أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نضال فاضل كاني - طيور الحقيقة - قصة قصيرة















المزيد.....

طيور الحقيقة - قصة قصيرة


نضال فاضل كاني

الحوار المتمدن-العدد: 3326 - 2011 / 4 / 4 - 22:39
المحور: الادب والفن
    


السلطان الهارب
كعادتي ذهبت الى فراشي بعد ثلاث ساعات ونصف – تقريبا - من منتصف
الليل . وما أن وضعت رأسي على الوسادة حتى أخذت الأفكار ، أو كما اسميها ( رؤى اليقظة ) تُحلّق في مخيلتي كما تحلق الطيور في سماء الربيع الرائعة ؛ فأوجست في نفسي خيفه ، فهذه الحالة قد خبِرتُها كما تخبر الأم خلجات أطفالها ، إذ ما أن تحضر فلا مفرّ لي منها ولا مستقر ، أينما أولي وجهي اجدها تجاهي .. تأخذني حينا ذات اليمين وتدفعني حينا نحو الشمال ، وكل مرة تذهب محاولاتي في دفعها أدراج الرياح ، بل أني كلما حاولت ابعادها وجدتها تزداد مني قربا وبي تمسكا . ولا زلت أذكر تلك الليالي التي عزمت على قطع دابرها ، فما كان إلا أجد نفسي معها في كل مرة ، كمركب صغيرة تتلاعب فيه اصابع الأمواج في ليلة تزفر رياحها العاتية ، قرع طبول رعدية ؛ تبلغ من هولها القلوب الحناجر ..
أول من يهرب من فراشي هو النوم ، ينسل بهدوء دون أن أشعر به ويختفي كأنه لم يكن ، حقا إنه لأمر يذهلني ، أوليس النوم هو السلطان على السلطان كما وصفه احد خلفاء بني العباس ؟! كيف يهرب بهذه الطريقة ؟ والى أين يذهب لا أعلم .. وأي سلطان لتلك الرؤى على هذا السلطان ..؟! ايضا لا أعلم .. تضمحل الثواني والدقائق والساعات ، ويصبح الوقت وكأنه نقطة ساكنة لا امتداد لها ، ولا يعود إلي أبدا حتى تغادري تلك الرؤى تماما .. يعود على استحياء ليحتضنني كما تحتضن الأم الجنين بين طيات احشاءها ..
لهذا .. تيقنت أنه ليس لي من سبيل اذا ما حضرتني تلك الرؤى الا التمعن في المراد ، والنهوض من ذلك الفراش وبسط الأوراق وسكب المداد ..
كانت هذه الليلة ، واحدة من تلك الليال .. حيث بدأت تلك الرؤى تترى ، وبدأت ملامحها في داخلي تتجلى ، فلم اتجاوز في تقلبي معها ، إلا الدقائق الثلاث والنصف الأولى . ثم ازحت دثارا خفيفا نستقبل به فصل الشتاء ، وجلست أمام حاسوبي لأدون هذا الإملاء ..

من نحن ؟ وما نحن ؟
- لقد قضيت شطرا من عمرك وانت تسأل عنا ، تريد أن تعرف .. من نحن ؟ وما نحن ؟ أليس كذلك ..
هكذا سألني من حضر بلسان الخبير المُخبِر ، لا المستخبر ..
كاد قلبي يقفز من صدري ، اذ لطالما كان هذا السؤال يلوعني .. حتى نسيته أو هكذا ظننت ..
- نعم بالفعل ، من أنتم ؟ وما تكونون ؟ من يرسلكم إلي ؟ وكيف تجيئون ؟ ولعل الأهم : لماذا أصلا تحضرون ؟ .
بهذه الطريقة أردت أن استغل الحال لأسمع أكبر قدر من المقال ، وليس هذا بدعا مني ، فلقد قيل : إن كليم الله تعالى ، حين سأله المولى جل وعلا عما في يمينه وهو تعالى أعلم . اطال الكليم الكلام ليطول أمد ذلك المقام ..
- فقالوا : أنظر الى نفسك .. أسمع لما تقول .. تفكر فيما تسأل عنه .. وكيف تسأل عنه .. أنت لا تريد أمرا واحدا بل أمور .. ولا تسأل عن شيء واحد بل أشياء ، ولا تقصد غاية واحدة بل غايات .. تريد أي شيء من كل شيء .. أليس كذلك ..؟!
- تأملت قليلا في قولهم وقلت : ربما .. ولكن ما علاقة هذا بذلك؟
- قالوا : بل أكيد ، وإلا لم يكن لنا وجود .
بسرعة خاطفة تردد صدى تلك الكلمات في داخلي ، واثناءها اخذت أتذكر اشياء تؤول مغزى قولهم هذا ..
لقد تذكرت نصا كنت قد قرأته عن نيوتن وتفاحته ، كان كاتب النص يتساءل : كم تفاحة سقطت أمام أعين الناس ..؟ الكثير .. فلماذا لم يكتشف أحد قوانين الجاذبية سوى شخص واحد هو نيوتن ؟ ويؤكد مرة أخرى على السؤال ويقول : لماذا هو بالذات دون غيره كان للتفاحة تأثير فيه بهذا الشكل دون سواه ؟ ثم يجيب الكاتب قائلا : ليس للأمر علاقة بالتفاح بل بالناظر لها، لقد كانت الاسئلة تشغل نيوتن بطريقة منظمة حينا وغير منظمة حينا آخر ، متجمعة حينا ومفرقة حينا آخر .. وكان ذهنه المشغول بالوصول الى معرفة قوانين الطبيعة ، قد استجمع في لحظة ما كل قواه من جميع الزوايا والنواحي ، ولم يكن سقوط التفاحة الى التوقيع النهائي لفصل الأسئلة ، ليبدأ معه فصل جديد وعهد جديد بالإجابات .. فهمت حينها ، ان الشأن ليس شأن التفاحة ، بل شأن الباحث عما لا يبحث عنه سواه ، ويبدو ان هذا هو شأني مع رؤاي .. أنا وبطريقة ما سبب حضورها ..
- رفعت رأسي بعد هذا التأمل ونظرت لها بعين من يريد الاطمئنان ، فهزت رأسها بالإيجاب قائلة : إن كان للحقيقة كبد ، فقد اصاب سهمك المرمى .
شعرت بالرضا ، واجتاحتني رعشة خفيفة من نشوة الحصول على مأمول طال أمد انتظاري له .. أخيرا عرفت شيئا عما يحصل لي .. على الأقل عرفت السبب ، وما دام باب الاجابة قد فتح ، فاني بلا شك سأنال كفايتي منه وزيادة ..
- صدقت .
من جديد .. اكدوا لي صحة ما يدور في خلدي .. ثم قالوا :
- تريد ان تعرف من نحن ؟ وما نحن ؟ ..
حسنا : نحن ( طيور الحقيقة ) .. فانهض لصلاةالصبح فقد فتحت أبوابها ..

طيور الحقيقة
الحقيقة : سماءٌ كلٌ يدعي الاستحواذ على لياليها ، وأنى لاحد ذلك إلا لباريها .
هدهد سليمان أتاه من سبأ بنبأ يقين ، كان طيرا لبشرى الحقيقة بالأمان والايمان ، وفي الطرف الآخر ، حملت طير الأبابيل ، نُذر السجيل ، اهلكت بها أصحاب الفيل ، فأين هذه من تلك ..؟ أم أنها الحقيقة ، بعض طيورها مانحة وأخرى جارحة ..
- إننا لكذلك بالفعل ، لنا مع كل رجال فعال ، ولنا في كل حال مقال .
هكذا حدثتني الطيور ، وهكذا تسري الأمور ..

الحاضر الغائب
التفت فوجدت رفيقي جالسا قريبا مني وهو يبتسم ، فقابلته بابتسامة اكبر
وقلت له : اراك قد عدت ، وعلى غير عادتك تبدو واثقا من نفسك ..
كان ذلك النوم ، قد بدأ يمس اجفاني ويلامس بلطف جنبات اركاني .
قال لي وهو لا يزال يبتسم : ولم لا أفعل ، فانا اشعر بك وقد استقر حالك ، وهدأت عواصف أفكارك ، وقد اوشكت طيورك ان تعود من حيث أتت ..
لم اتمالك نفسي ، انفجرت ضاحكا ، وانا أقول : وهل تعلم انت ايضا بأمر الطيور ؟ هل انا بينكم آخر من يعلم ؟
قال لي النوم : بالعكس تماما ، انت أول من يعلم ، ولو لم تعلم لما أعلم ، من علمك أنت علمت أنا ، ففي النهاية نحن منك وإليك .
توقفت عن الضحك ، وانتبهت لموزون كلامه ، واعجبني جميل بيانه ، فقلت له : لقد أوجزت وأحسنت .
قال النوم : والآن قل لي : هل تتبعني بسلام ، أم تريد ان نتصارع حول الطيور؟
من جديد ، ابتسمت وقلت : بل اتبعك ، اذ كما يقال : اذا حضر الماء بطل التيمم .
وقبل ان اطفئ حاسوبي واذهب الى فراشي مع بزوغ الفجر الصادق وبدء حركة الناس نحو معاشهم ، التفت الي آخر طائر قبل أن يغادر وقال : لقد أتت البداية.
ثم صفق بجناحيه وطار..






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل يمكن ان يستعمر التصوف العقل؟
- الخلود بين عقلنة الفلاسفة وروحنة أهل الطريقة
- الثورات الشعبية واضمار الثقوب السوداء
- لان هناك عقولا تطرح أفكار التقسيم
- حين يشهد المثلث ان اضلاعه نقطة واحدة
- لماذا تخلى سندباد عن خارطة الكنز ؟..
- الرقص قرب شجرة آدم - ج1
- الواقفون خلف أسوار الأنا
- لهذا تبدل الأفعى جلدها
- ربما تكون الفنتازيا قمة الهرم
- حي على الانقلاب
- هل للخيال صورة في المرآة ؟
- فوبيا المستقبل .. والمنفذ الروحي للضوء في آخر النفق
- وفجأة ظهر الشبح وكأنه القمر


المزيد.....




- فنان تركي يجمع 16 ألف خصلة شعر من نساء من حول العالم.. والسب ...
- نزهة الشعشاع تفسر أهمية -العلاج بالمسرح-
- إصدار جديد يوثق الحياة الثقافية والاجتماعية بالرباط خلال الق ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء
- المعارضة تطالب العثماني بتجديد ثقة البرلمان
- ثقافة العناية بالنص التراثي.. جماليات المخطوط في زمن التكنول ...
- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...
- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نضال فاضل كاني - طيور الحقيقة - قصة قصيرة