أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - نعيم عبد مهلهل - الأجانب والمعدان ..المنصف الحقيقي















المزيد.....

الأجانب والمعدان ..المنصف الحقيقي


نعيم عبد مهلهل

الحوار المتمدن-العدد: 3147 - 2010 / 10 / 7 - 13:01
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


(( المعدان جمع (معَيدي ) والمعيدي غير المُعيدي وهو طائر جميل الصوت قبيح الصورة ومن هنا جاء في أمثال العرب قولهم (أن تسمع بالمعُيدي خير ٌ من أن تراه)..هذا يعني أن هذا المثل المتداول بين الناس والهدف منه الانتقاص من قيمة المعيدي هو لا يعنى فيه المعيدي كأنسان وأصل ونسب بل يقصد فيها هذا الطائر المسمى المعيدي ))..
على هدي هذه الحكاية وهذا المعنى ، حاولت أن أعيد تكوين صيرورة هؤلاء الناس من خلال إحساس خاص اعتمد ليس فقط على ذاكرة التاريخ ،بل إن المعايشة والتجربة والمراقبة والبحث صنعت لدي كل تلك التصورات التي خلفتها برؤيا هي في تقديري عمل أدبي قبل أن تكون دراسة لتاريخ شعب ظل على مدى عقود يمسك أحلامه من خلال إحساسه بان الله خلقه لهذا المكان فقط.
فقد قدر لي أن أعيش معهم ردحا من الزمن في فترة عصيبة من حياتهم ، وما أكثر قسوة التاريخ على شعب يدرك فقط أنه شعب آت من حضارته البعيدة التي منحت العالم رسم الحرف ومعنى الكلمة ، وهم الشعب الوحيد في الكون من جعل الجواميس خيول معاركه وليس جياد الحرب التي ركبها قتيبة بن مسلم الباهلي وذهب بها الى سمر قند.وكنت دائما أضع قضاء الجبايش وهو واحد من أهم مدن الأهوار في مشابهة جمالية وروحية مع سمرقند المدينة الأوزبكية التي سحرت القائد المغولي جينكيزخان ، وظنها مفتاح الولوج الى العالم الجديد وامتلاكه ، عندما همس لقادته : إذا كنتم تحلمون ببغداد ، فعليكم أولاً بسمرقند. وتأمل الى وصف المؤرخ المغولي وحاكم بغداد بعد هولاكو عطا الملك الجويني في وصف المدينة يغنينا عن أي وصف آخر لها قوله :
((سمرقند أعظم بقاع مملكة السلطان مساحة وأطيبها ربوعاً ، وقديماً قالوا : أنزه جنان الله أربع ، وسمرقند أطيبها)).
صناعة المدن والأمكنة المتشابهة أمر ليس بسهل . أيتاليو كالفينو صاحب اشهر كتاب عن المدن المتخيلة يقول : عن صناعة مدينة مفترضة لواحدة كموجة في الواقع لابد أن ينال الكثير من الاسطرة .
وعليه فان جلب سمرقـند الى الجبايش يعني مفارقة غريبة ،فمن جاء بالأزوبك الى مدينة بني أسد وقرى المعدان الذين يطوفون بأخيلة الماء والنجوم كما تطوف الغيوم في كبد السماء ،فيما سمرقند لا تطوف فيها سوى زرقة الكاشان الذي يزين مآذنها وذاكرة تاريخ الأوزبك وهم يحلمون بالشرق الذي يرقد فيه أمام مذهبهم أبو حنيفة النعمان وبيت الله في نجد.
لهذا أتخيل أن سمرقند ثانية تطوف في أرجاء مكان تصبغهُ من كل جهاته اضوية اللازورد الأخضر وكتابات تتحدث عن سحر غامض لكنوز وامكنة كانت في يوم ما واحدة من اجمل أحلام الاسكندر الكبير. الذي غفت على كتفه الكثير من الأساطير ومنها ما كان يظنها هو أن جنوب بابل التي وصل إليها بخيول الرومان والإغريق والمقدونيين لعصية عليه بسبب أقوام البطائح والمياه المحصورة بين ضفتي دجلة والفرات ،وحتما كان يقصد المعدان.
ويبدو أن تصوير الشاعر الفارسي ( نظامي الكنجوي ) للأسكندر في قصيدته الشعرية النثرية والموسومة ( إسكندر نامه )الطويلة التي تحدث فيها عن مراحل حياة الإسكندر في صورتيه المفترضين ،تلك التي دونها التاريخ عنه بأسم الإسكندر المقدوني ،وتلك التي جاء ذكرها في القرآن الكريم بأسم الإسكندر ذي القرنين بعد أن سأل عنه الرسول من قبل قريش وبإيعاز من أحبار اليهود . وفي نهاية فصولها الحكاية التالية عن الإسكندر وفيها ما اعتقده ربطا بالمكان واهله وخصوصيته قول الشاعر الفارسي الكنجوي :
(( ثم علم الإسكندر إنه وصل الى الأرض الظلام حيث يوجد ماء الحياة ، فأقترب من المنطقة ،وقابل الخضر ، فسار معه في الظلام وأخذا يفتشان عن ماء الحياة ، فعثر الخضر على عين ماء وشرب منها ، أما الإسكندر فقد تاه عنها وظل الطريق ، وظل يبحث عنها أربعين يوما فلم يعثر عليها ،فقفل راجعا الى بلاد اليونان

أنصف الأجانب المعدان قبل أن ينصفهم أهلهم من العراقيين ، فعدا إشارات الدكتور علي الوردي في بعض دراساته الاجتماعية ، تخلف الباحثون والمؤرخون كثيرا عن الغوص في حياة هذا الشعب وروحه ، وربما الأدب العراقي هو من اعتنى كثيرا بهؤلاء الناس من خلال معايشة الكثير من الأدباء من قصاصين وشعراء لسكان الأهوار في فترات النفي السياسي لهم وأغلبهم من المعلمين ، ولكن مؤرخا ورحالة هو ويلفرد ثيسـﮕر أعاد لوجودهم الأصل والهيبة ، وعايش فيهم جميع الصفات الإنسانية ، وجعل العالم يرى الطبيعة الحقيقة لشعب كان ماكس مالون الآثاري الذي رافق ليوناردو وولي في تنقيباته الشهيرة في مدينة اور ومقبرتها الملكية ، وهو الزوج الأخير للروائية الإنكليزية الشهيرة آجاثا كريستي كان قد تحدث في محاضرة له في المتحف البريطاني عن المعدان أعادهم الى الأصول السومرية من خلال قرائن عديدة تضمنت التشابه المعماري بين بيوت المعدان وبيوت السومريين كما رأيناها في الأختام والمسلات وجدران المعابد ،كذلك تشابه آلات الصيد والزراعة والنقش وغيرها من العادات ، كما أن الأثريات التي قام فيها وولي أظهرت أمكنة محتملة للطوفان الأول ،حيث أكد أن بطائح الجنوب العراقي حيث الأهوار هي التي عم فيها الطوفان كما أثبتت حفريات وولي ودراسته الجيولوجية لطبقات الأرض ،وما فكه علماء اللغة المسمارية الذين قدموا مع وولي.
غير أن ماكس مالوان لم يتعمق أو يغور في البحث ،لقد تحدث فقط عن إشارات لقوم يعيشون بطبائع خاصة لا يوجد لها مشابه بين شعوب العالم ، لكن ثيسكر ذهب معهم بعيدا وصنع لهم في الذاكرة العالمية كتابا مهما يتحدث عن حياة عاشها بصبر وتأمل مع هؤلاء البسطاء في حياتهم ، أصحاب الذاكرة العميقة والإرادة التي لا تنتصر عليها عناد الجواميس ولا فيضانات المياه ولا رهبة أساطير وغموض التلال الأثرية التي تناثرت جزرا وتلال بين مساحات المياه الممتدة بعيداً.
كان كتاب المعدان لثيسكر وثيقة حية ترصد السلوك الاجتماعي لشريحة من البشر ، لم يقترب من حياتهم قبله في هذا العمق أحد ، ويرى القارئ بين جنبات الكتاب روحا طيبة ومتأملة وعارفة للقيمة الإنسانية والتاريخية لمثل هؤلاء القوم ، ولو كان في مقدورنا أن نضع لهذه الحياة التي عاشها الرحالة مسمى آخر فعلينا أن نقارنه بكولومبس الذي اكتشف أمريكا وهنودها الحمر ، وفتحت بوابات العالم لمعرفة حضارات عظيمة في أمريكا الجنوبية مثل حضارة الازتيك ، وتلك التي وجودها عند سكان نيوزلندا الأصليين التي تمتلك مشابهات كثيرة مع حياة سومريي جنوب العراق ، فيما يخص الطبائع والعادات والطقوس الدينية.
فهو يبدأ مكتشفا المكان من خلال عين أدبية يسحرها المكان وجماله فتراه من أول انطباع يجد انه مشدودا لعام مبتكر وغريب وعليه أن يمضي معه بعيدا ،بعدما أجاد في وصف الانطباع الأول عن روح المكان ومعماره كما يصفها في كتابه المعدان والذي ترجمه المترجم العراقي ( حسن ناصر ) والصادر عن دار الشؤون الثقافية العراقية في بغداد 2005.
((غادرت العمارة في صباح من الأسبوع الأول من شباط فبراير 1951 استأجرت قارباً من المجر الكبير لأبدأ رحلة أميال الخمسة باتجاه بيت فالح بن مجيد عند حافة الهور. أبوه مجيد الخليفة كان واحداً من الشيخين الكبيرين لعشيرة البو محمد التي تضم خمسة وعشرين ألف رجل مقاتل . كنت آمل أن أُمضي بضع شهور في الأهوار ، فكان اقتراح ستيورات دوغالد أن فالح بن مجيد سيكون عوناً كبيراً لي . أنظر بين الحين والآخر من مكاني في القارب و كلما انعطفنا مستديرين لأرى إن كانت الأهوار تلوح في مرمى النظر. لكن النهر بلونه الطيني كان يجري في منبسطات ممتدة . منعطف آخر بعده يتفرَّق النهر . صف من مساكن القصب المبنية بإتقان يواجه المجرى الرئيس . كان هناك مبنى من الطابوق مستوي السقف مثل حصن يرتفع على الأرض الممتدة وراءه . لكن ما أدهشني أكثر هو البناء المقبب . المُسقّف ببُسُط ملونة . هناك عمود يرتفع ليكسر استواء خط السطح عند كل واحدة من الزوايا الأربعة حيث يقع المبنى بشكل بارز بين فرعي النهر))
وعلى مدى رحلات متعددة ومتفاوتة الأزمنة بدأت من عام 1950، وآخرها في عام 1973. كتب ثيسكر أشياءه بعناية عن أولئك الناس الذي يشعر قارئ الكتاب كم من الحب يمتلكه لهم ، وربما هو من فتح آفاق ولوج المكان من قبل الدارسين حين جاء من بعده رحالة بريطانيون وتحدثوا عن ذات الدهشة فألفوا كتبا عن هذا العالم الاستثنائي الذي يعيش فيه المعدان ، ويمارسون حياتهم بفطرة وسريالية ونبل دون أن ينتبهوا أو يحسبوا حسابا طارئا لكل ما يأتي فيه القدر وعلى قناعتهم يرسم الهاجس الأبدي ثبات الفكرة ، أن السادة العلويين والأولياء وأهل البيت ، والعلي القدير سيحميهم من كل مكروه ،لهذا حاولت مرات تفسير تلك النظرة التي رسمت خطوطها المشعة والذكية تحت أجفان معيدي في النزع الأخير ولم أجد تفسيرا حتى عندما ذهبت الى كتب فرويد وكارل يونغ لأجد المبرر الروحي والنفسي لتلك القناعة التي ملكت الرجل وهو يستقبل موته في هدوء.
أتحدث عن هذا في موقف كنت شاهدته عندما نمت ليلة صيفية في بيت من بيوت المعدان وعلى سوباط القصب الذي ثبتت دعائمه في الماء ،وارعبني اهتزازه من تلاطم الموج بدعامات القصب النحيفة حيث لم انم ليلتها فيما كان مضيفي وأولاده يغطون في نوم هادئ ولا يهتمون لأي شيء. وفي منتصف الليل ايقضنا نواح عال لمراة في جبيشة أخرى فهرع إليها الجميع وكنت معهم ،لنجد رجلا كبيرا توسط فراشا من القصب والقش وضع عليه أزار مطرز بألوان قاتمة ، فتركت انشداد الآخرين وجلوسهم حول الرجل المسجى وقد أضيء المكان بنيران حطب أشعلته المرأة لتنبئ البيوت البعيدة التي يفصلها عن بعضها مساحات من الماء بأن حادثا جللا قد حل في بيتها ، فبدأت القوارب والمشاحيف تتوافد مسرعة وكل مشحوفاً يحمل مشعلا من النار لتحاشي القصب الكثيف والممرات المائية المتعرجة التي قد تفضي في الليل الى أمكنة مخيفة وغامضة كالتي تشابه ما في تل حفيظ الذي يعتقد أهل الأهوار إن أرواحا تسكنه وتحفظ كنوزه حيث يعتقد أن فيه كنزا لملك قديم.

المانيا في 7 اكتوبر 2010






دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأهوار ( العطش بين قربة العباس ( ع ) .وبندقية عبد الله أوجل ...
- الناصرية بلد المليون عريف ........!
- فصل من رواية ( الشفاه تحرق الفلفل الأحمر)
- قمر لوركا ..قمر الناصرية ..قمر عينيك..!
- المطرب رعد الناصري رئيسا لوزراء العراق ....!
- شيء عن حضارة المجانين والقياصرة....!
- أيام الدشداشة* والخرخاشة* وسارتر ......!
- بَسْ ( أنتَ وحديقتكَ تصلحُ عطراً لأخلاقِِ هذه الأرضْ)..!
- شيء عن المطرب مسعوده العمارتلي ...
- الفرات المندائي ..........!
- كمال سبتي وأيميل آتٍ من البيت الأبيض..!
- أمهاتنا ( نعيٌ بطعمِ الدمعة )
- قبلة أمي وعينيك أهم من 11 سبتمبر ..!
- المكان المندائي..........!
- وجع ذاكرة المدينة
- متعة الأحمر بين شفتي الوردة والأنثى ......!
- منلوج الوردة روحانيات مهلهل
- إلى متى نرتهن بسخافة وسذاجة مانرى ......!
- اوباما ...رامسفيلد ..شوارزكوف ... نبيل شعيل ..!
- الأمريكان ذهبوا ...مالذي بقي ..؟


المزيد.....




- بعد السعودية.. الإمارات تستدعي السفير اللبناني وتصف تصريحات ...
- الأردن.. مستشفى ميداني عسكري ثان في قطاع غزة بمبادرة ملكية
- توب 5.. السعودية تستدعي سفير لبنان.. والسيسي يخصص 500 مليون ...
- بعد السعودية.. الإمارات تستدعي السفير اللبناني وتصف تصريحات ...
- الأردن.. مستشفى ميداني عسكري ثان في قطاع غزة بمبادرة ملكية
- علماء روس يكتشفون عقارا يمكن التحكم به بالضوء
- سيارات -لامبورغيني- تتجه نحو عالم المركبات الكهربائية
- أعمال حفر وتنقيب في مقهى بريطاني بحثاً عن رفات فتاة اختفت عا ...
- خالد داوود: عدد الموجودين في السجون المصرية ربما يقدّر بالآل ...
- العثور على -قرية مفقودة- تحت بحيرة في إيطاليا


المزيد.....

- بوصلة صراع الأحزاب والقوى السياسية المعارضة في سورية / محمد شيخ أحمد
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - نعيم عبد مهلهل - الأجانب والمعدان ..المنصف الحقيقي