أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نضال فاضل كاني - ربما تكون الفنتازيا قمة الهرم















المزيد.....

ربما تكون الفنتازيا قمة الهرم


نضال فاضل كاني

الحوار المتمدن-العدد: 3113 - 2010 / 9 / 2 - 02:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


اقتباس :
« إن لم نشعر بالغموض عند تعلمنا الكم ، فذلك يعني إننا لم نفهم كلمة واحدة من الذي تلقيناه »
نيلز بور

في أحد أيام عام 2000 م نصحنى صديق لي كامل الثقة به وباختياراته بأن أقرء كتاب ( اللامنتمي ) للأديب الانجليزي ( كولين ويلسن ) ، وبعد أن قرأته شعرت بأنه قد أحدث في داخلي ضجة أدبية فكرية لا تقل عن تلك الضجة التي حدثت عندما نشر هذا الكتاب عام 1956 م ، حتى أن ناقدا كـ( فيليب توينبي ) قد قال : إن مؤلفه « قد أضاف بالفعل إلى فهمنا لأشد مشكلاتنا عمقا » .
يقول ويلسون : « اللامنتمي هو الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واهٍ ، وهو الذي يشعر بأن الاضطراب والفوضوية أكثر عمقاً وتجذراً من النظام الذي يؤمن بهِ قومه .. إنه ليس مجنوناً ؟ هو فقط أكثر حساسية من الأشخاص المتفائلين صحيحي العقول .. مشكلته في الأساس هي مشكلة الحرية .. هو يريد أن يكون حراً ويرى أن صحيح العقل ليس حراً ، ولا نقصد بالطبع الحرية السياسية ، وإنما الحرية بمعناها الروحي العميق .. إن جوهر الدين هو الحرية ولهذا : فغالبا ما نجد اللامنتمي يلجأ إلى مثل هذا الحل إذا قُيَّض لهُ أن يجد حلاً.. ! » .
اللامنتمي عند ويلسن إذا هو الشخص الذي لا يتلائم مع المجتمع الذي يعيش فيه ، الشخص الذي رأى أكثر مما يجب ، و تعمق في رؤيته أكثر مما ينبغي ، ما يراه في العالم هو الفوضى وليس النظام الذي يجده الشخصُ البرجوازي المنسجم مع مجتمعه ، إنه الوحيد الذي في مقدوره رؤية الأمور على حقيقتها ، فيشعر أن العالم تعوزه الحقيقة ، إنه المريض الوحيد الذي يدرك أنه مريض في حضارة لا تعي مرضها .
والواقع أن الضجة التي حصلت بداخلي ليس بسبب فكرة الكتاب أو موضوعه ، على غرابته طبعا ، وإنما بسبب المصادر التي اعتمدها الكتاب وأسلوب الطرح ، ففي الوقت الذي يتحدث فيه الكاتب عن مشكلة إنسانية غير مقتصرة على حضارة بعينها فإن المصادر والمراجع المعرفية التي يعتمد عليها هي مجموعة من الإشارات المستفيضة والتحليلات الرائعة لنتاجات بعض الكُتّاب والفلاسفة ، وتناولِ بعض الشخصيات الحية كراقص الباليه الروسي ( نيجنسكي Nijinsky ) والرسام الهولندي ( فان جوخ Van Gogh ) ، والغرب بالفعل استناده لشخصيات خيالية في روايات قصصية عالمية ، ليَخْلُص في النهاية إلى ما يظنه حلا لمشكلة الغريب .
رحت أتساءل مع نفسي ، هل يجوز ذلك ؟ هل يمكن أن يعتمد احد على الخيال والجوانب الفنتازية في الحياة لاكتشاف أسرارها والحديث عن مشاكلها وعلاجها ؟ . وباختصار كان كتاب ( اللامنتمي ) عندي تجسيد حي لكاتبه نفسه ، وكأنه هو لا منتمي لواقع الكتاب والمؤلفين فضلا عن المادة الموضوعية التي تناولها الكتاب .
ثم وبعد مرور ثمان سنوات تقريبا أي في عام 2008 م ، انفتح أمامي باب جديد من أبواب المعرفة الإنسانية ، وذلك هو التعمق في دراسة خواص ومقومات الفيزياء الحديثة وتحديدا ( فيزياء الكم ) .
في هذه الفيزياء وجدت عمالقة العلم الطبيعي كاينشتاين ونيلز بور وهايزنبرغ وغيرهم قد وقفوا على عتبة البنية الفوضوية للمادة ، وكأنهم من دون الناس يرون بعيون اللامنتمي أن ما يراه عامه الناس من سكون ونظام في بنية المادة ما هو إلا وهم لان جوهر المادة قائم على الحركة الفوضوية للجسيمات ما دون الذرية .
حقيقة وبعد ثمان سنوات حدثت ضجة أخرى في داخلي بسبب هذا التلاقي بين فكر أديب مثل ( ويلسن ) وبين أخطر ما توصل له العلم الحديث ..
ما أسميه أنا ( ضجة ) كان قد أصاب حتى أكابر العلماء أنفسهم حين واجهوا هذه الحقيقة التي تضطر الفكر الإنساني للسير في طريق ذو اتجاه واحد هو طريق تصديق اللامصدق ، أو تصديق ما لا يمكن تصديقه ، وهو أمر تقبله بعض العلماء ، وتوقف عنده آخرون ، وأنكره قلة قليلة بسبب غلبة العين العوراء عندهم .
لنستمع معا للضجة التي كانت تدور في داخل أحد كبار العلماء في هذا المجال وهو الفيزيائي ( هايزنبرغ ) حيث يتذكر في كتابه ( الفيزياء والفلسفة ) الشكوك التي كانت تراوده في بداية دراسته للمفهوم الجديد لميكانيك الكم حيث يقول : « أتذكر الجدل الذي كان يدور مع ( بور ) حيث كنا نقضي ساعات طويلة في ذلك ، وإلى أوقات متأخرة من الليل وكانت النتائج بائسة ، فكنت ألوذ ساحباً خطاي نحو متنزه مجاور ، مكرراً على نفسي ذات السؤال المحير : هل يمكن أن تكون الطبيعة منافية للمنطق والعقل إلى نفس الحد الذي تظهر فيه في تجارب الذرة !؟ » .
ومن أبرز المعروفين برفضهم لنظرية الكم ، العالم اينشتاين ، فعلى الرغم من الدور الذي أداه في صياغة هذه النظرية ، إلا أنه لم يكن يشعر بالارتياح والاطمئنان إليها ، وقد ظل يردد حتى آخر أيامه إن هذه النظرية إما أن تكون غير صحيحة بالمرة ، أو أن نصفها صحيح فحسب ، ويؤكد اينشتاين إن وراء الفوضى واللانظام في عالم الكم ، عالماً تقليدياً مألوفاً من حقيقة صلبة تمتلك فيه الأجسام خصائص معروفة ، ومحددة مثل المكان والسرعة ، وتنتقل حسب قوانين حتمية في السبب والنتيجة .
إن العالم الذري المجنون كما تصوره نظرية الكم ليس بعالم أساسي في نظر اينشتاين بل هو واجهة غير صحيحة ، وعلى مستوى أعمق من التفكير ، لا بد من هيمنة العقلانية والمنطقية من وجهة نظره ، وقد حاول اينشتاين أن يجد هذا المستوى الأعمق عبر جدله المستمر ونقاشاته الطويلة مع ( بور ) الناطق الرسمي الأقوى باسم ( الخط الجماعي ) الذي كان يؤكد أن ( العشوائية ) أساسية ، وموروثة في الطبيعة .
إن هذه الجنون في باطن المادة جعل هؤلاء العلماء أشبه ما يكونوا بجميع لا منتمين ويلسن الذين لم تعد الرتابة الظاهرية التي يرونها في الحياة الإنسانية لتحجبهم عن رؤية الجنون والفوضى الباطنة في تلك الحياة .. والفرق أن لا منتمين الطبيعة رأوا ذلك في جوهر المادة بينما رآه لا منتمين ويلسن في النفس الإنسانية .
لقد كان بور مُسَلِّما تماما لهذا الغموض القائم على الفوضى والجنون ولها قال لزملائه مرة : « إن لم نشعر بالغموض عند تعلمنا الكم ، فذلك يعني إننا لم نفهم كلمة واحدة من الذي تلقيناه » .
لا شك بأن هذا المستوى من الفهم لما لا يمكن تصوره هو تتويج لمبدأ التفكير خارج الصندوق ، حتى أن المفكر الألماني (يوهان غوتيه ) اعتبره من ضرورات التفكير الطبيعي وإلا لما وجد أصلا ، وقد عبّر عن ذلك بقوله :
« يجب على الإنسان أن يؤمن بأنه يمكن فهم اللامفهوم وإلا لما قام هو بالتفكير بذلك ».
فعلا ربما تكون الفنتازيا قمة الهرم ..
_____________
المراجع :
- القرآن الكريم
- موسوعة ويكيبديا على النت
- الشعراني - لطائف المنن والأخلاق - ج 2 ص 54 .
- د.اسامه نعمان - أفكار علمية – ص 31 .
- باول ديفز – القوة العظمى –بغداد – ص 51 – 52 .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حي على الانقلاب
- هل للخيال صورة في المرآة ؟
- فوبيا المستقبل .. والمنفذ الروحي للضوء في آخر النفق
- وفجأة ظهر الشبح وكأنه القمر


المزيد.....




- بايدن يعلن إنهاء -أطول حرب- لأمريكا.. وسحب قواتها من أفغانست ...
- وكالة الطاقة الذرية لـCNN: إيران -أكملت تقريبًا الاستعدادات- ...
- وكالة الطاقة الذرية لـCNN: إيران -أكملت تقريبًا الاستعدادات- ...
- وسائل إعلام تركية: واشنطن تقرر إلغاء إرسال سفنها الحربية إلى ...
- مراسل RT: قصف يستهدف معسكرا تركيا شمالي العراق
- مقاضاة نحات استلهم بشخصية -تان تان- في تماثيله
- الناتو: عازمون على بدء سحب قواتنا من أفغانستان بحلول مايو
- مصر.. النيابة العامة تكشف سبب حادث حافلة أسيوط
- موسكو وواشنطن تؤكدان نيتهما مواصلة الحوار حول التسوية الشرق ...
- الإمارات سترسل المستكشف -راشد- إلى القمر العام المقبل


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نضال فاضل كاني - ربما تكون الفنتازيا قمة الهرم