وسط أو آخر الجملة) لا يهم "نحويا"، فلا يبرر بالتالى تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية. لكننى أبادر إلى إبداء الشك العميق فى أن الجملة العربية، أية جملة عربية، يمكن أن تخلو من "الفعل"، اللهم إلا فى إطار مفهوم "الحذف"، وهذا مفهوم واسع لا يقتصر على الفعل بل يمتد ليشمل المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل (تحت مسمى الضمير المستتر)، وكل مفهوم من هذه المفاهيم يحمل لقب "عُمدَة"، كما يمتد من باب أولى من "العمدة" إلى "الفَضْلة" كالمفعول به وغيره.
وشبيه برأى الدكتور مهدى علام رأى المستشرق ج. برجشتراسّر Bergstraesser فى كتابه "التطور النحوى للغة العربية"، إذ يقول:
والجملة مركبة من مسند ومسند إليه فإن كان كلاهما اسما أو بمنزلة الاسم فالجملة اسمية، وإن كان المسند فعلا أو بمنزلة الفعل فالجملة فعلية[xv].
وفيما كنت أتصفح بسرعة كتاب "المرجع فى قواعد اللغة القبطية" لأعرف ما إذا كان النحو القبطى يعرف هذا التمييز الغريب بين جملة اسمية وجملة فعلية، لفت نظرى أن أجد فكرة الدكتور مهدى علام موجودة فى هذا النحو. ونقرأ فى الكتاب المذكور ما يلى:
تنقسم الجملة إلى جملة فعلية واسمية. والجملة الفعلية هى التى تحتوى على فعل يجيء فى أى صيغة من الصيغ، والجملة الاسمية هى التى لا تحتوى على فعل[xvi].
ونقرأ فيه أيضا:
 
الجملة الاسمية البسيطة هى التى لا تحتوى على فعل وإنما تحتوى على مبتدأ وخبر فقط. ويكون المبتدأ اسما أو ضميرا، أما الخبر فيكون اسما موصوفا أو جارّا ومجرورا. والجملة الاسمية تدل على حكم عام له دلالة الحاضر[xvii].
وأنا لا أعرف اللغة القبطية ولا النحو القبطى، ومن يعرفهما يمكن ان يعلق على هذا التصنيف للجملة فى تلك اللغة، غير أن اللافت للنظر هو أن الحديث يدور حول جملة اسمية من المبتدأ والخبر باعتبارها "تدل على حكم عام له دلالة الحاضر"، وهو كل ما يمكن أن يقال عن الجملة المسماة بالاسمية فى النحو العربى (باستبعاد "الجملة الاسمية التى خبرها جملة فعلية") لأن الجملةالاسمية التى لها "دلالة الحاضر"، هى الجملة التى تعطى دلالة المضارع دون أن يكون هناك فعل ظاهر صريح (منطوقا أو مكتوبا)، وهذا ما لا يحدث إلا فى حالة الفعل الرابط المحذوف فى المضارع المثبت، لأن دلالة الزمن لا تأتى دون فعل، ولأن ظهور دلالة زمنية للجملة بدون ظهور الفعل، أى: بدون فعل صريح، إنما يعنى وجود فعل محذوف تظهر حقيقته بالمقارنة مع صياغة الماضى والمستقبل والنفى للمعنى الذى تتضمنه نفس الجملة، مع ملاحظة أن المضارع هو قبل كل شيء، وفى لغات عديدة على الأقل، هو زمن التعبير عن الحقائق العامة.
ورغم أن الإسراف فى تقدير الأشياء المستترة والمحذوفة وما إلى ذلك، كما يفعل النحو العربى، تعقيد غير مقبول، ويقوم بصفة عامة على الوهم، إلا أن هناك ما يدعو إلى افتراض فعل محذوف فى الجمل الخالية عمليا من فعل ظاهر صريح. والمحذوف هو الفعل الرابط فى المضارع المثبت.
والاستنتاج العام هو أن الجملة العربية التى تخلو من فعل غير فعل الكينونة تشتمل على فعل الكينونة ظاهرا صريحا فى الماضى والمستقبل المثبتين والمنفيين، وفى المضارع المنفى، وفى بعض صور المضارع المثبت، وتنطوى عليه غير صريح، أى: محذوفا فى المضارع المثبت، وهذا مع ما يسمى بالخبر المفرد، والخبر الجملة الاسمية الخالية من فعل تام، والخبر شبه الجملة. ومن الجلى بطبيعة الحال أن هذا الاختفاء أو الحذف لفعل الكينونة فى المضارع المثبت، وبالأحرى فى أكثر أحواله شيوعا فى المضارع المثبت، إنما يرجع إلى الاقتصاد اللغوى.
وهنا يتضح بجلاء أن ما يسمى بالخبر المفرد، وهو المرفوع عمليا فيما يسمى بالخبر، والذى قيس عليه رفع الخبر كله، بكل أنواعه، "رفعا مَحلّيا"، ليس فى الحقيقة سوى ما يسمى بخبر كان ( كما يتضح من الماضى والمستقبل مثبتين ومنفيين ومن المضارع منفيا وحتى مثبتا فى بعض الأحوال)، ولم يصبح مرفوعا إلا بصورة عرَضية وظاهرية وعشوائية لأن أصله النصب بعد كان، وعندما تم حذف هذا الأخير فى المضارع المثبت، اختفى بالتالى السبب اللفظى الصريح للنصب وصار ما يسمى بالخبر المفرد مرفوعا، فى سياق أشبه ما يكون بما يسمى بنزع الخافض المؤدى إلى النصب بعد سقوط حرف الجر، فهنا يؤدى "نزع" الناصب إلى هذا الرفع الظاهرى العشوائى.
والخلاصة أن كل مبررات تقسيم الجملة العربية إلى اسمية وفعلية تبدو ضعيفة واهية، بالإضافة إلى أن هذا التقسيم كان ولا يزال بالغ الضرر على النحو العربى، وبالتالى فإن أركان الجملتين: الاسمية (المبتدأ والخبر)، والفعلية (الفعل والفاعل) ينبغى أن تترك مكانها لمفهوم سليم لكل من المسند إليه والمسند.
ويتعارض هذا المفهوم السليم بطبيعة الحال مع الاحتفاظ إلى جانب المسند إليه والمسند بكل المسميات التى تدل على التقسيم إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والمبتدأ والخبر والفعل والفاعل كأركان أساسية لهما، وتقدم الفعل وجوبا على فاعله، وتأخر الفعل وجوبا عن المبتدأ؛ كما يفعل الكثيرون؛ من سيبويه والنحاة القدامى، إلى العقيد الركن أنطوان الدحداح[xviii]، إلى الدكتور مهدى المخزومى، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الرياض[xix].
على أن بلورة المفهوم السليم لكل من المسند إليه والمسند ما تزال بحاجة إلى المزيد من النقاش، وسنبدأ بالمسند إليه.
3
المسند إليه
 
رأينا من قبل أن مرفوعات الأسماء كما يسميها النحو العربى، وهى تشمل إلى جانب بقية المرفوعات ما يسمى بالخبر (أى: المسند)، تختلف جميعا عن هذا الأخير فى واقع أن الأفعال إنما يتم إسنادها إليها، وتصريفها معها، الأمر الذى يجعلها جميعا، باستثناء المسند، متطابقة مع مفهوم المسند إليه، أى تلك الأسماء، والضمائر، إلخ.. التى يتم إسناد الأفعال إليها وتصريفها معها.
وبعد ذلك رأينا أن مايسمى بالمبتدأ يختلف عن بقية أنواع المسند إليه فى تفاصيل بذاتها فى تصريف الأفعال معه مع بعض ضمائر الغائب، وفى الإعراب، وفى مجيء ما يسمى بالمبتدأ دون أن يليه فعل على الإطلاق فى أنواع الخبر المسماة بالخبر المفرد، والخبر شبه الجملة، والخبر الجملة الاسمية. وانتهينا إلى أنه لا سبيل إلى الشك فى أن ما يسمى بالمبتدأ هو فى الحقيقة نوع من أنواع المسند إليه، وإلى أنه لا ينبغى أن يستقل الفاعل عندما يتقدم على فعله بلقب خاص كالمبتدأ الذى لم يدخل مفهومه إلا من باب ذلك التمييز المبدئى المبالغ فيه بين مسند إليه يتقدمه فعله ومسند إليه يليه فعله، فى ارتباط وثيق بتقسيم الجملة العربية الواحدة إلى جملة اسمية وجملة فعلية.
والخلاصة هى ان المسند إليه مفهوم ينطبق على "مرفوعات" الأسماء، باستثناء المسند المسمى بالخبر. والمسند إليه والمسند هما الركنان الوحيدان للجملة العربية (دون تمييز بين جملة اسمية وجملة فعلية)، وسنرى أنهما كل شيء فى الجملة، فكل شيء فى الجملة غير المسند إليه هو المسند، وكل ما فيها غير المسند هو المسند إليه.
على أن المسند إليه يواجهنا من جديد ببعض التناقضات التى ينطوى عليها مفهومه النحوى. صحيح أنه هو ما نسند إليه الفعل ونصرّفه معه حسب عدده ونوعه، وصحيح أنه هو المرفوع من حيث المبدأ على قاعدة المخالفة مع نصب المفعول به، وصحيح أنه هو موضوع الحديث، والمحدَّث عنه، والمحكوم عليه، وأننا نحكم عليه بالمعنى المثبَت أو المنفى الذى يتضمنه المسند الذى هو الركن الآخر للجملة، أى المحكوم به، أو المحمول، أو المتحدَّث به.
غير أننا نواجه مع ذلك مجموعة من التناقضات. وإذا استعدنا حقيقة أن المسند إليه هو فاعل الفعل، وأن لفظ "الفاعل" ربما كان بديلا موفقا عن (وحتى أفضل فى كثير من الأحوال من) تعبير "المسند إليه"، يواجهنا فى الحال ذلك السؤال الملح عن معنى "الفاعلية" وكيف تنطبق هذه الكلمة بدلالاتها اللغوية المعروفة على الفاعل ونائب الفاعل؛ باعتبار هذا الأخير فاعلا للفعل المبنى للمفعول أو المسند إلى المفعول والمصرَّف معه، وكيف تنطبق الفاعلية على فاعل كل من الفعل المتعدى والفعل اللازم، وكيف تنطبق مع الإرادة وانعدامها، مع الدلالة على الحدث ومع الدلالة على مجرد الربط (فعل الكينونة بصفة خاصة)؟ وكيف نطبق مفهوما كالمسند إليه بمعنى الفاعلية على "محمود"، على قدم المساواة، فى جمل مثل: "قَتَلَ محمودٌ اللصَّ بعد مطاردة رهيبة"، و"قُتِلَ محمودٌ فى الحادث"، و"غَرِقَ محمودٌ"، و"كان محمودٌ شاعرًا كبيرًا"؟؟!!
ولا شك فى أن الأفعال بكل أحوالها المشار إليها (التام والناقص، المتعدى واللازم، المبنى للمعلوم والمبنى للمفعول)، وبكل الدلالات المعجمية للأفعال وبكل دلالاتها فى أبنية مجرد الثلاثى والرباعى ومزيداتهما، إنما يتم تصريفها مع المسند إليه بمختلف أنواعه، غير أن السؤال يظل مطروحا فيما يتعلق بطبيعة العلاقة الدلالية القائمة بين المسند إليه وفعله، فالفاعلية فى الأفعال التى تدل على أحداث، غير الكينونة فى الأفعال التى تدل على مجرد الكينونة أو على أوقات الكينونة، بالإضافة إلى حقيقة أن نائب الفاعل إنما هو الفاعل بالمعنى النحوى الذى هو المسند إليه من حيث الإسناد الصرفى (تصريف الفعل المبنى للمفعول مع المسند إليه وتسميته نائبا للفاعل)، ومن حيث الإعراب (فهو مرفوع كما ينبغى للمسند إليه أو الفاعل أن يكون) ولكنه فى الوقت نفسه مفعول به فى المعنى، إذ يدل بناء الجملة على وجود فاعل محذوف أحدث ما أحدث فى هذا المسمى بنائب الفاعل والذى لا يمكن أن نتصور عقلا أن ينوب عن الفاعل؛ اللهم إلا فى حالات نادرة فى مثل قولنا: "أنيب محمودٌ عن رئيسه" فمحمود هنا نائب عن الفاعل (أى: عن رئيسه) إذا كان رئيسه بنفسه هو الذى أنابه عنه.
وربما ألقى ضوءًا باهرا على هذا الالتباس واقع أن الأفعال بكل الأبنية ذات الدلالات المتباينة، وبكل أحوالها من حيث التعدية واللزوم أو البناء للمعلوم أوالمجهول؛ إلخ.....، تحمل جميعا، مع كل هذا، لقب "الفعل"، ولهذا فإن التباين الدلالى لمفهوم الفعل ذاته يقود بيسر إلى فهم وتفسير التباين الدلالى لمفهوم الفاعل.
على أن تعريف الفاعل، وهو مقتصر أصلا على المفهوم الأصلى للفاعل، أى بدون بقية المسند إليه، بدون المبتدأ، وبدون نائب الفاعل، وبدون أسماء "كان وأخواتها"، يقدِّم حلا سليما لتناقضات الفاعلية كما يطرحها الفاعل بمفهومه الأصلى، فالفاعل هو مَنْ (أو: ما) قام بالفعل، أو قام به الفعل، أو اتصف بالفعل، أو أسنِد إليه الفعل (طبعا بشرط أن يكون مبنيًّا للمعلوم وهو شرط يستبعد نائب الفاعل، وأن يكون فعلا تاما وهو شرط يستبعد الأفعال الناقصة وبالتالى اسم "كان وأخواتها"، وأن يتقدم على فاعله وهذا شرط يستبعد المبتدأ). ويتمثل الحلّ فى أن الفاعل بالمعنى النحوى لا يتصف بالضرورة بالدلالة اللغوية للفاعلية. وإذا قلنا: "يجرى الماء فى النهر"، فالفاعل هنا لا يقوم بفعل إرادى، وإذا قلنا: "غرق فلان فى البحر"، فالفاعل هنا ضحية الفعل وموضوعه وليس فاعله الحقيقى (وربما كان الفاعل الحقيقى هو البحر)، وإذا قلنا: "عَظُمَ فلانٌ"، فإن المقصود هو أن الفاعل عظيم، فهو لم يفعل شيئا بل اتصف به، أى: بالعَظَمَة.
كل هذا مقبول كفاعل، ومن السهل للغاية أن يمتد هذا المعنى النحوى للفاعلية إلى المبتدأ بالذات، لأن الفاعل والمبتدأ لا يختلفان فى الحقيقة إلا فيما فرضه عليهما النحاة من تقديم وجوبى للفعل على الفاعل وتأخير وجوبى للفعل على المبتدأ انطلاقا من نظرياتهم وليس من واقع اللغة العربية ذاتها. فلا صعوبة إذن فى إدراك أن "المبتدأ" الذى يليه فعل تام، مبنى للمعلوم، إنما هو الفاعل بعينه. وهكذا نجد أن المبتدأ والفاعل بمفهوميهما الأصليين أقرب إلى بعضهما (وهما فى الحقيقة نفس الشيء) من الأنواع الأخرى للمسند إليه، لأن كل ما يصدق على أحدهما يصدق على الآخر من حيث "معنى" الفاعلية.
أما نائب الفاعل فمن الجلى أنه ذو طبيعة مزدوجة. فهو مسند إليه من حيث الإسناد والتصريف والإعراب: كفاعل يسبقه فعله المبنى للمفعول [للمجهول]، أو كمبتدأ يليه فعله المبنى للمفعول (وهو فى الحالين "فاعل" لفعل مبنى للمفعول) لأن هذا الفعل يُسنَد إليه ويُصَرَّف معه كما يقوم إعرابه بالرفع كفاعل على إسناد هذا الفعل إليه. غير أنه من ناحية أخرى [من ناحية المعنى] ليس فاعلا، فهو بالأحرى مفعول به لأنه المقتول وليس القاتل فى جملة: "قُتِلَ فلانٌ". غير أن فاعل الفعل المبنى للفاعل [للمعلوم] قد يكون بدوره ضحية للفعل الذى أُسنِد إليه بصورة لا تقلّ عن هذا المفعول الذى بُنِى له الفعل فصار نائب فاعل وفقا للنحو التقليدى. وفى جُمَل: "ماتَ فلانٌ"، أو "فلانٌ ماتَ"؛ أو: "غَرِقَ فلانٌ"، أو: "فلانٌ غَرِقَ"؛ أو: "تاهَ فلانٌ"، أو: "فلانٌ تاهَ"؛ يظلّ الفاعل هو "فلانٌ" (إذا وضعنا ما يسمى بالمبتدأ جانبا) فهو الميت، وهو الغريق، وهو التائه، وهناك فاعل مفترض، معلوم يُخْشَى منه أو عليه أو مجهول، وغير مذكور عادةً، هو الذى أماتَ (وقد يكون عزرائيل)، وأغرقَ (وقد يكون البحر أو الموج أو الدوار أو عدم إتقان السباحة)، وأتاهَ (وقد يكون الطريق أو الجهل بمسالكه). فلا فرق إذن من ناحية الفاعلية بين الفاعل لأفعال كثيرة (بحكم طبيعة هذه الأفعال) ونائب الفاعل، فهما من حيث المعنى مفعولان وليسا فاعليْن. غير أنهما يصلحان كلاهما للإدراج تحت مسمى المسند إليه أو الفاعل بالمعنى النحوى للكلمة.
فلا يبقى إذن سوى ما يُسمى اسم "كان وأخواتها" (وأفعال المقاربة والرجاء والشروع). وتدل هذه الأفعال على الكينونة، والتوقيت بالصباح أو الضحى أو النهار أو المساء أو الليل، وبيان المدة، والتحول، والنفى، والاستمرار (كان وأخواتها بالمعنى الضيق)، أو على قرب وقوع "الخبر" (أفعال المقاربة)، أو على رجاء (تَمَنِّى) وقوع "الخبر" (أفعال الرجاء)، أو على "البدء" فى وقوع "الخبر" (أفعال الشروع).
غير أن هذه الأفعال بدلالاتها المذكورة لا تزيد ابتعادًا عن الدلالة اللغوية للفاعلية عن كثرة من الأفعال اللازمة ولا عن الأفعال المبنية للمفعول. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذه الأفعال لا تقوم بالربط فقط بين المسند إليه والمسند، بل تضيف معانى الاستمرار، أو الوشوك، أو الصيرورة، أو النفى؛ إلخ. إلخ.. إلى بقية المسند من أفعال وغيرها. والأهم من كل هذا أن فعل الكينونة بالذات يتجاوز الربط إلى تكوين عدد من الأزمنة المركبة مع الأفعال الأخرى فى اللغة العربية تماما كما يفعل فى الإنجليزية والفرنسية وكثرة من اللغات الأوروبية [بل ينفرد فعل الكينونة فى لغتنا بأنه يقوم فى مجال تكوين الأزمنة المركبة بما يقوم به فعل الكينونة وفعل الملكية معًا فى هذا المجال فى كثرة من اللغات الأوروپية].
ومعنى هذا أن الاسم الحقيقى لما يسمى باسم كان وأخواتها بكل أنواعها هو المسند إليه أو الفاعل. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن نظرة النحو العربى إلى أفعال "كان وأخواتها" على أنها من نواسخ المبتدأ والخبر تواجهنا بمشكلة جديدة. ذلك أنه عندما يُزاح مصطلحا المبتدأ والخبر جانبا تحتاج كل "نواسخهما" المزعومة هذه من أفعال ترفع المبتدأ وتنصب الخبر (كان وأخواتها وأفعال المقاربة والرجاء والشروع)، أو تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان، كما يدعى هذا النحو (ظن وأخواتها: أفعال القلوب وأفعال التصيير)، ومن حروف تنصب المبتدأ وترفع الخبر (إن وأخواتها) إلى إعادة نظر شاملة.
على أن الجانب الأكبر من إعادة النظر الشاملة هذه، بعد النظر كمسند إليه (كفاعل) إلى اسم "كان وأخواتها"، أو اسم "إن وأخواتها"، الذى تليه كان الصريحة أو المحذوفة أو أخواتها [تختلف أفعال "ظن وأخواتها" فى أن لها فاعلا أصلا قبل ما يسمى بدخولها على المبتدأ والخبر ونصبهما كمفعوليْن فيما يزعم النحاة]،إنما يتجه إلى المسند (الخبر)، مع ملاحظة أن ما ينطبق على ما يسمى بخبر المبتدأ ينطبق أيضا على ما يسمى بخبر "كان وأخواتها" أو ما يسمى بخبر "إن وأخواتها"، مع فارق مهم هو أن الفعل "كان" يأتى صريحا فى حالة "كان وأخواتها"، وهنا يأتى ما يسمى بخبر "كان" منصوبا، ويأتى صريحا مع "إن وأخواتها" وهنا يأتى ما يسمى بخبر "كان" منصوبا أيضا وهنا يتكون من فعل "كان" مع الفاعل المزعوم بعده من ضمير مستتر أو ضمير رفع بارز متصل، فيما يزعم النحاة، خبر "إن" وهو من النوع المسمى عند هؤلاء بالخبر الجملة الفعلية، وقد يختفى فعل "كان" محذوفا بعد "إن وأخواتها" وفى هذه الحالة الأخيرة يأتى ما يسمى بخبر "إن" مرفوعا إنْ كان مفردا؛ فى غياب الناصب الصريح.
ومعنى هذا أن "كان وأخواتها" و"إن وأخواتها" لا تمثلان عالميْن مختلفيْن متباعديْن بينهما سور صينى عظيم، بل هما متداخلتان تماما، ذلك أن "إن وأخواتها" لا تستبعد أخوات "كان" صريحة ولا فعل "كان" صريحا أو "محذوفا" (فى حالة المضارع المثبَت) بعد المسند إليه بعد "إن وأخواتها"، إلا إنْ كان الفعل المسند فعلا آخر غير "كان وأخواتها". ذلك أن بوسعنا أن نقول: "إن الليل كان طويلا"، أو: "إن الليل سيكون طويلا"، أو: "إن الليل طويل"؛ وفى الجملة الأخيرة نفترض حذف "كان" قبل "طويل" تماما كما نفترض فى جملة: "الليل طويل" حذف "كان" قبل أو بعد "الليل"، وهذا الأخير هو المسند إليه أو الفاعل فى الحالين.
وقبل أن نقف وقفة متأنية عند العبارات والتراكيب اللغوية التى يمكن أن يتحقق من خلالها المسند إليه (أو: الفاعل)، نتوقف قليلا لمقارنة عابرة مع "نحو" لغة أخرى، هو "نحو" اللغة الإنجليزية، لنرى كيف أمكن لنحو تلك اللغة، وهو بالمناسبة نحو متطور للغاية، خاصة بفضل الثورة التى شهدها فى العقود الأخيرة، أن يقرر أن الفاعلية بالمعنى النحوى متحققة بلا أدنى شك فى أشكال شتى للمسند إليه (الفاعل) وفى أنواع وأشكال ودلالات وأحوال شتى للأفعال التى يجرى إسنادها إليه.
ونعتمد هنا على كتاب: A University Grammar of English [قواعد النحو الإنجليزى للجامعات] من تأليف راندولف كويرك Randolph Quirk، الأستاذ بجامعة لندن، وسيدنى جرينباوم Sidney Greenbaum، الأستاذ بجامعة ويسكونسين (والكتاب حديث نسبيا فهو صادر فى 1988)[xx].
والمسند إليه (الفاعل) subject هو عادة مجموعة اسمية a noun phrase (اسم أو ضمير مع أو بدون صفة أو اسم موصول مع أو بدون صلة الموصول)، أو مجموعة جُمْلِيَّة (= "جُمَيْلَة"[xxi]) a clause (بادئة ﺒ "أنَّ" that-clause) ذات وظيفة اسمية a nominal function.
* والدور الدلالى الأكثر نموذجية للمسند إليه هو أنه فاعل agentive [أداتيّ] أى: مَنْ يقوم بحدث، وهو الكائن الحى الذى يُحْدِثُ الحدث الذى يدل عليه الفعل، مثل ما بين القوسين:
 
(چون) فتح الرسالة.
 
* وبالإضافة إلى وظيفته الفاعلية يكون للمسند إليه عادة دور مساعد أو مؤثِّر، أى أنه يعبر عن السبب المادى غير المقصود (غير الحى عادة) لحدث، مثل ما بين القوسين:
 
(الانهيار الجليدى) دمر منازل عديدة.
 
* ومع الأفعال اللازمة يكون للمسند إليه عادة دور متأثر affected، وهو الدور النموذجى للمفعول به، مثل ما بين القوسين:
 
(چاك) وقع على الأرض.
(القلم) كان موضوعا على المنضدة.
 
* ويمكن أيضا أن نمدّ الوظيفة الأخيرة إلى الأفعال التوكيدية intensive verbs، مثل ما بين القوسين:
 
(القلم) كان على المنضدة.
 
* ويغدو من الممكن الآن أن نلاحظ وجود علاقة منتظمة، من حيث وظيفة " المجموعة الجُمْلِيَّة " clause function، بين الصفات أو الأفعال اللازمة والأفعال المتعدية التى تناظرها والتى تعبِّر عن معنى سببى causative، مثل ما بين القوسين:
 
المسند إليه          الفعل
 متأثر
(الباب)              انفتح
(الزهور)            ماتت
                    ***
متأثر                              المتمم
(الطريق)           صار          أضيق
(أنا)               صرتُ         غاضبا
                   ***
فاعل
(كلبى)            كان يتنزه                           
المسند إليه        الفعل          المفعول به
 فاعل/مؤثر                          متأثر
(چون/المفتاح)      فتح               الباب
(الجليد)             قتل              الزهور
                   ***
فاعل/مؤثر                            متأثر
(هم)              ضيَّقوا              الطريق
(سلوكه)          أغضب ............ نى
                  ***
فاعل                                 متأثر
(أنا)             كنتُ أُنزِّه             كلبى
 
 
* ويمكن أن يكون للمسند إليه أيضا دور [وظيفة] المتلقِّى recipient مع أفعال مثل: "يملك"، مثل ما بين القوسين:
 
(سميث) يملك جهاز راديو............. [اشتراه أو اشتراه له أبوه]
 
* وقد تكون للمسند إليه وظيفة بيان المكان أو الزمان، مثل ما بين القوسين:
 
(هذا الطريق) يَعُجُّ بالنمل.
(يوم الجمعة) سيكون عيد ميلادى.
 
* وهناك المسند إليه الدال على ترتيب أو نشاط متفق عليه، مثل ما بين القوسين:
 
(الحفل الموسيقى) سيكون يوم الخميس.
 
وهكذا، فبفضل تراثنا النحوى الذى أعطى لفاعلية المسند إليه (الفاعل) دلالة نحوية دقيقة: قيامه بالفعل، أو: قيام الفعل به، أو: اتصافه بالفعل، وكذلك بالاستفادة بهذه المقارنة مع النحو الإنجليزى الذى شهد ثورة عميقة خلال العقود الأخيرة، نعود مطمئنين أكثر إلى إحلال مفهوم الفاعل أو المسند إليه محل كل ما يسمى بمرفوعات الأسماء باستثناء المسند (الخبر)، والحقيقة أن هذا الأخير ما كان ينبغى إدراجه أصلا ضمن مرفوعات الأسماء كما سوف نرى.
ويمكننا الآن أن ننتقل إلى بعض تجليات المسند إليه (الفاعل) للإلمام بها، ولمحاولة حلّ عدد من المشكلات التى تتعلق بالمسند إليه، فى الأقسام الثلاثة التالية قبل أن ننتقل إلى المسند (الخبر).
 
 
 
 
 
 


4
المسند إليه
بعض تجلياته أو أشكال تحقيقه
 
فى "معجم النحو"، الذى وضعه الشيخ عبد الغنى الدقر، نقرأ التعريف التالى "للفاعل":
هو اسم، أو ما فى تأويله، أُسند إليه فعل تام أو ما فى تأويله، مقدَّم عليه، أصلى المحلّ والصيغة[xxii].
وأما ما فى تأويل الفعل فهو ما يعمل عمل الفعل، ويشمل الصفة (وهذه تشمل اسم الفاعل، وأمثلة أو صيغ المبالغة، والصفة المشبَّهة، واسم التفضيل) والمصدر واسم الفعل والظرف (كمايقول فى المتن والهامش)[xxiii]. غير أننا لن نقف عند ما يعمل عمل الفعل لأننا نركز المناقشة، طوال هذا البحث، من خلال حصرها فى حدود الفعل دون المؤوَّل به.
وكذلك لن نقف عند عبارة "مقدَّم عليه، أصلى المحلّ والصيغة" لأن المقصود بها، كما ورد فى الهامش[xxiv]، هو استبعاد المبتدأ والفعل المبنى للمجهول. فقد سبق أن ناقشنا مسألة أن المسند إليه (الفاعل) هو ذاته المبتدأ، وهو ذاته نائب الفاعل، وهو ذاته اسم كان وأخواتها" (بما فى ذلك أفعال المقاربة وأفعال الرجاء وأفعال الشروع).
وإنما يهمنا الآن "الاسم، أو ما فى تأويله" لأننا نتجه الآن إلى مناقشة العلاقة بين المسند إليه من ناحية، وأنواع الكلمة أو الكلمات أو العبارات أو التراكيب التى تكون، أو تصلح لأن تكون، المسند إليه من ناحية أخرى.
والمقصود بالاسم هنا هو الاسم الصريح الظاهر، أو ما يسمى بضمائر الرفع البارزة المتصلة (وهذه الأخيرة ليست فى الحقيقة ضمائر والتقدير السليم لها هو أنها نهايات تصريف الأفعال)، أو ما يسمى بالضمير المستتر (وهذا ليس سوى وهم)، أو الاسم الموصول. أما ما فى تأويله فهو التراكيب المصدرية، مثل ما بين القوسين فى الآية: "أو لم يكفهم (أنَّا أنزلنا)"[xxv]، أو فى الآية: "أو لم يأن للذين آمنوا (أنْ تخشع قلوبهم)"[xxvi].
وهذا لا يختلف من الناحية الجوهرية عن تعريف المبتدأ، فى المعجم المذكور، وهو:
المبتدأ اسم صريح، أو بمنزلته، مجرد من العوامل اللفظية، أو بمنزلته، مُخْبَرٌ عنه، أو وصف رافع لمكتفٍ به[xxvii].
والمقصود بالاسم هنا هو الاسم الصريح الظاهر، وكذلك ضمير الرفع البارز المنفصل، واسم الإشارة، والاسم الموصول، وأما الذى بمنزلته فهو ما بين القوسين فى الآية: "و(أن تصوموا) خير لكم"[xxviii].
والمقصود بالمجرد من العوامل اللفظية (الأصلية) هو ما لم تسبقه مثلا حروف جرّ (أصلية) تخرج به عن أن يكون المبتدأ؛ مثل: إلى، على، عن، وأما الذى بمنزلة المجرد من العوامل اللفظية فهو المجرور ظاهريا بحرف جرّ زائد مثل "مِنْ" و"الباء"[xxix].
ومن الجلى أن الاسم (الصريح أو الضمير) أو الذى بمنزلته، والمجرد من العوامل اللفظية الأصلية أو الذى بمنزلته، أشياء تنطبق على الفاعل كما تنطبق على ما يسمى بالمبتدأ، فهى كلها تصلح إذن للمسند إليه، أو تكون كلها المسند إليه.
والحقيقة أن التجريد من العوامل اللفظية (الأصلية أو غير الأصلية؟!) لا ينبغى أن يكون شرطا للمسند إليه بأى نوع من أنواعه، وإنما هى نظرة النحو العربى التقليدى الذى لا يتصور مفعولا لفعل وفاعل سابقين قبل أن يصير فاعلا لفعل آخر "جديد" فى الجملة نفسها، والذى لا يتصور مجرورا بحرف جر أصلى أو بالإضافة فاعلا فى الوقت ذاته لفعل يأتى بعده، مع أنه يتصور "ازدواجات" أخرى عديدة إعرابية أو نحوية وإعرابية مثل اللفظة الواحدة منصوبة بعد "إن وأخواتها" مع أنها المبتدأ أو المسند إليه مثلا، أو مثل اللفظة الواحدة التى هى مضاف إليه باعتبار ما قبلها ومضاف باعتبار ما بعدها، مثل لفظة "حجرة" فى جملة: "بابُ حجرةِ الدراسة مفتوح"، فهى مضاف إليه بعد "باب" ومضاف قبل "الدراسة".
أما الوصف الواقع مبتدأ، والذى يستغنى عن خبره بمرفوعه الفاعل (مثل: أَمُرْتَفِعٌ البناءُ؛ ومثل: ما مُكْرَمٌ الجبانُ) حيث البناء فاعل، والجبان نائب فاعل[xxx]، بينما احتاج كل من الوصفين إلى فاعل أو نائب فاعل؛ مُرْتَفِعٌ (اسم فاعل) إلى الفاعل، ومُكْرَمٌ (اسم مفعول) إلى نائب الفاعل، فإنه فى نظرى ظاهر التكلف، ويؤكد هذا شرحُهم ذاته وفحواه أن:
بعض أنواع الوصف يُشبه الفعل فى أنه يرفع بعده فاعلا أو نائب فاعل؛ وذلك بشروط معينة ...[xxxi].
وإذا كان الوصف "مرتفع" ... "يُشبه الفعل"، ويحتاج بالتالى إلى فاعل هو "البناء" - فلماذا لا يعتبرونه نوعا من الفعل والفاعل؟ أو بالأحرى - وببساطة - خبرًا متقدما (مرتفع) ومبتدأً متأخرا (البناء)؟ ولا يغير من هذا فى شيء واقع أن الجملة استفهامية (أمرتفع البناء؟ = أالبناء مرتفع؟ = هل البناء مرتفع؟) أى أننا إزاء المسند إليه (الفاعل) وهو "البناء" وما يسمى بالخبر المفرد المرفوع وهو "مرتفع"، حسب طريقة النحاة، وسوف يتأكد لنا أن هذا المسمى بالخبر المفرد المرفوع ليس خبرا (مسندا) وليس مرفوعا (بل هو ما يسمى فى النحو العربى التقليدى بخبر كان "= متمم الفاعل فى المصطلح النحوى الحديث" بعد حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبَت).
والحقيقة أن هذه الجملة من المبتدأ الوصف والمرفوع الفاعل (أو بإيجاز: هذه الجملة من المبتدأ والفاعل) تمثل ذروة الاضطراب فى نحوهم الذى يفترض، كما يقول ابن عقيل، أن:
المبتدأ على قسمين: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له فاعل سدّ مسدّ الخبر[xxxii].
أما عبارة "مخبر عنه" فهناك بالطبع المسند (الخبر)، وهو الفعل أو الفعل وما صحبه، وبإطلاق التقديم والتأخير فى ترتيب عناصر الجملة لن يكون هناك فرق نحوى حقيقى بين الفاعل (المسند إليه) وما يسمى بالمبتدأ، كما رأينا من قبل.
وهكذا نجد أننا فى الحالين إزاء، أو إزاء ما يصلح لأن يكون، المسند إليه (الفاعل). فما هى الكلمة أو الكلمات أو العبارات أو التراكيب التى تصلح لذلك؟
وبطبيعة الحال فإن الحديث عن الكلمات أو العبارات التى تصلح أو لا تصلح لأن تكون المسند إليه (الفاعل) ينطبق بحذافيره تقريبا على كل المسميات الأصلية التى تندرج تحت مفهوم المسند إليه (من فاعل، ونائب فاعل، ومبتدأ، واسم "كان وأخواتها") كما ينطبق أيضا على المفعول به الذى يكون أيضا اسما صريحا (أو ضميرا بارزا منفصلا أو "متصلا" أو اسما موصولا) أو ما فى تأويل الاسم. على أن التجرد من العوامل اللفظية التى قد تصنع الازدواج النحوى أو الإعرابى ينطبق على بعض أنواع المسند إليه أكثر من غيرها، كما يكون انطباقه على المفعول به أقل بما لا يقاس من انطباقه على المسند إليه.
وينبغى أن يكون واضحا على وجه الخصوص أن هذا الحديث لا ينطبق على المسند (الخبر). فالمسند يختلف جوهريا عن المسند إليه فى حقيقة أن هذا الأخير عنصر من عناصر الجملة (مهما تعددت كلمات هذا العنصر) أما المسند فقد يتكون من مجموع كافة العناصر الأخرى للجملة (الفعل، والمفعول به، ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به، والظرف). والحد الأدنى للمسند (الخبر) هو الفعل اللازم. ولأن المسند (الخبر) هو قبل كل شيء الفعل، مع أو بدون عناصر أخرى، فهو جزء من الجملة يختلف عن المسند إليه بكل أشكاله، ولا يُعقل الحديث عن كلمات أو عبارات تصلح أو لا تصلح لأن تكون المسند (الخبر) وإنما يكون الحديث النحوى المنطقى الحقيقى عن عناصر الجملة التى تشكل المسند (الخبر) وأولها الفعل. على أن من المنطقى بعد ذلك أن نلتفت إلى الكلمات أو العبارات أو التراكيب التى تصلح لأن تكون "التحقيق المباشر" لكل عنصر من عناصر الجملة التى يتشكل منها المسند. ومن هذه العناصر: "الفعل" وهو معروف ومتميز، والمفعول به وينطبق عليه بوجه عام ما ينطبق على المسند إليه من حيث تحقُّقُه بالاسم أو ما فى تأويله، وهناك تراكيب خاصة متنوعة لكل من العنصرين الباقييْن: الظرف، ومتمم الفاعل ومتمم المفعول به.
وليس من الوارد هنا بطبيعة الحال أن نستقصى كافة الكلمات أو تراكيب أومجموعات الكلمات التى تصلح أو لا تصلح لأن تكون المسند إليه (الفاعل)، أو لأن تكون عناصر أخرى. ذلك أن التركيز هنا ينصبّ على نقاط بذاتها فى سبيل تطوير النحو ولا يمكن فى مثل هذا السياق التفكير فى الإلمام بكل أبواب النحو أو فى تقديم عرض منهجى منتظم للنحو الجديد المقترح. وعلى هذا فإننا سنقف بإيجاز عند عدد من الكلمات أو أقسام الكلام أو العبارات أو التراكيب أو الصيغ التى تُستعمل عادة فى تحقيق أشكالٍ للمسند إليه (الفاعل).
وقد أشرنا، منذ قليل، إلى "الاسم"، ويمكن أن نضيف إلى الاسم ما يمكن أن يحلّ محلّه كالضمير أو اسم الإشارة المستعمل ضميرا، واسم الموصول، وكذلك التراكيب المصدرية التى يمكن تأويلها بالاسم أو القابلة للقيام بوظيفة اسمية.
على أنه ينبغى النظر إلى "كل لفظة" على أنها تصلح للاستعمال مسندا إليه (فاعلا) فى سياقات بذاتها، وبصفة خاصة فى سياق "التعريف"؛ مثل ما بين القوسين:
 
(الأسدُ) اسمٌ.
 
(يَذْهَبُ) فعلٌ.
 
(إلى) حرفٌ.
 
فالكلمات المستعملة بين قوسين هنا مستعملة وكأنها "أسماء" بتضمين معنى: "كلمة كذا" (= [كلمة "إلى"] حرف).
على أن الاسم وما فى معناه وما يحلّ محلّه هو المسند إليه (الفاعل). وهنا يمكن الحديث عن المجموعة الاسمية والمجموعة الفعلية. والمجموعة الاسمية تتضمن اسما وحدّها الأدنى هو هذا الاسم. والمجموعة الفعلية تتضمن فعلا وحدّها الأدنى هو هذا الفعل. والمجموعة الاسمية بحدّها الأدنى يمكن أن تكون: أسد، بنت، تلميذ، حسام، فرنسيون. غير أن هذا الحد الأدنى "قابل" للتوسيع بالتحلية ﺒ "ال"، أو بالوصف بكلمة أو أكثر، أو بإضافات متنوعة (بما فى ذلك تحويلها إلى مجموعة اسمية تحتوى على عناصر جملة متعددة دون أن تفقد حقيقة أنها مجموعة اسمية قابلة للقيام بوظيفتها الاسمية)، وهذه المجموعة الاسمية قابلة للاستعمال كمسند إليه لكن أيضا كمفعول به كما أنها صالحة لبعض العناصر الأخرى للجملة.
أما المجموعة الفعلية فيمكن أن تكون، فى حدها الأدنى، فعلا من الأفعال، مثل: أكل، قرأ، فهم، يستقبل. ولكنها أيضا قابلة للتوسيع بالنفى، أو بتكوين المجموعة من كلمات يتمثل رأس المجموعة فيها فى فعل.
وإلى جانب المجموعة الاسمية والمجموعة الفعلية هناك المجموعة الجُمْلية (= الجُمَيْلة) وتسمى هذه المجموعة (الجُمْلية) بالإنجليزية clause وبالفرنسية proposition وهى تتكون من مجموعة اسمية noun phrase (بالإنجليزية) أو groupe nominal (بالفرنسية) ومجموعة فعلية verb phrase (بالإنجليزية) أو groupe verbal (بالفرنسية). وتصلح المجموعة الجُمْلية ذات الوظيفة الاسمية للمسند إليه وللمفعول به، وتبدأ هذه المجموعة الجُمْلية ذات الوظيفة الاسمية بالأدوات: أَنْ، أَنَّ، ما.
والحقيقة أن تمحور النحو العربى حول الإعراب (منذ نشأته المتمحورة حول الإعراب بالذات ضد ظاهرة اللحن الإعرابى الذى كان يشكل خطرا على الإعراب فى مسار تاريخى انتهى بإسقاطه فى لغة الحياة اليومية وفى دوائر واسعة من لغة الكتابة والثقافة) أدَّى إلى تضحية النحاة فى كثير من الأحوال بالمفهوم السليم للمسند إليه كعنصر من عناصر الجملة لصالح اللفظة المفردة التى تحمل علامة الرفع (كما ظلوا يفعلون مع حالات الإعراب الأخرى كذلك)، مما أدَّى بهم إلى اعتبار المسند إليه هو اللفظة التى تحمل علامة الإعراب اللهم إلا فى حالات الإعراب المحلى والجمل التى لها محل من الإعراب، وفقا لمصطلحاتهم الشهيرة.
وعلى سبيل المثال ففى جملة: "سيأتى (معلِّم) المدرسة وليس (معلِّم) السوق"، يعتبر النحاة ما بين القوسين أى كلمة "معلِّم" هو المسند إليه بعد كل من "يأتى” و"ليس"، على حين يتمثل المنطق النحوى السليم فى أن المسند إليه هو "معلم المدرسة" فاعلا للفعل "يأتى” و"معلم السوق" فاعلا للفعل "يأتى” المنفى ﺒ "ليس"، مع إيضاح لا مناص منه هو أن اللفظة الأولى هى التى تأخذ إعراب المسند إليه (أى: الرفع، وعلامته هنا أى: الضمة) دون لفظة المضاف إليه المجرورة بالإضافة رغم أنها "جزء لا يتجزأ"، كما يُقال، من المسند إليه (الفاعل).
وعلى هذا سنورد مجموعة من الجمل وضعنا المسند إليه (الفاعل) فى كل منها بين قوسين، أما ما يرد خارج القوسين فهو المسند سواء جاء "قبل" المسند إليه أو "بعده"، أو جزء منه "قبله" وجزء آخر منه "بعده":
1: (هى) تعزف على الپيانو. 
2: (هذه الفتاة الجميلة) تعزف على الپيانو.
3: (تلك الفتاة الجميلة ذات الحسب والنسب) تعزف على الپيانو.
4: (تلك الفتاة الجميلة ذات الحسب والنسب التى غضبت منى أمس عندما تحدثت معها بعصبية لم أقصدها أبدا والله العظيم) تعزف على الپيانو.
5: (هذه) تعزف على الپيانو و(تلك) على الكمان.
6: (صديقى الحميم) سيأتى معه.
7: سيأتى (صديقى الحميم) معه.
8: (أنَّك أتيتَ) كان جميلا منك.
9: (واقع أنَّك أتيتَ) كان جميلا منك.
10: كان جميلا منك على كل حال(واقع أنَّك أتيتَ).
11: (أنْ تعتذر) خير من أن تعاند وتستكبر.
12: (ما تسبب فى انقطاعه المفاجئ) ما يزال غير مفهوم.
13: "و(أنْ تصوموا) خير لكم"[xxxiii].
14: "أوَ لم يكفهم (أنَّا أنزلنا)"[xxxiv].
15: "عزيز عليه (ما عَنِتُّمْ)"[xxxv].
16: "قل أُوحى إلى ( أنه استمع نفر من الجن)"[xxxvi].
ويمكن بطبيعة الحال مضاعفة المسند إليه (الفاعل) بالعطف مثل ما بين القوسين فى جملة: "(فلان وعلان) قاما بكذا"، أو بإضافة بدل له: "(عبد السلام، صديقى الذى حدثتك عنه أمس،) سيأتى لزيارتنا اليوم"، كما يُحذف المسند إليه (الفاعل) مع فعل الأمر، وكذلك عند تعدد الأفعال المسندة إليه فهو لا يتكرر مع كل فعل جديد.
ونعود هنا إلى نقطة بالغة الأهمية، ألمحنا إليها من قبل، فيما يتعلق بالمسند إليه (الفاعل)، ويمكن أن نصوغ هذه النقطة فى شكل السؤال التالى: هل يمكن أن يكون المسند إليه (الفاعل) شيئا آخر فى الوقت ذاته، بمعنى "نحوى” أى أن يكون عنصرا آخر من عناصر الجملة بالإضافة إلى كونه مسندا إليه (فاعلا)، وبمعنى "إعرابى” بمعنى أن يكون منصوبا أو مجرورا رغم أن حكمه الرفع على أنه المسند إليه على كل حال؟
ونحن نعلم أن النحو العربى يميز بطبيعة الحال بين المسند إليه الذى يتقدمه الفعل (وهو الفاعل ونائبه واسم "كان وأخواتها") والمسند إليه الذى يتأخر عنه الفعل "وجوبًا" (وهو المبتدأ). وما يتقدمه الفعل مرفوع دائما إلا إذا جَرَّهُ "ظاهريًّا" حرف جرّ "زائد"، ويأتى الفاعل بمفهومه فى النحو العربى التقليدى مجرورا بعد "مِنْ" الزائدة، كما فى الآية: "وأن تقولوا ما جاءنا من بشير"[xxxvii]، أى: "جاءنا بشيرٌ"؛ أو بعد "الباء" الزائدة، كما فى الآية: "وكفى بالله شهيدا"[xxxviii]، أى: كفى اللهُ؛ وهذا على كل حال قليل.
أما المبتدأ فيختلف. فهناك ما يسمى بنواسخ الابتداء أو نواسخ المبتدأ والخبر. ويصبح المبتدأ هنا اسمًا منصوبا للناسخ مع "إن وأخواتها"، ويظل مع ذلك المبتدأ أو المسند إليه. وهناك حروف الجر الزائدة، التى تجر المبتدأ بدوره ظاهريا دون أن تغير طابعه النحوى باعتباره المبتدأ أو المسند إليه. فهو مبتدأ مجرور (فى "محل رفع" طبعا) بعد "مِنْ" الزائدة، كما فى الآية: "هَلْ مِنْ خالقٍ غيرُ اللهِ"[xxxix]، أو بعد "الباء" الزائدة، فى "بحسبك درهمٌ"، أو كما فى الآية: "بأيِّكم المفتون"[xl].
وهنا يأتى الشرط الخاص بأن المبتدأ مجرد من العوامل اللفظية الأصلية (وليس منها بالطبع حروف جرّ بالذات شاءت لهم براعتهم النحوية أن يسموها زائدة).
أما العوامل اللفظية الأصلية التى تعمل عملا غير الرفع فهى غير متوقعة عندهم مع الفاعل بالمفهوم التقليدى، إلا فى إطار ما يسمونه بحرف الجر الزائد الذى قد يسبق الفاعل، كما رأينا منذ قليل. ومن شأنها، من ناحية أخرى، أن تحوِّل "المبتدأ" إذا سبقه فعل وفاعله إلى "مفعول به"، أو أن تنحرف بالمبتدأ عن معناه أو أن تدمر أصلا كل معنى للجملة (إذا سبقته حروف جر أصلية؛ مثلا: إلى، على، فى، إلخ.).
ونخرج من هذا بأن النحاة يقبلون أن يسبق المسند إليه (الفاعل أو المبتدأ) حرف جر "زائد" لا يخرج به عن مفهومه كعنصر من عناصر الجملة، مع أنه مجرور (فى "محل رفع" بطبيعة الحال). وهم يقبلون نصب (أو رفع) "المبتدأ" بالنواسخ غير أنه يصير عندئذ اسما لهذا الناسخ أو ذاك (اسم "إن" فى النصب أو اسم "كان" فى الرفع).
غير أن هناك حالة، لم يطرحوها أصلا، للتجرد من العوامل اللفظية الأصلية، وهى حالة أن يتقدم المسند إليه (المبتدأ أو الفاعل) فعل ينصبه كمفعول به فتزدوج صفته ازدواجا جذريا بالمعنى النحوى: المسند إليه (الفاعل) لفعل سيكون مفعولا به أيضا لفعل آخر وفاعل آخر، وبالمعنى الإعرابى: المسند إليه (الفاعل) سيكون هنا فى "محل رفع" غير أنه سيكون فى الوقت ذاته منصوبا نصبا حقيقيا بعامل لفظى أصلى. على أن هذا النحو لا يقبل الازدواج الذى يصل إلى حد المرفوع بعامل أصلى والمنصوب فى الوقت ذاته بعامل أصلى أيضا من الناحية الإعرابية، أو إلى حد الفاعل والمفعول به فى لفظة واحدة فى آن معا، من الناحية النحوية. أما حقيقة أن نواسخ المبتدأ والخبر من حروف وأفعال عوامل لفظية أصلية فلا مناص من الالتفاف حولها "بحيل" لا حصر لها ولا حدود لبراعتها. فالألقاب الجديدة: اسم أو خبر "إن" أو اسم أو خبر "كان"، تتكفل بتغطية الفجوة بين الحالة الواحدة التى يريد النحاة أن يفرضوها نحويا وإعرابيا على اللفظة الواحدة وبين طبيعة الحياة ذاتها التى لا تمنع المفعول به من أن يكون فاعلا أو العكس.
والحقيقة أن التحليل الإعرابى النحوى التقليدى يتسم بنفاق لا حد له فى هذه النقطة. فالفاعل الضمير المستتر يعود على (أو ضمير الرفع البارز المتصل يربط به) ما سبق الفعل من مبتدأ، او اسم ناسخ، أو المجرور، أو المفعول به. ويعود الضمير المستتر فاعلا "فى محل رفع" على ما قبله مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا. وتدل هذه العودة على أنهم يقبلون أن يستند المرفوع ("محليا") إلى المرفوع أو المنصوب أو المجرور، بما فى ذلك أن يستند الفاعل ("المرفوع محليا") إلى المفعول به المنصوب (مثل: رأيتُ المدرسَ يشرح موضوعا معقدا بسهولة لا تُصدّق)، فالنحو العربى التقليدى، الذى لا نملك غيره، يجعل فاعل "يشرح" ضميرا مستترا يعود فى "محل رفع" على "المدرس" أى المفعول به المنصوب، بدلا من أن يقبل فكرة أن "المدرس" هو المفعول المرئى لمن رآه والفاعل الشارح لموضوعه المعقد!!
ونضرب بعض الأمثلة مع التحليل النحوى الإعرابى المختصر للنقطة التى تهمنا فى كل منها:
1.                       السمك يعيش فى الماء.
(يزعمون أن فاعل "يعيش" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على المبتدأ المرفوع: "السمك" = المرفوع يعود على المرفوع = الفاعل فى المعنى وهو المبتدأ = السمك هو الذى يعيش).
2.                       أعتقد أنّ الحبَّ يقتلُ أحيانا.
(يزعمون أن فاعل "يقتلُ" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على اسم "أنّ" المنصوب: "الحبَّ" = المرفوع يعود على المنصوب = الفاعل فى المعنى هو اسم "أنَّ" = الحب هو الذى يقتل).
3.                       مررتُ برجلٍ يكلمُ نفسَه.
(يزعمون أن فاعل "يكلمُ" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على المجرور بحرف الجر: "رجل" = المرفوع يعود على المجرور = الفاعل فى المعنى هو المجرور = الرجل هو الذى يكلم نفسه).
4.                       رأى فلانٌ مناما يدورُ فى عالم غريب.
(يزعمون أن فاعل "يدور" ضمير مستتر "بعده" يعود، فى محل رفع، على المفعول به المنصوب: "مناما" = المرفوع يعود على المنصوب = الفاعل فى المعنى هو المفعول به = المنام هو الذى يدور).
ويتضح من التحليل الموجز السابق لبعض الجمل أن النحو العربى كان يمكن أن يريح نفسه وعلماءه ودارسيه ومستعمليه لو أنه اعتبر "ما يعود عليه الضمير المستتر المُتَوهَّم أو ما يربط به ضمير الرفع البارز المتصل المعلن أنه فاعل مع أنه مجرد نهاية تصريف للفعل"... "فاعلا" للفعل الذى يليه، قابلا، بالتالى، هذين الأمرين المترابطين:
1.        المسند إليه (الفاعل) قد يخضع لتأثير عامل لفظى أصلى (غير عامل رفعه كمسند إليه) فينصبه أو يجره مع أن حقه الرفع.
2.        المسند إليه (الفاعل) يمكن أن يكون بالإضافة إلى كونه هذا العنصر المحدد من عناصر الجملة عنصرا آخر فى الوقت ذاته، وبالأخص أن يكون مفعولا به لفعل وفاعل سابقين (تحليليا وليس مكانيا بالضرورة) بالإضافة إلى كونه المسند إليه (الفاعل) لفعل لاحق (قد يتعدى بدوره إلى مفعول به أو إلى مفعولين).
ومعنى هذا أن يقوم تحليلنا النحوى الإعرابى، فيما يتعلق بالمسند إليه (الفاعل)، بالبحث عن كل "فعل" فى الجملة، وأن نبحث عن فاعله الذى تم إسناده إليه وتصريفه معه، قبله أو بعده، سواء كان هذا الفعل ناقصا أو لازما أو متعديا، أو مبنيا لفاعل الفعل أو مفعوله، وهنا نرفع هذا المسند إليه (الفاعل) ما لم يكن مجرورا أو منصوبا بعامل من العوامل اللفظية من أدوات أو أفعال أو غيرها.
ومن الجلى أن اعتبارنا لاسم "كان وأخواتها" فاعلا (المسند إليه) يجعل هذا الأخير فاعلا لفعلين يتلوانه أو يسبقانه أو يسبقه أحدهما ويتلوه آخر، بفاصل بينه وبين الفعل، قبله أو بعده، أو بدون فاصل، ففى الجمل:
كان (مراد) يقرأ.
(مراد) كان يقرأ.
كان (مراد) وحده يقرأ.
"مراد" هو المسند إليه (الفاعل) لكل من الفعلين: "كان" و"يقرأ". على أن المسند فى كل الأحوال هو "كان يقرأ" (مع ضم "وحده" إليهما فى الجملة الأخيرة). فنحن إذن إزاء فعلين تم تصريف كل منهما مع المسند إليه (الفاعل) غير أنهما يشكلان معا "مجموعة فعلية" من نوع خاص تضيف فيها أفعال "كان وأخواتها" (وكذلك أفعال المقاربة والرجاء والشروع) دلالاتها المتنوعة إلى دلالة الفعل "التام" معها، وبصفة خاصة فإن فعل الكينونة بالذات يشترك مع الأفعال الأخرى فى تكوين الأزمنة المركبة فى اللغة العربية.
 
 


5
ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر
 أ: الأفعال المسماة بالناسخة
 
يقرر النحو العربى أن نواسخ المبتدأ والخبر كما يسميها تدخل على جملة أصلها المبتدأ والخبر فتنسخهما أى تغيِّر إعرابهما. فهل هى حقا نواسخ للمبتدأ؟ وهل تنسخ الخبر حقا؟ وهل تدخل حقا على جملة اسمية أو على جملة أصلها المبتدأ والخبر؟
لقد حاولت المناقشة السابقة تمهيد السبيل أمام إلغاء تقسيم الجمل إلى اسمية وفعلية، وإلغاء مفهوم المبتدأ ليكون مجرد نوع من أنواع المسند إليه (أى: الفاعل)، وإلغاء إعراب المسند (الخبر) وإخراجه من مرفوعات الأسماء، باعتبار أن ما يسمى بالخبر المفرد (وهو مرفوع "عمليا" دون شك لكنه رفع ظاهرى عشوائى كما رأينا وكما سنرى) ليس خبرا لأنه لا يكون خبرا إلا مع فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت، وباعتبار أن المفهوم السليم للمسند (الخبر) يشمل كل ما هو غير المسند إليه فى الجملة، ولا يُعقل التفكير فى إعراب مجموعة من العناصر النحوية المتنوعة حتى فى حالة إقرار ما يُسمَّى بالإعراب المحلى (فالإعراب المحلى يتعلق على كل حال بالعنصر الواحد من عناصر الجملة سواء أكان مبنيا أم متعدد الألفاظ وليس بعنصرين أو أكثر من هذه العناصر النحوية معا)، وباعتبار أن قياس رفع الخبر على هذا الرفع "العملى” العشوائى "للخبرالمفرد" إنما هو قياس فاسد ظاهر الفساد.
وفى ضوء هذه المناقشة نشعر بأن نواسخ الابتداء هذه تغدو معلقة فى الهواء، بقدر ما يهتز اقتناعنا بمفاهيم الجملة الاسمية والفعلية والمبتدأ والخبر وإعراب (رفع) الخبر.
وإذا نحن تأملنا جملة مثل: "إن الله يغفر الذنوب"، فإننا نجد أن الحرف الناسخ "إن" يمكن استخدامه لتوكيد جملة: "الله يغفر الذنوب" أو لتوكيد جملة: "يغفر الله الذنوب". وفى الحالين لا يمكننا أن نستنتج سوى شيء واحد وهو أن المسند إليه (الفاعل) فى الجملة البادئة بالاسم أو الجملة البادئة بالفعل هو الذى نأتى به بعد الحرف الناسخ "إن"، كما أن التأثير الإعرابى لهذا الأخير يقتصر على المسند إليه (الفاعل) بالنصب.
وبطبيعة الحال فنحن نقرأ أو نكتب، نسمع أو نقول، الجملة التى تشتمل على "النواسخ"، وقد صيغت بالنواسخ ومعها وبافتراض الدلالات اللغوية والبلاغية والنحوية لهذه النواسخ وكذلك بافتراض آثارها الإعرابية. ويبدو من العبث بالتالى بأن نبدأ بتجريد هذه الجمل من النواسخ التى كانت ماثلة فى صميم الجمل المعنية منذ البداية.
والنواسخ على كل حال متنوعة، وينبغى الحديث عن كل نوع منها على حدة وبما يتلاءم مع خصائصه. ونقرأ فى "النحو الوافى” للأستاذ عباس حسن ما يلى:
النواسخ بحسب التغيير الذى تحدثه ثلاثة أنواع: نوع يرفع اسمه وينصب خبره فلا يرفع فاعلا ولا ينصب مفعولا؛ مثل: "كان - وأخواتها"، ونوع ينصب اسمه ويرفع خبره، مثل "إن - وأخواتها"، ونوع ينصب الاثنين، ولا يستغنى عن الفاعل؛ مثل: "ظن - وأخواتها"[xli].
ونبدأ ببحث "كان وأخواتها" بالمعنى الضيق (أى بدون أفعال المقاربة والرجاء والشروع التى سنتناولها بعدها مباشرة).
وأفعال "كان وأخواتها" هى ما يلى:
أ: أفعال التوقيت بزمن: 1: كان 2: أصبح 3: أضحى 4: ظل 5: أمسى 6: بات.
ب: أفعال الاستمرار: 7: زال 8: برح 9: فتئ 10: انفكّ. (وهى لا تعمل عمل "كان" إلا إذا سُبقت بحرف نفى = ما زال، لا زال، لم يزل، وهكذا مع باقى هذه الأفعال).
ج: فعل الصيرورة أو التحول: 11: صار.
د: فعل النفى: 12: ليس.
ه: فعل الدوام أو بيان المدة: دام (بشرط أن يُسبق بما: ما دام).
وهى تختلف من حيث العمل:
أ: ما يعمل عمل "كان" مطلقا: 1: كان 2: أصبح 3: أضحى 4: ظل 5: أمسى 6: بات 7: صار 8: ليس.
ب: ما يعمل عمل "كان" بشرط أن يتقدمه نفى أو نهى أو دعاء: ما، لا، لم، وهى: 9: زال 10: برح 11: فتئ 12: انفكّ.
ج: فعل يعمل عمل "كان" بشرط تقدم ما المصدرية الظرفية: (وهو "دام") 13: ما دام.
كما أنها تختلف من حيث تصرفها من عدمه:
أ: أفعال لا تتصرف: 1: ليس 2: دام.
ب: أفعال تصرفها ناقص: 3: زال 4: فتئ 5: برح 6: انفكّ (لا يُستعمل منها أمر ولا مصدر).
ج: أفعال تصرفها تام: وهى باقى الأفعال.
وقبل أن نطرح على هذه الأفعال تلك الأسئلة التى تصدَّر بعضها هذا الفصل، نقرأ هذه الجمل:
كان العبء ثقيلا.
كان ثقيلا العبء.
العبء كان ثقيلا.
العبء ثقيلا كان.
ثقيلا كان العبء.
ثقيلا العبء كان.
ونلاحظ أوُلا أن هذه التنويعات كلها صحيحة ومستعملة فى اللغة العربية، لأغراض بلاغية أو عروضية أو لمجرد التلاعب بالألفاظ فى سياق يستدعيه.
والمسند إليه (الفاعل) فى كل هذه الأحوال هو "العبء" أما المسند (الخبر) فهو فى كل الأحوال أيضا "كان ثقيلا". وليس هناك شرط من أى نوع (اللهم إلا فى مزاعم النحاة) يحتم أن يتقدم فعل "كان" المسند إليه أو يليه.
وفى كل الأحوال لم ينسخ فعل "كان" شيئا على الإطلاق. و"العبء" ليس اسم "كان" بل هو فاعل "كان". و"ثقيلا" ليس خبر "كان" بل هو منصوب لأن فعل "كان" تم إسناده إلى "العبء" قبله أو بعده (مباشرة أو حتى فى وجود لفظة تفصل بينهما: "ثقيلا" كما فى بعض الجمل السابقة)، و"ثقيلا" متمم للمسند إليه (مع الأفعال الرابطة، والحقيقة أن الأفعال التى تعمل عمل "كان" أوسع عددا فى المعجم من هذا العدد الضئيل الذى يذكره النحاة)، وهذا المتمم للمسند إليه منصوب ولا يكون مرفوعا إلا عند حذف "كان" فى المضارع المثبَت، كما سبق القول.
ومن الجلى أن قاعدة إلغاء اسم وخبر "كان" ليحلّ محلهما المسند إليه (الفاعل) والمسند (وهذا الأخير أى المسند "الخبر" يتركب من: الفعل "كان" + متمم المسند إليه "المنصوب") تنطبق على كل أخوات "كان"، ولا ينفرد فعل "كان" بينها إلا بقاعدة متمم المسند (خبر المبتدأ أو خبر "إن وأخواتها" فى النحو العربى التقليدى) فى حالة حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبَت.
فهل يجوز أن نقول، بعد كل هذا، إن فعل "كان" .. "لا يرفع فاعلا ولا ينصب مفعولا" (كما يردد الأستاذ عباس حسن وغيره قول النحاة القدماء أو النحو القديم)؟
بالعكس، "فالعبء" مرفوع لأنه فاعل (ويقول النحاة تشبيها بالفاعل!) و"ثقيلا" منصوب (ويقول النحاة تشبيها بالمفعول به!).
ونقرأ أيضا هاتين الجملتين (ونكتفى بهما اختصارا بدلا من التنويعات والبدائل الممكنة):
كان التلميذ يذاكر.
التلميذ كان يذاكر.
"فالتلميذ" هو المسند إليه (الفاعل) أما المسند (الخبر) فهو "كان يذاكر". و"التلميذ" مرفوع لأنه الفاعل، و"يذاكر" فعْل، فلا علاقة برفعه أو نصبه أو جزمه بفكرة نصب متمم الفاعل (المسند إليه) وكذلك متمم المفعول به (المباشر) بعد "كان وأخواتها"، أما القول بأن "يذاكر" فى محل نصب فإنه يتوقف على الموقف مما يُسمَّى بالإعراب المحلى ككل، وهذا أمر سنناقشه فى المكان الملائم.
إذن لا جملة اسمية (ولا فعلية)، ولا مبتدأ، ولا خبر، ولا اسم "كان"، ولا خبر "كان"، ولا نسْخ من أى نوع، بل نحن إزاء الفاعل المرفوع لفعل "كان" أو "أخواتها"، وإزاء نصب متمم الفاعل (المسند إليه) بعد تصريف أفعال "كان وأخواتها" معه. فلا ينبغى إذن أن نسمى "التلميذ" اسم "كان" أو "يذاكر" خبر "كان"، فالحقيقة أن "التلميذ" و "يذاكر"، على الترتيب، الفاعل (المرفوع) لهذا الفعل ومتمم الفاعل (المسند إليه) وهو منصوب فى بعض أشكال تحقيق هذا المتمم (شكل اللفظة المعربة المفردة التى قد يتبعها النعت أو المضاف إليه، إلخ.) وفى "محل النصب" فى حالة إقرار الإعراب المحلى، ولا يكون مرفوعا إلا فى حالة حذف فعل الكينونة بالذات فى المضارع المثبَت بالذات.
وهناك، كما نعلم، حروف تعمل عمل "كان" وبالأحرى عمل "ليس"، وهى "النافيات المشبهات بليس": 1: ما 2: لا 3: إنْ 4: لاتَ ، ومن أحكامها:
1: "ما": لا تعمل فى لغة بنى تميم وتعمل بشروط فى لغة أهل الحجاز.
2: "لا": لا تعمل فى لغة بنى تميم وتعمل بشروط فى لغة أهل الحجاز.
3: "إنْ": لا تعمل فى مذهب البصريين وتعمل فى مذهب الكوفيين.
4: "لاتَ": مذهب الجمهور أنها تعمل عمل "ليس" فى لفظ "الحين" عند بعضهم، وكذلك فيما رادفها كالساعة وغيرها أيضا عند بعضهم الآخر.
ولنقرأْ الأمثلة التالية أوّلا بافتراض عمل هذه الحروف:
1: "ما": ما زيدٌ قائمًا.
    "ما هذا بشرًا"[xlii].
    ما الشجاعُ خوّافًا.
2: "لا": لا رجلٌ غائبًا.
     لا طائرٌ موجودًا.
3: "إنْ": إنْ المرءُ ميتًا.
     إنْ هو مستوليًا على أحد إلا على أضعف المجانين.
4: "لاتَ": "ولاتَ حينَ مناصٍ"[xliii].
      ولاتَ ساعةَ مندمٍ.
وإذا نحن قرأنا أمثلة "ما"، و"لا"، "إنْ"، بدون إعمالها، فلن تكون أمامنا فى كل حالة (على سبيل المثال: "ما زيدٌ قائمٌ") سوى جملة تتكون من المسند إليه (المرفوع) والمسند (الخبر) الذى سقط منه فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبَت، فهو مرفوع "عمليا" رفعا عشوائيا باعتباره ما يسمى بالخبر المفرد لغياب العامل اللفظى المباشر للنصب وهو فعل "كان" المحذوف: "ما الشجاعُ خوافٌ"، "لا رجلٌ غاضبٌ"، "إنْ المرءُ ميتٌ". أما إعمال هذه الحروف فقد "فاجأنا" ببقاء النصب رغم حذف الناصب وهو فعل "كان".
أما إذا أردنا الماضى أو المستقبل فلا مناص من ظهور فعل الكينونة ولا مناص من نصب متمم الفاعل؛ مثلا:
ما كان الشجاعُ خوّافًا.
لا رجلٌ كان غاضبًا.
وليس لكل هذا معنى سوى أننا لسنا إزاء عمل أو عدم عمل "ما"، أو "لا"، أو "إنْ" النافيات بل إزاء عمل أو عدم عمل فعل "كان"، إلا أن المفاجأة كانت (بالقياس إلى ما يسمى بخبر المبتدأ وخبر "كان وأخواتها") بقاء النصب رغم حذف فعل الكينونة فى المضارع المثبَت فى حالة ما يسمى بإعمال هذه الحروف مع أن الرفع العشوائى هو القاعدة كما سبق أن رأينا، وهذا الرفع العشوائى هو الذى نلقاه فى الحالة المسماة بعدم إعمال "ما" و"لا" كما هو منسوب إلى لغة بنى تميم وعدم إعمال "إنْ" كما هو منسوب إلى مذهب البصريين.
والاستنتاج العام فيما يتعلق بهذه الأحرف الثلاثة هو أنها لا تعمل عمل "كان" لا فى لغة بنى تميم ولا فى لغة أهل الحجاز، وكل ما يميز هذه الأحرف هو أن حذف فعل "كان" معها فى المضارع المثبَت يؤدى كعادته إلى الرفع العشوائى لمتمم الفاعل عند قوم أو مذهب، ولا يؤدى إلى ذلك بل يجعل النصب قائما بشروط رغم الحذف عند قوم أو مذهب. وقد لاحظنا من قبل أن نفى الجملة التى تشتمل على مسند مرفوع عشوائيا يُظهر فعل الكينونة مهما كان الزمن الذى ننفى فيه. فالجملة: "الكتابُ مفتوحٌ" يمكن نفيها فى عدة أزمنة بصيغ منها: "لم يكن الكتابُ مفتوحًا"، "لن يكون الكتابُ مفتوحًا"، "لا يكون الكتابُ مفتوحًا"؛ وهنا، أى فى حالة النفى وظهور فعل الكينونة بالتالى يكون ما يسمى بالخبر المفرد (أى: "متمم الفاعل") منصوبا. فلعلنا نلاحظ أن نصب هذه الأحرف "النافيات المشبهات بليس" إنما أتى مع النفى أيضا فى هذه الحالة المفاجئة (حالة النصب رغم حذف فعل الكينونة) فكأن حذف فعل الكينونة اقتصادًا رغم النفى كان المبرر الموضوعى فى لغة قوم، أو المبرر الوضعى فى مذهب نحوى، لإعمال "كان"، فتصوَّر النحاة أن ما جرى إعماله هو هذه "النافيات" وليس "كان".
والدليل على أن هذه الحروف "النافيات المشبهات بليس" لا تعمل عمل "كان" (أو عمل "ليس" إلا من حيث النفى) هو الحاجة إلى ماضى ومستقبل فعل الكينونة لتغيير الزمن، بالإضافة إلى أن إدخال مضارع "كان" لا يتناقض مع وجود هذه الحروف، الأمر الذى يتسق مع كل نفى لمثل هذه الجمل محذوفة الكينونة، والمنطق وراء هذا الحذف هو الاقتصاد اللغوى فى أسلوب خاص يستند إلى منتهى الإيجاز.
أما "لاتَ" فهى: "حرف نفى بمعنى ليس، مختص بالوقت"[xliv]، وهى (وفقا للمعجم الوسيط): "كلمة معناها [ليس]، تقع على لفظ الحين خاصة عند سيبويه، فتنصبه. وهى تعمل عمل ليس، ولكن لا يُذكر بعدها إلا أحد المعمولين. والغالب أن يكون المحذوف هو المرفوع"[xlv]، وهى (وفقا للمعجم الوسيط أيضا): "أداة نفى. وهى عند جمهور النحاة كلمتان: لا النافية والتاء لتأنيث اللفظ، تعمل عمل ‘ليس‘ وفى الأزمان غالبا، ولا يُذكر بعدها إلا أحد المعمولين. والغالب أن يكون المحذوف اسمها"[xlvi]، وتختص "لات" إذن: "بأنها لا يُذكر معها الاسم والخبر معًا"[xlvii]، فنلقى فى: "ولاتَ حينَ مناصٍ" تقدير حذف الاسم وبقاء الخبر، فيكون التقدير: "ولاتَ الحينُ حينَ مناصٍ"، فالحينُ "اسم لاتَ" مرفوع وحينَ "خبر لاتَ" منصوب. أى أن "لات" هى "ليس" ذاتها مع خصوصية حذف "اسمها" فهى إذن أخت من أخوات "كان" ومن هنا تختلف تماما عن النافيات الأخرى "المشبهات بليس".
ويشتمل ما يسمى بخبر أفعال المقاربة والرجاء والشروع على فعل مضارع، وعندهم أن هذه الأفعال لا ترفع فاعلا ولا تنصب مفعولا، بل تنسخ المبتدأ فترفعه اسمًا لها وتنسخ خبر المبتدأ فتجعله خبرا لها فى "محل نصب" لأنه فعل مضارع.
وتدلّ أفعال المقاربة على قرب وقوع المسند، وهى: 1: كادَ 2: كَرَبَ 3: أوشكَ (ويكون المضارع مسبوقا "بأنْ" المصدرية مع "أوشك" وغير مسبوق بها مع "كادَ" و"كَرَبَ").
وتدلّ أفعال الرجاء على رجاء ("تَمَنِّى”) وقوع المسند، وهى: 1: عَسَى 2: حَرَى 3: اخلولق (ويكون المضارع مسبوقا "بأنْ" المصدرية معها جميعا).
وتدلّ أفعال الشروع على البدء فى حدوث المسند، وأشهر هذه الأفعال: 1: شرع 2: أنشأ 3: طَفِقَ 4: أخذ 5: عَلِقَ 6: جعل 7: قام 8: هبَّ (لا يكون المضارع مسبوقا معها "بأنْ" المصدرية).
ونقرأ قليلا من الجمل:
1: الرجال كادوا يبكون.
2: الرجال أوشكوا أن يبكوا.
3: الرجال عسى أن يصمدوا.
4: الرجال أخذوا يضحكون.
وفى الجملة (1) تم تصريف الفعلين "كادوا" و"يبكون" مع فاعلهما أى: الرجال، والمسند هو: "كادوا يبكون". وينطبق الشيء نفسه على الجملة (4). وعبارة "أوشكوا أن يبكوا" هى المسند فى الجملة (2)، وقد تم تصريف الفعلين "أوشكوا" وأن "يبكوا" مع فاعلهما أى: الرجال. وتختلف الجملة (3) فى أنه فيما يتعلق بفعلى "عَسَى" وأن "يصمدوا" فى عبارة المسند "عَسَى أن يصمدوا"، تم تصريف "يصمدوا" مع المسند إليه (الفاعل) أى: الرجال، أما "عَسَى" فهو غير متصرف سواء جاء قبل الفاعل أو قبل المصدر المؤول، أى: "أن يصمدوا".
والأفعال المستعملة مع أفعال المقاربة والرجاء والشروع تنحصر فى المضارع، مثلا: "كاد الجو يعتدل"، أو: "لم يكد الجو يعتدل"، والمصدر المؤول (فى صورة: أنْ + المضارع)، مثلا: "أوشك الجو أن يعتدل"، أو: "عَسَى الجو أن يعتدل". والمسند فى كل هذه الجمل خارج الإعراب ككل مسند. أما الإعراب الداخلى لمكونات المسند فإننا نكتفى هنا بالإشارة إلى أن هذا البحث لا يركز على إعراب الفعل، وقد نقف مع ذلك فى مكان ملائم عند مثل هذه التركيبات الفعلية.
ومهما يكن من شيء فإننا لسنا إزاء جملة اسمية، أو مبتدأ، أو خبر، أو نسخ من أى نوع، بل نحن إزاء الفعل والفاعل المرفوع، أما المسند (الخبر) فهو يتكون من فعلين يسبقان المسند إليه، أو يليانه، أو يضعانه بينهما، وهو خارج الإعراب كما ينبغى للمسند أن يكون فلم يحدث له نسخ أو تغيير. ولا مبرر إذن لتسمية المسند إليه (الفاعل) مع أفعال المقاربة أو الرجاء أو الشروع اسما لهذه الأفعال ولا لتسمية الفعل الآخر المصرَّف مع هذه الأفعال خبرا لنواسخ الابتداء المزعومة هذه. والحقيقة أن هذه الأفعال إنما هى أفعال تسبق أفعالا preverbs فتضيف إليها معانى اقتراب أو وشوك أو تمنِّى أو ترجِّى أو بدء حدوثها؛ ومن الصعوبة بمكان اعتبارها نواسخ.
وقبل أن نتناول ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر من الحروف، أى الحروف المسماة بالناسخة، من الأفضل أن نواصل هنا مناقشة بقية الأفعال المسماة بالناسخة، ونعنى أفعال "ظن وأخواتها". وهذه المجموعة الأخيرة من الأفعال وثيقة الصلة بمجموعتين أخريَيْن من الأفعال. مجموعة أفعال "أعطى وأخواتها"، ومجموعة أفعال "أعلمَ وأرى وأخواتهما". ويمكن تلخيص هذه الصلة فى أن هناك أفعالا تتعدى إلى مفعوليْن ditransitive verbs (بالإنجليزية)، وهى موجودة فى كل اللغات، ويمكن أن نقول فى لغة إعراب كاللغة العربية إن هذه الأفعال "تنصب مفعوليْن". وأفعال "أعطى وأخواتها" هى التى تأخذ أو تنصب مفعوليْن، وأحد هذين المفعولين مفعول مباشر والآخر مفعول غير مباشر وتعريفه هو أنه متلقِّى أو مستلم أو مستقبِل أو recipient (بالإنجليزية) المفعول المباشر. ففى جملة: "أعطى الأستاذُ التلميذَ كتابًا": المفعول به المباشر هو "كتابًا"، ومتلقيه، أى: المفعول به غير المباشر، هو "التلميذَ". ولأن النحاة توهموا أن أفعال "ظن وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن أصلهما المبتدأ والخبر، لأنها تدخل على الجملة الاسمية فى اعتقادهم فتعمل هذا العمل، فقد ميزوها من أفعال "أعطى وأخواتها" أو هذه من تلك بالقول بأن أفعال "أعطى وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن ليس أصلهما المبتدأ والخبر. مع أن الفارق الحقيقى كما سنرى بعد قليل هو أن "أعطى وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن (فى مختلف اللغات وليس فى اللغة العربية وحدها)، على حين أن أفعال "ظن وأخواتها" لا تأخذ أو تنصب مفعوليْن، وصحيح أن لها منصوبيْن غير أن أحدهما مفعول به والآخر شيء آخر لا يُعقل أن يكون مفعولا به بل هو متمم المفعول به (المباشر). أما أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" فإنها ترتبط بأفعال "ظن وأخواتها" لاعتقاد النحاة أن تعدية بعض أفعال "ظن وأخواتها" (المتعدية أصلا إلى مفعوليْن كما زعموا) بالهمز أو التضعيف تعطينا أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" المسماة بالمتعدية إلى ثلاثة مفاعيل. والحقيقة أن هذه المجموعة الأخيرة من الأفعال، شأنها فى هذا شأن أفعال "أعطى وأخواتها" تأخذ أو تنصب مفعوليْن لا ثالث لهما. أما المنصوب الثالث الذى يظهر معها فإنه ليس سوى متمم المفعول به المباشر.
وأفعال "أعطى وأخواتها" هى: 1: أعطى 2: سألَ 3: منحَ 4: منعَ 5: كسَا 6: ألبَسَ، وهى، بلغة النحاة، تنصب مفعوليْن ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
وهناك عدة ملاحظات ينبغى أن نكتفى بها فى هذا المجال الذى يضيق بأى توسُّع فى النقاط التى لا تُعَدّ محورية من وجهة نظر هذه المناقشة المحددة.
وأولى هذه الملاحظات هى أن أفعال "أعطى وأعلمَ وأخواتهما" (كما تنبغى التسمية لإزالة الالتباس الحالى) أىْ: الأفعال التى تتعدى إلى مفعوليْن، تصل إلى عشرات الأفعال فلا تقتصر أبدا على ستة أفعال فى مجموعة "أعطى" وسبعة أفعال فى مجموعة "أعلمَ"، والمجموعتان هما فى الحقيقة مجموعة واحدة وحيدة من حيث التعدى إلى (أو: أخْذ، أو نصْب) مفعولين.
والملاحظة الثانية هى أن ما يجعل هذه الأفعال قابلة للتعدى إلى مفعوليْن هو معناها الذى يفترض مفعولا به غير مباشر تلقَّى مفعولا به مباشرا (والمعنى مشترك بين كافة اللغات، ذلك أن المحسن يعطى "السائلَ" "مالا" مهما كانت اللغة).
والملاحظة الثالثة هى أن هذه الأفعال قابلة للاستعمال بأخذ مفعول واحد (حسب نموذج واحد للجملة) وبأخذ مفعوليْن (حسب نموذج آخر للجملة). ويصدق هذا على مجموعتى "أعطى" و"أعلمَ" فهما كما قلنا مجموعة واحدة. وهناك بطبيعة الحال حقيقة أن عشرات الآلاف من الأفعال التى تتعدى إلى مفعول واحد - وتسمى بالإنجليزية monotransitive verbs - يمكن استعمالها لازمة، أى بدون مفعول به صريح أو حتى محذوف، مع تغيير دلالة الفعل بطبيعة الحال، وعلى سبيل المثال يمكنك أن تستعمل الفعل "يأكل" متعديا: "أكل الضيوف الوجبة" ولكنك تستطيع أن تستعمله لازما فتقول: "الإنسان يأكل"، بمعنى أن هذا الفعل من خصائص وسجايا الإنسان. وكذلك يمكن استعمال الفعل المتعدى إلى مفعوليْن متعديا إلى مفعول واحد وحتى لازما أى: بدون مفعول به.
والملاحظة الرابعة هى أن التركيز على الإعراب هو الذى جعلهم يتحدثون عن "نصب مفعوليْن". والواقع أن النحو أوسع من الإعراب، ويتحقق المفعول به بأشكال منها التعدى بالنصب المباشر ومنها التعدى بحرف الجر (المفعول به المجرور)، وبأشكال منها ما يستدعى عندهم فكرة الإعراب المحلى. وينبغى أن نتعرف على المفعول به غير المباشر فى مختلف الأشكال الممكنة بما فى ذلك شكل المفعول به المجرور.
والملاحظة الخامسة، وهى التى ينبغى أن ننتقل إلى مناقشة تفاصيلها، تتمثل فى أن أفعال "ظن وأخواتها" تنتمى إلى عشرات الآلاف من الأفعال التى تتعدى إلى مفعول به واحد، غير أنها قابلة مثل أفعال كثيرة أخرى منها مجموعة "أعطى" و"أعلمَ" لاستعمال متمم المفعول به المباشر، وهذا الأخير هو ما ظنه النحاة القدامى واللاحقون (بالتبعية) مفعولا به ثانيا فى حالة مجموعة "ظن وأخواتها"، ومفعولا به ثالثا فى حالة مجموعة "أعلمَ وأخواتها"، ولم يتصوروا وروده "منصوبا ثالثا" مع مجموعة "أعطى وأخواتها" (مثلا: أعطى الأستاذُ التلميذَ الكتابَ جديدًا)، أو مع أفعال أخرى من غير هذه الأفعال التى ذكروها فى مجموعات "الأخوات".
على أن كون الأفعال لازمة أو متعدية إلى مفعول أو مفعوليْن (مع قبولها للاستعمال لازمة) أو كونها قابلة "للمنصوب" الذى نسميه متمم المفعول به المباشر (كعنصر إجبارى فى جملة نموذج "ظن")، أو متمم المفعول به المباشر (كعنصر إجبارى فى حالة استعمال هذا المتمم فى أحد أشكال نموذج "أعطى" و"أعلمَ") لا يُلغى تصنيفات للأفعال لا حصر لها يمكن وينبغى إجراؤها من نواح عديدة منها ما هو دلالى ومنها ما هو نحوى. وعلى سبيل المثال فإن ضم الأفعال المسماة بالناسخة، بكل أنواعها، إلى بقية الأفعال جميعا، من حيث أن لكل فعل منها فاعلا، لا يعنى عدم تصنيف الأفعال من حيث قبولها دائما أو فى دلالات بالذات للاستعمال فى نماذج بذاتها للجمل.
ومن هذه التصنيفات قبول أفعال "كان وأخواتها" (وهى أكثر من 13 فعلا يذكرها النحاة) لنموذج الجملة يقتضى الفعل والفاعل ومتمم الفاعل(مهما كان شكل تحقيق هذا الأخير)، ولنموذج آخر للجملة يقتضى الفعل والفاعل والظرف (مهما كان شكل تحقيق هذا الأخير أيضا)، وهذان التصنيفان يقومان على عناصر إجبارية فى كل نموذج من نموذجى الجملة المذكوريْن. ومن هذه التصنيفات نموذج جملة: الفعل والفاعل والمفعول (وهذا ينطبق على كل فعل متعدٍّ يُستعمل مع مفعول واحد حتى إنْ كان قابلا للتعدى إلى مفعوليْن)، ونموذج جملة: الفعل والفاعل والمفعول به ومتمم المفعول به (وهذا ينطبق على كل فعل مستخدم مع مفعول واحد، مثل: "ظننتُ الخبرَ يقيناً"، أو "أعطيتُ الكتابَ جديدا"، أو "أعلمتُ الخبر يقينا"، وفى كل من الجملتين الأخيرتين فعل يتعدى إلى مفعولين غير أنه مستخدم هنا مع مفعول واحد مع متممه). وهناك بالطبع نماذج أخرى؛ نموذج: الفعل والفاعل والمفعول غير المباشر والمفعول المباشر، ونموذج: الفعل والفاعل والمفعول غير المباشر والمفعول المباشر مع متممه، ونموذج: الفعل اللازم او المستعمل لازما وهو لا يقتضى سوى الفعل والفاعل. وإذا كانت تلك النماذج تشتمل على عناصر إجبارية (أى ضرورية للنموذج من حيث هو نموذج مهما كان مدى قبول الفعل الواحد للاستعمال فى عدة نماذج للجمل)، فهناك عناصر جملة اختيارية قابلة للاستعمال (دون تغيير خصائص النموذج) مع أى نموذج من النماذج المذكورة.
وتنقسم أفعال "ظن وأخواتها" وهى من الأفعال المسماة بالناسخة للابتداء إلى قسمين:
1.                       أفعال القلوب.
2.                       أفعال التحويل أو التصيير.
وتنقسم أفعال القلوب إلى قسمين:
أ‌.         ما يدل على اليقين: 1. رأى (وقد تُستعمل للظن) 2. عَلِم 3. وجد 4. دَرَى 5. تَعَلمْ (وهى التى بمعنى اعلمْ).
ب‌.       ما يدل على الرجحان: 1. خالَ (وقد تستعمل لليقين) 2. ظن (وقد تستعمل لليقين) 3. حسب 4. زعم 5. عَدّ 6. حَجا 7. جعل (الذى كاعتقد وليس بمعنى صيّر من أفعال التحويل أو التصيير) 8. هَبْ.
وأفعال التحويل أو التصيير هى:
 1. صيَّر 2. جعل 3. وهب 4. تخذ 5. اتخذ 6. ترك 7. ردّ.
فهل تنصب هذه الأفعال المسماة بالناسخة مفعولين (أصلهما المبتدأ والخبر) حقا؟ ولنضع مسألة الجملة الاسمية والمبتدأ والخبر جانبا. فأين المفعولان؟ الحقيقة أن هذه الأفعال لا تنصب مفعولين بحكم بداهة أنه يتم استعمالها مع "منصوبين" يصلحان كمسند إليه ومسند. فالمفعولان لفعل واحد إنما يكون أحدهما مفعولا مباشرا ويكون الآخر مفعولا غير مباشر، أى متلقيا لهذا المفعول المباشر (مثلا: أعطى المدرسُ التلميذَ كتاباً)، وهذا لا يصلح مع المسند إليه والمسند. وإذا قلنا: "الهرم عريق" فلا مجال لتصور أن يتلقى المسند إليه "الهرم" المسند "العريق"، أو العريق الهرم، ولهذا لا يصح أن نقول: "أعطيت الهرمَ العريقَ"، كما أننا لا يصح أن نقول "أعطيتُ التلميذَ يذاكر"، فالحقيقة أن "التلميذ" (المسند إليه فى الجملة الاسمية الأصلية المفترضة) و"يذاكر" (المسند فى الجملة الأصلية ذاتها) لا يبدو أحدهما ملائما لتلقى الآخر.
ولنأخذ بعض أمثلة نصب أفعال "ظن وأخواتها" لمفعولين من كتاب "تجديد النحو" للدكتور شوقى ضيف، الرئيس السابق لمجمع اللغة العربية بالقاهرة:
1.                       رأى عمرو (السماءَ ممطرةً).
2.                       حسب زيد (الشمسَ طالعةً).
3.                       جعل على (زيداً متفوقاً).
4.                       ظن خالد (الجوَّ حارًّا).
5.                       رأيتُ (عمرًا يقرأ).
6.                       حسبت (خالداً يحاضرُ)[xlviii].
فالمنصوبان الموضوعان بين قوسين فى كل من الأمثلة من 1 إلى 4، وكذلك المنصوب والفعل بعده ( فى "محل" نصب) والموضوعان بين قوسين فى كل من المثالين 5، 6، يرى النحو العربى أنهما مفعولان لأفعال "ظن وأخواتها". ويمكن للقارئ أن يتأكد من أقل تدقيق، من أن المنصوب الأول مفعول به دون شك، ومن أن المنصوب الثانى لا يمكن أن يكون مفعولا به بحال من الأحوال، فإنما هو فى الحقيقة متمم للمفعول به، فالألفاظ المنصوبة "ممطرةً"، و"طالعةً"، و"متفوقاً"، و"حارًّا"، إنما هى أوصاف متممة للمفعول به. فالجملة الأولى لا تريد الاكتفاء بمعنى أن عمرا رأى السماء، بل تريد بالذات معنى أنه رآها ممطرة، وهكذا فى الباقى، وهذا ينطبق بوجه عام على الفعلين "يقرأ" و"يحاضر".
بل يذهب هذا النحو إلى حد اعتبار أن: "أن" واسمها وخبرها "سدت مسد مفعولى ظن وعلم وأخواتهما" فى جملة "ظننتُ أنَّ زيداً مسافرٌ"[xlix]، مع أن من الجلى أن "المجموعة الجُمْلية": "أنَّ زيداً مسافرٌ" مفعول به واحد، ذلك أن "سفر زيد" هو بالضبط ما ظنه المتكلم، بغض النظر عن الإعراب الداخلى "للمجموعة الجُمْلية"، وهى خالية على كل حال من أى مفعول به من أى نوع.
لسنا إذن إزاء مفعولين لأفعال "ظن وأخواتها"، كما يزعم النحو العربى، الذى لم ينتبه إلى أن ما يسميهما "المبتدأ والخبر" لا يصلحان مفعولين لفعل واحد فى الجملة، كما لم ينتبه إلى أن أفعال "أعطى وأخواتها" التى تأخذ مفعولين (لا شك فى أنهما كذلك) تحتاج إلى مفعولين ليس أصلهما "المبتدأ والخبر" بالذات، لأن هذين لا يصلحان مفعولين، لأن "المبتدأ" لا يصلح متلقيًا "للخبر"، ولا الثانى للأول، وهذا شرط تعدى الفعل الواحد (عن غير طريق العطف) إلى مفعولين، ليس فى اللغة العربية بل فى مختلف اللغات.
ويتمثل فى أحكام النحو العربى بشأن "أعلم وأرى وأخواتهما" خطأ لا يقل فداحة عن اعتبار منصوبى "ظن وأخواتها" مفعولين فى النحو العربى. فقد ظن النحو العربى أولا أن "المبتدأ والخبر" يصلحان مفعولين لأفعال "ظن وأخواتها"، ثم ظن أن بعض هذه الأفعال قابلة للمزيد من التعدية بالهمز أو التضعيف لهذا المتعدى المزعوم إلى مفعولين، ثم ظن أنه إزاء أفعال تتعدى بالتالى إلى ثلاثة مفاعيل، رغم أن هذه الأفعال وهى "أعلم وأرى وأخواتهما" (وهى: 1. أرى 2. أعلم 3. أنبأ 4. نبّأ 5. أخبر 6. خبّر 7. حدّث) "تنصب مفعولين" تماما مثل أفعال "أعطى وأخواتهما"، أما المنصوب الثالث فليس سوى متمم المفعول به المباشر مع مجموعة "أعلم" تماما كما مع مجموعة "أعطى".
والاستنتاجات التى نخرج بها من التحليل السابق لما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر من الأفعال يمكن إيجازها فيما يلى (مع إلغاء اعتبارها أفعالا ناسخة):
1: أفعال "كان وأخواتها" لها فاعل كباقى الأفعال ولا ينبغى أن يسمى "اسم كان"، أما ما يسمى "خبر كان" (وهو فى النحو العربى التقليدى كخبر المبتدأ وخبر "إن وأخواتها": مفرد، أو جملة اسمية، أو جملة فعلية، أو شبه جملة) فهو إما متمم للفاعل (صفة أو اسم أو جار ومجرور فى غير معنى الظرف أو أى شكل يتحقق به متمم الفاعل)، وإما ظرف (ومنه الجار والمجرور الدالان على الظرف). فهذه الأفعال تقدم إذن (بعد توسيع عددها وتدقيق دلالاتها) نموذجين للجملة، كما سبق القول، وهما نموذج: فعل + فاعل + متمم الفاعل؛ ونموذج: فعل + فاعل + الظرف.
2: أفعال "ظن وأخواتها" تتعدى إلى مفعول واحد وليس إلى مفعولين، أما "المنصوب" الثانى فهو عند استعماله متممٌ للمفعول به. وهكذا يمكن استخدام هذه الأفعال مثل بقية الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، وحتى لازمة مثلها جميعا. فهى قابلة إذن للاستعمال فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى لمفعول + الفاعل + المفعول به، وفى نموذج الجملة: الفعل اللازم + الفاعل، غير أن النموذج الأمثل والأكثر شيوعا وتمييزا لهذه الأفعال هو نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعول + الفاعل + المفعول به + متمم المفعول به.
3: أفعال "أعطى وأخواتها" تتعدى إلى مفعولين وهى قابلة طبعا للاستعمال لازمة فى نموذج الجملة: الفعل اللازم + الفاعل، ومتعدية إلى مفعول واحد فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعول واحد + الفاعل + المفعول به، أو فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعول واحد + الفاعل + المفعول به + متمم المفعول به، ومتعدية إلى مفعولين فى نموذج الجملة: الفعل المتعدى إلى مفعولين + الفاعل + المفعول به غير المباشر + المفعول به المباشر، وكذلك فى نموذج الجملة الذى يضيف إلى هذه العناصر عنصر: متمم المفعول به المباشر.
4: أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما"، بكل خصوصياتهما الدلالية (المرتبطة بأفعال "ظن وأخواتها") جزء من أفعال "أعطى وأخواتها"، فهى جميعا، ويضم المعجم العربى عشرات منها وليس القليل الذى يذكره النحاة، أفعال تتعدى إلى مفعولين.
لقد توقفنا فى سياق هذا الفصل عند نماذج شتى للجملة العربية، فبالإضافة إلى المسند إليه (الفاعل) والفعل (مسند الحد الأدنى) واللذين لا تخلو منهما جملة، فهما الحد الأدنى للجملة، هناك عناصر إجبارية لا تقوم بدونها قائمة للجملة فى نماذج شتى منها. وإذا كان النحو العربى قد جعل من المسند إليه "عُمْدَة" ومن المسند "عُمْدَة"، بمعنى أن الجملة لا تستغنى عنهما، وإذا كان قد اعتبر المكونات الأخرى للجملة "فَضْلة" يمكن الاستغناء عنها أو التكملة بها، وإذا كان النحو الفرنسى التقليدى قد سمى تلك المكونات بدوره تكملات أو مكملات، فإن نماذج الجملة التى تجعل عناصر بذاتها إجبارية فى نموذج بذاته من حيث هو نموذج تجعل من الضرورى إلغاء مفاهيم العمدة والفضلة والتكملة (وهذه الكلمة الأخيرة هى التى استعارها مجمع اللغة العربية بالقاهرة من النحو الفرنسى التقليدى فى محاولته الكبرى مع وزارة المعارف لتيسير النحو، وهى المحاولة التى انتهت إلى الفشل الذريع للسبب المزدوج المتمثل فى نقاط ضعف المحاولة من داخلها وفى قوة أعدائها من خارجها، وقد ألصق أعضاء لجنة التيسير كلمة التكملة بالكثير من المفاهيم النحوية وذلك بحكم الثقافة الفرنسية لبعضهم وللدكتور طه حسين بالذات، ويبدو أن كلمة التكملة تتشبث بمكانها بعناد حتى فى أحدث ما أخرجته المطابع الفرنسية فى التسعينات حتى بالنسبة للمفعول به الذى لا يزالون يلصقون به كلمة التكملة).
ومهما يكن من شيء فإن علينا أن ننتقل إلى الحروف المسماة بالناسخة: "إن وأخواتها" و"لا النافية للجنس".
***
أودّ أن أضيف هنا بعض الملاحظات بشأن أعداد بعض أنواع الأفعال التى ناقشناها فى هذا الفصل فى علاقاتها الوثيقة بنماذج بعينها للجمل. وأعتقد أن من شأن دراسة موسَّعة للأفعال العربية أن توضح، بين أشياء أخرى، حقيقة أن أعداد هذه الأفعال أكثر كثيرا مما يُعتقد.
أفعال "كان وأخواتها" أو الأفعال الرابطة: وهى: 1: كان 2: أصبح 3: أضحى 4: ظل 5: أمسى 6: بات (وهى أفعال التوقيت بزمن) 7: زال 8: برح 9: فتئ 10: انفكّ (مسبوقة بـ ما / لا / لم وهى أفعال الاستمرار) 11: صار (فعل الصيرورة أو التحول) 12: ليس (فعل النفى) 13: دام (مسبوقا بـ ما وهو فعل الدوام أو بيان المدة).
ويضيف معجم الدقر[l]، ومعجم الدحداح[li]، اثنىْ عشر فعلا بمعنى الصيرورة: 1: آض[lii] 2: ارتدّ 3: استحال 4: انقلب 5: تبدَّل 6: تحوَّل 7: حار 8: راح 9: رجع 10: عاد 11: غدا 12: قعد. وانفرد معجم الدقر بفعل "قعد" فيما انفرد معجم الدحداح بفعليْن هما "انقلب"، و "تبدَّل". ويضيف معجم الدحداح[liii] فعلىْ "أقبل" و "عَلِق" إلى أفعال الشروع.
وتضيف مراجع أجنبية إلى هذا النوع من الأفعال أفعالا أخرى كثيرة مقاربة لها فى المعنى باعتبارها أفعال الحالة المتغيرة (مثل: صار، زاد، مضى، تحوّل، إلخ) أو أفعال الحالة غير المتغيرة (مثل: بقى، مكث، بدا، ظهر، إلخ)[liv].
وهكذا فإن تحديد متمم المسند إليه (الفاعل) المرتبط بنموذج "كان" للجملة يتوقف على معرفة كاملة بالأفعال التى تُستعمل بهذه المعانى فتطلب المتمم (أو الظرف) كعنصر إجبارى مع الفعل الرابط. ويمكن أن يترتب على هذا اعتبار الكثير مما يُعتبر "حالا" ... "متمما للفاعل" عند توسيع أعداد الفعل الرابط، أما قبل ذلك فلا مناص من أن يحلل الناس أو يُعربوا وفقا للمعانى دون استرشاد كامل بنتائج استقصاء معجمى شامل.
أفعال "ظن وأخواتها": وتتعدى هذه الأفعال إلى مفعول به واحد غير أنها "تطلب" متمم المفعول به المباشر أو الظرف، وهى أفعال القلوب ومنها ما يدل على اليقين: 1: رأى 2: عَلِم 3: وجد 4: درَى 5: تَعَلَّمْ، ومنها ما يدل على الرجحان: 6: ظن 7: حسب 8: زعم، وأفعال التحويل والتصيير: 9: صيَّر 10: جعل 11: وهب 12: تخذ 13: اتَّخذ 14: ترك 15: ردَّ.
ويضيف كتاب القواعد الأساسية إلى أفعال اليقين "أَلْفَى" وإلى أفعال التحويل "حوَّل"[lv]. كما يضيف الدكتور شوقى ضيف "أَلْفَى"[lvi]. ويضيف معجم الدحداح[lvii] إلى أفعال القلوب أفعالا توافقها فى المعنى وتُلْحَق بها وهى: 1: نظر 2: أبصر 3: تفكَّر 4: سأل ("يسألون أيّان يومُ الدين"[lviii]) 5: استنبأ ("ويستنبئونك أَحَقٌّ هو"[lix]).
ويمكن أن يضيف البحث عن هذا النوع من الأفعال فى المعجم العربى على اتساعه بالاستفادة من النحو المقارن المزيد من الأفعال بمعانٍ تتوافق مع هذه المعانى، مثلا: أفعالا بمعنى يعتبر/ ينتخب / يختار / يرشِّح / يُعيِّن / يسمِّى / يتوِّج / يُعلن (شخصا مّا رئيسا / ملكا إلخ)، وكذلك أفعالا بمعنى ظن، مثل: تصوَّر، تخيَّل، توهَّم، وغير ذلك. ويجد القارئ فى المراجع الأجنبية المذكورة منذ قليل قوائم طويلة بأفعال القلوب والتصيير ("ظن وأخواتها").
أفعال "أعطى وأخواتها": وهذه الأفعال التى تتعدى إلى مفعولين هى: 1: أعطى 2: سأل 3: منح 4: منع 5: كسا 6: ألبس، ويضيف الدكتور شوقى ضيف أفعالا أخرى مثل: 1: زوَّد 2: أهدى 3: وهب 4: أطعم 5: سقى[lx]، ويوضح أن المتعدِّى إلى واحد يصير متعديا إلى مفعولين بالهمزة أو تضعيف الحرف الأوسط، مثل: "مَلَكَ" الذى يصير "أَمْلَكَ" أو "مَلَّكَ"[lxi].
ويؤكد معجم الدحداح أن أفعال "أعطى" "كثيرة لا يمكن ضبطها"، ويذكر "أكثرها استعمالا" وهى: 1: كسا 2: رزق 3: أطعم 4: سقى 5: زوَّد 6: أسكن 7: أعطى، ويضيف: 1: أنسى 2: حبَّب 3: جزى 4: أنشد 5: استصنع، كما يذكر ضمن أفعال "تنصب" مفعولين يُستعاض فيها عن "المفعول الثانى" بالجار والمجرور، مثل: 1: أمر (أمر الناس خيرا / بالخير) 2: استغفر 3: اختار 4: كنَّى 5: سمَّى 6: دعا 7: صدَّق 8: زوَّج 9: كال[lxii]. ويضيف تحرير النحو العربى[lxiii]: "علَّم" ("علَّم الإنسان ما لم يعلم"[lxiv])، و"آتى" ("وآتيناه الحكمة وفصلَ الخطاب"[lxv]).
ويمكن دون شك إضافة الكثير من الأفعال، مثل: "أفهم" (أفهمه المسألة بوضوح)، أو "سلب" (سلبه اللصُّ مالَه)، ، "أَدْخَل"َ (أدخله المدرسة عندما بلغ السادسة)، أو "عرَّف" (عرَّفه الخير)، أو نَقَدَ (نقده مالا)، وغيرها وغيرها.
ويقدم النحو المقارن أفعالا كثيرة فى هذا الباب منها الأفعال القليلة التى يشيع إيرادها فيه فى كتب النحو العربى، مثل: "أعطى" give, و "سأل" ask، و "زوَّد" provide، إلخ، ومنها أفعال أخرى كثيرة، ومنها بالمناسبة الأفعال التى نسميها "أعلم وأرى وأخواتهما"، ومنها "أعلم" inform و "أرى" show، كما نجد فى المراجع الإنجليزية المذكورة منذ قليل.
أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما": وهى الأفعال التى يُقال إنها تنصب ثلاثة مفاعيل، وقد أوضحنا أنها "تأخذ" مفعولين فقط، وهى أفعال: 1: أرى 2: أعلم 3: أنبأ 4: نبَّأ 5: أخبر 6: خبَّر 7: حدَّث. ويُقال إن بعض هذه الأفعال تأتى بتعدية أفعال "ظن وأخواتها" المتعدية إلى مفعولين إلى ثلاثة مفاعيل، غير أن هذا يقتصر، فى حدود الأفعال التى يشيع إيرادها فى هذين البابين، على فعليْن اثنين هما "رأى" الذى يصير "أرى" و "عَلِمَ" الذى يصير "أعلمَ". والأهم هو أن أفعال "أعلم" مزدوجة الارتباط بأفعال "ظن" من حيث إنها "تحتاج" مثلها إلى متمم المفعول به المباشر، وبأفعال "أعطى" من حيث إنها "تأخذ" مثلها مفعولين. وهنا مسألة دقيقة: إذا كانت أفعال "أعلم" "تطلب" متمم المفعول به المباشر أو الظرف، فهل ينطبق هذا الشيء ذاته على أفعال "أعطى"؟
ولا شك فى أن الاستقصاء المعجمى عن هذه الأفعال من شأنه أن يوضح ما إذ كان المتمم والظرف يشملان كل أفعال "أعطى" أم لا، غير أن من الواضح أن الكثير من هذه الأفعال تكتمل لها خصائص نموذج أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" من حيث أخذ المتمم والظرف، وعلى سبيل المثال فإن فِعْل "أفهمَ"، الذى لم يقل أحد إنه من أفعال "أعلم" (وإنْ كان على كل حال قريب المعنى من أفعال "ظن" المتعدية إلى مفعول به واحد وأفعال "أعلم" المتعدية إلى مفعولين قبل المتمم فى الحالتين)، قابل للاستعمال مثل نموذج "أعلم"، مثل: "أفهمته الخبر يقينا"، وبالطبع فإن "علَّم" (الذى لا يُذكَر مع "ظن" أو "أعطى" أو "أعلم") هو مثل "أعلم" فى المعنى ويمكن استعماله بالطريقة نفسها.
ومن المحتمل أن يكون الكثير مما يُعتبر "حالا" متمما كما فى نموذج "أعلم"، بشرط أن يكون متمما للمفعول به المباشر فلا يكون مرتبطا بالمفعول به غير المباشر: على سبيل المثال قد يُعتبر "صبيًّا" فى: "وآتيناه الحكم صبيًّا"[lxvi] "حالا"، لأن صاحب الحال أىْ المفعول به غير المباشر هو المقصود بلفظة "صبيًّا" وهو "يحيى" فى الآية، فيما يمكن اعتبار "خالصا" فى مثل: "أعطيناه الحكم خالصا" متمما لأن "الحُكْمَ" أىْ المفعول به المباشر هو المقصود بلفظة "خالصا".
وعلى كل حال فإن هذه المسألة الدقيقة لن يحسمها سوى العمل الدءوب من جهتين: الاستقصاء المعجمى الشامل كأساس للتصنيف الواسع النطاق لأفعال اللغة العربية من جهة، وبحث طبيعة ومفهوم "الحال" واحتمال ردّ الكثير من حالاته إلى الظرف بالذات، واحتمال ردّ كثير منها أيضا إلى نوع من أنواع المتمم، وكل هذا مع التفاعل العميق مع منجزات النحو المقارن. كذلك فإن تطوير بحث اللزوم والتعدى والأفعال المتعددة الكلمات multi-word verbs[lxvii]، التى تتعدى دون أن "تنصب" بحال من الأحوال، يمكن أن يضيف الكثير إلى فهمنا لهذه الأنواع الخاصة من الأفعال ونماذج الجمل التى ترتبط بها.


6
ما يسمى بنواسخ المبتدأ والخبر:
ب: الحروف المسماة بالناسخة
 
الحروف المسماة بالناسخة، على العكس من الأفعال المسماة بالناسخة، "ناسخة" حقا، ولكنْ بصفة جزئية، وبالأدق فهى "عوامل" نصب للكلمات المعربة التى تليها من غير الفعل.
ويعتبر النحو العربى "إن وأخواتها"، وكذلك "لا النافية للجنس"، حروفًا ناسخة للابتداء، "تدخل" على ما يسمى بالجملة الاسمية فتنصب "المبتدأ" .. "اسما لها" وترفع "الخبر" .. "خبرا لها".
وينبغى أن نضع حكاية الجملة الاسمية والمبتدأ والخبر جانبا، لكن بعد إشارة موجزة. ذلك أن الحرف من حروف "إن وأخواتها" لا يتخذ مكانه بحرية قبل أو بعد المسند إليه، كما تفعل الأفعال المسماة بالناسخة أو غيرها من الأفعال، بل يكون دائما قبله. والمسند إليه يكون اسما أو ضميرا؛ إلخ.. غير أن الاسم المعرب هو الذى يأتى بعد الحرف الناسخ الذى ينسخه ويغيّر إعرابه فينصبه. ويعنى هذا أن ما بعد الحرف الناسخ يبدو جملة بادئة باسم، هو "المبتدأ" فى "الجملة الاسمية". غير أننا رأينا من قبل أن الصواب هو أن نقول إن "التقاط" الحرف للاسم بعده يجرى بصرف النظر عن افتراض أن العبارة "الأصلية" كانت بادئة باسم أو فعل، ففى الحالين سنأخذ الاسم ونضعه بعد الحرف الناسخ ثم نأتى بعد ذلك بما نشاء لأن هذه الحروف لا تتبعها الأفعال مباشرة.
وسواء أكانت الجملة الأصلية المفترضة: "الله يغفر الذنوب" أم "يغفر الله الذنوب"، فلا مناص من القول: "إن الله يغفر الذنوب".
وحروف "إن وأخواتها" تنصب الاسم بعدها. ولابد أن نلاحظ أن هذا الاسم هو المسند إليه فى المجموعة الجُمْلية البادئة بحرف من هذه الحروف، وهى مجموعة جُمْلية دائما لأنها لا تخلو من فِعْل، حتى فى صورة الفعل المضارع المثبت المحذوف لفعل الكينونة. وهكذا فرغم أن "حقه" الرفع كفاعل (مسند إليه) إلا أن الحرف من هذه الحروف ينصبه.
والقاعدة بسيطة للغاية: تمامًا كما يجرّ حرف الجر الاسم بعده، مع إضافة هذا المعنى أو ذاك من معانى حرف بذاته من حروف الجر، تنصب حروف أو أدوات نصب الاسم هذا الاسم الذى يأتى بعد الحرف منها مع إضافة معنى خاص بهذا الحرف أو ذاك من حروف نصب الاسم. مع فارق هام هو أن المجرور قد يكون مسندا إليه، أى يليه مسند إليه، مثل: "مررت برجل يكلم نفسه"، وقد لا يكون مسندا إليه، مثل: "ذهبت الأسرة كلها إلى السينما". أما المنصوب بعد حروف نصب الاسم هذه ("إن وأخواتها") فهو مسند إليه دائما لمجموعة جُمْلية أى تحتوى على فعل "إجبارى”، مع فارق بين "أَنَّ" وبقية هذه الحروف. وليس فى الكلام العربى شيء من قبيل: "نعرف أن الأستاذ" يحسن السكوت عليه، أى: يفيد معنى. أما فى جملة "يعرف التلاميذ أن أستاذهم يشرح الدروس جيدا"، فإن المجموعة الجُمْلية: "أَنَّ أستاذهم يشرح الدروس جيدا" هى المفعول به لفعل "يعرف" وفاعله "التلاميذ".
وهذه "الحروف" التى يمكن أن نسميها أدوات نصب الاسم (ونقصد بالاسم هنا غير الفعل والحرف من أقسام الكلام كنوع من الاقتصاد ولأن النحو العربى لم يبدأ بعد عملية واسعة من إعادة النظر فى أقسام الكلام)، وهى أدوات "إن وأخواتها" كما يسمونها (وهى: 1: إنَّ 2: أنًّ 3: كأنَّ 4: لكنَّ 5: ليتَ 6: لعلَّ)، تربط فى المجموعة الجُمْلية التى تشتمل عليها الجملة السابقة بين المسند إليه (الفاعل) أى: "أستاذهم" والمسند (الخبر) أى: "يشرح الدروس جيدا"، بمعنى خاص لهذا الربط: "أَنَّ" لمجرد الربط، "إنّ" للتوكيد، "كأنّ" للتشبيه، "لكنّ" للاستدراك، "ليتَ" للتمنى، "لعلّ" للترجِّى.
أما ما يسمى "بخبر إن وأخواتها" فإننا سنجده كعهده دائما، أى: مثل ما يسمى "بخبر المبتدأ"، والخبر شبه جملة (الظرف أو الجار والمجرور). وهذه الأشياء تظل كما هى من حيث الإعراب ومن حيث العنصر النحوى، مثل "خبر المبتدأ". ولا تمسّها حروف أو أدوات "إن وأخواتها" بشيء من تغيير، اللهم إلا التغيير الدلالى المتمثل فى إضافة معنى الحرف من هذه الحروف.
ولهذا فإننا لسنا إزاء حروف ناسخة للمبتدأ والخبر. ولا ينبغى أن نسمى هذين الأخيرين "اسم وخبر إن وأخواتها"، على الترتيب. ذلك أن ما يسمى "بخبر إن وأخواتها" لا يحدث له شيء على الإطلاق: لا النسخ المزعوم (وخبره المفرد مرفوع بالطبع مثل الخبر المفرد للمبتدأ، ويقيسون على إعرابه بالرفع إعراب باقى أنواع الخبر)، ولا كعنصرٍ نحوى.
وليس ما يسمونه "بالخبر المفرد" للمبتدأ أو الحروف "إن وأخواتها" سوى متمم الفاعل. أما "الخبر شبه الجملة" كما يسمونه أيضا، فمنه الظرف بما فى ذلك شكل الظرف المكوَّن من جارّ ومجرور، ومنه متمم الفاعل المكوَّن من جارّ ومجرور. وينبغى أن نتذكر أن الخبر المفرد والخبر شبه الجملة إنما يأتيان، باستثناء ما يسمى "بخبر كان وأخواتها"، بدون فعل، أى: مع فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت.
أما الخبر المسمى بالخبر الجملة الاسمية فإما أنه يحتوى على فعل "كان" ظاهرا أو محذوفا، وإما أنه يحتوى على فعل تام عادى وفاعله المضاف الذى يسبقه المضاف إليه الذى يعربونه المبتدأ الأول. وأما الخبر المسمى بالخبر الجملة الفعلية فإما أنه يحتوى على فعل "كان" ظاهرا، وإما أنه يحتوى على فعل تام عادى مع فاعل وحتى مع مفعوله.
وفى كل هذه الأشياء يتطابق ما يسمى "بخبر إن وأخواتها" مع ما يسمى "بخبر المبتدأ"، كما يتطابق فى كثير من هذه الأشياء مع ما يسمى "بخبر كان وأخواتها"، اللهم إلا فيما يتعلق بالربط البحت أو المقترن بدلالات بعينها لأدوات نصب الاسم كما رأينا منذ قليل.
ومع أننا سنتناول المسند (الخبر) فى فصول خاصة به، ونتوقف من جديد بالتالى عند الوضع الحالى لأنواع الخبر، فى إطار النحو التقليدى، وعند مصيرها فى إطار النحو الجديد، فلابد لغرض استكمال هذه المناقشة هنا من بحث أنواع "خبر المبتدأ"، وسيتطابق البحث وتتطابق النتائج ككلّ (بالاستثناء الدلالى المذكور) مع خصائص أنواع "خبر إن وأخواتها"، وفى نقاط تقاطع بذاتها: مع خصائص أنواع "خبر كان وأخواتها".
وخير وسيلة هى أن نبدأ بالخبر المفرد والخبر شبه الجملة، كما يسميهما هذا النحو، لأن فعل الكينونة محذوف معهما فى المضارع المثبت، وسنرتّب هذه الأمثلة مع عناصر جملة، مثل: متمم الفاعل، ظرف، إلخ..:
متمم الفاعل - اسم: هند (بنت): ما بين القوسين "خبر مفرد".
متمم الفاعل - صفة: هند (متفوقة): ما بين القوسين "خبر مفرد".
متمم الفاعل - جارّ ومجرور: هند (فى غاية الجمال): ما بين القوسين "خبر شبه جملة".
ظرف: هند (فوق سطح البيت): ما بين القوسين "خبر شبه جملة" (ظرف).
ظرف: هند (فى المكتبة): ما بين القوسين "خبر شبه جملة" (جارّ ومجرور).
ونلاحظ أن متمم الفاعل يتحقق بأشكال منها الاسم والصفة والجارّ والمجرور (اللذان لا يحملان معنى الظرف)، أما الجارّ والمجرور اللذان يحملان معنى الظرف فهما من الأشكال العديدة التى يتحقق بها الظرف كعنصر جملة.
والآن ماذا سيعنى أن نبدأ الجمل السابقة بأداة نصب الاسم "إن"، على سبيل المثال، لتوكيد معانى هذه الجمل؟ لن يتغير سوى نصب "هند" (وهى المسند إليه) فى كل الجمل، أما الكلمة التى بين القوسين من "خبر مفرد" أو "خبر شبه جملة" فستبقى فى كل الجمل كما هى تمامًا من حيث الإعراب الموضوعى الجمعى، أى أن ما يسمى بالخبر المفرد سيظل مرفوعا (رفعا عشوائيا)، فى حين أن ما يسمى بالخبر شبه الجملة سيظل ظرفا منصوبا وحده أو مع مضاف إليه مجرور بالإضافة، كما سيظل حرف الجرّ المبنىّ مع مجروره، على حالهما الآن. أما من حيث عناصر الجملة فسيبقى كل شيء على حاله كما هو الحال مع "خبر المبتدأ".
والآن ما الذى يحدث إذا أدخلنا فعل "كان" على الجمل المذكورة؟ ستبقى "هند" على الرفع (وهى المسند إليه) فى كل الجمل، أما متمم الفاعل - الاسم (بنت)، والصفة (متفوقة) فإنهما يصبحان منصوبين ويحتفظان فى النحو القديم بلقب الخبر المفرد مع نسبته إلى كان وأخواتها (خبر كان وأخواتها). أما "الخبر شبه الجملة" فيبقى على حاله، ويقيس النحاة نصبه مع "كان وأخواتها" على خبر كان المفرد المنصوب، كما يقيسون رفع بقية أنواع "خبر المبتدأ" و"خبر إن وأخواتها" على رفع "خبر المبتدأ" أو "خبر إن" المفرد، وكل هذا فى إطار ما يسمى بالإعراب المحلى.
وننتقل الآن إلى الخبر الجملة عندما تخلو الجملة من فعل ظاهر:
متمم الفاعل - اسم: هند صديقاتها (بنات).
متمم الفاعل - صفة: هند صديقاتها (مثقفات).
متمم الفاعل - جارّ ومجرور: هند صديقاتها (فى غاية الذوق).
ظرف - جارّ ومجرور: هند صديقاتها (فى القاهرة).
وليس هنا من تعقيد سوى فى المسند إليه (الفاعل) فالفاعل الحقيقى فى الجمل السابقة (صديقاتها) بمعنى (صديقات هند)، وقد تعرضنا لهذه المشكلة عند مناقشة المسند إليه. والآن فإن دخول "إن وأخواتها" لا يفعل سوى نصب "هند" ويبقى كل شيء على ما هو عليه. فماذا يفعل دخول "كان وأخواتها"؟ لن يحدث سوى "نصب" متمم الفاعل - الاسم: "بنات" فى جملة: "هندُ كانت صديقاتُها بناتٍ"، أو "هندُ صديقاتها كُنَّ بناتٍ"،، و"نصب" متمم الفاعل - الصفة: "مثقفات"، فى جملة: هندُ كانت صديقاتُها مثقفاتٍ"، أو "هندُ صديقاتُها كُنَّ مثقفات". ويبقى الجارّ والمجرور متمما للفاعل أو ظرفا على حالهما الآن.
ونكتفى الآن بقراءة جملتين "خبراهما" جملة تشتمل على فعل تام:
هند (تقرأ الأدب الرفيع منذ الصغر).
هند صديقاتُها (يقرأن الأدب الرفيع مثلها).
وهنا وضعنا المسند بين القوسين والمسند إليه خارجهما (قبلهما عمليا). ولن يفعل إدخال "إن وأخواتها" سوى نصب "هند"، كالعادة، ويبقى كل شيء آخر على حاله الآن. ولم يعد لدينا متمم للفاعل لأنه إنما يأتى مع أفعال "كان وأخواتها". أما التحليل النحوى والإعرابى للمسند فنجد فيه عناصر جديدة من عناصر الجملة. ففى الجملة الأولى، نجد: الفعل "تقرأ" (وهو عنصر جملة)، والمفعول به (وهو عنصر جملة) وهو "الأدبَ الرفيعَ" الذى يتكون من اسم وصفة (نعت)، كما نجد الظرف - "ظرف زمان" (وهو عنصر جملة) وهو "منذُ الصِّغَرِ" الذى يتكون من ظرف الزمان "منذ" ومجروره بالإضافة.
فماذا يفعل إدخال "كان وأخواتها" على الجملتين السابقتين؟ ستغدوان كالتالى:
هند (كانت تقرأ الأدب الرفيع منذ الصغر).
هند صديقاتها (كُنَّ يقرأنَ الأدب الرفيع مثلها).
فما هو الجديد؟ الجديد هو صيغة "كانت تقرأ" و"كُنَّ يقرأنَ". وأعتقد أن اعتبار "كان وأخواتها" أفعالا مساعدة عند استخدامها مع أفعال تامة أكثر صوابا من اعتبار هذه الأخيرة أشكالا خاصة "فعلية" لتحقيق متمم المسند إليه (الفاعل) مع كان وأخواتها. وبهذا تكون صيغة "كانتْ تقرأ" أو كُنَّ يقرأنَ" مجموعة جُمْلية أو مجموعة فعلية كشكل من أشكال تحقيق الفعل باعتباره عنصرا من عناصر الجملة (راجع مسألة عناصر الجملة وأشكال تحقيقها).
والاستنتاج العام إذن هو أننا لسنا إزاء حروف ناسخة للمبتدأ والخبر كما يسميها النحاة، بل إزاء أدوات نصب للاسم تماما مثل حروف أو أدوات جرّ الاسم.
وتستقل "أَنَّ" عن بقية أدوات نصب الاسم ("إِنَّ وأخواتها") بأن هذه الأدوات تستخدم مع الجملة ككل بينما تُستخدم أداة الربط الناصبة للاسم: "أنَّ" لتكوين مجموعة "أنَّ" الجُمْلية that-clause وهى عبارة تبدأ "بأنَّ" وتحتوى على فعل، وهى ليست جملة لأنها لا تعطيك معنى مفيدا. وفى جملة "الأستاذ يَعْلَمُ (أَنَّ تلاميذه يحبونه)"، نجد المجموعة الجُمْلية الموضوعة بين القوسين، وهى "أنّ تلاميذه يحبونه"، لا يمكن القول إنها جملة فهى لا تكفى وحدها لمعنى مفيد رغم أنها تشتمل بعد أداة الربط الناصبة للاسم: "أنَّ"، على فعل: "يحبون"، وفاعل: "تلاميذه"، ومفعول به: "الهاء" فى "يحبونه"، وهذه العبارة كلها مفعول به لفعل: "يعلم"، وفاعله: "الأستاذ".
وجدير بالذكر أن المجموعة الجُمْلية البادئة "بأَنَّ" تصلح مسندا إليه (فاعلا)، كما تصلح مفعولا به، وقد تصلح عناصر أخرى فى الجملة.
وينبغى أن يكون واضحا أن الأداة "أن" رابطة (أداة ربط) وليست للتوكيد الذى تختص به أداة التوكيد والنصب "إِنَّ". والنظر إلى "إنَّ" وأَنَّ" وكأنهما لفظة واحدة تُكسر همزتها فى مواضع وتُفتح فى مواضع أخرى خطأ جسيم، فهما كلمتان مختلفتان تماما، ولا تشتركان إلا فى كونهما من الأدوات الناصبة للاسم، ولا ينبغى الالتفات إلى مجيء صوت الهمزة وبعده صوت النون فى هاتين الكلمتين المختلفتين نتيجة اختلاف صوت الحركة (الكسرة هنا والفتحة هناك). إنهما كلمتان مختلفتان اختلاف كلمة "مِنْ" (حرف جر) مع كلمة "مَنْ" (الاسم الموصول) رغم اشتراك الأصوات أو الحروف.
ولشقيقى على كلفت اجتهاد مهم، مكتوب منذ سنوات طويلة، لكنه غير منشور إلى الآن. وهو يدور حول: "إِنَّ" و"أَنَّ" متحديا ما حفظناه منذ الصغر من أن: "إنّ" و"أن" للتوكيد، ثم يتركز اجتهاده أو إحياؤه للصحيح فى النحو على كسر وفتح الهمزة. وكم أتمنى أن يخرج ذلك البحث إلى النور، ليقرأه المهتمون بدلا من هذه الإشارة المبتسرة التى اضطررت إليها هنا اضطرارا لكى لا يظن أحد أن بعض تأكيداتى الخاصة بحرفى أو أداتى: "إنّ" و"أنّ"، من اجتهادى الشخصى، مع أننى مسئول عن صياغاتى المستقلة فى كثير من الأحيان. وربما حررنا نشر اجتهاد على كلفت من المراجعين الذين يعتقدون دون مبرر من لغة أو نحو أن ما يسمونه بكسر همزة "إنّ" مطلق بعد القول، فلا يقتصر على المحكى بالقول كما كان ينبغى أن يفهموا.
أما أدوات نصب الاسم الأخرى فهى لأغراض مختلفة غير مجرد الربط، بالإضافة إلى استعمالها مع الجملة ككل:
إِنَّ: أداة نصب للاسم تفيد التوكيد، ولا تستخدم إلا للتوكيد، وتؤكد كافة مواضع استعمالها أنها تأتى فى أول الجملة، ولا ينال من هذا: القول أو القسم أو غيرهما لأنك فى كل الأحوال تؤكد كل معنى الجملة، كما تؤكد استعمالاتها أن غرضها بلاغى بحت، فلا يصحّ أبدا استعمالها للربط على الإطلاق، فأداة الربط ضرورة نحوية لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن أن تقوم فى نفس الوقت بدور بلاغى هو التوكيد، فما العمل إذا عدلنا عن غرض التوكيد مع بقاء أداة الربط كضرورة نحوية؟! والحقيقة أن أداة الربط "أَنّ" هى الأداة الوحيدة الإلزامية بعد القول وبعد أفعال القلوب ولا مجال على الإطلاق لاستعمال "إن" البلاغية التوكيدية فى مجال الربط.
كأنّ: أداة نصب للاسم تفيد التشبيه، وهى تستعمل مع الجملة بكاملها، مثل: "كأن الممرضة ملك رحيم"[lxviii]، أو فى مجموعة جُمْلية تصلح للوصف والتشبيه أو كحال، مثل: "إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله كأنهم بنيان مرصوص"[lxix].
لكنّ: أداة نصب للاسم تفيد الاستدراك، ويبدو أنها منحوتة من "لا" النافية و"كأنّ" المركبة من كاف التشبيه وأداة الربط الناصبة للاسم "أَنَّ". وهى لاستدراك جملة كاملة من جملة كاملة أخرى، مثل: "قضية فلسطين عادلة ولكن الاستعمار يأبى حلها"([lxx]).
ليتَ: أداة نصب للاسم تفيد التمنى، وهى تُستعمل مع الجملة بكاملها، مثل: "ليت وجه الاستعمار يختفى من العالم"([lxxi]).
لعلَّ: أداة نصب للاسم تفيد الترجى أو الرجاء، وهى تُستعمل مع الجملة الكاملة، مثل: "لعل النصر قريب"([lxxii]).
وهناك تخفيف النون بتأثيره فى عمل الأدوات التى آخرها النون، وهناك أيضا "ما" الكافة عن العمل: إنما، أنما، كأنما، لكنما، ليتما، لعلَّما. غير أن المجال لا يتسع لمثل هذه الاستقصاءات فى التفاصيل.
ومن "أخوات إنّ": "لا النافية للجنس"، وهى التى يليها اسم نكرة، فتنفى المسند عن جميع أفراده نفيا عاما شاملا([lxxiii]). وهى عند النحاة ككل حروف "إن وأخواتها" حرف ناسخ للابتداء، تنصب المبتدأ اسمًا لها وترفع الخبر خبرًا لها. والمسند إليه (ما يسمى الاسم هنا) منصوب: إذا كان نكرة، ومتصلاً بها غير منفصل عنها بفاصل، وإذا كانت "لا" غير مقترنة بحرف الجرّ. ويكون المسند إليه منصوبا غير منون فى حالة إفراد "لا"، ومنصوبا غير منون أو مرفوعا منونا فى حالة تكرارها. ويكون المسند إليه مرفوعا إذا فُصل بين "لا" النافية والنكرة. وإذا دخل عليها حرف الجر يتم جرّ ما بعد "لا" بحرف الجرّ وتصبح "لا" لمجرد النفى، مثلا: "يضلّ مَنْ يسير بِلا وَعْى”([lxxiv]).
والاستنتاج العام الذى نخرج به من هذه المناقشة الموجزة حول "إن وأخواتها" هو أن أدوات نصب الاسم هذه، بتنوع دلالات هذه الأدوات (التوكيد، الربط، التشبيه، الاستدراك، التمنى، الرجاء، ونفى الجنس فى حالة "لا"، مع تعقيدات فى تفاصيل هذه الأخيرة) تنصب المسند إليه بعدها ولا تفعل شيئا فى المسند؛ فلا نسخ إذن ولا يحزنون. ويمكن الحديث عنها كأدوات لنصب الاسم تماما مثل حروف أو أدوات جرّ الاسم. وبالمناسبة فهذه الأخيرة أكثر عددا وكل أداة منها تتعدد دلالاتها، ومع ذلك فقد كانت أدوات النصب أوفر "حظا" من أدوات الجرّ، فهذه الأخيرة لم يصطنع لها أحد أدوارا ولم يخصص لها أحد أبوابا، وقد آن الأوان لانتهاء هذه التعقيدات التى لا مبرر لها من لغة أو منطق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


7
المسند أو ما يسمى بالخبر
 
بعد أن أشار إلى المبتدأ، يقدّم الأستاذ عباس حسن، صاحب الموسوعة الشهيرة "النحو الوافى”، تعريف الخبر بقوله:
... وبعده كلمة تُتَمّم المعنى الأساسى للجملة: (أى: تتضمن الحكم بأمر من الأمور لا يمكن أن تستغنى الجملة عنه فى إتمام معناها الأساسى [....] ذلك أن الاسم يسمى: "مبتدأ" والكلمة الأخرى تسمى خبرا: "خبر المبتدأ"، وكلاهما مرفوع)[lxxv].
فالخبر حكم على المبتدأ بشيء، وهو كلمة، وهو مرفوع. ولا شك فى أن المسند أو الخبر حكم، فالمسند إليه محكوم له والمسند محكوم به، والمسند إليه متحدَّث عنه والمسند متحدث به، والمسند إليه موضوع والمسند محمول. ولكن هل المسند كلمة (أى كلمة واحدة) وهل هو مرفوع؟
لقد أشرنا من قبل، مرارا وتكرارا، إلى ان ما يسمى بالخبر المفرد مرفوع، وإلى أن رفعه عشوائى، وإلى أنه فى الأصل "خبر كان" المنصوب، وإلى أن الاقتصاد اللغوى اتجه بالجماعة اللغوية العربية عبر قرون ما قبل عصر الرواية فى اتجاه حذف المضارع المثبت من فعل "كان" قبل الخبر المفرد (وبالطبع قبل ما يسمى بالخبر شبه الجملة، وقبل ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية التى خبرها مفرد أو شبه جملة)، وإلى أن قياس رفع الخبر بوجه عام، فى كل أنواعه ("رفعا محليا" بالتالى) على رفع الخبر المفرد قياس فاسد.
أولا: لأن ما يسمى بالخبر المفرد ليس خبرا أصلا إلا مع المضارع المثبَت المحذوف من فعل الكينونة قبله.
وثانيا: لأن هذا مجرد رفع عرضى، ظاهرى، عشوائى، لحذف العامل اللفظى لنصبه أى فعل الكينونة، فى إطار من الاقتصاد اللغوى حيث يظهر بكل جلاء زمن الجملة دون ذكر الفعل فى هذا الزمن، ولأن معناه أيضا واضح بدون ذكره لأنه يدل على الكون العام، فاجتمعت هنا ثلاثة أمور لابد من اجتماعها للحذف، فمعنى الكون العام لا يتيح الحذف إلا فى هذا الزمن وإلا فى حالة الإثبات، كما أن هذا الزمن، حتى فى حالة الإثبات، لا يتيح حذف فعل غير معنى الكون العام (إلا كاستثناءات تقوم على منتهى الإيجاز فى جوامع الكلم كما سنرى فى موضع لاحق).
وثالثا: وهذا هو الأكثر أهمية بما لا يقاس، لأن المسند (الخبر) قسم من الجملة خارج مسألة الإعراب أصلا فلا رفع له ولا نصب ولا جرّ ولا شيء من الإعراب على الإطلاق (أى لا شيء من الإعراب حتى فى حالة التبنى الكامل لفكرة الإعراب المحلى، لأن ما يخضع لما يسمى "بالإعراب المحلى” هو ما يخضع للإعراب أصلا أى العنصر الواحد من عناصر الجملة مهما كان شكل تحقيقه فى صورة لفظة مرفوعة أو مبنية أو عبارة متعددة الألفاظ).
على أن اكتشاف أو إثبات أن المسند أو الخبر غير مرفوع، لأنه خارج مسألة الإعراب أصلا، لن يتحقق إلا بأن نعرف أوّلا: ما هو الخبر؟ فهل الخبر حقا "كلمة" تتمم مع المبتدأ معنى الجملة؟
ووفقا للنحو العربى ينقسم الخبر إلى ثلاثة أنواع: الخبر المفرد، والخبر الجملة: الاسمية أو الفعلية، والخبر شبه الجملة: الظرف أو الجارّ والمجرور. وينطبق هذا على ما يسمى بخبر المبتدأ، وعلى ما يسمى بخبر "إن وأخواتها"، وعلى ما يسمى بخبر "كان وأخواتها" (وعلى ما يسمى بخبر المبتدأ الثانى عندما يكون الخبر جملة اسمية فى كل هذه الأنواع للخبر).
وكان لنا حديث طويل لم تعد بنا حاجة إلى تكراره: عن وحدة الجملة بدلا من تقسيمها إلى اسمية وفعلية، وعن إلغاء "ألقاب" المبتدأ والخبر، باعتبارهما ركنين للجملة الاسمية؛ والفعل والفاعل، باعتبارهما ركنين للجملة الفعلية، وعن التقسيم النحوى الضرورى المطلوب للجملة العربية إلى جزءيْن أو قسميْن أو ركنيْن هما المسند إليه (الفاعل) والمسند (الخبر)، وعن الأفعال المسماة بالناسخة والتى انتهينا إلى أنها أفعال لها فاعلون وأن القسم الذى يعتبره النحاة خبرا بدون "دخول" هذه الأفعال يظل هناك بأنواعه الثلاثة، رغم تغيرات إعرابية محدودة بالقياس إلى إعراب ما يسمى بخبر المبتدأ (وتنحصر هذه التغيرات الإعرابية فى "نصب" ما يسمى بالخبر المفرد مع الأفعال المسماة بالناسخة) ليس لأنها نسخت "الخبر" بل لأنها أفعال تأخذ بصفة إجبارية: عنصر الجملة المسمى بمتمم الفاعل، أو عنصر الجملة المسمى بالظرف، وكل منهما منصوب فى شكل من أشكال تحقيقه، أى فى شكل الكلمة المعربة، وعن الحروف المسماة بالناسخة ("إن وأخواتها") والتى انتهينا إلى أنها أدوات نصب للأسماء وغيرها من الكلمات المعربة من غير الفعل (تنصبها كما تجرها حروف أو أدوات الجر) بلا تأثير من أى نوع على إعراب ما يسمى بالخبر بأنواعه الثلاثة بالمقارنة مع ما يسمى بخبر المبتدأ أيضا.
وهكذا يمكننا الآن التركيز على مسألة: ما هو المسند (الخبر)؟ وهل هو كلمة (للحديث بالتالى عن إعرابها أو عن رفعها بالذات) أو هو كلمات متنوعة؟ وهل هو عنصر من عناصر الجملة ليجوز فيه الإعراب كما هو الحال مع المسند إليه (الفاعل) وهو مرفوع دون شك؛ أو هو مفهوم أوسع من مفهوم عنصر الجملة بحيث يقتصر على عنصر واحد أو يشتمل على أكثر من عنصر من عناصر الجملة؟
ولنبدأ بهذه الأمثلة للخبر بمفهومه التقليدى فى النحو العربى، وسنضع بين قوسين ما يسميه هذا النحو بالخبر:
1: خبر مفرد: أ:             الكتاب (مفيدٌ).
        ب:            الكتاب (سلعةٌ).
2: خبر ظرف:                            الكتاب (فوقَ) المنضدةِ.
3: خبر جارّ ومجرور:                     الكتاب (على المنضدةِ).
4: خبر جملة اسمية خبرها مفرد:     أ:    الكتاب (غلافه "أزرقُ").
                                    ب:   الكتاب (غلافه "تحفة").
5: خبر جملة اسمية خبرها ظرف:         الكتاب (غلافه "فوقَ") المنضدةِ.
6: خبر جملة اسمية خبرها جارّ ومجرور:  الكتاب (غلافه "على المنضدةِ").
7: خبر جملة اسمية خبرها جملة فعلية:    الكتاب (غلافه "يلمعُ").
8: خبر جملة فعلية:                      الكتاب (يفيدُ) القارئَ.
وكما هو واضح هناك خبر "1" من كلمة واحدة هى أ: صفة ب: اسم، وخبر آخر "2" من كلمة واحدة هى ظرف، وخبر ثالث "8" من كلمة واحدة هى فعل (مع أن النحاة يعربون هذا الفعل جملة فعلية مع فاعله الضمير المستتر المزعوم)، وهناك أكثر من خبر: الأمثلة من "3" إلى "7"، كل خبر منها من أكثر من كلمة وهى كلمات ذات وظائف متنوعة منها الجارّ والمجرور (شبه جملة عندهم كالظرف أيضا) والجملة (الاسمية أوالفعلية). غير أن كل "خبر" يتمم مع الكتاب جملة مفيدة.
ومع هذا تصدمنا حقيقة أن هذا "الخبر" غير متجانس إلى هذا الحد: فكيف يكون "صفة" أو "اسمًا" ويكون "فعلا"، ويكون "مفردا"، ويكون "شبه جملة" ("ظرفا" أو "جارّا ومجرورا")، ويكون "جملة اسمية" تبدأ بمبتدأ جديد مرة مع "الفعل"، ومرة أخرى مع "الصفة" أو "الاسم"، ومرة ثالثة مع "الظرف"، ومرة رابعة مع "الجارّ والمجرور"؟
ونلاحظ أن لدينا، ضمن هذا التعداد، بعض عناصر الجملة كما حددناها من قبل، لدينا "الفعل"، ولدينا "الظرف"، ولدينا "المفعول به"، ولدينا ما أشرنا إليه باعتباره "متمم الفاعل أو المفعول به".
كما نلاحظ أن هذه العناصر تختلف للغاية من حيث الإعراب، فالفعل يختلف معنى إعرابه عن معنى إعراب غير الفعل ولعله مجرد بقايا لفظية من نظام قديم نجهل خصائصه. وهناك كلمات منصوبة كالظرف وأخرى مرفوعة كالخبر المفرد أو المبتدأ الثانى وكلها لعناصر (أو لأجزاء من عناصر) متباينة للجملة.
ويؤدى بنا أدنى تأمل فى كل هذه المفارقات إلى الشك العميق فى إعراب "الخبر" الذى يتضح أنه مجموع من الألفاظ أوسع من أن يقبل الإعراب. فما هو ذلك الإعراب الواحد للخبر الذى من شأنه أن يقبل هذه الإعرابات المتنوعة لمكوّنات الخبر ذاته؟! كما أنه يؤدى بنا إلى الشك العميق فى أن يكون الخبر عنصراً من عناصر الجملة كالمسند إليه أو كالمفعول به أو الفعل أو الظرف أو متمم الفاعل أو المفعول به، ما دام هو ذاته يشتمل على بعض أو كل هذه العناصر باستثناء المسند إليه (الفاعل).
ويمكن أن نلجأ إلى المعنى، معنى المسند (الخبر) فلعله يسعفنا. ولنقرأ هذه الجملة:
الفلاح يزرع القمح عندما يكون سعره مجزياً.
فما الذى نقوله عن الفلاح وهو المسند إليه (الفاعل) هنا؟ من الجلى أن "يزرع" لا يصلح بمفرده ولا مع "القمح" لأنْ يكون ما نريد أن نقوله عن الفلاح فى هذه الجملة، فما نريد أنْ نقوله ليس أنه "يزرع" فقط، وليس أنه "يزرع القمح" فقط، بل أنه ("يزرع القمح") فى حالة محددة أو فى ظرف محدّد، أى: "عندما يكون سعره مجزيا".
ويتضح أن كل باقى الجملة (باستثناء الفلاح) هو المسند (الخبر)، وأنه يشمل فعلا وهو "يزرع"، ومفعولا به وهو "القمح"، وظرف زمان وهو "عندما يكون سعره مجزيا"، وهذه العبارة الظرفية تتركب بدورها من عناصر عديدة من عناصر الجملة.
غير أننا، عندما نعود إلى الأمثلة السابقة للخبر بمعناه التقليدى فى النحو العربى، نجد أن "كل باقى الجملة" يكون أحيانا كلمة واحدة، وهذه الكلمة الواحدة ذاتها غير متجانسة: مرة لدينا "فعل"، ومرة لدينا "اسم"، ومرة لدينا "صفة"، بالإضافة إلى الجملة وشبه الجملة بكل مكوّنات كل منهما. ومعنى هذا أن "كل باقى الجملة" (أى غير المسند إليه أو الفاعل) قد يكون له حدّ أدنى من كلمة واحدة من عنصر واحد كما أنه قد يكون أكثر من كلمة وأكثر من عنصر من عناصر الجملة، أى أنه قد يكون عنصرا واحد أو عنصرين، أو ثلاثة أو أربعة عناصر (فقد استبعدنا عنصرا واحداً فقط هو المسند إليه أو الفاعل من أصل خمسة عناصر) مع احتمال تكرار بعض أو كل العناصر لاحتضان المعانى المتنوعة المحتملة فى جملة بسيطة أو مركَّبة أومعقدة.
فما هو الحد الأدنى الممكن للمسند (الخبر)؟
وإذا قلنا إنه كلمة (أو ما فى حكم كلمة) فكيف نهتدى إلى طبيعة العنصر النحوى الذى تمثله هذه الكلمة بغضّ النظر عما تمثله من دلالات كمدخل فى المعجم؟
وربما كان من المفيد أن نقوم بتقليب الجمل التى تحتوى على هذا الحدّ الأدنى على وجوهها لنصل إلى ما قد يكون مختفيا تحت سطحها. ونأخذ من الأمثلة التى أوردناها من قبل جملتين من هذا النوع هما:
1: الكتاب يفيد.
2: الكتاب مفيد.
ولا يفيد التقديم والتأخير فى إظهار ما يختفى. فرغم الاختلاف المحتمل أحيانا من الناحية البلاغية إلا أن المستوى النحوى (مستوى العلاقات النحوية بين العنصرين فى كل جملة) سيبقى على ما هو عليه بطبيعة الحال. فى الجملة الأولى، مثلا، سيغدو مسندا (خبرا) وهو "يفيد" يتلوه المسند إليه (الفاعل) وهو "الكتاب" بدلا من وضعها الحالى: المسند إليه ("الكتاب") يتلوه المسند ("يفيد").
وتتمثل طريقة مفيدة فى أن ننظر إلى زمن الجملة. ومهما كانت الوسائل التى تعبر بها لغة عن الزمن فإنها ستضع الجملة نفسها فى الزمن المقصود. ومن المعروف أن الفعل هو الذى يدل على الزمن من خلال نظام صرفى نحوى بذاته. فما العمل إزاء جملة تخلو من الفعل من الناحية العملية؟
وفيما يتعلق بالجملة التى تحتوى على الفعل "يفيد" يمكننا أن نضعها فى الماضى: "الكتاب أفاد" أو: "أفاد الكتاب"، وفى المستقبل: "الكتاب سيُفيد" أو: "سيُفيد الكتاب". ويتأكد لنا بمزيد من الثقة أن المسند فى هذه الجملة بتقلباتها فى الزمن هو الفعل: "أفاد" أو: "يفيد" أو: "سيُفيد". وفى حالة النفى أيضا سيكون:"لم يُفد" أو: "لا يفيد" أو: "لن يفيد"، على الترتيب.
أما الجملة التى لا تحتوى على فعل ظاهر صريح فقد صار من الجلى أن زمنها هو المضارع، وأن الزمن فى كل الجمل المماثلة هو المضارع. والمقصود أن الجملة الخالية من الفعل موضوعة كجملة فى المضارع، ومن المفهوم أن المضارع هو زمن الحقائق العامة والعادات قبل أن يكون زمن التعليق اللفظى خلال الحاضر المراوغ الهارب دوما. وهذا بالضبط ما نفهمه عندما نقرأ أو نسمع جملة بدون فعل وهو بالضبط ما نقصده عندما نكتب أو نقول جملة بدون فعل. وسنقوم الآن بوضع هذه الجملة فى الأزمنة الأخرى، مثبتة ومنفية.
 
     الزمن               الجملة              الفعل
 
المضارع المثبَت: أ:    الكتاب مفيدٌ               ---
المضارع المثبَت: ب:   الكتاب يكون مفيدًا         يكون
المضارع المنفى: أ:    الكتاب ليس مفيدًا           ليس
المضارع المنفى: ب:   الكتاب لا يكون مفيدًا       لا يكون
الماضى المثبَت:        الكتاب كان مفيدًا           كان
الماضى المنفى: أ:     الكتاب لم يكن مفيدًا         لم يكن
الماضى المنفى: ب:    الكتاب ما كان مفيدًا        ما كان
المستقبل المثبَت: أ:     الكتاب سيكون مفيدًا        سيكون
المستقبل المثبَت: ب:   الكتاب سوف يكون مفيدًا    سوف يكون
المستقبل المنفى:       الكتاب لن يكون مفيدًا        لن يكون
 
ونلاحظ بكل سهولة أن الفعل ظهر فى كل الأزمنة المذكورة فى الإثبات والنفى، باستثناء حالة واحدة هى أكثر حالات المضارع المثبَت شيوعا فى اللغة العربية لفعل الكينونة. والفعل الذى ظهر فى كل الأزمنة، فى الإثبات والنفى، هو بلا استثناء فعل الكينونة (وفعل "ليس" لا يمثل استثناءً لأنه نفى للكينونة، ويبدو أن تاريخ هذه الكلمة يكشف عن نحت أدمج أداة النفى مع صورة قديمة لفعل الكينونة). وفى الحالة الوحيدة التى لم يظهر فيها الفعل وجدنا ما يسمى بالخبر المفرد مرفوعًا، وفى كل الحالات الأخرى التى ظهر فيها الفعل مثبَتًا أو منفيًّا وجدنا ما يسمى بالخبر المفرد منصوبًا.
وفى كل باقى أزمنة هذه الجمل (باستثناء المضارع المثبَت، أى: فى جملة تمثل حالة واحدة وحيدة فى اللغة العربية)، ظهر إذن "فِعْل"، وكان هذا الفعل هو "فعل الكينونة"، وفيها جميعا كان ما يسمى بخبر المبتدأ منصوبا باعتباره ما يسمى بخبر "كان" (وينطبق هذا على خبر "إن وأخواتها" فهو أيضا منصوب باعتباره خبر "كان" باستثناء المضارع المثبَت أيضا) مقابل خبر المبتدأ (وخبر "إن وأخواتها") فى المضارع المثبَت والذى يأتى بدون فعل ظاهر فى الحالة الأكثر شيوعا، كما يأتى مرفوعا فى هذه الحالة.
وما دام تغيير الزمن، والتغيير من الإثبات إلى النفى لا يأتيان، فى اللغة العربية، بفعل ليس فى الجملة فلا مناص من أن نستنتج بلا تردد عدة استنتاجات فيما يتعلق بالجملة الخالية من الفعل (والتى تتجسد فى هذه الحالة وحدها دون غيرها):
1: ما يسمى بالخبر المفرد، وهو مرفوع دائما، لا يأتى إلا فى الجملة الموضوعة فى المضارع المثبَت.
 2: وهذا الخبر المفرد كما يسمى يسبقه فعل محذوف نستنتجه من الحالات الأخرى للجملة (الماضى إثباتا ونفيا، والمستقبل إثباتا ونفيا، والمضارع نفيا، والمضارع إثباتا أحيانا).
 3: وهذا الفعل المحذوف هو فعل الكينونة (وليس تقديره الفعل: "استقرّ" ولا اسم الفاعل: "كائن" أو "مستقرّ" كما قيل قديما وكما سوف نرى).
 4: وهذا الحذف لفعل الكينونة مصحوب برفع ما يسمى بالخبر المفرد، وهذا يعنى أن أصل هذا الأخير هو "خبر كان"، فهو إذن منصوب أصلا يُرفع عند حذف هذا الفعل.
 5: وهذا الحذف ليس وجوبا، وليس لغرض بلاغى، بل هو نتيجة تراكمية فى الأمد الطويل لمبدأ الاقتصاد اللغوى.
والاستنتاج الأعم الذى لا يمكن تفاديه هو أن الجملة العربية لا تخلو من الفعل، وأن الحالة الوحيدة التى تخلو عمليا (أى من حيث هى حالة) من الفعل إنما تحتوى على فعل محذوف "فعل كان فى المضارع المثبَت" يعطى الجملة زمنها، كما يعطيها المعنى المقتصر على مجرد الفعل الرابط الذى يدلّ على الكون العام.
غير أنه يبقى سؤال: ما هو الخبر؟ وهل هو ما يسميه النحو العربى بالخبر؟
ولكى نتوصل إلى تصور واضح حول طبيعة الخبر ينبغى أن ندقق أوّلا فى مفهوم النحو العربى عن الخبر. ومن الأفضل أن ننتقل فى بحثنا واستقصائنا وتدقيقنا من الأقل صعوبة إلى الأكثر صعوبة، على الأقل فى البداية.
ولنبدأ بما يسمى بالخبر الجملة الفعلية. وفى جملة: "الكتاب يفيد" يتمثل الخبر فى نظر النحو العربى فى جملة "يفيد" التى تتكون فيما يزعمون من هذا الفعل وفاعله الضمير المستتر وتقديره هو ويعود فى محل رفع على المبتدأ "الكتاب". وقد سبق أن رأينا أن "الضمير المستتر" ليس سوى "شبح" وأن ضمائر الرفع البارزة المتصلة ليست سوى "نهايات تصريف أفعال" وأن الفاعل ليس فى الحقيقة سوى ما يسمونه بالمبتدأ.
فالخبر الجملة الفعلية فى زعمهم ليس إذن فى الحقيقة سوى فعل واحد هو فعل "يُفيد" وهو المسند الذى يأتى قبل المسند إليه (الفاعل) أو بعده. ويمكن بالطبع أن يأتى المفعول به: "القارئ" بعد الفعل: "يفيد". وكما أشرنا منذ قليل فإن المسند سيغدو مكوّنا من الفعل والمفعول به فى هذه الحالة، ولا مانع من إضافة متمم للمفعول به أو ظرف من أى نوع من أنواعه العديدة، ولا مانع من تكرار هذا العنصر أو ذاك فى نفس الجملة وضمن نفس المسند، كأن يكون هناك أكثر من مفعول به، أو أكثر من متمم للمفعول به، أو ظرف مكان مع ظرف زمان مع ظرف آخر من أى نوع، وهكذا، وسيكون كل هذا هو المسند (الخبر)، غير أن الاستنتاج هنا يتعلق بأن الحد الأدنى للمسند (الخبر) لا يمكن إلا أن يكون فِعْلا واحداً هو هنا "يُفيد". وسنرى أن هذا الحد الأدنى للمسند (الخبر) يتخذ شكله النموذجى فى صورة الفعل اللازم الذى لا يحتاج نموذجه (كنموذج أى كعنصر إجبارى فى النموذج) إلى أى عنصر جملة آخر مع المسند إليه (الفاعل)، مثل: "غرق فلان" أو: "فلان غرق"، مع أن نموذج الحدّ الأدنى هذا للجملة وللمسند (الخبر) لا يمنع ظرف الزمان والمكان وغيرهما فى أبسط أشكال مثل هذه الجملة؛ مثلا: "غرق فلان فى النيل فى الساعة العاشرة مساءً بتوقيت القاهرة".
ويعتبر النحو العربى هذا الفعل ("يفيد") جملة فعلية لأنه يفترض الفاعل الضمير المستتر، أو الفاعل ضمير الرفع البارز المتصل فى مثل: "يفيدون" أو "أفادوا". وبإلغاء الفاعل فى صورة الضمير المستتر أو ضمير الرفع البارز المتصل، كما سبق أن أوضحنا، يصبح الفعل مجرد فعل تم تصريفه مع المسند إليه (الفاعل) قبله أو بعده، فهو ليس إذن جملة من أى نوع. كما أن إضافة أية عناصر أخرى إلى هذا الفعل لا تجعله جملة لأن المسند إليه (الفاعل) منفصل أصلا عن المسند (الخبر)، ولا جملة بطبيعة الحال بدون اجتماعها بالإثبات أو النفى.
والاستنتاج الأشمل هو أن المسند (الخبر) لا يكون جملة فعلية، وإنما يكون "فعلا" بمفرده فى حالة مسند الحدّ الأدنى، أو مع بعض أو كل العناصر الثلاثة الأخرى التى قد يأخذها المسند إلى جانب الفعل وهى: المفعول به، والظرف، ومتمم الفاعل أو المفعول به (المباشر)، كعناصر "إجبارية" فى بعض النماذج الأساسية للجمل العربية، وعناصر "اختيارية" للإحاطة ببعض تنوعات معانى الجملة.
وننتقل مباشرة إلى ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية، وبالذات فى حالة من حالات هذا النوع من الخبر، أعنى حالة "الخبر الجملة الفعلية" .... "للخبر الجملة الاسمية" فى هذا النحو العربى التقليدى.
ففى جملة: "الكتاب غلافه يلمع" يزعم هذا النحو أن المبتدأ هو "الكتاب" وأن الخبر هو الجملة الاسمية "غلافه يلمع" وأن مبتدأ جملة الخبر أى ما يسمونه بالمبتدأ الثانى هو "غلاف" وأن الفعل "يلمع" مع فاعله الضمير المستتر خبر المبتدأ فى جملة الخبر.
ومن ناحية أخرى فإن تقديم "يلمع" يجعل الجملة: "الكتاب يلمع غلافه"، أى أنه الخبر المسمى بالخبر الجملة الفعلية وقد رأينا منذ قليل تهافت منطق الخبر الجملة الفعلية.
يبقى أن ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية (بكل أنواع خبر جملة الخبر هذه: الخبر المفرد، والخبر شبه الجملة، والخبر الجملة الفعلية) يأتينا بعنصر جديد بالغ الأهمية وهو ما يسمى بالمبتدأ الثانى، بما يثيره من إشكالية طبيعة أو حقيقة ما يسمى بالمبتدأ الأول، ولنقرأ مرة أخرى هذه الجمل:
1: جملة اسمية خبرها مفرد:           أ: الكتاب (غلافه) أزرق.
                                       ب: الكتاب (غلافه) تحفة.
2: جملة اسمية خبرها ظرف:          الكتاب (غلافه) فوق المنضدة.
3: جملة اسمية خبرها جارّ ومجرور:   الكتاب (غلافه) على المنضدة.
4: جملة اسمية خبرها جملة فعلية:      الكتاب (غلافه) يلمع.
وعندهم أن "الكتاب" فى هذه الجمل هو المبتدأ الأول (أو بالتعبير الأدق: المسند إليه الأول، أو الفاعل الأول) وعبارة "غلافه" فى هذه الجمل هى المبتدأ الثانى (أى: المسند إليه الثانى). غير أن الغلاف (وليس الكتاب) هو الأزرق، وهو التحفة، وهو الذى فوق المنضدة، أو على المنضدة، وهو الذى يلمع. والمسند إليه الثانى (وليس المسند إليه الأول) هو الذى يتم إسناد الفعل إليه وتصريفه معه، مثلا:
الكتاب غلافه يلمع.           أو     الكتاب يلمع غلافه.
مصر رجالها استبسلوا.        أو    مصر استبسل رجالها.
هذه المرأة أعداؤها يكثرون.    أو    هذه المرأة يكثر أعداؤها.
والمسند إليه الثانى يرتبط بالمسند إليه الأول بضمير، مثلا: "غلافه"، "رجالها"، "أعداؤها".
على أن المسند إليه "الحقيقى” هو الثانى وليس الأول، سواء من حيث الإسناد عمليا إليه، أو التصريف عمليا معه، أو من حيث المعنى، فالتقدير السليم لمعانى الجمل السابقة هو:
(غلاف الكتاب) يلمع.        أو     يلمع (كتاب الغلاف).
(رجال مصر) استبسلوا.      أو     استبسل (رجال مصر).
(أعداء هذه المرأة) يكثرون.   أو     يكثر (أعداء هذه المرأة).
فالمسند إليه الأول ليس فى هذه الجمل سوى المضاف إليه والمضاف اللاحق هو المسند إليه الحقيقى.
وهناك جمل لا يصلح فيها إضافة المسند إليه المسمى بالثانى إلى ما يبدو أنه المسند إليه الأول؛ مثل: "النخل ثمره نأكله" أو: "النخل نأكل ثمره"، فالمضاف والمضاف إليه هنا وهما "ثمر النخل" هما المفعول به فى الحقيقة، أما ما يبدو أنه المسند إليه الثانى (وهو المسند إليه الحقيقى والوحيد) فهو الضمير "نحن" (كما نفهم من "النون" فى "نأكل" فالنون هنا حرف مضارعة من حروف "نأيتُ" كما تسمى وهى فى حقيقتها "بوادئ" تصريف الأفعال فى المضارع وينبغى التعامل معها مثل نهايات تصريف الأفعال فى الماضى والمضارع والأمر وهى التى يسميها النحو العربى التقليدى بضمائر الرفع البارزة المتصلة). والمعنى المقصود هو: "نحن نأكل ثمر النخل".
والواقع أن ما يبدو وكأنه المسند إليه الأول ليس فى الحقيقة مسندا إليه، لأن قاعدة المسند إليه ينبغى أن تتمثل فى البحث عن الفعل ثم البحث عن المسند إليه الذى تم تصريفه معه، وعندئذ يتضح أن المضاف الذى كان جديرا بأن يجرّه، إنْ تقدَّم كما ينبغى له فى وضعه النموذجى، تأخر وهو المسند إليه الحقيقى والوحيد.
فالمبتدأ الأول كما يسمونه (أو المسند إليه الأول كما جاء فى العبارات السجالية السابقة) ليس فى أصله سوى المضاف إليه المجرور بالإضافة والذى رفعه عشوائيا تأخُّر الجارّ أى المضاف، تماما مثلما قد يظل المفعول به مرفوعا إذا جرى الابتداء به (أو سبق ناصبه) وذلك لتأخر العامل اللفظى الناصب؛ فى مثل: "الولدُ ضربه أبوه" أو: "الولدُ أبوه ضربه".
ومثل هذه المرفوعات "العشوائية" ومنها ما يسمى بالخبر المفرد (مع المبتدأ أو "إن وأخواتها" أو كخبر فى جملة الخبر الاسمية) من شأنها أن تُربك وضع قاعدة بسيطة لإعراب الكلمات المعربة من غير الفعل ما لم نتقن معرفة مواضعها القليلة على كل حال.
ومهما يكن من شيء فإن ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية لا يشتمل عمليا على أى فعل فى عدد من الجمل، وقد رأينا أن غياب كل فعل فى المسند (الخبر) إنما يعنى أن فعل الكينونة محذوف فى المضارع المثبت. ويعنى هذا أن بقية أنواع خبر جملة الخبر الاسمية (باستثناء وحيد هو الفعل الذى يأتى خبرا للمبتدأ الثانى فى جملة الخبر الاسمية حسب مسميات النحاة) تشترك فى خلوّها من الفعل "الصريح" مع الخبر المفرد ومع الخبر شبه الجملة.
 وينقلنا هذا مباشرة إلى استقصاء أحوال ما يسمى بالخبر المفرد والخبر شبه الجملة فى فصل مستقل.   
 
8
المسند (الخبر) ومتعلَّق الظرف أو الجارّ والمجرور
 
توصَّلنا فى نهاية الفصل السابق إلى استنتاج مؤداه أن المسند (الخبر) لا يكون جملة فعلية، لا خبرًا للمبتدأ أو لحروف "إن وأخواتها"، ولاخبرًاً للخبر الجملة الأسمية، كما يسمى النحو العربى التقليدى هذه الأشياء جميعا. على أن الأفعال المستعملة فى الأمثلة كانت أفعالا تامة (أعنى غير "كان وأخواتها")، بالإضافة إلى أننا لم نستقص أنواع هذه الأفعال من حيث اللزوم أو التعدى إلى مفعول أو مفعولين، باختلاف نماذج الجمل التى تُصاغ من كل ذلك.
غير أن ما يسمى بالخبر الجملة الفعلية (مع المبتدأ، أو مع "إن وأخواتها"، أو مع ما يسمى بالمبتدأ الثانى فى الخبر الجملة الاسمية) يمكن أن تكون من الأفعال التامة كما يمكن أن تكون من الأفعال المسماة بالناقصة: أفعال "كان وأخواتها".
وفى هذه الحالة الأخيرة يهمنا، بصفة خاصة، فعل الكينونة لأنه كما سبق القول هو الفعل الوحيد الذى "يظهر" و"يختفى” فى الجملة ضمن قانون صارم ينبغى اكتشافه بعيدا عن الصور المألوفة لظاهرة "الحذف" للأفعال وغيرها، فى اللغة العربية وغيرها.
وعندما يظهر فعل الكينونة "صريحًا" فإننا نكون من جديد أمام ما يسمى بالخبر الجملة الفعلية؛ وهو ما أصبحت طبيعته الحقيقية واضحة الآن تماما. فالخبر هنا قسم أو جزء من الجملة، ولا يكون جملة بحكم بداهة أنه بدون المسند إليه، والحدّ الأدنى للمسند (الخبر) هو الفعل، وحدّه الأقصى هو باقى عناصر الجملة باستثناء عنصر الجملة المتمثل فى المسند إليه (الفاعل).
غير أن فعل الكينونة يختفى أيضا. وعندما يختفى نكون إزاء ما يسمى بالخبر المفرد أو الخبر شبه الجملة أو الخبر الجملة الاسمية الخالية فى خبرها الجديد من "فعل" [فعل الكينونة أو غيره]، وكل هذا فى خبر المبتدأ وخبر "إن وأخواتها" وخبر "كان وأخواتها"، وهى جميعا مسميات بحاجة إلى إعادة نظر جذرية (شكلا وموضوعا كما يقال).
وسيكون من الأفضل أن نُنْعم التفكير فى ظهور واختفاء (أو حذف) فعل الكينونة بعد أن نلقى نظرة فاحصة على الجُمَل التالية (والمسند إليه موضوع بين قوسين):
 
 
     بحذف فعل الكينونة              بظهور فعل الكينونة
 
1: خبر مفرد "اسم": (الرَّجُل) نجار.     (الرَّجُل) كان نجارًا.
                                          كان (الرَّجُل) نجارًا.
2: خبر مفرد "صفة": (الرَّجُل) ناجح.     (الرَّجُل) كان ناجحًا.
                                          كان(الرَّجُل) ناجحًا.
 
3: خبر جارّ ومجرور "بمعنى الوصف وليس بمعنى الظرف":
          (الرَّجُل) فى غاية الذوق.      (الرَّجُل) كان فى غاية الذوق.
                                       كان (الرَّجُل) فى غاية الذوق.
4: خبر جارّ ومجرور "بمعنى الظرف":
              (الرَّجُل) فى البيت.      (الرَّجُل) كان فى البيت.
                                      كان (الرَّجُل) فى البيت.
5: خبر ظرف: (الرَّجُل) فوق الجبل.  (الرَّجُل) كان فوق الجبل.  
                                     كان (الرَّجُل) فوق الجبل.
 
*  *  *
6: خبر مفرد "اسم" لخبر جملة اسمية:
       الرَّجُل (أصدقاؤه) نجارون. الرَّجُل (أصدقاؤه) كانوا نجارين.
                                  الرَّجُل كان (أصدقاؤه) نجارين.
7: خبر مفرد "صفة" لخبر جملة اسمية:
      الرَّجُل(أصدقاؤه) ناجحون.   الرَّجُل (أصدقاؤه) كانوا ناجحين.
                                  الرَّجُل كان (أصدقاؤه) ناجحين.
 
8: خبر جارّ ومجرور لخبر جملة اسمية "بمعنى الوصف وليس بمعنى الظرف":
  الرَّجُل(أصدقاؤه) فى غاية الذوق. الرَّجُل (أصدقاؤه) كانوا فى غاية الذوق.
                                  الرَّجُل كان (أصدقاؤه) فى غاية الذوق.
9: خبر جارّ ومجرور لخبر جملة اسمية "بمعنى الظرف":
     الرَّجُل(أصدقاؤه) فى البيت.  الرَّجُل(أصدقاؤه) كانوا فى البيت.
                                 الرَّجُل كان (أصدقاؤه) فى البيت.
10: خبر ظرف لخبر جملة اسمية:
    الرَّجُل(أصدقاؤه) فوق الجبل. الرَّجُل(أصدقاؤه) كانوا فوق الجبل.
                             الرَّجُل كان (أصدقاؤه) فوق الجبل.
 
ومن أبسط مقارنة لحالات حذف فعل الكينونة من الخبر المفرد، والخبر شبه الجملة، والخبر الجملة الاسمية، مع الحالات التى تناظرها مع ظهور فعل الكينونة، يتضح بكل جلاء ما يلى:
1: الخبر المفرد المرفوع (الاسم) "نجارٌ" يناظره .. "نجارًا": "كخبر مفرد" منصوب ﻟ "كان".
2: الخبر المفرد المرفوع (الصفة) "ناجحٌ" يناظره .. "ناجحًا": "كخبر مفرد" منصوب ﻟ "كان".
3: الخبر شبه الجملة (جارّ ومجرور بمعنى الصفة وليس بمعنى الظرف) "فى غاية الذوق": باق كما هو بعد "كان".
4: الخبر شبه الجملة (جارّ ومجرور بمعنى الظرف) "فى البيت": باق كما هو بعد "كان".
5: الخبر شبه الجملة (الظرف "ومجروره") "فوق الجبل": باق كما هو بعد "كان".
ونجد الشيء نفسه فى الجُمَل الخمس التالية 6 - 10. والجديد فى هذه الجمل الأخيرة هو أن المسند إليه (الفاعل) الحقيقى هو الموضوع بين قوسين، وليس بحال من الأحوال "الرجل" المذكور قبل "أصدقاؤه". والرجل مرفوع ولكنه ليس المسند إليه ما دام شرط هذا الأخير هو إسناد الفعل إليه وتصريفه معه، ومن الواضح هنا أن فعل الكينونة (الظاهر وكذلك المحذوف) مسندان إلى "أصدقاؤه" وليس إلى "الرجل" الذى ينبغى النظر إليه على أنه مضاف إليه مرفوع عشوائيا لأنه سبق المسند إليه المضاف بعده (= أصدقاء الرجل نجارون، إلخ.). وينبغى أن نتذكر أيضا ما سبق تأكيده من أن هذا المرفوع العشوائى المضاف إليه والذى يليه مضافُهُ أى المسند إليه الحقيقى ينبغى تمييزه عن المضاف إليه المرفوع عشوائيا والذى يرتبط بمضافه المفعول به بعده، فى جملة مثل: "المرأة قضيتها نحترمها ونقدّرها ونقف بصلابة معها". فالمرأة هنا مضاف إليه والمضاف اللاحق هو "قضيتها" فالجملة إنما تعنى: "نحن نحترم قضية المرأة ونقدّرها ونقف بصلابة معها". ولا يمكن إضافة "المرأة" هنا إلى المسند إليه، بعكس "الرجل" فى الجمل من 6 إلى ‍10. على أن هناك المضاف إليه المرفوع عشوائيا والذى يرتبط بالمسند إليه (الحقيقى) بعده، ويرتبط فى الوقت نفسه بضمير المفعول العائد عليه، فى جملة مثل: "المرأة أصدقاؤها يحترمونها"، فإضافتها إلى المسند إليه بعدها قائمة مع أنها المفعول به فى حالة الفعل التام المتعدى: (= أصدقاء المرأة يحترمون المرأة = أصدقاء المرأة يحترمونها).
ومن الجلى أن المسند إليه الذى من نوع "كان نجارًا"، أو "كان ناجحًا"، أو "كان فى غاية الذوق"، أو "كان فى البيت"، أو "كان فوق الجبل"، أو "كانوا نجارين"؛ إلخ. ... فى الجمل ا-10 يعربه النحو العربى التقليدى على أنه "كان" و"خبر كان"، فلا ينتبه إلى حقيقة أن المسند (الخبر) هو فعل "كان" وما يليه أو يسبقه (مباشرة أو مع فاصل) من غير المسند إليه (الفاعل)، وللإنصاف فهذا خطأ شائع فى النحو التقليدى للغات عديدة وليس فى اللغة العربية وحدها وإلى وقت قريب جدا (وحتى إلى الآن فى كثير جدا من المراجع النحوية والمعجمية البالغة الأهمية)[lxxvi].
والاستنتاج الذى يفرض نفسه هنا هو أن المسند (الأخير) ليس ما يسمونه الخبر المفرد، وليس ما يسمونه بالخبر شبه الجملة "من ظرف أو جارّ ومجرور)، وليس ما يسمونه بالخبر الجملة الاسمية، وليس ما يسمونه بالخبر الجملة الفعلية (وهذا ما تبيَّن فى الفصل السابق)، وإنما هو، ولنكرر: كل ما هو غير المسند إليه فى الجملة. أما التحليل النحوى الداخلى للمسند فسوف يعطينا عناصر الجملة بأنواعها كعنصر الفعل (من لازم ومتعدّ وناقص)، وعنصر متمم الفاعل ومتمم المفعول به (ويأتى متمم الفاعل مع "كان وأخواتها" بما فى ذلك حالة حذف "كان" فى المضارع المثبَت، ويأتى فى شكل الاسم وفى شكل الصفة وفى شكل الجارّ والمجرور اللذين لا يدلان على ظرف المكان أو الزمان) وعنصر الظرف، وعنصر المفعول به.
ويمكن، بطبيعة الحال، تكوين جملة مفيدة من الفعل اللازم (أو المستعمل لازما حتى إنْ كان يتعدَّى إلى مفعول واحد أو مفعوليْن)، مثل: "غرق محمود" أو "محمود غرق". أما الفعل المتعدّى المستعمل متعدّيا فلا تتكون منه بمفرده مع المسند إليه جملة مفيدة فهو "يطلب" المفعول به أو المفعوليْن وربما متمم المفعول به أو الظرف حسب نموذج الجملة، إلا فى حالة استعماله لازما (مثل الفعل المتعدّى: "يقرأ" المستعمل لازما فى جملة مثل: "هذا الرجل يقرأ" بمعنى أنه يعرف القراءة). وأما أفعال "كان وأخواتها" (إلا عند استعمال القليل منها كأفعال تامة) فهى مسماة بالأفعال الناقصة لأنه لايمكن الاكتفاء معها بالفعل بمفرده مع المسند إليه (الفاعل)، وهى تجعل من الضرورى استعمال عنصر الجملة المتمثل فى متمم المسند إليه (الفاعل) مهما كان شكل تحقيقه (من اسم أو صفة أو جارّ ومجرور لا يدلان على الظرف) فى نموذج للجملة، أو استعمال عنصر الجملة المتمثل فى الظرف وهو ظرف مكان فى الغالب الأعم وظرف زمان فى القليل المحدود (كعنصر إجبارى) ويتحقق الظرف فى هذين النوعين وغيرهما من أنواع عديدة من خلال أشكال متنوعة ومن هذه الأشكال الكثير جدا مما يعتبر جارّا ومجرورا فيما يسمى بالخبر شبه الجملة (فى خبر "المبتدأ" أو خبر"إن" أو خبر "كان").
وأعتقد أننا بدأنا الآن نقترب من الاطمئنان التام، من خلال تحليل الجمل الخالية من الفعل من الناحية العملية، إلى أن فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبَت ماثل فيها، كما تؤكد الدلالة الزمنية لمعنى مثل هذه الجمل، وكما يؤكد إخضاعها لعديد من الإجراءات والاختبارات النحوية والإعرابية، وإلى أن هذا الحذف إنما يحدث فى الإطار العام للاقتصاد اللغوى، وإلى أنه يؤدى إلى الرفع العفوى لما يسمى بالخبر المفرد المرفوع، وإلى أن المسند (الخبر) إنما يتكون من الفعل الظاهر أو المحذوف مع متمم الفاعل أو مع الظرف أو مع أية عناصر إجبارية فى نموذج للجملة (وبالطبع مع أية عناصر اختيارية واردة عمليا فى الجملة مهما كان نموذجها).
على أن هناك طريقا لم نسلكه إلى الآن سوف يوصلنا إلى نفس النتيجة، وبالذات إلى أن الجملة الخالية من الفعل من الناحية العملية تحتوى على فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبَت.
وهذا الطريق الذى ينبغى أن نسلكه الآن إنما هو "إحياء" ما نجده صحيحا، ولكنْ منزويا أو مهمَّشا أو غير سائد فى النحو العربى التقليدى، للاستفادة، بهذا "الإحياء" لأفكار نحوية صائبة، فى تصحيح الانحرافات الكبرى فى هذا النحو.
والمقصود هنا هو "إحياء" مفهوم مُتَعَلَّق المجرورات، ذلك المفهوم الذى لقى - على شهرته - من الإهمال أو الهجوم الضارى ما فرض عليه الانزواء، أمام سطوة ما يسمى بالخبر المفرد المرفوع.
ولو جرى المزيد من تحليل وتعميق وتوسيع نطاق مفهوم "المتعلَّق" (بفتح اللام المشدَّدة) ليمتدّ من الظرف و/أو الجارّ والمجرور إلى ما يسمى بالخبر المفرد المرفوع بالذات لما كان هناك مناص من تدمير تلك الأسطورة، ومعها أسطورة الجملة الخالية من كل فعل بما فى ذلك فعل الكينونة المحذوف فى حالة واحدة وحيدة قاطعة التحدد: حالة المضارع المثبَت.
ونقرأ فى ألفية ابن مالك:
 
وأَخْبَرُوا بظرفﹴ أو بحرف جَرّْ   ناوين معنى "كائن" أو "استقرّْ"[lxxvii]
 
وفى معرض شرحه لهذا البيت يقول ابن عقيل إن الخبر الظرف أو الجارّ والمجرور:
كل منهما متعلِّق بمحذوف واجب الحذف، وأجاز قوم - منهم المصنف - أن يكون ذلك المحذوف اسمًا أو فعلا نحو: "كائن" أو "استقرَّ" فإنْ قدّرت "كائنا" كان من قبيل الخبر بالمفرد، وإنْ قدّرت "استقرَّ" كان من قبيل الخبر بالجملة[lxxviii].
ويواصل ابن عقيل:
واختلف النحويون فى هذا؛ فذهب الأخفش إلى أنه من قبيل الخبر بالمفرد، وأن كلا منهما متعلِّق بمحذوف، وذلك المحذوف اسم فاعل، والتقدير "زيدٌ كائن عندك، أو مستقرّ عندك، أو فى الدار" وقد نُسب هذا لسيبويه[lxxix].
ويواصل ابن عقيل:
وقيل إنهما من قبيل الجملة، والتقدير "زيدٌ استقرّ - أو يستقرّ - عندك، أو فى الدار" ونُسب هذا إلى جمهور البصريين، وإلى سيبويه أيضا[lxxx].
ويضيف ابن عقيل:
وقيل: يجوز أن يُجعلا من قبيل المفرد، فيكون المقدر مستقرًّا ونحوه، وأن يُجعلا من قبيل الجملة؛ فيكون التقدير "استقرّ" ونحوه، وهذا ظاهر قول المصنِّف "ناوين معنى كائن أو استقرّ"[lxxxi].
ومن هذا يتضح أن النحو العربى القديم اهتم منذ البداية، أو منذ وقت مبكر جدا، بمسألة ما يربط بين المسند إليه من جهة والظرف أوالجارّ والمجرور من جهة أخرى، وأن اجتهادات النحاة فى هذه المسألة انتهت إلى افتراض أن ما يربط بينهما هو أن الظرف أو الجارّ والمجرور متعلِّق (بكسر اللام المشدَّدة):
1: بمحذوف يدل على معنى الكون والاستقرار.
2: واجب الحذف.
3: يرى بعض النحاة أنه "اسم" وهو اسم فاعل تقديره: "كائن" أو "مستقر"، وفى هذه الحالة يكون الخبر من قبيل الخبر بالمفرد.
4: ويرى بعضهم الآخر أنه "فعل" وهو فعل "استقر"، وفى هذه الحالة يكون الخبر من قبيل الخبر بالجملة.
5: وقيل إن من الجائز تقدير "الاسم" فيكون الظرف أو الجار والمجرور من قبيل المفرد، أو تقدير "الفعل" فيكون كل منهما من قبيل الجملة.
ولنبدأ فى تحليل هذه الاجتهادات حول متعلَّق (بفتح اللام المشدّدة) الظرف أو الجار والمجرور.
ويتفق هؤلاء النحاة على وجود "محذوف" قبل ما يسمى بالخبر الظرف أو الجار والمجرور. وهذا صحيح وسليم غير أن من المؤسف أنهم لم يمدوا هذا التصور إلى الخبر المفرد، وهذا يدل على أن بحثهم كان يركز على حذف عامل الظرف والجار والمجرور فى علاقته بالخبر وغير الخبر كما سوف نرى، على حين أنهم لم يفكروا فى البحث عن عامل يؤثر فى الخبر المفرد المرفوع لأن عامل رفع الخبر (وغيره رفعا محليا) كان يتمثل فى رأيهم فى المبتدأ (وفى الابتداء أيضا عند بعضهم) الذى رفع هنا الخبر أو فى "الترافع" المتبادل بين المبتدأ والخبر.
أما قولهم إن هذا المحذوف واجب الحذف فيدلّ على أن استقصاءهم لم يكن كاملا، ولهذا لم يعرفوا أن المحذوف إنما يقع فى زمن للجملة دون زمن، وبالأحرى يقع فى زمن واحد من الأزمنة المتعددة للجملة، وفى حالة الإثبات فقط فى هذا الزمن الوحيد، وليس فى كل حالات هذا الزمن الوحيد حتى فى حالة الإثبات. ومن المؤسف أن هذا الاستقصاء لم يتم وإلا لأدركوا ليس فقط أن ما يعتبرونه واجب الحذف إنما يذكر أو يحذف حسب الزمن، وأن ما يسمونه بالوجوب إنما هو نتيجة تراكمية للاقتصاد اللغوى فى حالة بذاتها حيث يمكن فهم زمن الجملة بدون فعل الكينونة فى هذه الحالة. بل لكان بوسعهم أن يدركوا أن المحذوف "فعل" وليس "اسما"، وأنه بالذات "فعل الكينونة"، وكان يكفى أن يأتوا بالماضى والمضارع والمستقبل فى الإثبات مرة وفى النفى مرة أخرى ليعرفوا على وجه اليقين أن المحذوف هو فعل الكينونة دون سواه.
وكان يمكنهم، بمزيد من الاستقصاء، أن يتفادوا افتراض أن الفعل المحذوف هو "استقرَّ" أو "يستقرُّ"، لأن هذا الفعل مستعمل فى اللغة دون حذف واجب مزعوم.
أما قولهم إن الخبر سيكون فى حالة تقدير الفعل "استقرَّ" أو "يستقرُّ" من قبيل الخبر بالجملة (الفعلية بالطبع) فيرجع إلى تصورهم عن فاعله المستتر أو فاعله ضمير الرفع البارز المتصل (وقد سبق أن رأينا حقيقة هذين الفاعلين المزعومين)، حيث تكون الجملة من هذا الفعل المُقدّر وفاعله المتوهم فى "محل رفع" خبرا.
كما كان بوسعهم، بمزيد من الاستقصاء، أن يتفادوا افتراض أن المحذوف اسم أو اسم فاعل هو "كائن" أو "مستقر"، لأن "تقليب" الجملة بتقديرها الجديد على بقية الأزمنة كان من شأنه أن يوضح لهم أن هذا الخبر بالمفرد، كما قالوا فى هذه الحالة التى لم يروا فيها محذوفا بحكم تصورهم عن الخبر المفرد المرفوع، سيحتاج إلى "تقدير" أو افتراض محذوف من جديد، وأن هذا المحذوف سيكون فعل الكينونة بالذات بالضرورة:
زيد عندك.
زيد (كائن) عندك.
زيد (يكون كائنا) عندك.
زيد (كان كائنا) عندك.
زيد (سيكون كائنا) عندك.
زيد (لا يكون كائنا) عندك.
زيد (ما كان كائنا) عندك.
زيد (لم يكن كائنا) عندك.
زيد (لن يكون كائنا) عندك.
وينطبق نفس الشيء على اسم الفاعل الآخر: "مستقر"، فإنه سيحتاج بدوره إلى: "يكون"، أو "كان"، أو "سيكون"، أو "سوف يكون"، أو "لا يكون"، أو "ليس"، أو "لم يكن"، أو "ما كان"، أو "لن يكون"، كما احتاج كائن إلى كل ذلك حسب ضرورات استيعاب دلالات الزمن والإثبات والنفى.
على أن الرأى المنسوب "إلى جمهور البصريين، وإلى سيبويه أيضا"، بأن المحذوف "فعل" وأن مثل هذا الخبر من قبيل الخبر بالجملة ("وإن قدرت "استقر" كان من قبيل الخبر بالجملة" وهذه صياغة للشارح استنادا إلى النحاة أفضل من صياغته الأخرى، استنادا إليهم أيضا: "إنهما من قبيل الجملة" أو "وأن يجعلا من قبيل الجملة"، والمقصود بهما: الظرف والجار والمجرور، لأن الصياغة الأولى تضم الفعل إلى الخبر أو تجعل الفعل هو الخبر بصورة مباشرة وواضحة) – هذا الرأى يضعنا مباشرة أمام حقيقة أن هؤلاء النحاة اكتشفوا، تحت الجملة المجردة من الفعل، ذلك الفعل المحذوف، وأثبتوا بذلك أنه لا يمكننا أن نتصور الخبر الذى ليس فعلا أو الذى لا يشكل الفعل مكوّنه الإجبارى الذى لا يستغنى عنه.
ويتضح هذا أكثر من تعليق هام للمحقق الأستاذ محمد محيى الدين عبد الحميد:
...اختلف النحاة فى الخبر: أهو متعلَّق الظرف والجار والمجرور فقط أم هو نفس الظرف والجار والمجرور فقط، أم هو مجموع المتعلَّق والظرف أو الجار والمجرور؟ فذهب جمهور البصريين إلى أن الخبر هو المجموع؛ لتوقف الفائدة على كل واحد منهما، والصحيح الذى نرجحه أن الخبر هو نفس المتعلق وحده، وأن الظرف أو الجار والمجرور قيد له، ويؤيد هذا أنهم أجمعوا على أن المتعلَّق إذا كان خاصا فهو الخبر وحده، سواء أكان مذكورا أم كان قد حذف لقرينة تدلّ عليه، وهذا الخلاف إنما هو فى المتعلَّق العام، فليكن مثل الخاص، طردا للباب على وتيرة واحدة[lxxxii].
ورأى المحقق ("الخبر هو نفس المتعلَّق وحده") يتسق (عند اتخاذ المحذوف فى الاعتبار) مع الاتجاه العام فى النحو العربى فى إعراب الخبر الفعل (الخبر الجملة الفعلية) والخبر المفرد (اسم الفاعل هنا) فهذا أو ذاك هو الخبر ولا خبر غير ذلك (إلا ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية) فى هذا النحو.
وإذا تذكرنا الرأى الذى عبرنا عنه مرارا وتكرارا فى سياق هذا البحث، وهو أن المسند (الخبر) هو كل الجملة باستثناء المسند إليه (الفاعل)، يتضح أن أقرب رأى هو هذا الرأى المنسوب إلى جمهور البصريين وهو أن "الخبر هو المجموع"، مع ملاحظة أن "المجموع" عندهم هو مجموع الفعل "استقرَّ" أو "يستقرُّ" وفاعله المستتر والظرف أو الجار والمجرور، أما المسند (الخبر) بالمعنى النحوى السليم فهو، فى مثل هذه الجملة الخالية عمليا من الفعل، فعل الكينونة المحذوف فى المضارع المثبت مع الظرف أو الجار والمجرور، بالإضافة أية عناصر أخرى إجبارية او اختيارية ترد فى الجملة غير المسند إليه (الفاعل).
على أن النحاة يشيرون إلى أن الحذف لا يكون للكون العام فقط بل قد يكون للكون الخاص أيضا. ويذكر الأستاذ المحقق فى هامش آخر ما يلى:
وجعل ابن هشام فى المعنى من هذا الأخير [أى أن يكون المتعلَّق خاصا قامت القرينة الدالة عليه] قوله تعالى: "الحر بالحر والعبد بالعبد" أى الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد[lxxxiii].
ويقول فى هامش ثالث:
...الأصل عند الجمهور أن الخبر - إذا كان ظرفا أو جارا أو مجرورا - أنْ [كذا] يكون كل منهما متعلِّقا بكون عام، وأن يكون هذا الكون العام واجب الحذف، كما قرره الشارح العلامة، فإن كان متعلَّقهما كونا خاصا وجب ذكره [....] فإن قامت هذه القرينة جاز ذكره وحذفه، وذهب ابن جنى إلى أنه يجوز ذكر هذا الكون العام لكون الذكر هو الأصل[lxxxiv].
ويتركز بحثنا هنا بطبيعة الحال على الكون العام أو الوجود المطلق الذى يدل عليه فعل الكينونة ولا يتعلق الأمر بالحذف بوجه عام (حذف الفاعل أو الفعل أو المفعول، إلخ.). وإنما يكفينا أن هؤلاء النحاة القدامى اكتشفوا المحذوف فى الجملة الخالية من الفعل، وأن اتجاها رئيسيا بينهم يرى أن المحذوف فعل، وأنه يدل على الكون العام حتى إن ربطوا هذا بفعل "استقر" وليس بفعل "كان" كما كان ينبغى، وأن هذا الفعل مع ما يليه هو الخبر.
وكل هذا يؤدى بنا إلى مزيد من الاطمئنان إلى فرضية أن الجملة لا تخلو من الفعل، وأن المسند (الخبر) لا يخلو من الفعل، وأنه المكان "الطبيعى” أو المنطقى لوجود الفعل، وأن الفعل هو الحد الأدنى لتحققه.
على أن المتعلَّق المحذوف عندهم ليس الخبر أو جزءا من الخبر فحسب بل يمتد إلى الصفة والحال والصلة (صلة الموصول). ويقول ابن عقيل:
وكما يجب حذف عامل الظرف والجار والمجرور - إذا وقعا خبرا - كذلك يجب حذفه إذا وقعا صفة، نحو: "مررت برجل عندك أو فى الدار"، أو حالا، نحو "مررت بزيد عندك، أو فى الدار" أو صلة، نحو: "جاء الذى عندك أو فى الدار". لكن يجب فى الصلة أن يكون المحذوف فعلا، والتقدير: "جاء الذى استقر عندك، أو فى الدار". وأما الصفة والحال فحكمهما حكم الخبر كما تقدم[lxxxv].
والحقيقة أن التحليل عن طريق زمن الكلام يؤيد صدق حدسهم. فمثلا إذا قلنا: "مررت برجل كان عندك، أو سيكون عندك، أو لم يكن عندك" فإن المحذوف يظهر بنفس وضوح ظهوره فى حالة "الخبر". وكان من شأن اعتبار المحذوف فعلا دون غيره بعيدا عن اسم الفاعل مثل "كائن" أو "مستقر" أو الضمير، وفعل الكينونة دون غيره بعيدا عن "استقرَّ" أو غيره، فى هذه الحالات جميعا، أن يُنقذ النحو العربى من اضطراب كبير يتعلق بالخبر وبغيره.
ومن هذا الاضطراب ما يؤكده الأستاذ عباس حسن من أن "الرفع المحلى للظرف والجار والمجرور" يرجع إلى أن:
الأصل أن يكون الخبر مفردا مرفوعا، إذ المفرد "بسيط" و"البسيط" أصل المركب فجاء الظرف والجار والمجرور وحلا فى محل ذلك الأصل (...) فلو قلنا: "ظرف منصوب خبر المبتدأ" أو: "جار مع مجروره خبر المبتدأ"؛ من غير أن نزيد شيئا ما حصل قصور، ولا وقعنا فى خطأ، ولكان مساويا فى صحته لقولنا: إن شِبْهَى الجملة متعلقان بمحذوف هو الخبر... لكن قد يكون الأخذ بالإعراب الأول أنسب؛ لأنه أوضح ظهورا، لمراعاة الأصل، والغالب فيه[lxxxvi].
وهكذا يتساوى عند الأستاذ الكبير أن يكون الخبر هو المتعلَّق المحذوف أو الظرف (أو الجار والمجرور)، وكأن من غير المنطقى أن نهتم بمسألة: ما هو الخبر على وجه الدقة والتحديد؟ وكما رأينا فإن الأستاذ الكبير يفضل مع ذلك الرفع المحلى للظرف أو الجار والمجرور خبرا للمبتدأ، ويضيف الأستاذ عباس حسن:
فاعتبار الظرف هو الخبر من غير أن يتعلق بشيء آخر وكذلك اعتبار الجار الأصلى مع مجروره هو الخبر - مذهب قديم من عدة مذاهب (...) والأخذ به يريحنا من بحوث جدلية مضنية، وتقسيمات متعددة، لا نفع لها اليوم وليس فيها إلا العناء العقلى الذى تضيق به الناشئة[lxxxvii].
وهكذا ينطلق علامة النحو الكبير، فى هذه النقطة، من تصوُّر مبسَّط عن تبسيط النحو، بعيدا عن ضرورة الفهم الصحيح الدقيق للنحو أولا قبل البحث الضرورى بعد ذلك عن وسائل وطرق وأساليب العرض "الذى لا تضيق به الناشئة". على أن الأستاذ الكبير يواصل عرضه لمذاهب وآراء متعددة لكى ينهل الدارسون المتخصصون من معرفته الموسوعية الواسعة ما يقفون عنده "وقفة الفاحص" لكن "لا للأخذ بها" كما يقول[lxxxviii] مع أن التمهيد للأخذ بالصحيح ينبغى أن يكون الهدف السليم للفحص العميق.
ولعلنا ننهل من العلم الغزير للأستاذ العلامة:
أن الخبر فى الأصل هو المحذوف (...) ويتعلق به كل واحد من هذين [أى: الظرف والجار والمجرور]. ولما كان كل منهما صالحا لأن يتعلق بالفعل المحذوف، ويدل عليه بغير خفاء ولا لبس - كان شبه الجملة بمنزلة النائب عنه، والقائم مقامه. والفعل مع فاعله جملة؛ فما ناب عنها وقام مقامها فهو شبه بها، لذلك أسموه: "شبه الجملة". وأوجبوا حذف متعلَّقه إن كان كونا عاما وقع خبرا، أو: صفة، أو: حالا..." وكذلك إن كان صلة لموصول[lxxxix].
وكذلك فى موضع سابق من نفس الهامش:
الظرف أو الجار الأصلى مع مجروره متعلق بمحذوف خبر؛ سواء أكان المحذوف فعلا مع فاعله (أى جملة فعلية؛ مثل: استقر، أو: ثبت، أو: "كان" التى بمعنى: "وُجد" وهى: كان التامة)، أم كان مفردا (أى: اسما مشتقا؛ مثل مستقر، او كائن المشتقة [كذا] من "كان" التامة، أو: موجود أو: شيئا آخر يصلح عاملا)...[xc].
ويؤكد الكاتب العلامة أنه:
إنصافا للنحاة نذكر أن رأيهم فى وجوب تعلُّق شبه الجملة سديد، وأن حجتهم فى تحتيم ذلك قوية (...) فالظرف (...) لا يستقل بنفسه فى إحداث معنى جديد، لأنه وعاء - كالوعاء الحسى - لابد له من مظروف (...) وهذا المظروف هو ما يسمى: "المتعلَّق" وهو الذى لابد أن يقع فى الظرف، وإلا فسد المعنى بغيره تماما، وما يقال فى الظرف يقال فى الجار الأصلى مع المجرور، إذ لا فائدة منهما إلا بمتعلَّقهما[xci].
غير أن من المؤسف أن كل هذا لا يكتمل بامتداد مفهوم "المتعلَّق" (بفتح اللام المشدَّدة) إلى ما يسمى بالخبر المفرد، ولا يكتمل بعناصر أخرى سبقت الإشارة إليها، ومنها عدم إدارك أن "المتعلَّق" هو فعل الكينونة من أفعال "كان وأخواتها" وليس "كان" التامة، لأن هذه الأخيرة تفسد المعنى وتربكه وتجعله يضطرب تماما.
وبهذه الطريقة نكون قد استفدنا من "إحياء" مفهوم "المتعلق" فى النحو العربى القديم مع إيقافه على قدميه بتصحيح انحرافاته، تماما كما استفدنا من "إحياء" السند والمسند المنسوبين إلى الخليل بن أحمد الفراهيدى، أو المسند والمسند إليه عند سيبويه، أو من "إحياء" مجمع اللغة العربية بالقاهرة لهذين المفهومين بطريقة مترددة أربكت النحو والنحاة، كما أربكت التعليم والمعلمين والمتعلمين، خلال عقود طويلة سابقة.
ويمكننا الآن أن نتجه مباشرة إلى تحليل العناصر النحوية الأساسية (عناصر الجملة) التى يشتمل عليها المسند (الخبر).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
9
المسند أو الخبر: تحليل لعناصره المكونة
 
توصَّلْنا فى سياق مناقشة المسند إليه والمسند فى الفصول السابقة إلى أن المسند هو كل الجملة باستثناء المسند إليه، فهو كل ما نقوله عن هذا الأخير، وبعبارة أخرى فالمسند هو كل ما نثبته أو ننفيه عن المسند إليه.
وهكذا انقسمت الجملة إلى قسمين أو تجزَّأت إلى جزءين هما المسند إليه والمسند. وقد رأينا أن النحو العربى لا يقسّم الجملة هذا التقسيم. وحتى عندما يستعمل تعبيرى المسند إليه والمسند (إلى جانب كافة الألقاب الأخرى من مبتدأ وخبر للجملة الاسمية أو فعل وفاعل للجملة الفعلية - وهذا عند "كل" النحاة والمذاهب "تقريبا"، قديما وحديثا؛ أو بدلا من هذه التسميات جميعا فى حالة نادرة تمثلها محاولة فاشلة فى الثلاثينات والأربعينات والخمسينات لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ووزارة المعارف المصرية) ... حتى عند استعمال هذين التعبيرين يعتبرهما النحو العربى التقليدى (الذى لا نملك غيره) ركنين أساسيين وليس وحيدين، حيث تشتمل الجملة على غيرهما، تشتمل على المفعول به وعلى الظرف، وعلى الحال، وعلى أشياء لا حصر لها، حيث يضيِّق هذا النحو نطاق المسند (الخبر) بأنواعه المزعومة المعروفة.
وهناك لغات أخرى لا يقسم نحوها الجملة بأكملها إلى قسمين كما نفعل هنا. وإذا حكمنا بكتاب ليس حديثا جدا (إذْ يرجع إلى 1975) وهو: "قواعد اللغة الفارسية" للدكتور عبد النعيم محمد حسنين، نجد النحو الفارسى يجعل أجزاء الجملة الفارسية (الأصلية) ثلاثة: المسند إليه والمسند والرابطة التى تربط بينهما، أما عندما يكون المسند فعلا، غير الرابطة والفعل الرابط، فإن الفعل يقوم مقام المسند والرابطة معا[xcii]
وكان النحو الفرنسى لا يُدخل فعل الكينونة فى المسند إلى عهد قريب، مثلا: "معجم لا روس الصغير"، طبعة 1978[xciii]، الذى كان لا يزال يخلط بين المسند وما نسميه هنا بمتمم الفاعل، غير أن أحدث المطبوعات الفرنسية (من معاجم لغة وكتب نحو) المنشورة فى التسعينات تدلّ على أن النحو الفرنسى أخذ يلحق بثورة النحو الإنجليزي[xciv] فى العقود الأخيرة، وهذا النحو الأخير يتبنى التقسيم الثنائى للجملة بأكملها إلى المسند إليه والمسند، جاعلا هذا الأخير كل ما نثبته للأول أو ننفيه عنه، وهكذا يشكل الفعل اللازم أو المتعدى أو الرابط بكل ما يصحب كل نوع منها بصفة إجبارية فى نماذج بذاتها أو بصفة اختيارية جزءًا لا يتجزأ من المسند الذى يقتصر حده الأدنى على الفعل اللازم أو المستعمل لازما.
وكما سبق القول فإن المسند، بعكس المسند إليه، مفهوم فضفاض يشتمل على عناصر قد تتعدد من عناصر الجملة، فيما بين مسند الحد الأدنى، المكون من عنصر واحد هو الفعل، ومسند الحد الأقصى، المكون من أربعة عناصر هى الفعل والمفعول به والظرف والمتمم (متمم الفاعل أو المفعول به).
ولهذا، أىْ: بسبب اشتماله على عناصر ومكونات وتراكيب متعددة، يخرج المسند من دائرة الإعراب، ولكنه يخرج أيضا من دائرة المفاهيم النحوية التحليلية الفعالة التى ينبغى أن تكون أضيق نطاقًا، وهى التى ينطبق عليها مفهوم عنصر الجملة.
ولهذا فإن الحديث عن تقسيم الجملة إلى المسند إليه والمسند ينبغى ألا يكون أبدا موضوعا للاهتمام النحوى البالغ ولا موضوعا للتحليل الإعرابى أو النحوى المتواصل. بل تكفى الإشارة فى البداية، أو أحيانا كنوع من التذكير، إلى هذا المسند الذى ينبغى "إهماله" إلى أبعد حدّ بعد ذلك، على أن يتم الاحتفاظ بما يحتويه هذا الوعاء المسمى بالمسند من مكونات أو عناصر، إلى جانب المسند إليه لأن هذا الأخير عنصر جملة.
وقبل أن ننتقل إلى هذه المكونات أو العناصر ينبغى أن نشير إلى أن المسند يأتى بعد المسند إليه أو قبله، وقد تأتى كلمة أو كلمات منه قبله وكلمة أو كلمات منه بعده فى الجملة الواحدة، وفى الجمل التالية وضعنا المسند بين قوسين:
(تفوقت) عزة.
عزة (تفوقت).
(يتفوق) التلميذ المجتهد (لأنه يعتمد على نفسه).
(إن) حب الوطن (من الإيمان).
(كان) الناس (لا يرون بعضهم من كثافة الشبورة).
هذه المرأة أعداؤها (يكثرون).
ومن الجلى أن عبارة "هذه المرأة"، فى الجملة الأخيرة، ليست المسند إليه مقابل المسند الجملة (وريث الخبر الجملة الاسمية): "أعداؤها يكثرون"، والتى يعتبر أن المسند إليه فيها هو: "أعداؤها"، وأن المسند فيها: "يكثرون"، كما يفعل كتاب: "تحرير النحو العربى” السابق الذكر مع مثل هذه الجملة. والحقيقة أن المسند إليه دون غيره هنا هو "أعداؤها"، أما عبارة "هذه المرأة" فهى ما يمكن أن نسميه بالمضاف إليه لمضاف لاحق (فاعل هنا ومفعول به فى أحوال أخرى) ولفظة "المرأة" هنا مرفوعة رفعًا سبق أن أسميناه بالرفع العشوائى لأنها سبقت بالتقديم عامل جرّها بالإضافة.
وأفضل طريقة لمنع التقدير العشوائى للمسند إليه، كما يفعل الكتاب المشار إليه منذ قليل، وكما يفعل غيره، وكما يفعل النحو العربى كله، هى البحث أوّلا وقبل كل شيء عن الفعل أو الأفعال فى الجملة، ثم البحث بعد ذلك عن فاعل (مسند إليه) لكل فعل. وبهذا يمكننا أن نتفادى التقدير العشوائى للمفاهيم والعناصر النحوية، وإنْ كنا لا نملك إلا الاحترام الكامل والإذعان الكلى للإعراب العشوائى والرفع العشوائى (رغم حق النصب أو الجرّ)، فى حديثنا كما فى كتابتنا، لأن هذا النوع من الإعراب صار أصلا من أصول النحو الجمعى، واللغة، كما شاءت سليقة الجماعة اللغوية العربية، أى العرب.
والمسند إليه هو فاعل الفعل (بما فى ذلك الفعل المحذوف فى المضارع المثبت لفعل الكينونة أو فعل الأمر أو المضارع المنفى للنهى أو غير ذلك من حذف تحفل به كل لغة)، وهو المرفوع ولا مرفوع سواه اللهم إلا بصورة عشوائية وفى مواضع قليلة يمكن إتقان معرفتها.
ومن الجلى أن إعراب الفعل (من رفع ونصب وجزم) يختلف جوهريا عن إعراب الاسم (والاسم يرمز هنا لكل ما يعرب، من غير الفعل المضارع، كالصفة والظرف) لأن هذا الإعراب الأخير يقوم دون الأول بوظيفة تمييز الفاعلية من المفعولية، ومختلف العلاقات النحوية من بعضها، وتوابع هذا العنصر من توابع ذاك، وما إلى ذلك. ولا يرتبط إعراب الفعل بشيء من هذا رغم محاولات الاجتهاد فى مجال الربط بين الإعراب والمعنى، وبين الإعراب والزمن. وسيجد القارئ فصلا كاملا من كتاب: "اللغة والزمن" لمؤلفه مالك يوسف المطلبى، وهو الفصل الخامس وعنوانه "الزمن والإعراب" حافلا بالمناقشات حول هذه النقطة[xcv].
وعلى الجانب الآخر، منطقيًّا وتحليليًّا وليس مكانيًّا، نجد فى "قلب" دائرة ما يسمى بمنصوبات الأسماء، وفى مقابل المسند إليه (الفاعل) مباشرة، المفعول به الذى يدخل مع المسند إليه فى علاقة مخالفة فى الوظيفة النحوية (ما يقوم بالفعل المتعدى وما يقع عليه ذلك الفعل أو المؤثر والمتأثر بالفعل المتعدى) وكذلك فى الاعتبار الإعرابى المتخالف بالتالى بينهما والمتمثل فى الرفع لأحدهما والنصب للآخر. فالذى يخالف المسند إليه (الفاعل)، وهو عنصر جملة، ليس المسند (الخبر)، وهو ليس عنصر جملة وإنما مجموع عناصر الجملة غير المسند إليه، بل هو المفعول به. وهذا هو المنصوب، عن كل حق فى النصب بحكم المخالفة النحوية، وبالتالى الإعرابية. وينبغى أن يكون واضحا أن ما يسمى بمنصوبات الأسماء إنما هى عناصر جملة تتحقق فى شكل من أشكالها بالنصب، لأنها تتحقق أيضا بالألفاظ المبنية أو بالتراكيب المتعددة الألفاظ والتى لا تقبل - كتراكيب - علامات الإعراب بالتالى.
ويتبقى عنصران هما الظرف والمتمم (متمم الفاعل ومتمم المفعول المباشر).
ونصطدم هنا بحقيقة أننا أمام مهمة ليست باليسيرة تتمثل فى التوفيق وليس التلفيق بين ثلاثة عناصر من عناصر الجملة (المتمم والظرف والمفعول به) وكثرة من منصوبات الأسماء. وإذا تذكرنا أن المفعول به بالذات واضح تماما من حيث مفهومه الجوهرى الذى لن يقابلنا بمفاجآت بالاتساع لمنصوبات أخرى، اللهم إلا تلك التى يجرى فصلها عادة ضمن "أساليب" بذاتها، تأكد لنا أن المهمة أقلّ يسرا وأشدّ صعوبة لأن مفهومى الظرف والمتمم هما المرشحان النحويان الوحيدان لاستيعاب كل تلك الكثرة من منصوبات الأسماء.
على أن الوقت لم يحن بعد لهذه المحاولة التى ستأتى بعد وقفة متأنية، بعد هذا الفصل، عند الإعراب من حيث طبيعته، ووظيفته، وعلاقته بعناصر الجملة، ومبادئ وأساليب ووسائل تبسيط عرضه وتسهيل استيعابه، وكذلك النتائج التى تترتب، بصفة جوهرية، على مناقشتنا للنحو من ناحية وللإعراب من ناحية أخرى.
أما هنا فنواصل مناقشتنا لمكونات أو عناصر المسند (الخبر)، وهى ذاتها بالإضافة إلى المسند إليه (الفاعل) عناصر الجملة.
والمقصود بعناصر الجملة هى تلك العناصر التى يمكن تقسيم الجملة إليها من حيث العلاقات النحوية القائمة بين تلك العناصر فى الجملة. وهى العناصر التى تبنى منها أو بها الجملة، ولهذا فإنها تتناول مختلف جوانب الحدث أو المعنى الذى تتضمنه الجملة. فمن هو فاعل الحدث أو المعنى أو الفعل بالمعنى النحوى للفاعل؟ وهذا هو عنصر المسند إليه (الفاعل). وما هو الحدث الذى تتضمنه الجملة؟ وهذا هو عنصر الفعل الذى يربط بين دلالة الحدث وزمنه. ومَنْ الذى (أو ما الذى) وقع عليه الفعل؟ وهذا هو عنصر المفعول به. ويأتى عنصر الظرف ليوجّه أسئلة جديدة عن مكان الحدث أو زمانه أو سببه أو غايته أو نتيجته أو الطريقة أو الكيفية التى تم بها أو أشياء أخرى كثيرة سيأتى تفصيلها فى المكان الملائم.
وهناك عنصر المتمم (متمم الفاعل ومتمم المفعول به المباشر). وقد يكون صفة أو اسما أو ضميرا أو جارًّا ومجرورا.
ويأتى متمم الفاعل مع "كان وأخواتها"، أى مع ما يسمى بالأفعال الناقصة. وينبغى توسيع نطاق هذه الأفعال، والمعجم يحتوى على أكثر بكثير من التعداد الذى يقدمه النحو العربى التقليدى، وسنقف عند هذه النقطة عند مناقشة متمم الفاعل فى قسم خاص به أو بالمتمم ككل. ونكتفى هنا بأن المتمم كله من المنصوبات فى الأشكال التى تقبل علامة النصب من أشكال تحقيقه، باستثناء متمم الفاعل المرفوع بحذف فعل الكينونة فى المضارع المثبت.
أما متمم المفعول المباشر فيأتى مع المفعول الواحد أو المفعولين، كما أنه قد يكون اسما أو صفة أو ضميرا أو جارّا ومجرورا.
ومتمم المفعول المباشر بعد مفعول واحد هو ذاته ما يسمى بالمفعول الثانى المزعوم مع أفعال "ظن وأخواتها". ومتمم المفعول بعد مفعول واحد أو مفعولين قابل للربط بالمفعول المباشر الذى يتممه بفعل الكينونة أو بغيره من أفعال "كان وأخواتها"، وهذا هو المعنى الجوهرى لقول النحاة إن أفعال "ظن وأخواتها" ... "تدخل" على جملة أصلها المبتدأ والخبر بعكس أفعال أعطى وأخواتها.
ومتمم المفعول به مع مفعولين هو ذاته المفعول الثالث المزعوم مع أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما"، هذه الأفعال التى يزعمون أنها تنصب ثلاثة مفاعيل، وأنها تأتى بتعدية الأفعال المتعدية إلى مفعولين (مع "ظن وأخواتها" فيما يزعمون)، بالهمز أو التضعيف، إلى مفعول ثالث ليس فى حقيقته سوى هذا المتمم للمفعول المباشر.
وتأتى أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" بمفعول جديد بالإضافة إلى المفعول به الحقيقى الذى تأتى به أفعال "ظن وأخواتها"، وبالإضافة إلى متمم المفعول به المزعوم مفعولا به ثانيا مع هذه الأفعال الأخيرة. والمفعول المباشر ومتممه هو الذى يمكن أن نطبّق عليه صيغة النحاة: "أصلهما المبتدأ والخبر"، بمعنى أنه يمكن الربط بينهما بالكينونة أو بالأفعال الناقصة.
على أن الحقيقة التى لا مراء فيها هى أن أفعال "أعلم وأرى وأخواتهما" ليست سوى قسم من أفعال "أعطى وأخواتها"، أو بالأحرى: من الأفعال المتعدية إلى مفعولين (وهى أكثر بكثير من تعداد النحاة). وكما يمكننى أن أقول: "أعلمتك الخبر"، يمكننى أن أقول: "أعطيتك الكتاب". وكذلك يمكننى أن أقول: "أعلمتك خبرا" أو "أعطيتك كتابًا". وكذلك: "أعلمتك الخبر يقينا" أو: "أعطيتك الكتاب جديدا". وفى كل هذه الأحوال ليس لدينا سوى مفعولين: الكاف و"الخبر"، والكاف و"الكتاب"، أو الكاف و"خبرا" والكاف و"كتابا". أما "يقينا" و"جديدا" فكل منهما متمم للمفعول المباشر أى "الخبر و"الكتاب" على الترتيب. ويأتى متمم المفعول نكرة مع المفعول "المعرفة" الذى يتممه، وإذا كان هذا الأخير نكرة فإن النكرة بعده ستكون "نعتا". على أن دقائق هذه المسائل ستتضح أكثر فى القسم الخاص بمتمم المفعول به.
ودون اشتراط أو استبعاد وجود عناصر الجملة جميعا فى جملة واحدة، ودون اشتراط أو استبعاد تكرار هذا العنصر أو ذاك، "إجباريا" (أى وفقا لنموذج) أو "اختياريا" (مهما كان النموذج)، ودون اشتراط أو استبعاد ترتيب بالذات لهذه العناصر فى الجملة (إلا بصفة جزئية قد توجبها مراعاة مقتضيات أولية للنحو ومنطقه، مثل حقيقة أن وجود مفعول أو مفعولين إنما يقرره نوع الفعل من حيث اللزوم أو التعدى إلى مفعول أو مفعولين)، يمكن إيجاز ما سبق فى عناصر الجملة التالية، وينبغى أن ندرك أن وجود المسند إليه فى كافة نماذج الجملة يعنى أن هذه الأخيرة إنما تتمايز بتمايز نماذج المسند (الخبر)
 
 
 
 
 
 
 
 
                           الجملة

المسند إليه
   (الفاعل)
                   المسند (الخبر)
 

 

 

 

 
الفعل
 
 
المفعول به
 
متمم الفاعل أو المفعول به
 
 
الظرف
 
 
وكما سبق القول فإن المسند (الخبر) ينبغى أن يترك مكانه لعناصر الجملة التى يتكوَّن منها ويشكِّل مجموعها. وعندما نكفّ عن الوقوف طويلا أو كثيرا عند المسند (الخبر) بدلا من التحليل النحوى الإعرابى الأزلى القائم على المسند إليه والمسند أو المبتدأ والخبر، على أساس أن مجرد تحديد المسند إليه يعنى فى حد ذاته أننا حددنا المسند لأنه "كل الباقى” ولأن البحث عنه سيكون، بالتالى، سخيفا، تغدو عناصر الجملة، والأشكال التى تتحقق من خلالها، والأحكام الإعرابية للعناصر المعربة أو للأشكال المعربة من هذه العناصر، فى مكان الصدارة، لتصبح الموضوعات الحقيقية للتحليل النحوى الإعرابى للجملة، وكذلك أدواته الفعالة.
وأرجو أن يعذرنى القارئ على الازدواج الذى احتفظت به فى هذا الكتاب بين تعبير "المسند إليه" وتعبير "الفاعل"، وذلك رغبةً منى فى إحداث نوع من الملاءمة فى تسمية قسمى الجملة بالمسند إليه والمسند، وفى تسمية عناصر الجملة وبالذات الفعل والفاعل والمفعول، لأن العلاقة الاشتقاقية بين هذه الألفاظ الأخيرة توضح بسهولة نوع العلاقات النحوية فيما بين هذه العناصر من فاعلية ومفعولية عبْر توسُّط الفعل، مع التحذير من الفهم التقليدى للفاعل فهو يساوى عندى المسند إليه بكل أنواعه ذات الألقاب المتعددة فى النحو العربى التقليدى.
وعلى هذا يمكن التوصُّل إلى قائمة أولية بالنماذج الأساسية للجمل، والتى يؤدى أخذ أشكال تحقيق كل عنصر من عناصر الجملة فى كل نموذج منها فى الاعتبار إلى خريطة بالغة التعقيد، قد تحتوى على عشرات النماذج الفرعية، ويحتاج إعدادها إلى جهود مضنية لكوكبة من علماء أو باحثى النحو، الذين سيكون عليهم أن يدرسوا "كافة" أفعال المعجم العربى فى "كافة" استعمالاتها الحديثة والقديمة، وأن يدرسوا كل فعل من مائة زاوية، وليس فقط من زاوية الدلالات المعجمية المألوفة، أو من زاوية اللزوم والتعدى، وأن يكون استقراؤهم الشامل من كل ذلك هو الأساس لتوزيع نتائجه على أفعال المعاجم العربية بإيراد نماذج الجمل القابلة للتطبيق على كل استعمال لكل دلالة من دلالات كل فعل عربى، كما تفعل معاجم عديدة، منذ عقود، فى اللغة الإنجليزية.
فهذه إذن قائمة أولية بالنماذج الأساسية للجملة العربية، وهى تتكون من العناصر الإجبارية لكل نموذج، دون اعتبار للعناصر الاختيارية، ومع كل نموذج أساسى جملة واحدة (أو أكثر فى قليل من الأحوال) لإيضاح قليل من أشكال تحقيقه بكلمة واحدة أو بمجموعة من الكلمات:
    
1:  فاعل + فعل ناقص + متمم الفاعل (اسم): حسينٌ كان رجلا.
   فاعل + فعل ناقص + متمم الفاعل (صفة): حسينٌ كان طيّبًا.
   فاعل + فعل ناقص + متمم الفاعل (جار ومجرور): حسينٌ كان من الأفذاذِ.
2:  فاعل + فعل ناقص + ظرف مكان: عزةُ كانت فوق السفينةِ.
   فاعل + فعل ناقص + ظرف مكان (جار ومجرور): عزةُ كانت فى المكتبةِ.
   فاعل + فعل ناقص + ظرف زمان: الحفل سيكون الليلةَ.
   فاعل + فعل ناقص + ظرف زمان (جارّ ومجرور): الحفل سيكون فى الساعة الثامنة.
3: فاعل + فعل لازم (أو مستعمل لازما): الطفل بكى.
4: فاعل + فعل متعد إلى مفعول + مفعول مباشر: عزةُ تحبُّ هندًا.
5: فاعل + فعل متعد إلى مفعول + مفعول مباشر + متمم المفعول به (اسم): عزت ظن محمدًا        طبيبًا.
  فاعل + فعل متعد إلى مفعول + مفعول مباشر + متمم المفعول به (صفة): عزت ظن محمدًا قادمًا.
  فاعل + فعل متعد إلى مفعول + مفعول مباشر + متمم المفعول به (جار ومجرور): عزت ظن محمدًا من العباقرةِ.
6: فاعل + فعل متعد إلى مفعول + مفعول مباشر + ظرف مكان: عزت ظن الحفل فى البيتِ.
  فاعل + فعل متعد إلى مفعول + مفعول مباشر + ظرف زمان: عزت ظن الحفل الليلةَ.
7: فاعل + فعل متعد إلى مفعولين + مفعول غير مباشر + مفعول مباشر: أعطى حسنٌ حسامًا الكتابَ.
8: فاعل + فعل متعد إلى مفعولين + مفعول غير مباشر + مفعول مباشر + متمم المفعول: أعطى حسنٌ حسامًا الكتابَ جديدًا.
9: فاعل + فعل متعد إلى مفعولين + مفعول غير مباشر + مفعول مباشر + ظرف زمان: أعطى حسنٌ حسامًا الكتابَ فى موعدِه.
 
وبطبيعة الحال فإن هذه القائمة الأولية بالنماذج الأساسية للجمل، والتى تحتوى تسعة نماذج، قابلة للزيادة قليلا أو للاختصار قليلا، غير أن الأهم من ذلك تطويرها إلى خريطة شاملة للنماذج الفرعية التى تتكون بإضافة أشكال تحقيق كل نموذج، وهذا بالطبع فوق طاقة كتاب، وفوق طاقة فرد.
ويمكن إدماج هذه القائمة مع شكل سابق لعناصر الجملة فى الشكل التالى:
 
 SHAPE  * MERGEFORMAT
على أن تحليل المسند إليه (الفاعل) فيما يسمى بالخبر الجملة الاسمية كان قد كشف لنا من قبل أن الفاعل الحقيقى فى مثل هذه الجمل هو ما يسمى بالمبتدأ الثانى وهو فى الحقيقة مسند إليه (فاعل)، أما ما يسمى بالمبتدأ الأول فهو مضاف إليه لمضاف لاحق فاعل أو مفعول. وهذا المضاف إليه مرفوع عشوائيا، مثل: "السماءُ أمطارُها تسقط"، إنْ لم ينصبه ناصب، مثل: "إن السماءَ أمطارُها تسقط"، أو يجره جارّ مثل: "من السماء أمطارُها تسقط". فالفاعل فى كل الأحوال "أمطارُ السماء". وقد يكون المضاف إليه المرفوع عشوائيا لمضاف لاحق مفعول به، مثل: "النخلُ نأكل ثمرَه"، إنْ لم ينصبه ناصب، مثل: "إن النخل نأكل ثمره"، أو يجرّه جارَ، مثل: "من النخلِ نأكل ثمره"، فالمفعول به فى كل الأحوال: "ثمر النخل".
ولا ينبغى أن تُربكنا مثل هذه الجمل التى تحتوى على المضاف إليه لمضاف لاحق فاعل أو مفعول، أى ما يسمى المبتدأ الأول، أو المبتدأ الذى خبره جملة اسمية فى النحو العربى التقليدى، لأن ما يهمنا دائمًا فى نماذج الجملة هو عنصر الجملة الحقيقى، وبالتالى المسند إليه (الفاعل) الحقيقى.
 
إشارات الجزء الأول
 


[i] فى كتابه المدارس النحوية (دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1999)، يشير الدكتور شوقى ضيف إلى كتاب سيبويه ويقول عنه: "وقد بلغ من إعجاب الأسلاف به أن سموه ‘قرآن النحو‘ وكأنما أحسوا فيه ضربا من الإعجاز" ص 6، ويتحدث عن "صياغة" ... "الكتاب" قائلا: "وهى صياغة لم تستطع العصور التالية أن تضيف إليها إلا بعض تعريفات وبعض تسميات، أما الأصول وأما القواعد والضوابط والأسس فإنها ظلت قائمة كالأطواد الراسخة"، ص 22، ومع كل التقدير المستحق للخليل ابن أحمد الفراهيدى وسيبويه إلا أن "عجز" ... "العصور التالية" عن الإضافة يثبت بكل بساطة غياب الاجتهاد الحقيقى فى مجال النحو العربى. 
[ii]  انظر مناقشتنا لهذه العناصر فى مقال: "ظاهرة الازدواج اللغوى فى العالم العربى” - سلسلة "قضايا فكرية": الكتاب 17 و 18 مايو 1997، المعنون: "لغتنا العربية فى معركة الحضارة"؛ وانظر أيضا الملحق الثانى المعنون: "هل الخبر مرفوع؟"
[iii]   الدكتور چورچ مترى عبد المسيح وهانى چورچ تابرى: الخليل - معجم مصطلحات النحو العربى، مكتبة ابنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1990(مدخل: الجملة المستقلة).
  [iv] المصدر نفسه (مدخل: الجملة البسيطة).
[v]  الشيخ عبد الغنى الدقر: معجم النحو، الطبعة الثالثة، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1986 (مدخل: خبر المبتدأ).
[vi]  راجع مناقشتنا فى مقال: "ظاهرة الازدواج اللغوى فى العالم العربى” فى كتاب:"قضايا فكرية" - مصدر سبق ذكره - لآراء الدكتور نبيل على فيما يتعلق بالجملتين الاسمية والفعلية.
[vii]  لسان العرب لابن منظور، الجزء 3، دار المعارف، القاهرة - بدون تاريخ.
[viii]   لسان العرب - مصدر سبق ذكره.
[ix]  كتاب سيبويه أبى بشر عمرو بن عثمان بن قَنبر، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، الجزء الأول، دار القلم، القاهرة، 1966، ص 23.
[x]  المصدر نفسه، الجزء الثانى، ص 126.
[xi]  المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، القاهرة، 1985.
[xii]  المصدر نفسه، الجزء الأول.
[xiii]  المصدر نفسه، الجزء الثانى.
[xiv] سورة النساء، الآية 79.
[xv]  ج. برجشتراسّر: التطور النحوى للغة العربية (طبعة مصورة مصغرة عن طبعة 1929 التى عنى بطبعها محمد حمدى البكرى)، المركز العربى للبحث والنشر، القاهرة، 1981، ص 81. ويلاحظ أنه يحتفظ بأركان الجملة من مبتدأ وخبر إلخ.
[xvi]  عدد من المؤلفين: المرجع فى قواعد اللغة القبطية (رسالة مارينا الثامنة - مطبوعات جمعية مار مينا العجايبى، الإسكندرية، 1969)، ص 286.
[xvii]   المصدر نفسه، ص 293.
[xviii]    أنطوان الدحداح: معجم قواعد اللغة العربية – فى جداول ولوحات، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1981.
[xix]    الدكتور مهدى المخزومى:  النحو العربى - قواعد وتطبيق، دار الرائد العربى، بيروت، الطبعة الثانية، 1986.
[xx]  Randolph Quirk and Sidney Greenbaum, A University Grammar of English, English Language Book Society, Longman, Hong Kong, 1988.
[xxi]  الجُمَيْلة تصغير جملة وهى كلمة معبرة إذ إن الحد الأدنى للجملة أى الجملة البسيطة تساوى هذه الجُمَيْلة أو المجموعة الجُمْلية وقد فضلنا هنا مع ذلك استعمال "مجموعة جُمْلِيّة" على "جُمَيْلَة" لأن عيب هذه الأخيرة أنها كلمة صعبة ولأن غياب التشكيل فى كتابتنا قد يُربك قراءة هذه الكلمة.
[xxii]  معجم النحو، مصدر سبق ذكره (مدخل: الفاعل).
[xxiii]  المصدر نفسه، المدخل نفسه.
[xxiv]  المصدر نفسه، المدخل نفسه.
[xxv]  سورة العنكبوت، الآية 51.
[xxvi]  سورة الحديد، الآية 16.
[xxvii]  معجم النحو، مصدر سبق ذكره (مدخل المبتدأ).
[xxviii]  سورة البقرة، الآية 184.
[xxix]  معجم النحو، مصدر سبق ذكره (مدخل المبتدأ).
[xxx]  عباس حسن: النحو الوافى، دار المعارف، القاهرة،  1979، الطبعة السادسة، الجزء الأول، ص 441.
[xxxi]  المصدر السابق، هامش ص 442.
[xxxii]  شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، الجزء الأول، الطبعة الخامسة عشرة، المكتبة التجارية الكبرى، 1967، ص 188 وما تلاها؛ راجع أيضا: عباس حسن: النحو الوافى، مصدر سبق ذكره، الجزء الأول، ص 441 وما تلاها.
[xxxiii]  سورة البقرة، الآية 184.
[xxxiv]  سورة العنكبوت، الآية 51.
[xxxv]  سورة التوبة، الآية 128.
[xxxvi]  سورة الجن، الآية 1.
[xxxvii]  سورة المائدة، الآية 21.
[xxxviii]  سورة النساء، الآية 78.
[xxxix]  سورة فاطر، الآية 3.
[xl]  سورة القلم، الآية 6.
[xli]  النحو الوافى،  مصدر سبق ذكره، الجزء الأول، ص 545.
[xlii]   سورة يوسف، الآية 31.
[xliii]   سورة ص، الآية 3.
[xliv]  معجم ألفاظ القرآن الكريم، الجزء الثانى، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1990(مدخل "لات" فى مدخل "لوت").
[xlv]   المعجم الوسيط، الجزء الثانى، مصدر سبق ذكره، مدخل لات" فى مدخل "لوت".
[xlvi]   المصدر نفسه، (انظر، "لات" فى مدخل اللام مع الألف والتاء).
[xlvii]  شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، مصدر سبق ذكره، الجزء الأول، ص 319.
[xlviii]  الدكتور شوقى ضيف: تجديد النحو، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1982، ص 166.
[xlix]  المصدر نفسه، ص 166.
[l]  معجم النحو، مصدر سبق ذكره، مدخل "كان وأخواتها".
[li]   معجم قواعد اللغة العربية، مصدر سبق ذكره، ص 162.
[lii]  "آض": آض يئيض أيضا: سار وعاد ورجع (لسان العرب لابن منظور، مصدر سبق ذكره، الجزء الأول، مدخل "أيض").
[liii]  معجم قواعد اللغة العربية، مصدر سبق ذكره، ص 165.
[liv]   انظرْ: A University Grammar of English، مصدر سبق ذكره، انظرْ أيضا: R A Close: A reference grammar for students of English, Longman Group Limited, London, 1978، وانظر للمؤلف نفسه:  English as a Foreign Language, George Allen & Unwin, London, 1983 .
[lv]  القواعد الأساسية فى النحو والصرف، مصدر سبق ذكره، صص 26-27.
[lvi]   تجديد النحو، مصدر سبق ذكره، ص 166.
[lvii]  معجم قواعد اللغة العربية، مصدر سبق ذكره، ص 175.
[lviii]  سورة الذاريات، الآية 12.
[lix]  سورة يونس، الآية 53.
[lx]  تجديد النحو، مصدر سبق ذكره، ص 166.
[lxi]  المصدر نفسه، ص 165.
[lxii]  معجم قواعد اللغة العربية، مصدر سبق ذكره، ص 176.
[lxiii]  مجموعة من الأساتذة: تحرير النحو العربى - قواعد النحو مع التيسير الذى قرره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، دار المعارف بمصر، القاهرة (تاريخ النشر غير مذكور)، ص 53 و 52 على الترتيب.
[lxiv]  سورة العلق، الآية 5.
[lxv]  سورة ص، الآية 20.
[lxvi]  سورة مريم، الآية 12.
[lxvii]  حول الأفعال المتعددة الكلمات multi-word verbs، أو phrasal verbs (أىْ الفعل مع حرف جر أو ظرف أو الاثنين معا) ، راجعْ المعجم المتخصص: Collins Cobuild Dictionary of Phrasal Verbs, London, 1994.
[lxviii]  القواعد الأساسية فى النحو والصرف - لتلاميذ المدارس الثانوية وما فى مستواها، القاهرة، 2000، ص 77.
[lxix]  سورة الصف، الآية 4.
[lxx]  القواعد الأساسية، ص 78.
[lxxi]  المصدر نفسه، ص 78.
[lxxii]  المصدر نفسه، ص 78 .
[lxxiii]  تحرير النحو العربى - قواعد النحو مع التيسير الذى قرره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مصدر سبق ذكره، ص 124.
[lxxiv]  القواعد الأساسية، ص82.
[lxxv]  النحو الوافى، الجزء الأول، مصدر سابق ذكره، صص 441 – 442.
[lxxvi]  اللغة الفرنسية والفارسية وحتى الإنجليزية.
[lxxvii]   شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، الجزء الأول، مصدر سبق ذكره،  ص 209.
[lxxviii]   المصدر نفسه، ص 210- 211.
[lxxix]   المصدر نفسه، ص 211.
[lxxx]   المصدر نفسه، ص 211.
[lxxxi]    المصدر نفسه، ص 211.
[lxxxii]  المصدر نفسه، ص210 (الهامش).
[lxxxiii]  المصدر نفسه، ص 210 (الهامش).
[lxxxiv]  المصدر نفسه، ص 212 (الهامش).
[lxxxv] المصدر نفسه، ص 213.
[lxxxvi] النحو الوافى، مصدر سبق ذكره، الجزء الأول، ص 475 (الهامش).
[lxxxvii] المصدر نفسه، صص 475-476 (الهامش).
[lxxxviii]  المصدر نفسه، ص 476 (الهامش).
[lxxxix]  المصدر نفسه،  ص 477 (الهامش).
[xc]  المصدر نفسه،  ص 477 (الهامش نفسه).
[xci]  المصدر نفسه، ص 478 (الهامش).
[xcii]   الدكتور عبد النعيم محمد حسنين: قواعد اللغة الفارسية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1975، صص173-177.
[xciii]   انظر: LE PETIT LAROUSSE, Paris, 1978 حيث تجرى مطابقة بين تعريف ""متمم الفاعل أو المفعول" attribut وتعريف المسند (الخبر) prédicat.  
 [xciv]  انظر مثلا: LE PETIT LAROUSSE, Paris, 1992 حيث يجرى تعريف المسند (الخبر) prédicat تعريفا صحيحا باعتباره ما نثبته أو ننفيه عما نتحدث عنه (المسند إليه).
[xcv]   مالك يوسف المطلبى: الزمن واللغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986، صص 131-166.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,072,954,678
- آدم وحواء وقصص أخرى من أمريكا اللاتينية
- حكاية سَكَنْدَرِيَّة - ما شادو ده أسيس
- العاصفة تهب (حول انهيار النموذج السوڤييتي) - كريس هارم ...
- محاضرات سياسية عن أوروپا وتركيا وأفريقيا والهند
- العقائد الدينية والمعتقدات السياسية
- إلى أين يقود علم الوراثة؟ - چان ڤايسينباخ
- ثورة 25 يناير 2011 طبيعتها وآفاقها - الجزء الثانى
- ثورة 25 يناير 2011 طبيعتها وآفاقها - الجزء الأول
- القرن الحادي والعشرون: حلم أم كابوس؟
- الذكرى الأولى للثورة تقترب والمجلس العسكرى يسير بنا على الطر ...
- الحوار بين الثورة والواقع
- مطالب وأهداف الموجة الثورية الراهنة
- موجة 19 نوڤمبر 2011 الثورية الجديدة
- مرة أخرى حول مقاطعة الانتخابات الپرلمانية والرئاسية فى مصر
- الاحتجاجات المسماة بالفئوية جزء لا يتجزأ من الثورة
- مقاطعة الانتخابات الپرلمانية والرئاسية من ضرورات استمرار الث ...
- مذبحة ماسپيرو تضع الثورة أمام التحديات والأخطار الكئيبة
- مقدمة خليل كلفت لترجمته لكتاب: -كيف نفهم سياسات العالم الثال ...
- ثورة 25 يناير 2011 طبيعتها وآفاقها تقديم للمؤلف خليل كلفت
- كتاب: النظام القديم والثورة الفرنسية


المزيد.....




- بعد اغتيال فخري زاده.. روحاني يصدر توجيهات إلى الحكومة
- رامي مخلوف: من أراد استمرار حياته فلا بد أن يصبر
- بن راشد يعلن عن جيل جديد من جوازات السفر الإماراتية وبطاقات ...
- وزير الدفاع العراقي يتفقد معدات عسكرية مصرية
- البرلمان الليبي يدعو لعقد جلسة خاصة
- الصحة السورية تزيد عدد مراكز اختبار كورونا للمسافرين
- بريطانيا تتوقع أسبوعا -مهما للغاية- في محادثات بريكسيت
- بوتين يصر أثناء اجتماع افتراضي أن يبلس حاكم إيركوتسك والوفد ...
- رغم إعلان الحكومة الإثيوبية النصر.. صواريخ من إقليم تيغراي ت ...
- رغم إعلان الحكومة الإثيوبية النصر.. صواريخ من إقليم تيغراي ت ...


المزيد.....

- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خليل كلفت - من أجل نحو عربى جديد - الجزء الأول