السكرتير يسأل وأورويل يجيب 130


طلال الربيعي
الحوار المتمدن - العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 09:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

هذه هي الحلقة 130 في سلسلة "التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية".
-------

*من سيمون فيل إلى فهد... تشريح الإيمان المزيف*

تقول سيمون فيل: -كبار الملحدين هم كبار العاشقين لله-
هي لا تمدح الإلحاد، بل تفضح الإيمان المزيف. فكرتها في جملة واحدة: المتدين العادي يحب فكرة الله التي تريحه، أما الملحد الكبير فيرفض أن يكذب على نفسه، فيرفض إلهاً مزيفاً، وهذا الرفض نفسه هو حب للحقيقة، والحقيقة هي الله.

تشرحها في 3 مستويات:
1. الإيمان الرخيص هو وثنية: أغلب المؤمنين يؤمنون بإله يلبي رغباتهم. هذا ليس الله، هذا صنم اسمه -الله-. فيل تسميه مُسكّن Malheur.
2. الملحد الكبير يرفض هذا الصنم: عندما يقول نيتشه -الله مات-، هو يقول: أرفض هذا الإله الصغير المريح الذي تخترعونه. رفضه هو تطهير purification.
3. وهذا التطهير هو بداية حب الله الحقيقي: تقول فيل: -الإلحاد هو تطهير لمفهوم الله-.

لذلك تقول: -المسيح يحب الملحدين الذين يبحثون عن الحقيقة أكثر من المؤمنين الذين يظنون أنهم وجدوها-.

وهي نفس فكرة مقالتي السابقة: الحزب الشيوعي عندما قدّس -اللص- كي لا يقال عنه ابن أبيه، كان يمارس إيماناً رخيصاً. الملحد الحقيقي للحزب هو من قال: لا، هذا ليس مقدساً.
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=939904

وهذا ينطبق هنا: أنا لم أكفر بالحزب، أنا كفرت بالصنم كي أحمي الفكرة. من يرفض تقديس لص تفليس ولص الخضراء، هو أكثر وفاءً للحزب من من يقدسهما.

عند كارل يونغ (طبيب ومحلل نفسي سويسري 1875-1961، مؤسس علم النفس التحليلي، قال إن الإنسان يعيش بقناع Persona ويدفن حقيقته في الظل Shadow)، الإنسان المزيف هو الـ Persona - القناع الذي نلبسه ليرضى عنا المجتمع: المتدين المزيف، الشيوعي المزيف، الوطني المزيف. والإنسان الأصيل Authentic هو من يمر بـ Shadow Work: يواجه ظله، يرفض أن يكذب على نفسه حتى لو خسر راحة الجماعة.

سيمون فيل فعلت هذا بحذافيره: رفضت أن تكون -أستاذة الفلسفة البرجوازية- أو -اليهودية الضحية-. خلعت كل الأقنعة، ونزلت لتصبح عاملة في مصنع رينو لتذوق الإذلال بيدها. لهذا كانت وحيدة جداً. الأصيل عند يونغ دائماً وحيد، لأنه لا يستطيع أن يعبد الصنم الذي تعبده القبيلة.

من هي سيمون فيل (1909-1943) (فيلسوفة فرنسية-يهودية، من أغرب وأعمق عقول القرن العشرين، تلميذة نابغة، تركت التدريس لتعمل عاملة، قاتلت مع الأناركيين في إسبانيا، مسيحية بدون كنيسة، ماتت في لندن عن 34 سنة جوعاً رفضت أن تأكل أكثر مما يأكل الفرنسيون تحت الاحتلال، أهم كتبها: الثقل والنعمة والتجذر) التي تقول:
-Religion in so far as it is a source of consolation is a hindrance to true faith and in this sense atheism is a purification-
-الدين بمقدار ما يكون مصدر عزاء، يكون عائقاً أمام الإيمان الحقيقي، وبهذا المعنى الإلحاد تطهير-.

*فهد وستالين والندوة الأخيرة*
هذا الفيديو في موقع الحزب الشيوعي العراقي
https://www.iraqicp.com/index.php
لندوة أقامها الحزب الآن لاستعراض سيرة فهد النضالية، والمتحدث قال بالحرف أن فهد بنى حزباً ستالينياً بانضباط حديدي، وحضر الندوة سكرتير الحزب وألقى كلمة بعده ولم يصحح كلامه. هذا يدلل على إيمان الحزب بستالينية فهد، رغم أن ستالين كان نقيض لينين وماركس في آن واحد.

فإذا كانت الستالينية ضرورة بحجة السرية والقمع في العراق، فلماذا كان الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ستالينياً أيضاً وهو لم يكن سرياً بل حزب دولة وسلطة؟ لم يسأل فهد هذا السؤال لأنه يعبد ستالين، ولكن لماذا لم يسأل سكرتير الحزب هذا السؤال نفسه في الندوة نفسها وهو يحتفل بستالينية فهد؟ لأن ستالين لا يزال بالنسبة لهم الأب والرب.

*لماذا لم يسأل سكرتير الحزب؟*
يبدأ كل شيء بجملة جورج أورويل (1903-1950: روائي وصحفي اشتراكي بريطاني، حارب الفاشية في إسبانيا، ليس عدواً للاشتراكية بل ناقدها من الداخل، كتب رواية 1984 ليشرح كيف تتحول الأحزاب الثورية إلى كنائس تملك الحقيقة المطلقة وتعتبر السؤال خيانة):
"الولاء المطلق يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير. الولاء هو عدم الوعي."

قد يظن البعض أن السكرتير لم يسأل لأنه لا يعرف. لكن السكرتير يحمل ماجستير في الاقتصاد. هو يعرف لغة الأرقام، يعرف أن الخطة فشلت.

هنا ندخل إلى مفهوم الـ Real عند جاك لاكان (1901-1981: محلل نفسي فرنسي، الـ Real عنده هو الواقعي الذي يستحيل ترميزه، ما يبقى خارج اللغة والشعار، ما يعود دائماً ليصدم الرواية - الجوع الحقيقي، الفشل الحقيقي): وظيفة السكرتير ليست نقل الـ Real إلى الحزب، بل حماية رواية الحزب من الـ Real.

لأنه لو قال الواقع كما هو، لمرة واحدة فقط: سينهار هو شخصياً - سيُتهم بالانهزامية، ستنهار الرواية - لأن الحزب بنى شرعيته على أنه لا يخطئ، سينهار الحزب كفكرة - لأن الناس ستكتشف أن الملك عارٍ.

لهذا أخطر شخص ليس العدو في الخارج، بل الرفيق في الداخل الذي يجرؤ على قول الحقيقة. أورويل سماها "جريمة التفكير".

ثم يأتي جان بول سارتر (1905-1980: فيلسوف وجودي فرنسي، مفهومه سوء النية Mauvaise foi هو أن تختار أن تكون غير حر وتسمي ذلك ولاءً). السكرتير لا يعمل كسكرتير، بل يلعب دور السكرتير. حسابه كاقتصادي بارد: قول الـ Real ثمنه غالٍ (خسارة المنصب)، والصمت ثمنه رخيص (تأنيب ضمير).

*الأسطورة الأخيرة: الشيوعية أقوى من الموت؟*
يقولون إن فهد هتف: -الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق-. بريمر لم يحتج إلى أعواد المشانق، فالحزب دخل طواعية إلى مجلس الحكم.

وما معنى -أقوى من الموت-؟ هذا ما يسمى في الطب النفسي manic defence - هوس العظمة، وهو ينسجم مع نرجسية من يوجه نصيحة لكل عمال العالم بطاعة ستالين وهو عضو في حزب صغير وسري.

إنها أسطورة سيزيف الذي أراد أن يتحايل على الموت فعاقبته الآلهة. الحزب أراد أن يتحايل على الموت بدخوله مجلس الحكم فعاقبه الشعب كما تدلل نتائج الانتخابات الأخيرة.

وهذا هو الإيمان المزيف. الدين أو أي معتقد مثل الماركسية، حين يصبح مصدر عزاء زائف يصبح عائقاً أمام الحقيقة. وكما يقول يونغ: لا يتحقق النضج إلا بقتل صورة الأب المثالية داخلنا، ولا يصبح الإنسان مستنيراً بتخيل أشكال من النور، بل بجعل الظلام واعياً. الحزب لم يجعل ظلامه الستاليني واعياً، فبقي يبحث عن أب جديد، فوجده في بريمر، حيث حل بريمر محل ستالين كبديل له his surrogate، ومن ثم الانصياع لصندوق النقد.

*الخلاصة:* أورويل يشرح كيف يمنعك الحزب من التفكير، ولاكان يشرح لماذا تهرب أنت من الواقع لأنه مؤلم، ويونغ يشرح أين تخبئ هذه الحقيقة (في الظل)، وسارتر يختم: وأنت تعرف كل هذا، وتختار أن تكذب على نفسك وتسمي هذه الكذبة "ولاءً".