أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نضال فاضل كاني - لماذا تخلى سندباد عن خارطة الكنز ؟..















المزيد.....

لماذا تخلى سندباد عن خارطة الكنز ؟..


نضال فاضل كاني

الحوار المتمدن-العدد: 3121 - 2010 / 9 / 10 - 09:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


اقتباس :
« البوذي لا يؤمن بعالم خارجي يوجد مستقلاً أو بشكل منفصل ، يمكن أن يدخل نفسه في قواه الدينامية ، فالعالم الخارجي وعالمه الداخلي هما بالنسبة له ليسا سوى وجهين للقماشة نفسها ، تكون فيها خيوط كل القوى وكل الأحداث ، كل أشكال الوعي وكل موضوعاتها ، منسوجة في شبكة لا تنفصل من العلاقات اللامنتهية ، المتبادلة الاشتراط »
لاما أناغريكا غوفيندا

خدع كثيرة يقع في أوهامها الفكر الإنساني ، ومنها ما يكون فيها العقل كمن يسير للمغرب ونيته المشرق ، فلا يزال يبتعد كلما ظن أنه بات قاب قوسين أو دنى من مقصده ، فأي مفارقة مضحكة مبكية هذه ؟ .
في ضوء الفيزياء الحديثة بتنا نستطيع القول أن السحر انقلب على الساحر ، وان تقدم العلم كشف عن الخدعة التي ابتكرها الفكر الضيق وطورها ثم صدَّق أنها حقيقة لا يمكن تجاوزها وبات محكوما في أسرها .
ما نتحدث عنه هنا هو قضية القوانين والنظريات والقواعد والمبادئ التي تراكم الاعتقاد بمصداقيتها حتى بات التفكير بإعادة النظر فيها ينتهي إلى التكفير .
لا زلنا نسمع من الأكاديميين القول الشائع : إن كل شيء يمكنك أن تجادل فيه إلا الرياضيات فإنها لا تقبل الخطأ .
ولا زلنا نسمع تلك المادية الجامدة الصارخة التي ينادي بها ( فرانسيس بيكون ) : « ليس العلم سوى انعكاس للواقع » ، أي لا يمكنكم أن تعيدوا النظر في العلم كما لا يمكنكم أن تعيدوه في الواقع ، وهكذا ، شيئا فشيئا يجذّر زعماء كل علم أو فن التمجيد لما يؤمنون به .
ومع هذا كان هناك في كل زمان رجال تسمو بهم الحقائق عن الوقوع في هذا الفخ الخفي ، فينتبهون إلى أن الحياة أنبل من أن تقيدها النظريات أو تحصرها القوانين أو ما يسمى أحيانا ( الخرائط الفكرية ) .
ذكر يوما أمام ( ليوناردو دافينتشي ) تجربة وصفت بأنها خادعة لكونها تعطي نتائج متغيرة ، فقال : « إن التجربة لا تخدع أبداً وتحليلاتنا وحدها هي الخادعة » ، أي : أن المبادئ التي استندنا لها في تحليلاتنا غير كاملة ، ولهذا فان النتائج تبدو غير منطقية والواقع أن الخلل فينا وليس في التجربة .
( نيكولاي سيميونوف ) عالم في حقل الفيزياء الكيميائية ، بعد سلسلة تجارب واختبارات في المعادلات اللامتناهية للتفاعلات ، توصل إلى تلك النتيجة الآتية : « إن العلم عمل موضوعي مطلق وهو غير متحيز في حد ذاته ، ولكن البشر هم الذين يبتدعون العلوم ، وهكذا تظهر وفي مسار عملية الإبداع تناقضات واضحة بين الموضوعية الشديدة للعلم وبين الخصائص الذاتية للناس المبدعين له ».
برأيي أن ( نيكولاي ) في قوله هذا توصل إلى نصف الحقيقة وغاب عنه نصفها الأخر ، ولكنه بالرغم من ذلك استطاع أن يقفز بنفسه على زانة النصف الذي أدركه فوق أسوار المحظورات الفكرية وبذلك تمكن من الإشراف على النصف الآخر .
النصف الملآن من كأس ( نيكولاي ) أنه أدرك أن العلوم هي عبارة عن إبداعات وابتكارات فكرية بشرية ، وهذا يكفي للقول بعدم عصمتها من الخطأ أو التناقض ، لأن البشر غير معصومون من ذلك . وأما النصف الفارغ من ذات الكأس فهو الاعتقاد الجازم بموضوعية العلم المطلقة وعدم تحيزها البتة .
لقد اكتشفت الفيزياء الحديثة أن جميع القياسات ما هي إلا تفاعلات تخلق ( إحساسات ) في وعينا ، فالعلم الطبيعي كما يقول ( هايزنبرغ ) ، لا يصف ويشرح الطبيعة ببساطة ، إنه جزء من التفاعل المتبادل بين الطبيعة وذواتنا .
فإذا كانت الفيزياء الذرية أم العلوم الطبيعية لكونها تبحث في حقيقة المكونات الطبيعية وماهيتها ، فإن هذه الفيزياء تخبرنا بحقيقة هائلة وهي أنه
لا يمكن للعالم أن يلعب دور الراصد الموضوعي المنفصل ، بل يصبح مشمولاً في العالم الذي يرصده إلى حد أنه يؤثر في خواص الأجسام المرصودة . يرى ( جون ويلر ) أن هذا التشميل للراصد هو السمة الأهم لنظرية الكم ء ولذلك اقترح استبدال كلمة ( راصد ) بكلمة ( مشارك ) . فعلى حد تعبير ويلر : « لا شيء في مبدأ الكم أهم من هذا ، إنه يحطم مفهوم العاِلم بوصفه قابعاً هناك » .
إن الكون لن يكون بعدئذ هو نفسه أبداً ، لأنه لوصف حديث ما يتعين على المرء أن يلغي تلك الكلمة القديمة ( راصد ) وأن يضع في مكانها الكلمة الجديدة ( مشارك ) ، بمعنى غير مألوف يكون الكون كوناً تشاركياً .
إن السبب الذي دفع العلماء للتنازل عن مسالة الفصل بين ( الذات والموضوع ) ، أي بين ( العالِم والتجربة العلمية ) التي يقوم بها ، نتج من عجز العلماء عن فصل التأثير لأفكارهم على التجربة التي يقومون بها ، فإذا سئل العالِم ( الراصد أو المجرب ) بينه وبين نفسه سؤلا وأراد أن يعرف جوابه ، فإن الجسيمات الذرية ترتب نفسها بطريقة تتناسب مع الإجابة عن ذلك السؤال بالتحديد ، فإذا غير العالِم تفكيره وعدل إلى سؤال آخر فإن ذات الجسيم الذري يغير من شأنه بحيث يعطي الراصد الإجابة عن ذلك السؤال الجديد ، أي أن الطبيعية تستجيب لأسئلتنا ، وبالتالي هي واقعة تحت تأثير تفكيرنا بنسبة احتمالية مجهولة ، وعلى حد تعبير ( هايزنبرغ ) : « إن ما نرصده ليس الطبيعة ذاتها ، بل الطبيعة المعرَّضة لطريقتنا في
التساؤل » .
وهذا يعني إننا محدودون في اكتشافاتنا بحدود ما نقيد به عقولنا أو بما نطلق لها فيه العنان ، والنقطة الهامة التي يؤكد عليها العلماء هنا هي أن هذه المحدودية لا علاقة لها بنقص تقنيات القياس لدينا بل هي محدودية مبدئية متأصلة في الواقع الذري للطبيعة ، ويضرب علماء الذرة لذلك مثلا فيقولون : إذا قررنا أن نقيس موقع الجسيم بدقة ، فإن الجسيم ببساطة لا يكون له عزم معرف تعريفاً جيداً ، وإذا قررنا أن نقيس العزم ، فإنه لا يكون له موقع معرف تعريفاً جيداً ، فالراصد حين يقرر كيف يهيئ أجهزته لقياس العزم أو الموقع فهذا الترتيب سوف يحدد ، إلى حد ما ، خواص الجسيم المرصود ، وإذا تم تعديل الترتيب الاختباري فإن خواص الجسم المرصود سوف تتغير بدورها.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القوانين ليست متأصلة في الطبيعة ، بل مفروضة عليها عن طريق الفكر .. وهذا ما يزلزل عرش الفصل بين الذات والموضوع ، ويعطي تفسيرا مغايرا تماما لما كان يسمى بانتصار العلم على الدين أو انتصار المادة على الروح ، فواقع الحال وفق المكتشفات العلمية أن الموضوع لا ينفصل عن الذات قيد أنملة بل أن الموضوع انتقل من كهنوت اللاهوت الموغل بالخرافة إلى كهنوت المادية الموغلة بالجفوة .
إن فكرة ( المشاركة بدلاً من الرصد ) لم تتم صياغتها في الفيزياء الحديثة إلا مؤخراً ، لكنها فكرة معروفة جيداً لأي دارس للتصوف ، فالمعرفة الصوفية لا يمكن تحصيلها أبداً بمجرد الرصد ، بل فقط عن طريق المشاركة التامة بكل كينونة المرء ، لهذا فإن مفهوم المشارك حاسم لرؤية العاِلم الصوفي ، وقد دفع الصوفية بهذا المفهوم إلى أقصاه ، إلى نقطة يكون فيها الراصد والمرصد ، الذات والموضوع ليسا فقط غير قابلين للانفصال بل يصبحان أيضاً غير قابلين للتفريق ، فالصوفية لا يكتفون بوضع مناظر للفيزياء الذرية ، حيث الراصد والمرصود لا يمكن فصلهما بل يمكن مع ذلك تمييزها . إنهم يذهبون أبعد من ذلك ، وفي التأمل العميق يصلون إلى نقطة ينهار عندها التمييز بين الراصد والمرصود تماماً ، حيث ينصهر الذات والموضوع في كل ، لا تمايز فيه خلال ما يصطلحون عليه تسمية ( التجربة الروحية ) . جاء في كتاب الطريقة العلية القادرية الكسنزانية : « الأساس الأول في الطريقة هو تجربة روحية لا تخضع إلى العقل المنطقي وفيها تتحد الذات والموضوع وتقوم فيها البوادر واللوائح واللوامع مقام التصورات والأحكام والقضايا في المنطق العقلي , إذ المعرفة فيها مُعاشَةٌ لا متأملَة ، ويغمر صاحبها شعور عارم بقوة تضطرم فيه وتغمره كفيض من النور الباهر أو يغوص فيها كالأمواج العميقة ، ويبدو له أيضاً أن قوى عالية قد غزته وشاعت في كيانه الروحي , وما هذا إلا نفحات روحية علوية , ولهذا يشعر السالك بإثراء في كيانه الروحي ، وتحرر في أفكاره وخواطره ، وهيجان لطاقات كامنة تغور في أعماق نفسه ».
ما يراه الصوفية في هذا الجانب هو أن المعرفة لا يمكن أن تكون كلّية يقينية ما دام هناك خط وهمي يفصل بين الذات والموضوع عند العالم الطبيعي أو العالم الديني على حد سواء ، لأن هذا الفصل إن دل على شيء فإنما يدل عند الصوفي على نقص في إدراك التداخل الحيوي بين جميع المكونات في الوجود .
إن الصوفية وإن كانوا يثبتون الكثرة الظاهرية ، أي تكثر الأجناس والعناصر الموجودة في الطبيعة وتمايز كل جنس عن الجنس الآخر بخصائص معينة إلا أنهم يؤكدون على أن هذا التكثر واقع في المظاهر الصورية فقط ، أما الحقيقية الروحية لجميع تلك الكثرة الخلقية فهي حقيقية واحدة ، يصطلح عليها بعضهم تسمية ( حقيقة الحقائق الكلية ) ويسميها البعض الآخر ( الحقيقة المحمدية ) أو غير ذلك من التسميات الدالة على المفهوم ذاته . مثالها مثال الماء الظاهر بصور وخصائص مختلفة وهو حقيقة واحدة فمن صوره الثلج والوفر والبخار والبَرَد ، فإذا كان علماء الطبيعة قد جردوا الإنسان من البعد الروحي ، وعدوه جزءا ماديا لا يختلف في شيء عن بقية الأجزاء المادية للطبيعة ، فإن الصوفية خالفوهم في هذا الرأي من وجهين :
الأول : من حيث أن جسمانية الإنسان مكونة من نفس العناصر الموجودة في الطبيعة والتي تشترك فيها جميع المخلوقات بنسب متفاوتة .
والثاني : من حيث الجانب الروحي ، إذ أن الصوفية لم يقفوا عند حد الترابط المادي ، بل قالوا بالجانب الروحي للإنسان ، وكذلك لجميع الكائنات بمستويات متفاوتة ، وأيضا قالوا بالتواصل الروحي بين الجميع ، على الرغم من عدم إحساس الإنسان العادي بهذا التواصل – بين الذات والموضوع - على المستويين المادي والروحي . ولتوضيح المسالة أكثر نقول على سبيل المثال :
إن الناظر إلى الحواس في الإنسان يجدها تتكون من عناصر متعددة كالعين والأذن واللسان والأنف والجلد ، وكل عنصر من هذه العناصر – إذا جاز التعبير – له خصائصه العضوية التي يتحدد بها مجال عمله على نحو لا يتعدى المجال العلمي لعنصر آخر ، فالأذن بطبيعة وظيفتها العنصرية مجالها السمع ، ولا يمكن أن تتعداه إلى النطق أو الشم ، والأنف بطبيعته العنصرية مجاله الشم ، ولا يمكن أن يتعداه إلى السمع أو البصر .. وهكذا بقية الحواس . كما أن كل عنصر من هذه العناصر لا يتأثر في فاعليته ببقاء العنصر الآخر أو بزواله ، فقد تتعرض الأذان للصمم ، فيفقد الإنسان حاسة السمع فحسب دون أن يؤثر ذلك على حاسة البصر أو غيرها من الحواس الأخرى . وبنفس الطريقة يمكن تعميم هذا المثال الذاتي على المستوى الموضوعي ، بمعنى أنك تجد في العالم الطبيعي كل مخلوق له استقلاليته العنصرية عن بقية الكائنات ، وإن عاهة أو موت أحد المخلوقات أو فناء أحد الأشياء لا يؤثر على البقية الباقية تأثيرا عنصريا .
هذا هو المنظار المادي الذي يقول به علماء الطبيعة ، ويضعونه شرطا موضوعيا لموضوعية العلم ، وأما عند الصوفية فإن كل هذه الكثرة المخلوقة والتكثر في العناصر المكونة للإنسان أو للطبيعة لا تعدوا أن تكون كثرة قائمة في الجانب الظاهري من الوجود ، أي كثرة تنطبق قوانينها على المستوى المادي المحسوس والملموس فحسب . فهناك الجانب الروحي الذي لا يخضع لهذه القوانين المادية الصارمة ، ففي ذلك المستوى تفنى حدود الفصل والتجزئة بين الصفات العنصرية .. ففي الإنسان مثلا ، فان حياة كل عناصر البناء الحسي ( الحواس ) والعقلي قائمة بالروح في كينونة الذات الإنسانية ، والروح مطلقة عن التحيز بصفة محددة بعينها ، إذ فيها تتماهى جميع صفات الحواس ، فلا يختص جزء من الروح بوظيفة حسية محددة ، لأنها أصلا غير مجزئة ، لكونها كل في كل . ففي الروح تسري الصفات بعضها في بعض ، فتسمع العين ، وتنطق الأذن ، ويشاهد اللسان ، حتى ليستدعي مدرك الحاسة الواحدة مدركات جميع الحواس في آن واحد ، ذلك لأن الذات بحسب هذا المستوى تكون على بساطتها وإطلاقها غير المقيدة بالمدارك الحسية ولا بالخبرات العقلية ولا بالمكونات الثقافية ولا بالدوافع الغريزية ، ونسبية ذلك كله : الذات في هذا المستوى تواجه الجسم الإنساني بما هي عليه من كونها جوهر كلي واحد ، هو السمع الذي يسمع ، وهو الذي يبصر وهو الذي يتصور ، بكليته كله ، حيث « تصير كل شعرة منه سمعا وكل ذرة منه بصرا ، فيسمع الكل في الكل ، ويبصر الكل بالكل » ، وحيث تكون قد « امتزجت الأعمال القلبية والقالبية وانخرق الظاهر إلى الباطن والباطن إلى الظاهر » ، وعن هذا يقول الشيخ الجنيد البغدادي : « إذا فنى الفناء عن أوصافه ، أدرك البقاء بتمامه »، ويقول : « الفناء استعجام كلك عن أوصافك ، واستعمال الكل منك بكليتك ». وبنفس المنظار ينظر للروح الكلية التي تمد الطبيعة وكل ما فيها بالحياة ، « حيث تدخل الأشياء في حركة تآلف حيوي حر تتعانق فيها الأطراف والمتفرقات على نحو يستجيب لنداءات العالم الكلي الباطن من الذات في احتضانه لأسرار الحقيقة المطلقة » .
إن الروح عند الصوفية ليست قابعة في مكان معين من جسم الإنسان ، فالروح هي قوام الحياة لكل خلايا البناء العضوي في الإنسان حسا وعقلا ، وليس ثمة من خلايا الكيان الإنساني ما يحيا بدون الروح ، كما أن الروح لم تكن لتعبر عن نفسها بدون الحس ، فالروح ليست نقيض الحس ، كما أن الحس ليس نقيض الروح بل بالعكس الروح هي حياة الحس ، والحس هو الشكل الذي تتمظهر من خلاله قوى الروح ، ولهذا يقول السراج الطوسي : « ما دام في العبد روح وهو حي لا يزول عنه الحس ، لأن الحس مقرون بالحياة والروح » ، وما يقال عن التواصل التفاعلي بين المادة والروح في جسم الإنسان يقال مثله عن مادية الطبيعة وجانبها لروحي - مع الفارق – وبهذا ننتهي إلى ما يلي :
أولا : إن الذاتي ممثلا بالروحي ، والموضوعي ممثلا بالمادة سواء أكانا في الإنسان والطبيعة على حد سواء ، هما متداخلان متواصلان غير منفصلان .
ثانيا : هذا التداخل والتواصل لا ينحصر عند حدود الجسم الإنساني بمعزل عن الطبيعة ( العالم ) ، فكما أن هناك مستوى تتواصل فيه ذات الإنسان مع موضوعة ( المكونات المادية الجسدية ) فإن الطبيعة كذلك بما هي موضوعية تتناسب مع ذاتها ، ومن جهة أخرى فإن التواصل موجود بين ذات الإنسان وذات الطبيعة ، وبين موضوع الإنسان وموضوع الطبيعة ، وكذلك بين ذات الإنسان وموضوع الطبيعة ، وبين موضوع الإنسان وذات الطبيعة .
ثالثا : العارف عند الصوفية هو من يصل إلى شهود هذا التواصل بشكله الحي المتفاعل الواعي ، فتتفاعل ذاته مع الذات الكلية وموضوعه مع الموضوع الكلي ، فيعرف كل شيء في الوجود كما يعرف كل شيء في نفسه ، لا فرق بين نفسه والنفس الكلية ، ولا بين موضوعه والموضوع الكلي ( الخارجي ) .
وجاء في ( الاوبانيشادات ) : « حيث توجد واحد يتذوق آخر ... لكن حيث كل شيء أصبح هو ذاته ، عندئذٍ من أين ومن سيرى الواحد ؟ عندئذٍ من أين ومن سيشم الواحد ؟ عندئذٍ من أين ومن سيتذوق الواجد ؟ ».
هذا هو ، إذا ، الإدراك النهائي لوحدة كل الأشياء ، يتم بلوغه – كما يخبرنا الصوفية – في حالة من الوعي تتحلل فيها فردية المرء [ متحولة ] إلى توحد لا متمايز ، حيث يتم تجاوز الحواس ويتم تخطي مفهوم ( الأشياء ) . وعلى حد تعبير تشوانغ تزو : « تنقطع صلتي بالجسد وأجزائه ، تنبذ أعضائي الإدراكية الحسية ، لهذا وأنا أترك شكلي المادي وأقول وداعاً لمعرفتي ، أتوحد مع المتحلل العظيم ، هذا ما أدعوه الجلوس ونسيان كل الأشياء » .
لقد أبطلت نظرية الكم مفهوم الأجسام المعزولة أساساً ، وأدخلت مفهوم المشارك ليحل محل مفهوم الفصل ..
لقد صارت تنظر إلى الكون كشبكة مترابطة من العلاقات الجسدية والعقلية لا تُعرَّف أجزاؤها إلا من خلال صلاتها بالكل .
لنلخص رؤية العالم المنبثقة عن الفيزياء الذرية ، فإن كلمات البوذي التنتري ، لاما أناغريكا غوفيندا ، تبدو ملائمة تماماً بشكل مثالي : « البوذي لا يؤمن بعالم خارجي يوجد مستقلاً أو بشكل منفصل ، يمكن أن يدخل نفسه في قواه الدينامية ، فالعالم الخارجي وعالمه الداخلي هما بالنسبة له ليسا سوى وجهين للقماشة نفسها ، تكون فيها خيوط كل القوى وكل الأحداث ، كل أشكال الوعي وكل موضوعاتها ، منسوجة في شبكة لا تنفصل من العلاقات اللامنتهية ، المتبادلة الاشتراط » .
وإذاً ، فلا دور للعلم في حياتنا إلا « محاولة لتنظيم الجوانب المتعددة لتجربتنا الحسية في منظومة موحدة من الأفكار » كما يقول ألبرت أينشتاين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
- فيرتجوف كابرا – التصوف الشرقي والفيزياء الحديثية
- د.اسامه نعمان - أفكار علمية .
- الشيخ محمد الكسنزان – الطريقة العلية القادرية الكسنزانية .
- عاطف جودة نصر – شعر ابن الفارض .
– السهروردي – عوارف المعارف ، حاشية احياء علوم الدين للغزالي .
– السراج الطوسي – اللمع .
– التجربة الصوفية طريق معرفة .
ــــــــــــــــــ
من كتابي ( التفكير خارج الصندوق )






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرقص قرب شجرة آدم - ج1
- الواقفون خلف أسوار الأنا
- لهذا تبدل الأفعى جلدها
- ربما تكون الفنتازيا قمة الهرم
- حي على الانقلاب
- هل للخيال صورة في المرآة ؟
- فوبيا المستقبل .. والمنفذ الروحي للضوء في آخر النفق
- وفجأة ظهر الشبح وكأنه القمر


المزيد.....




- فرنسا تفرض حجرا صحيا على القادمين من البرازيل والأرجنتين وتش ...
- واشنطن تأمر الدبلوماسيين الأمريكيين بمغادرة تشاد
- بيلاروس… الكشف عن خطة للانقلاب المسلح واغتيال لوكاشينكو
- واشنطن تدعو دبلوماسييها لمغادرة تشاد بسبب هجمات محتملة من مس ...
- بكين : على واشنطن وطوكيو وقف الإساءة لمصالح الصين
- الكاظمي لرجال دين: نراهن عليكم كثيرا
- سخرية على مواقع التواصل.. النظام السوري يحتفل بعيد جلاء الاح ...
- بيرو.. مقتل خمسة جنود في تحطم طائرة مروحية
- بوشكوف للخارجية الأمريكية: توقفوا للحظة كلوا -تويكس-
- كندا.. شرطة أونتاريو ترفض القيام بتفتيش عشوائي للمارة بشأن ك ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نضال فاضل كاني - لماذا تخلى سندباد عن خارطة الكنز ؟..