أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الخميسي - ثورة يوليو .. بهجة التاريخ














المزيد.....

ثورة يوليو .. بهجة التاريخ


أحمد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 913 - 2004 / 8 / 2 - 13:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عشرة أعوام هي تقريبا عمر ثورة يوليو الحقيقي منذ بزوغها إلي نكسة 1967 . وما هي عشرة أعوام ؟ لا شئ بقياس الزمن . ومع ذلك كانت تلك الأعوام بهجة التاريخ المصري كله ، البهجة التي انقضى على ذكراها 52 عاما .
حين قامت الثورة كان عمري أربعة أعوام . كل ما أذكره حينذاك أن أبي كان بعيدا عنا ، معتقلا ، وأمي تعمل مضطرة في مدينة نائية ، ونحن في رعاية جدي وجدتي. عام 53 خرج والدي فانتقلنا من شارع السروجي في الجيزة لنسكن في شارع مجاور. وكان عندنا راديو فيلبس في الصالة منه عرفت أن بلدا اسمها الجزائر تقاوم الاحتلال ، وأن ثورة يوليو تقدم الدعم لها . ولم يمض وقت حتى قيل لنا ونحن صغار : لا تأتوا إلي المدرسة ، فقد قامت الحرب . كنا نطوف حول مبنى مدرستنا لنتفرج على العساكر المصريين جالسين في فنائها ينظفون بنادقهم ، ويأكلون . أية حرب ؟ العدوان الثلاثي ضد مصر . واستهوتني صورة البنادق على الأرض ، فكنت أحمل طعامي وأنقله إلي العساكر في مدرستي لكي يدعوني أتفحص البنادق . وبعد أيام هرولت مع باقي العيال إلي حقل غير بعيد حين سمعت أن الأهالي أمسكوا بجندي إنجليزي كان يهبط بالباراشوت . ومنحتني البنادق وصورة الجندي الأشقر المضطرب بين أيادي الأهالي شعورا عجيبا بقوة بلادي . بدءا من عام 1960 انشق نهر الثورة الواحد ليصب في نهرين : صوت عبد الناصر القوي ونظرة عينيه الصريحة المخلصة وعالم الإنجازات الباهرة ، وعالم آخر من حكايات سرية عن هول التعذيب في المعتقلات ، والعسكري الأسود ، ودموع عائلات كثيرة . وتضافر الليل والنهار في إحساسي بالثورة . لغز هذا الشعور المركب لم أستطع أن أحله إلي الآن . المؤكد أن إحساسي بأبوة عبد الناصر لم يفارقني لحظة ، الأبوة التي تحتد عليها وتعاتبها بل وتثور في وجهها لكن في ظلها وعلى أساس وجودها من أجل تعديل العلاقة لكن ليس هدمها . عام 1966 بدأت ظلال القضبان تمتد إلي أبناء جيل الستينات من شعراء وكتاب ونقاد . ثم تمزق الجميع بطعنة النكسة . عام 1968 دخلت إلي المعتقل وقضيت نحو عامين ونصف العام . ولم يفقد عبد الناصر أبدا قدرته الهائلة على أن ينقل لمصر كلها شعورا بمسئوليته عنها ، وبأبوته ، وجديته . وكان الحزم القاطع الذي يبدو على وجه عبد الناصر والصرامة التي اكتسبتها تقاطيع وجهه تغدو ترنيمة سيالة بأحلام الثورة في صوت عبد الحليم . كان عبد الحليم حافظ نقطة الرقة في قلب عبد الناصر ، وكان عبد الناصر نقطة القوة عند حليم . وملأت الأغنية القوية والرقيقة الجو كطائر ابيض ضخم بأن مصر ترتقي ، وتعلو ، وتتحدى ، وتهتف بصوت عبد الناصر النحاسي الرنان " فليشربوا من البحر ". وشاعت كالنور أمنيات لم تفقد ألقها : أن يكون لكل فلاح قيراط يزرعه ، وأن يغدو لكل عامل نصيب في مصنعه ، وأن يمسي خير بلدنا كلها للشعب .. كله بأجمعه ! وكانت صورة عبد الناصر وراء كل تقدم : الاستقلال والتأميم والسد والتصنيع والتعليم المجاني والتنمية . وأذهلني فيما بعد أن أعلم أن عبد الناصر كان قلقا إلي أقصى درجة إلي حد أن أحد رجال المخابرات السوفيتية كتب بعد لقائه به:" كانت أظافر يدي عبد الناصر مقروضة حتى اللحم" . متى كان يأكله القلق وهو الذي وهب الجميع الشعور بالجسارة ؟ ومتى وكيف كانت تغمره المخاوف ؟ و كنت أظنه كتلة من الصخر .. فإذا به بشر بحاجة لسند ؟.
قدر لي أن أشهد يوم رحيله ، وأن أرى نعشه يشق السماء ، وأن أسمع الأرض ترتج تنقل هتاف الوداع إلي السحاب ، وأن تتساقط على يدي دموع الفلاحات في شوارع ميدان التحرير . يومها أصبح واضحا أن العرس قد انفض ، وأن البهجة تلملم ذيولها ، وأن الموسيقيين يجمعون آلاتهم ليغادروا التاريخ .
يقولون : ما الذي بقى من الثورة ؟ وما الذي بقى من كل الثورات في العالم ؟ لا شئ سوى درس واحد : أن الناس في الثورة يختلفون ، ويصبحون أفضل ، وأنبل ، وهذه هي جائزة كل الثورات ، وجائزة كل الأبطال الذين يبذلون أعمارهم من أجل بلادهم . والرجل الذي زين رأس مصر بوردة البهجة حي في كل الضمائر . ما الذي منحتنا إياه ثورة يوليو ؟ الأحلام ؟ وما الذي يهبه الأدب والفن والموسيقى والحب للبشر ؟ أليس حزمة من الأحلام تشق الظلمة كالشعاع ؟ . يحل عيد الثورة ، فأنصت من جديد إلي أغنياتها ، وأهازيجها ، وتستولي على قلبي رجفة إعزاز عميق ، وأرى ملء الفراغ ذلك الوجه المشبع بالكبرياء والصرامة والرقة والضعف وأسمع الصوت النحاسي الرنان يغمر مصر كلها : " باسمكم جميعا " .

***
أحمد الخميسي . كاتب مصري



#أحمد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نموذج بولاق .. لسيادة العراق
- طانيوس أفندي عبده .. الكاتب المجيد
- بط أبيض صغير
- أدب سياسي
- مجموعة - نيران صديقة - لعلاء الأسواني
- ترجمة الروح
- فاطمة زكي ونساء الثورة
- كلما رأيت بنتا حلوة أقول يا سعاد
- وجهة نظر روسية في الاستراتيجية الأمريكية لعالمنا
- الشيخ أحمد يـاسـيـن ما الذي اغتالوه .. ؟
- القاهرة تهتف للعراق
- راشـيـل كـوري ضـميـر الـزهرة
- الدكتور أبو الغار وكتابه إهدار استقلال الجامعات
- الصحافة المصرية لحظـات مضيـئـــة
- الرد على العملية الأخيرة في العراق
- محمد صدقي .. وداعا
- البيان الختامي للملتقى الأول للجان الشعبية المصرية لدعم الان ...
- ليس من جدار واحد ينشع دم الفلسطيني
- مضارب الأهواء عمل جديد لإدوار الخراط
- صورة الإسرائيلي في مصر


المزيد.....




- الأمير السابق أندرو يقاضي شرطة بريطانيا على خلفية اعتقاله بس ...
- -ليس مضيق هرمز-.. ترامب يتحدث عن سبب ارتفاع أسعار البنزين في ...
- الحوثيون ينشرون مشاهد توثق سيطرتهم على منزل رئيس مجلس القياد ...
- سانشيز يدعو لانتخابات مبكرة في إسبانيا بعد أزمة السكن، فلماذ ...
- التحالف بقيادة السعودية يعلن رسميا مشاركته في الهجوم ضد الحو ...
- المنصوري على رأس حكومة المغرب: هل تتجاوز الرمزية لحسم التحدي ...
- ترامب يؤكد أن مضيق هرمز لم يعد السبب وراء ارتفاع أسعار البنز ...
- فانس: اعتبارات أمنية وراء سحب القاذفات الأمريكية من قاعدة في ...
- الدفاع الروسية تعلن تدمير سفينة شحن تنقل إمدادات للقوات الأو ...
- اندلاع حريق على متن حاملة الطائرات النووية الفرنسية الوحيدة ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الخميسي - ثورة يوليو .. بهجة التاريخ