أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميثم سلمان - قشور بحجم الوطن (رواية 8)















المزيد.....



قشور بحجم الوطن (رواية 8)


ميثم سلمان

الحوار المتمدن-العدد: 3022 - 2010 / 6 / 2 - 20:36
المحور: الادب والفن
    


تكلم المتصل بصوت رجالي خشن: "هلو مستر حسين. إني المخبر مارك. لدي معلومات جديدة بخصوص قضيتك فأرجو الاتصال بي بأسرع وقت. طاب يومك. باي".
انتفضت بغضب وهشمت ملامحي المزيفة المطبوعة على المرآة صارخا: "أنا محمد، محمد، محمد...".
سال خيط أحمر من بؤرة تتوسط المرآة. نقطة التقاء رؤوس مثلثات غير متسقة القوائم. تشظى وجهي على المرآة. فصار رأسي بؤرة موشور أطيافه أقنعة.
ملامح مجتزأة ومتعرجة ومتكسرة ومثلومة ومضرجة بدمائي. ملامح قلقة وحائرة ومزيفة ومرعوبة ومرتهنة ومهضومة ومعصورة ومتشققة ومغبرة ومحتقنة ببكاء يابس مر.
ماذا يجمع كل هذه الصور؟ هل هي النقطة التي تشبه صرخة، ويبدأ منها خيط الدم، وتلتقي عندها رؤوس قطع المرآة، أم وجهي المنفلق على سطح الواقع؟
واقع...
ماذا يريد ذاك الشرطي المعتوه؟ كلما يتصل بي يحرث خيال الرعب في أيامي. يوقظ وعيد وصورة القاتل. لا يتذكرني إلا ليقول كلامه المعهود: " توفرت لدينا معلومات عن وجود القاتل في المدينة هذه الأيام، فهل حاول الاتصال بك؟ لا تنسى أنك الشاهد الوحيد ضده وهو ربما يبحث عنك...".
سئمت هذا الهلع والتوجس والقلق والتزييف والضياع. لذا عزمت أمري ذاك اليوم على إنهاء لوعتي التي تدعى حياتي. طربت لهذا القرار وكأني عدت إلى نفسي بعد هجرة طويلة. هاجس الانتحار ما فارقني قط، لكني كنت اطرد لحظة التنفيذ، عكس هذه المرة حيث كنت عازما بقوة في المضي قدما للنهاية، فشعرت بالغبطة. ورحت استلذ بإدامتها. حتى تحسن مزاجي.
بعد تضميد يدي عمرت مائدة الشرب. قطعت الثوم والخيار بدقة وخلطتهما باللبن. عملت مثلثات متساوية من الليمون. استسلمت تماما للموت بل رحت أتهيأ له كمن ينوي حضور حفل. لا أربد استثارة شفقة الآخرين عندما يرون جثتي وشقتي، فقد يعلق احدهم: "مات هذا المسكين من وساخته". أردت إثبات أني اخترت هجرة هذه الحياة البائسة بكامل قواي العقلية وبكل أناقتي.
فحرصت على الظهور بأبهى ما يمكن من أناقة، ربما تأتي الجميلة كاندي إلى شقتي مع بقية الجيران ليروا جثتي. هذا التوقع أحتل خيالي فرحت أبالغ بالتزين. أخرجت البذلة الوحيدة لدي. نفضت عنها غبار السنين. حزنت لعدم عثوري على ربطة العنق.
وقفت أمام المرآة ثانية وبترت شعرات لحيتي وشواربي ورحت أبحث عن أي شعرة زائدة. اكتشفت أن هناك شعراً كثاً على أرنبة أنفي. كيف لم انتبه له للآن؟ فقررت إزالته بأي طريقة. صنعت كلابة من قطعتين معدنتين ووضعت الشعرات بينهما. نتفت معظمهن إلا واحدة لم أستطع لقطها. فكرت بشراء ملقط من المتجر المجاور عندما اذهب للحصول على أقراص التنويم.
كنت قد عزمت مرة على الخلاص من آلام اليقظة بتعاطي كمية من الحبوب المنومة. أقنعت الطبيب حينها بالأرق الطاغي على ليالي. لكني أرجأت التنفيذ. وبقيت محتفظا بالوصفة.
كنت أشرب وأعمل وأغني مستمتعا بوداعي للمآسي. نظفت الشقة التي تراكمت عليها الأزبال والغبار. غسلت كل المواعين ووضعت الملابس في الخزانة بعد أن كانت تنتشر في غرفة الصالة. ونقلت الكمبيوتر إلى غرفة النوم وكذلك البطانية والوسادة، حيث أني أعيش في الصالة، ولم أكن أدخل إلى غرفة النوم إلا نادرا.
رميت الكثير من الأوراق غير الضرورية. عطرت الشقة بعود من البخور، كان مهملا. ارتديت البذلة ولمعت الحذاء وذهبت إلى المتجر، وهو يحوي أيضا على صيدلية في داخله. فوجئت بأن الصيدلانية تتحدث اللهجة العراقية حيث كانت تتكلم بالهاتف لكنها أنهت المكالمة عندما وصلت. سلمت عليها بالعربي فردت بحرارة. أعطيتها الوصفة. أعتذرت عن صرفها لقدمها.
- ماذا؟ لكني في أمس الحاجة لها الآن.
الوصفة قديمة مر عليها أكثر من سنة. ولا يسمح ببيع أقراص المنوم بدون وصفة إلا تلك القليلة الفعالية، وبكمية محدودة. مما أضطرني لابتياع أنواع مختلفة من الأدوية مع بعض الحبوب المنومة من المسموح ببيعها.
أردت تسجيل وقائع الانتحار والبوح بقصتي ليعرف الجميع اللحظات الأخيرة لحياتي. استخدمت كاميرا فيديو كنت قد وجدتها في التاكسي يوما ما. تحتاج فقط لبطاريات. ذهبت إلى المتجر ثانية. فوجدت السيدة العراقية تحتسي قهوة، يبدو أنها في استراحة. انتهزت الفرصة للحديث معها، علي إقناعها ببيعي بعض حبوب المنوم القوية. سألتها:
- متى أتيت إلى كندا؟
- قبل عشرة أعوام.
- لوحدك؟
- مع أمي وأخي.
- من أين ؟
- من الأردن.
- هجرة أم لجوء؟
- لجوء فأبي معدوم لأنه شيوعي وكنا نعاني من مضايقات كبيرة.
- تبا لهم!
- ماذا نفعل يا أخي؟ قدر العراقي المعاناة. وهل تظن أن العراقي الآن حصل على السعادة بعد التغيير؟ تبدل النظام لكن القهر واحد.
- فعلا. قدرنا الألم. فللعراقي علامة فارقة في وجهه من أثر الوجع، وهو مجبول على الضيم.
- نعم أتفقُ معكَ فحتى لو هاجرنا إلى أبعد نقطة سنحمل بذرة المعاناة معنا. غربة مركبة وضياع هوية ووو.
- آه، هذا الضياع يا سيدتي يدعوني أحيانا لإنهاء كل شيء بالانتحار.
- ليس إلى هذه الدرجة. هذا ليس حلا.
- وما هو الحل برأيك؟
- لو كنت أعرف لرحل الهم والألم عني منذ زمن.
- ألا يحق لنا إنهاء القهر بالقضاء على مصدره، قتل الإحساس بالألم مثلا؟ خلع هذا الرأس الذي يترجم الغم والحزن.
- إنه هروب وضعف يا أخي. فالقوي هو من ينتصر على منغصات الحياة.
- حتى لو استطعت تجرع مرارات الحياة، كيف لي تحمل هاجس الانتحار؟
- بتجاهله مثلا. تكون للحياة لذة عندما يكون شخصا آخر ينتظرنا. إلا يوجد هناك من يحبك؟
- أنا وحيد إلى أقصى ما تتصورين. وهو ما يجعل الموت سهلا.
- علينا العيش رغم الألم، ونركز على ما نحتمله ونعشقه في حياتنا. علي أي حال، يجب علي الرجوع إلى الصيدلية فاستراحتي قد أنتهت.
- هل لك أن تسدي لي خدمة؟
- ما هي؟
- أريد شريطاً واحداً فقط من المنوم الفعال.
- لماذا لا تراجع الطبيب ليكتب لك وصفة جديدة؟
- ليس لدي وقت.
- آسفة، فهذا ممنوع.
- مهلا، ما اسمك؟
- عشتار. وأنتَ؟
- محمد.
اسمها والصليب الذي يتدلى من جيدها يجعلني اعتقد أنها ربما تنحدر بنسبها من السكان الأصليين لبلاد الرافدين، أو على الأقل هي من سلالة سكنت الوطن قبل سلالتي. قالت أن المعاناة بذرة نحملها معنا.. ما حقيقة معاناتها؟.. هل بسبب تحولها إلى أقلية مهمشة في أرضها الأولى بعد تنامي حشود الوافدين.. ربما تخوفت مني للبوح بذلك.. يا لقسوتي!
تلبستني صورة المستوطن الأول، البريطاني في كندا والعربي في بلاد الرافدين. فاعتراني شعور بالمقت لنفسي. مما زاد توقي لتحضير عقار للصداع المزمن، علاج لإنهاء سيرة القهر.
سيرة...
ألقمت الكاميرا البطاريات الأربعة، ونصبتها على منضدة الطعام لتغطي مساحة واسعة من الشقة. ضغطت على زر التسجيل: "إليكم جميعاً، المطحونين باليقظة، الباقين على ذمة المهزلة، أبوح سيرتي، سيرة الضياع:
انفجرت بالبكاء أول مرة على تراب بيتنا الصغير في أحد أحياء بغداد الفقيرة. ترعرعت مع العوز. أنمو والحرمان يتعاظم أكبر مني، حتى صار مثل ظل يفوق حجمي. نشأت مع الممنوعات المتناسلة. في كل يوم أراجع قائمة المحرمات تحسباً لما لا يحمد عقباه. علي حشر الرفض بين دفتي فمي متماهيا مع قطيع بارع بقطع لسان الأسئلة.
ولدت بذرة القرف والتمرد في ساعة مجهولة. لحقها هوس التذمر والحنق من كل ما حولي. فيما بعد صار لذة. أستلذ بتصوير نفسي في الضد مما يريدني عليه الآخرون. الخيال ميداني الرحيب، أثور فيه على التقنين، منزلقا من أحزمة الفرمانات والتنظيم والسنن. ارتع في أحلام يقظة غير منقطعة. حتى فاض كيس أحلامي. ينفلت، أحيانا، حلما خارج رأسي. أبوح به إلى صديق بوجل. تبعها انسراب أكثر، فأكثر، حتى أشهرت كل ما صنعته في رأسي من أحلام.
أرعبني البعض من مغبة مزاولة مشاهد التغيير حتى داخل قفص الأفكار، وآخر أنبني لمجرد رغبتي بمحو الأديان من التاريخ، آخر سخر من شطحاتي، آخر طالبني بالتنازل عن ذاك الحلم أو هذا لأنه راوده قبلي، آخر قذفني بالجنون، آخر هددني بإبلاغ أبي إن حلمت ثانية بوضع الحاكم وابنيه في قفص ودعوة الشعب للبصق والبول والبراز عليهم لخمس عشرة سنة الخ.
لا أعلن بما يعتريني إلا للمقربين. ثم جاءت ساعة تنفيذ أحد أحلامي. كنت في المدرسة عندما تملكتني رغبة الانتفاض على مدرس التاريخ، في المرحلة الثانية من دراستي الثانوية، أثناء زعيقه الذي يتطافر منه السباب والوعيد والزيف. "مدرس أنت أم جلاد؟"، صرخت وأنا أقذف الكتاب في وجهه. صورته وهو يجاهد لنبش أنياب غضبه في جسدي المرتعش لا تضاهيها بشاعة إلا وجه المجرم الكندي وهو يسعى لاصطيادي.
لم أهتم للطرد النهائي من المدرسة قدر خوفي من مواجهة أبي لتقديم تفسير مقنع عما فعلت. لا تبرير يرضيه. بل لم أكلف نفسي حتى عناء إيجاد عذر، حيث لا طريق ثالث لي سوى تحمل جلداته أو عدم الرجوع إلى البيت. ليس من مأوى، فتحول جلدي إلى رقعة من جلد الحمار تحت سياط دباغ حانق. أغشي عليّ أو ربما كنت أصرخ في كابوس، لا فرق، فأبي لا يكف عن الضرب إلا بعد أن يهلكه التعب.
هددني بالطرد من البيت إن لم أجد عملا ما. وافقت على مضض. فالعمل عندي أسوأ من المدرسة. عملت نجارا لعدة سنوات حتى شبت أوار الحرب لتخنقني حبال العسكرية الإلزامية، الأيام الأتعس في تقويمي. فهي تخلو من أي معنى عدا الذل والموت. كنا مجرد حصى يقذفون بها العدو، قطع شطرنج تعرقل زحف الأعداء ليرتع الملك في عرشه، وبعدها نكون رقما في سجل الضحايا. ويحدث ذات الشيء في القسم الآخر من الرقعة.
كان الذود عن تراب الوطن يستثني أصحاب السلطة والحزب والدنانير، فهم يقضون أيامهم العسكرية في الأماكن الآمنة والمحصنة. أما نحن، من ليس لهم لا ناصر ولامعين مادي، فوقود سعير المعارك.
كنت ضمن مجموعة من الجنود نحرس خندقا في الجنوب عندما هاجمتنا الطائرات الإيرانية فأحالت ليلنا إلى قيظ كالجحيم. هربت مع صديقي علاء إلى برية شاسعة لا تقل رعبا عن البرية المتجمدة في تلك الليلة المشؤومة. أنهكنا الركض والمشي فافترشنا الفلاة.
في صباح اليوم التالي عثر علينا بدوي. أثرنا شفقته فمنحنا فرصة العمل مقابل الأمان. كلما تأتي دورية عسكرية لتستطلع خيم البدو نتنكر بزي ما. مرة نلتحف بجلد خروف غير مدبوغ ونقرفص وسط قطيع الغنم، وأخرى نرتدي زي نساء ونتظاهر بإعداد الطعام الخ.
وافقني الشيخ بأن نحفر ما يشبه الملجأ وراء الخيمة ونسقف ثلاثة أرباع فتحته بلوح خشبي يغطيه التراب. تركنا فتحة صغيرة تكفي لدخول رجل منها وغطيناها ببوابة عبارة عن قطعة فرو لونها مغبر، رششناها بالماء ومن ثم الرمل حتى صار لونها ترابي.
صارت الحفرة مأوانا. يستشعر البدوي الطيب قدوم الغرباء لنهرع إليها ونغطي الفتحة بالبوابة، ولا نخرج إلا بعد سماع كلمة، أمان. لم تكن فجوة الإخفاء مكان آمن لنا فقط بل أيضا لأبن البدوي المراهق. يعتكف فيها عند ممارسة العادة السرية. حدث مرة أن ركضنا أنا وعلاء إلى الحفرة فوجدناه هناك يصفق بكلتا يديه السمراوين الخشنتين على لحمه، غير آبه لحبات الرمل المنهالة عليه. أفسدنا عليه متعته. تجمد في مكانه واختلط عرق الخجل بعرق قيظ الصحراء. علمناه طرق أخرى أكثر إنسانية ومدنية لتلك الممارسة.
يشم الشيخ البدوي رائحة الغرباء على بعد مئات الأمتار ويقرأ طرق الصحراء وكأنه يقرأ في راحة يده. كان معجونا مع رمل الصحراء. لا يعرف المفاجأة فقد خبر الحياة وعركته مصائبها. كل ما يراه يبدو مثل تجربة سابقة. التجوال في الصحراء تعني له الحرية المطلقة، والمدينة تخنقه مثلما القانون والسلطة، وهذا احد أسباب مقته لها. أما نحن فكان قرفنا يتفاقم تدريجيا من العيش في خيمة وسط عاصفة رملية. مما دعا علاء للمجازفة باختراق الصحراء راجلا إلى اقرب مدينة.
نصحته بالتريث وانتظار الفرصة المواتية لكنه أبى. دله البدوي على الطرق الآمنة لعبور الفلاة. أوصيته بالذهاب إلى أهلي إن حالفه الحظ باجتياز نقاط التفتيش التي تحكم قبضتها على مداخل المدن والمنتشرة داخلها كالفخاخ.
بعد عدة شهور لغيابه ارتفع في أيامي منسوب القرف من تلك الحياة، وكذا الشوق إلى أهلي. "عقارب الصحراء أرحم من الانضباط العسكري"، حذرني البدوي. رجوته لإعانتي على رحلة الذهاب إلى بغداد. أوكل المهمة لأبن عمه الذي يذهب أحيانا إلى العاصمة لبيع الماشية. أخفاني مع الغنم في سيارة الحمل المكشوفة. قبل وصولنا إلى نقطة التفتيش يخرج هذا البدوي عصاه ويضرب فيها سقف الشاحنة بقوة كإشارة متفق عليها كي أتلحف بقطعة فرو واندس بين الماشية. لحسن الحظ أن رجال الأمن يعرفونه ويثقون به.
وصلت إلى البيت مساءً بعد رحلة مهلكة ومميتة. فتح أبي الباب ولم يتعرف علي فورا لارتدائي دشداشة وعقال وتحول وجهي إلى قطعة يابسة ومتشققة من خراء البعير. عندما أكدت لهم أني محمد شهقت أمي برهبة من يرى جثة تقوم من القبر. ثم سقطت مغشيا عليها. أجهشت أختاي بالبكاء وكذلك حسين الراقد على فراش الموت.
لم أعِ حينها سر هذا الاندهاش، فقد ظننته من فرحة اللقاء. لكن أبي الذي كان يعتريه شعورا متضاربا قال: "جابوا تابوت بيه عظامك ودفناها، وسوينة فاتحة".
- علاء صديقي ما أجاكم!؟
عرفت فيما بعد أن علاء لم يأت حتى لأهله الذين تلقوا تابوتا فارغا. حسبت قيادة الجيش أن كل من في الخندق قد انصهر من قوة الانفجار.
قلت لهم بأني لن ارجع أبدا إلى ساحة النسف الرهيب. رحب أبي بذلك فهو قد تمتع بكل حقوق الشهيد. إضافة لخوفه من انتقامهم عندما يعرفون إنني كنت هاربا ولست شهيدا. تحتم علي البقاء محبوسا في البيت، حتى الجيران يجب أن لا يعلموا بالأمر.
بقيت بجوار أخي حسين الذي يعاني من مرض مزمن في قلبه، وكان حينها يقضي فترة نقاهة بعد إجراء عملية جراحية. منحتنا العطلة الصيفية حينها وقتا أكبر للثرثرة ولعب الدومينو.
تعلمت من حسين الكثير وأصبت بعدوى الولع بالتاريخ، وعشق أخبار الماضي، مجال دراسته الجامعية في كلية الآداب. رحت أجلس لساعات مستمعا لحسين الذي يقص عليّ القصص التاريخية عن العراق. وشجعني على قراءة مناهجه الدراسية، والكتب التاريخية المتوفرة في مكتبته. كلما أنهيت قراءة كتاب تعمقت شكوكي بالحقيقة. غوصي في التاريخ يزيد من غشاوة الرؤية.
صرت مغرما بتاريخ البقعة الأرضية التي تدعى العراق. أستمع بشغف لمحاضرات حسين عن أوجاع ذاك المكان على مر التاريخ. رأيت البلاد في جسد حسين المتهاوي والمنخور بالمرض.
عاودنا اقتسام الغرفة. قبل أن نغط في نومنا يقص لي حسين الحكايات عن العراق. يأتي صوته بطيئا، متلكئا، حزينا تغلفه ظلمة الغرفة. لا أغمض عيني كي أقبض على ذاك الصوت بنظري وسمعي.
في صباح مفعم بالأنين فجعنا بموت حسين. يبدو أن العملية لم تنعش قلبه طويلا ليكف عن رش زهور روحه بماء الحياة، فتبخرت. كان الزمن يجري سريعا فحاولت استباق القدر بمواجهة أبي بطلب أرعبه أول وهلة لكنه اقتنع بعد إلحاحي. قلت له: "انتم بكيتم بما فيه الكفاية علي وفي نظركم ونظر الناس والحكومة أني ميت، فلماذا لا أعوضكم عن حسين؟".
كان أهم ما يشغلني حينها هو الحصول على وثائق حسين كي يتسنى لي الخروج من الحبس. لكن المشكلة الكبيرة التي واجهتنا هي دفن الجثة، بعد دفننا خبر موته في صدورنا. صار البيت لا يطاق من رائحة الموت وساعات التفكير بالحل نفذت. جاء اقتراحي كالرعد على مسامع الجميع: "ندفنه في الغرفة".
بعدة ضربات قوية بالفأس أحدثت فتحة في البلاط ثم رفعت كتل كبيرة منه من مساحة تصل إلى نصف الغرفة. أزحت الطابوق المهشم المفروش تحت الأسمنت وبعدها حفرت الجدث. ساعدت أبي على التغسيل والتكفين. كفناه بشرشف أبيض.
كانت الرائحة تفسد البيت مما جعل أختي تحرق كمية كبيرة من الحرمل لطرد عفونة الجثة والنتانة المنفوثة من جسدي، فقد عملت بجهد متواصل ومضنٍ في غرفة صغيرة بشباك موصد.
وضعنا الجثة في الحفرة التي لم تكن عميقة وأقمنا صلاة الغائب. أطرقت رأسي طوال وقت الصلاة، لا أقو على النظر باتجاه الجثة، كان يقرض في صدري جرذ تأنيب الضمير. وفي المرة الوحيدة التي استرقت النظر إليها، حسبت لوهلة أن الرأس يتحرك فأوشكت على الصراخ، لكن تمالكت نفسي. عندما فرغنا من الصلاة سألت أبي: "هل رأيت حركة الرأس".
- أنت واهم، الجثث لا تتحرك.
ظل وهم دفننا لحسين حياً يطاردني. تخيلت أحيانا أني أسمعه يقص عليّ أخبار العراق من قبره. رافقتني الكوابيس لسنين عدة لا سيما عند نومي فوق القبر.
توسلت بأختي استبدال غرفتينا. لا جدوى، هذا أكبر من مستحيل. وافق أبي وأمي مكرهين على أخذ غرفتي. في ذات الليلة التي نامت فيها أمي فوق القبر فزعت تصدح بأعلى صوتها أثر كابوس رأت فيه رأس حسين يخرج من تحت الأرض ويحاول الرضاعة من صدرها. كادت صرخاتها أن تفضح السر، فقد سمع عاشر جار الصراخ.
صرت أنام في غرفة الجلوس لكني اضطر أحيانا للنوم في تلك الغرفة عندما يأتي ضيف من محافظة أخرى، ويضطر للمبيت. يتكرر ذات الكابوس: أياد أخطبوطية عديدة تبزغ من البلاط لتخنقني يرافقها صوت حسين الحزين وهو يكح بصوت مدوٍ ذي صدى.
لم أدرك أن مواجهة الناس بكوني حسين هي أصعب آلاف المرات من دفنه في غرفتي، و نقل النفايات الثقيلة، وتبليط أرضية الغرفة، والنوم فوق قبر. كان علي تقليد كل شاردة وواردة من طباعه، والمهمة الأصعب كانت محاولة تقليد طريقته في الكلام.
كل من يستغرب لسلوك جديد على شخصية حسين أتحجج بأن المرض غيرني كثيرا. لا بد من تصديقي فالتقارب الكبير في مواصفاتنا، وارتداء ملابسه، ومطابقة هيئته بإطلاقي اللحية والشارب وتقليمها بنفس الطريقة، وتصفيف شعري مثلما كان يفعل، كلها عوامل تركل الشكوك.
قابلت كل أصدقاء حسين بجفاء متملصا من احتمالية إحراجي باستفسارات لم أكن مطلعا عليها رغم أنه حكى لي الكثير عن تفاصيل علاقاته. سخرتُ معظم وقتي للدراسة للاحتفاظ بوثائق حسين الرسمية لتنجيني آفة الحرب.
تحتم على جميع العائلة الإيمان المطلق بكوني حسين وليس محمدا، ولا توجد جثة في تلك الغرفة. كان عليهم شطب القبر من ذاكرتهم، ومحو تلك الليالي التي جاوروا فيها جثة ابنهم مترعين في حيرة البحث الدامية عن سبيل لدفنها. نادوني بحسين دائما حتى داخل البيت كوسيلة لتصديق الوهم.
أشد ما أفزعني وجرني إلى سؤال الهوية هو صورتي المعلقة في غرفة الجلوس والمؤطرة بالسواد، والمرآة كذلك. كنت أجاهد بسحب وعيي إلى كذبة موتي. اشحذ همتي بمواصلة إلصاق قناع بملامح حسين على وجهي لئلا أخفق بمواجهة نفسي في المرآة. خلافه يعني فقدان وثائق حسين، وضياع كل شيء مما يعرض الجميع للخطر.
بعد سنين عدة تمكنت من رؤية صورتي المعلقة، والتخيل بأنه أخي المسكين الشاب الذي ابتلعته الحرب. وحتى أعيش بسلام مع ذاتي الجديدة عزمت على زيارة قبري تاركا أهلي في دهشة عارمة.
كلما اقتبس صفة من شخصية حسين أهيل التراب على روحي التواقة لليقين. أما محاكمة المرآة فعالجتها بتجنب النظر إلى عيني مباشرة، أنظر إلى وجهي بشكل خاطف متجنبا التشخيص والتركيز.
عملت كمدرس تاريخ لفترة قصيرة في إحدى مدارس بغداد الثانوية. وفور فتح منافذ البلاد، سافرت إلى الأردن ثم إلى ليبيا. جمعت بعض المال وذهبت إلى إيطاليا في قارب تهريب. حُشرت فيه مع أكثر من خمسين فردا أغلبهم عراقيين بشتى الأعراق والفئات العمرية. قارب يضيق بناسه، قد تقلبه الأمواج في أي لحظة. كل مثقل بذاكرته وهمومه وماضيه لكن الذي يربط الجميع هو هوس النجاة والعيش بأمان.
كل عقبة أجتازها توصلني إلى عقبة من نوع آخر. اهوي في قاع جديد كصخرة سيزيف كلما حسبت أني أمشي إلى الإمام. هناك وديان تغص بالثعابين والوحوش المفترسة وأخرى بالأدغال والوحل. وادي ايطاليا كان مليء بالرعب من القبض علي.
تعرفت هناك على تاجر تركي. ساعدني كثيرا. أرادني زوجا لابنته التي شبت عن طوقه، حيث تطبعت بطباع الإيطاليين مما يحرمه أباها المسلم. كانت تدخن وتسهر مع صديقاتها وتأتي قبل الفجر إلى البيت. تصرخ بوجه أبيها كلما حاول معاقبتها مهددة إياه بإبلاغ الشرطة ضده إن مسها.
عجز الرجل عن إخضاعها لطاعته فكان يريد تزويجها لأي مسلم لينتهي من مشاكلها، وينأى بنفسه عن لوم الآخرين وشماتتهم. كان يظن أنه سينقذني أيضا بتلك الزيجة بما ستوفره لي من وثائق رسمية للبقاء والعمل بدون مشاكل قانونية.
رفضت طبعاً. فضلت العيش متهربا من السلطات الايطالية على أن أتهرب من نظرات السخرية. شعرت بعدها بجفاء تعامله معي، وتحين فرصة إهانتي على أي صغيرة ارتكبها مخطئا في العمل. لم يطردني لكن سلوكه الفظ يترجم نواياه. تركت العمل عنده لأغط مجددا في وحل الخوف والعوز، فرجعت ثانية إلى ليبيا في طريقي إلى الأردن في رحلة لا تقل خطورة عن سابقتها.
كل ما كنت أحصل عليه في الأردن عندما اطلب العمل هو: "يعطيك العافية"، فضلا عن قصر فترة الإقامة، وتزايد أخبار قنص المتجاوزين العراقيين من قبل الأمن الوقائي الأردني لتسليمهم إلى السلطات العراقية. العودة إلى العراق تعني الجنون أو الموت. فكنا أرقاما تأكل وتتغوط وتنام وتطبق تعليمات النظام. مما جعلني أسلك طريق الأمم المتحدة الذي لم أحبذه في البدء. وبعد انتظار مشوب بالمعاناة حصلت على حق اللجوء. اختاروا كندا كموطن آمن لي.
في كندا حصلت على شيء لم أره سابقا في أي مكان سيما في بلدي: احترام إنسانيتي والأمان والحرية ومساعدات مادية خلال السنة الأولى وفرصة مجانية لتعلم اللغة الانكليزية وتأمين صحي.
لكنها كانت واد جديد أطأه يعج بالضياع. غربات شتى تنازعت على روحي: مكانية، لغوية، ثقافية، بيئية الخ. تتلاقح منتجة غربة هجينة تحمل لوعة الأخريات لكن لها مرارتها الفريدة، القاسية، وتفصل جسدي الواهن عني. تعزلني عن جسدي الذي يقضي يومه بآلية مقيتة، وينطق لغة أخرى لا تمثلني، ويجاري أناساً، أحيانا، لا احتملهم. أمشي محشورا في صرة عامرة بالأسمال السميكة، تغطيني من هامتي حتى أخمص قدمي، تحيلني إلى مومياء تتجول بوجل في شوارع تعج بالزمهرير. غربة الذات التي تشبه الفصام الأعظم، تستحق منحها لقب أم الغربات، أنتجت هواجس أسئلة تشبه الوجع المزمن: كيف يمكن إزالة طبقات من غبار التنكر التي تدهن وجهي بتراب الأمكنة والتاريخ، وتدفن ذاتي عميقا لتضمحل وتتلاشى؟..ألا تنقشع هذه الهالات المغبرة المتنوعة التي تلفع رأسي؟.. متى أتقيأ هذا الركام من الهم؟
ماكف النحس يشق طريق حياة قضيتها أنتج أحلاما لتبرير العيش يوما آخر، أن أحلم يعني أني املك أملا بالغد. أرنو ليوم جديد عساه يمنحني قوة تنفيذها كعلاج أحقن به قامتي لتنشيط الأمل والإطلالة برأسي على الغد. لكنها تتحول إلى طحالب مميتة لانعدام النور والهواء. أحلام متناسلة محشورة في خانة رطبة مظلمة لم تعرف الشمس. أطنان من الرغبات والشهوات المؤجلة على مر آلاف الأيام. متعة الحلم القصوى هي أثناء صناعته، بعدها تصدمنا آهات المستحيلات.
تغرس الفاجعة مخالبها في أيامي منذ صرختي البكر، والظلام البارد المنقوع بالقلق ومرفقات الرعب يستشري في ثنايا أنفاسي. حقا أن أطوال أجسادنا تتناسب عكسيا مع الوجع. فكلما تراكم الألم قصرت أجسادنا، حتى نغور عميقا في تراب الأنين. لطالما غصت في رحم الأرض من شدة القهر. لم أعد أحتمل استنشاق هواء مزيفا فقط لأكون في عداد الأحياء.
هناك خلية غير ملموسة تحوي شفرة ذاتي. هي الأهم في داخلي لكنها معطلة لاختناقها تحت طائلة أقنعة صدئة. إن ماتت فلا معنى لإنعاش بقية الخلايا. لم أقوَ طوال بقائي حيا على منح ذاتي حظوة الحضور التام إلا الآن في مشهد الاعتراف الأخير أمام كاميرا تسجل ما تبقى لي من ساعات.
لا بأس بإطالة نشوة صناعة الحلم بالعقاقير. حلم لا يقطعه زعيق السنن وفرمانات الملل والنحل والغربات والتشظي والمستحيل. ليس من منافس، ولا إطارات مزيفة تشوه سحنتي. حيث أشخص بنصاعة ملامحي الأولى. إنه حلم يمتد على كامل الأبد.
إكسير الحلم الأبدي يجب أن يكون لذيذا وفعالا، لنرتع فورا في أحلامنا الطويلة بلا احتضار. قطعت بعض الفواكه الباقية في الثلاجة، قطعة صغيرة من البطيخ وموزة وتفاحة صفراء. وضعت مكعبات من الثلج في جهاز الخلاط مع الفواكه مخلوطا بقليل من شراب الجن الذي كنت احتسيه تلك الليلة. ثم فرطت كل حبات المنوم ورميتها في الدورق الزجاجي. صببت فوق الخليط شراب قليل المفعول لعلاج النزلة الصدرية وآخر لآلام المعدة والسعال.
ضغطت على زر تشغيل الخلاط فدار العصير كدوامة بحر مخيف بألوان عدة. راقبته بصمت وهو يمتزج في لون رمادي كثيف. انتظرت انحلال أقراص المنوم في العصير قبل احتسائه. تخوفت من احتمالية كون العصير ضعيف الفعالية، فشرعت أبحث عن علاج آخر ولم أجد. لكني عثرت على قطعة صغيرة مكعبة الشكل من مادة سامة كنت قد استخدمتها بطلب من مسؤول العمارة للقضاء على فأرة ظننت يوما أني لمحتها. كانت قطعة السم سالمة، ومحافظة على لونها الأخضر فرميتها في الخلاط.
بينما كنت أصنع حساء الحلم البارد أخذ الكحول ينقي ذهني ويدفعني لأحلق في أعماقي. تعريت حيث لا يمكن الغوص في بحيرة الباطن إلا بعد الخلاص من الملابس والآخرين. تعريت تماما، ونزعت القدم البلاستيكية. ثم ملأت كأسي وصحت بصوت رج كل أركان العمارة: "على نخب حسين.. نخب العراق المدفون بالقشور..الأرض المغتصبة.. نخب الهجرة الدائمة.. نخب تلاقح الأقنعة.. تشظي وجهي.. وداعا أيتها اليقظة القاسية..".
يقظة...
استيقظت ممدا على سرير في مستشفى المدينة، تربطني بالحياة أسلاك تتوغل في جسدي الهامد. رمقت الغرفة بنظرات تفحص، عاجزا عن تفسير ما يدور. هل كنت في الفردوس لأن ثمة ملاك بعينين زرقاوين تمنحني ابتسامات منعشة. لا، كنت حتما في جحيم الحياة لأن هناك رجل لا تفرق بين وجهه ومؤخرته، يسألني بلهجة المحقق: "كيف تشعر الآن؟".
حركت فقط رأسي يمينا ويسارا. كتمت رغبة قوية بالصراخ، لكني استبدلتها بطلب الماء باللغة العربية. فقد غابت من ذهني تماما الكلمات الانكليزية. رددت بهدوء وكأني أحاول التدرب على الكلمة، ومستذكرا بالوقت نفسه معناها باللغة الانكليزية: "ماء، ماء، ماء ..".
بعد أكثر من أسبوع في المستشفى وأسبوعين في مركز الرعاية النفسية رجعت إلى البيت محملا بوصايا وتحذيرات جمة: تجنب تعاطي الخمر وأقراص التنويم والمهدئات بشتى أنواعها والسجائر، ممنوع الحزن ومتابعة أخبار البلاد والإجهاد بما فيه المشي لمسافات طويلة، لا تتناول الحمضيات والدهنيات والبهارات الخ.
وجدت شقتي مخنوقة بنتانة الهواء المعجون برائحة الغائط والقيء. كانت الكاميرا موضوعة في مكانها لكنها خامدة فالبطاريات قد نفذت. تفرجت على الفلم الذي صورته لنفسي. عرفت أنني بعد كرعي لكأس الموت رميته صوب الجدار وجلست على الكرسي ممسكا ببطني. ثم خطيت بضع خطوات باتجاه الحمام ولم استطع، فركعت وبدأت أتقيأ. رحت أتلوى من الألم صارخا وضاربا بكلتا يدي على الحائط. جاهدت للوصول إلى المطبخ زاحفا حيث هاتفي النقال يقبع على الكاونتر. فلت جهاز الهاتف من يدي. دفعت الخلاط الزجاجي في محاولة التقاطه مما أحدث ضجة في الشقة زادها تساقط بعض المواعين على الأرض. بعدها أخذت أتطوى كأفعى تلتف حول نفسها ولا يغطيني سوى القيء والبراز والبول. في أثناء ذلك كانت أياد كثيرة تطرق على باب شقتي. دخل مدبر شؤون العمارة مغطيا أنفه بيده يتبعه بعض سكان الشقق المجاورة. وكان من بينهم الجميلة كاندي وهي تمسك بيد صاحبها. فزعت مرعوبة لرؤيتها جسدي العاري الهامد كجثة، والمكسي بفضلاتي. خرجت من شقتي بعد تبادلها بعض الإشارات مع الشاب الوسيم. فهما أبكمان، هذا ما تأكدت منه فيما بعد عندما تجرأت وحدثتها.
تألمت لرجوعي إلى لجة الحياة، أو يقظتي ثانية في عالم أكثر تعاسة من السابق. قررت الصمت وعدم التحدث إلا باللغة العربية، مصرا على أني محمد. محاولة يائسة للتخلص من بعض الأقنعة. لكني كنت اقرأ في نظرات الآخرين الشفقة على حالي، أو ربما الاعتقاد بجنوني.
لا يهم، فهم يجهلون حقيقتي. لكن كيف لي إثباتها؟ الحقيقة جثة أكلها دود التاريخ. وحتى لو أخرجت جثة حسين فستكون مجرد عظام بلا ملامح. من سيؤكد أنها حقا لأخي حسين؟ كما يتعين عليّ إخراج جثتي أيضا لإثبات أنها مجرد كومة عظام مجهولة الهوية. من يا ترى سيصدق حكايتي؟
لم يبق من عائلتي إلا أخت واحدة، أرملة ولديها أربعة أولاد وبنتين. لا أعرف مدى استعدادها لمعاونتي بكشف سر العائلة. هل تقوى على الاعتراف أمام أبنائها بمشاركتها دفن أخيها في غرفته وسلب هويته؟
حسمت أمري أخيرا على المحاولة. هي الوسيلة المثلى لكنس طبقات الغبار المتراكمة على سطح الحقيقة. ماذا سأخسر؟ كنت قد تخليت تماما عن ممارسة الحياة، فماذا يخيفني بعد؟ لكن أين رقم هاتف أختي؟ اذكر أن ابنها اتصل بي بعد الحرب مباشرة ليبشرني بنجاتهم وفرحهم لسقوط تمثال المآسي، ويخبرني مندهشا بحصوله على هاتف نقال يمكنه الحديث به مع شخص في كندا حتى وهو على عربة يجرها حمار. سمعت بعدها صوت بكاء أختي لأول مرة بعد أكثر من عشرين سنة، لم تقل شيئا، فقط تبكي.
اتصلت بعلاء ابنها، وأخبرته بموعد وصولي. استقبلتني أختي وابنها في محطة الحافلات الدولية في السنك. علمت ببيعها البيت عندما أبديت استغرابي من عدم ذهاب سيارة التاكسي إلى المنطقة التي ولدت فيها. بينت أختي من المقعد الخلفي: "البيت صار مثل القبر بخلافكم". جاوبتها بسخط يشوبه الخيبة: "لكن آني أريد أنبش هذا القبر".
لم يفهم ابنها علاء الذي يجلس بقربها، ولا السائق الغريب المنهمك بضبط مسافة المائة متر خلف المدرعة الأمريكية.
توسلت بعلاء أن يصطحبني إلى البيت كي أحاول إقناع صاحبه بالحفر في إحدى غرفه. وافق على مضض فقد كان يرفض مرافقة مجنون أتى من الطرف الآخر من الكرة الأرضية ليذهب إلى بيت غرباء كي يحفر في إحدى غرف بيتهم، وفي زمن يكتظ بشتى معاني الرعب.
صعقت لرؤية البيت وقد تهدم للتو، بينما علاء لم يبد أي دهشة، كمن ألف هذه الحوادث.
- من دمر هذا البيت؟، سألت الناس المنشغلين بإخراج الجثث من تحت الأنقاض.
- صاروخ مجهول المصدر، ربما من السماء أو الضفة الأخرى أو ربما الجيران. فلا أحد يعرف مصدر النيران هذه الأيام، قال أحدهم.

انتهت
أدمنتون 2010






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قشور بحجم الوطن (رواية 7)
- قشور بحجم الوطن ( رواية 4-5-6)
- قشور بحجم الوطن (رواية 3)
- قشور بحجم الوطن (رواية 2)
- قشور بحجم الوطن (رواية1)
- غرائبية معقولة
- نصوص
- نص
- قنينة صور
- القراصنة مازالوا هناك
- قصص قصيرة جدا
- تقديس الأشخاص عند المسلمين
- قصة قصيرة
- قصص قصيرة جداً
- ارق ازلي
- انحياز الفضائية العراقية
- حلول تنتج مشاكل
- نحو حوارً متمدن
- الاربعاء الاسود
- فيصل القاسم وحكايات جدته العجوز


المزيد.....




- مصر.. مصدر طبي يكشف تطورات الحالة الصحية لسمير غانم
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويلات الصغيرة ...
- مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق بالتمويلات الصغيرة ...
- مجلس الحكومة يصادق على مقترحات تعيينات في مناصب عليا
- بوريطة يتباحث مع نظيره الغابوني
- ألمانيا تعارض خطة أمريكية للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية لل ...
- لوبس: العبودية تاريخ فرنسي.. آن لقصة نانت مع تجارة الرقيق أن ...
- -فكرة طاش ما طاش-... السدحان يعلق بمشهد كوميدي على أزمة الصا ...
- ألمانيا تعارض خطة أمريكية للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية لل ...
- الفنان السوري وائل رمضان: تعرضت لهجوم مسلح


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ميثم سلمان - قشور بحجم الوطن (رواية 8)