التحليل النفسي وفيزياء الكم 115


طلال الربيعي
الحوار المتمدن - العدد: 8669 - 2026 / 4 / 6 - 00:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

هذه هي الحلقة 115 من سلسلة -التحليل النفسي وتطبيقاته المعرفية-.
--------
حكمة الكاتب والطبيب الروسي انطون تشيخوف لا متناهية. والفيديو أدناه يذكرني بالنقاش الدائر حاليا حول إطالة عمر الإنسان longivity واهميتها من عدمها, وايهما اهم: نوعية الحياة أم عدد السنين التي يعيشها الإنسان! تشيخوف يردد أصداء حكمة كلكامش الذي تخلى عن بحثه عن الخلود واعتبر تفانيه في خدمة مملكته هي الخلود بعينه. الاثنان هما تعبير بليغ عن علم نفس يونغ في ان انتقال الأفكار بين الشعوب عبر الزمان والمكان لا يحتاج إلى تواصل فيزيائي او سببية، منسجما بذلك مع فيزياء الكم، وإنما يتم عبر النماذج اللاواعية للعقل الجماعي للبشر او ما يسمى archetypes
https://www.facebook.com/reel/1989909005208625/?mibextid=rS40aB7S9Ucbxw6

يتقاطع علم الفيزياء الكمية والتحليل النفسي من خلال أوجه تشابه مفاهيمية، حيث يبتعد كلا المجالين عن اليقين النيوتني نحو واقع تحدده تأثيرات المراقب والاحتمالات والغموض. يستخدم التحليل النفسي الحديث، أو "الكمي"، مبادئ مثل التراكب superposition - أي تزامن حالات الهوية المختلفة - والتشابك بين المراقب والمُلاحَظ لفهم العمليات اللاواعية والصدمات النفسية والديناميكيات بين الذوات بشكل أفضل، متجاوزًا بذلك النظرة الكلاسيكية الحتمية للعقل.

التقاطعات والمفاهيم الرئيسية
تأثير المراقب/التشابك: تشير ميكانيكا الكم إلى أن مراقبة نظام ما تُغيره، وهو مفهوم يعكس العلاقة العلاجية في التحليل النفسي، حيث يُشكل المراقب (المحلل) والمُلاحَظ (المريض) مجالًا موحدًا، يؤثر على "نتيجة" الجلسة.

تأثير المراقب/التشابك Entanglement: تشير ميكانيكا الكم إلى أن مراقبة نظام ما تُغيره، وهو مفهوم يُحاكي العلاقة العلاجية في التحليل النفسي، حيث يُشكل المراقب (المحلل) والمُلاحَظ (المريض) مجالًا موحدًا، يؤثر على "نتيجة" الجلسة العلاجية.
تأثير المراقب/التشابك: التراكب والعوالم المتعددة: يُعرّف التحليل النفسي المرضى بأنهم يمتلكون عوالم داخلية متعددة (كما في حالات الصدمة أو الذهان) لا تتواصل فيما بينها، على غرار الأكوان المتوازية الكمومية quantum parallel universes.
حسب الأكوان المتوازية الكمومية، والتي يُفسرها غالبًا تفسير العوالم المتعددة، أن جميع النتائج المحتملة للأحداث الكمومية تحدث فعليًا في فروع متفرعة ومتوازية من الواقع، غير متصلة ببعضها. وقد اقترح هيو إيفريت هذه النظرية عام ١٩٥٧، وهي تشير إلى أن القياسات الكمومية لا تُؤدي إلى انهيار الدوال الموجية، بل تُنشئ أكوانًا جديدة.
يشرح هذا الفيديو كيف أن كل تفاعل كمي يتسبب في تفرع الكون إلى عوالم متعددة:
https://www.google.com/search?q=quantum+parallel+universes&rlz=1CAPKUQ_enAT1119&oq=quantum+parallel+universes.&gs_lcrp=EgZjaHJvbWUqCAgBEAAYFhgeMgYIABBFGDkyCAgBEAAYFhgeMggIAhAAGBYYHjIICAMQABgWGB4yCAgEEAAYFhgeMggIBRAAGBYYHjIICAYQABgWGB4yCAgHEAAYFhgeMggICBAAGBYYHjIICAkQABgWGB7SAQsxMTkwMjlqMGoxNagCALACAA&sourceid=chrome&ie=UTF-8#fpstate=ive&vld=cid:bdcc0b12,vid:EctP5-F4T_A,st:280

 مبدأ هايزنبرغ للشك: يتحدى هذا المبدأ مفهوم الواقع المطلق القابل للقياس.    
مبدأ هايزنبرغ للشك، الذي ينص على استحالة قياس موقع الجسيم وزخمه في آنٍ واحد، يُعدّ استعارةً في علم النفس لكيفية تأثير الملاحظة على السلوك، وكيف يُخفي التركيز على جانب واحد من جوانب الحياة جوانب أخرى. ويُبرز هذا المبدأ أن مراقبة شخص أو علاقة ما تُغيّر ديناميكياتها الطبيعية، مما يحول دون الوصول إلى الموضوعية المطلقة.
تشمل التطبيقات الرئيسية في علم النفس ما يلي:
تأثير المُراقب: في العلاج أو التدريب، يؤثر وجود مُراقب (المعالج/المدير) بشكلٍ جوهري على سلوك المُشارك، مما يعني أن الشخص لا يتصرف "بشكل طبيعي" لأنه تحت المراقبة.
ديناميكيات العلاقات: قد يُؤدي التركيز الشديد على جانب واحد من العلاقة - كعيب في الشريك مثلاً - إلى حجب رؤية أوسع وأكثر موضوعية للعلاقة، إذ لا يُمكن قياس سلوكك وسلوك شريكك في آنٍ واحد ضمن نظام ديناميكي.
ديناميكيات العلاقات: العلاج النفسي القائم على مبدأ "عدم الافتراضات": يدعم هذا المبدأ نموذج "عدم الافتراضات" في علم النفس، حيث يسمح السماح بوجود عدم اليقين في سرد ​​العميل بظهور الذات الحقيقية أو القصة الحقيقية، بدلاً من فرض نتيجة مفترضة مسبقاً.
احتضان عدم اليقين: يُذكّرنا هذا المبدأ بضرورة تقبّل حقيقة أنه لا يمكن السيطرة على جميع جوانب السلوك البشري أو مواقف الحياة أو معرفتها في آنٍ واحد، مما يعزز اليقظة الذهنية ويخفف القلق.
The Uncertainty Principle in Relationship Dynamics
https://www.psychologytoday.com/us/blog/anger-in-the-age-of-entitlement/202104/the-uncertainty-principle-in-relationship-dynamics#:~:text=The%20uncertainty%20principle%20in%20physics%20states%20that,occur%20when%20we%20focus%20on%20the%20dynamic**
وبالمثل، يُقرّ التحليل النفسي بأن اللاوعي ليس كيانًا ثابتًا وموضوعيًا، بل هو "لا شيء وكل شيء في آن واحد"، مستبدلًا التشخيص الجامد بالمنظورية.

العقل الاحتمالي: تسعى  رؤية فرويد الكلاسيكية إلى قوانين حتمية، 
يؤكد مفهوم فرويد للحتمية النفسية أن جميع الأفكار والمشاعر والسلوكيات محكومة بأسباب عقلية سابقة، وتجارب الطفولة، ودوافعها، وليست عشوائية. لا شيء يحدث صدفةً؛ فالزلات والأحلام والأفعال تحمل معنى، وغالبًا ما تكون مدفوعة باللاوعي.

تشمل الجوانب الرئيسية للحتمية الفرويدية ما يلي:
الحتمية المطلقة: كان فرويد ينظر إلى السلوك عمومًا على أنه محكوم إلى حد كبير برغبات اللاوعي وتجارب الطفولة المبكرة، مما يترك مجالًا ضئيلًا للإرادة الحرة.

الدوافع اللاواعية: السلوكيات مدفوعة بدوافع غريزية وصراعات مكبوتة.

السببية العقلية: كل حدث عقلي هو نتيجة لأحداث سابقة.

التحكم العقلاني: بينما تهيمن قوى اللاوعي، يهدف العلاج التحليلي النفسي إلى جعل اللاوعي واعيًا، مما يسمح بتحكم عقلاني محدود في الدوافع التلقائية.

الحتمية النفسية عمليًا: تُعتبر زلات اللسان (زلات فرويد)، والأحلام، والنسيان، مؤشرات دالة على الفكر اللاواعي.

طبّق فرويد هذا الإطار الصارم القائم على السببية على جميع الظواهر العقلية البشرية.
FREUD AND DETERMINISM
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/j.2041-6962.1971.tb02196.x

اما  التحليل النفسي الكمومي الحديث  فهو يتبنى نموذجًا احتماليًا حيث لا يكون السلوك البشري ثابتًا، مما يسمح بتحولات أو رؤى مفاجئة (على غرار كسر التناظر).

علم النفس الشخصي
الروابط التاريخية والنظرية
يونغ وباولي: استكشف كارل يونغ العلاقة بين اللاوعي والواقع الكمي من خلال عمله مع الفيزيائي فولفغانغ باولي، مشيرًا إلى وجود تزامن عميق كامن.

الطاقة والبنية: يعتمد كلا المجالين على "حساسية كمية" تُعامل النفس لا كمجموعة من البنى الثابتة (الهو، الأنا)، بل كمجال ديناميكي طاقي، حتى أن بعض النظريات تُقارن طاقة اللاوعي بظواهر المجال الكمي.

مراجعات ما وراء علم النفس: يرى النقاد والممارسون أن الأفكار التحليلية النفسية التقليدية حول نقل الطاقة الثابتة يجب تحديثها لتتوافق مع الفيزياء الكمية، مما يعكس رؤية أكثر مرونة وترابطًا للعقل.

التطبيقات المحتملة والانتقادات
الصدمة والانهيار: يمكن النظر إلى الصدمة النفسية على أنها "انهيار" لتراكب الهويات، حيث يُجبر الشخص على الانغماس في واقع واحد مؤلم ومشوّه.

العلاج النفسي الطاقي: تشير بعض التطبيقات إلى أن التركيز على "طاقة" اللاوعي، بدلاً من الكلمات فقط، قد يكون أكثر فعالية، إذ يُعامل العقل كمجال قابل للتغيير بالنية.

جوانب تخمينية: على الرغم من أن أوجه التشابه مقنعة، إلا أن العديد من الروابط لا تزال تخمينية (مثل العمليات الكمومية داخل الأنابيب الدقيقة العصبية neural microtubules)، ولا يقبل جميع المحللين النفسيين الترجمة المباشرة للمبادئ الفيزيائية إلى علم النفس.
(الأنيبيبات الدقيقة العصبية هي تراكيب أنبوبية ديناميكية يبلغ قطرها 25 نانومترًا في الهيكل الخلوي العصبي، وتعمل كدعامات هيكلية أساسية، و"سكك حديدية" لنقل الجزيئات لمسافات طويلة، ومنظمات لبنية الخلايا العصبية. وهي بالغة الأهمية للحفاظ على المحاور العصبية، واللدونة المشبكية، وتنظيم شكل الخلايا العصبية، وترتبط عيوبها بأمراض التنكس العصبي)
Microtubules
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK9932/

في كتابه "التحليل النفسي الكمي: مقالات في الفيزياء والعقل والتحليل المعاصر"، يسعى جيرالد ج. غارغيولو إلى مواءمة نظرية التحليل النفسي مع المفهوم الاحتمالي الجديد للفيزياء للعالم المادي، ومن ثمّ تزويد المعالجين النفسيين بعلم نفس ميتافيزيقي جديد ضروري لدعم وجهات النظر التفاعلية المعاصرة. وقد شكّك المفهوم ما بعد الحداثي للفيزياء الكمية في يقينية الفيزياء الكلاسيكية، التي سعت إلى إيجاد أنماط شبيهة بالقوانين للقوى الفيزيائية في عالم مادي ذي فئات مطلقة موجودة بمعزل عن التفسير الذاتي.

من المعروف أن النظريات السريرية الجديدة التي ظهرت في التحليل النفسي منذ فرويد، نتيجةً لتجارب علاجية مع شريحة أوسع من المرضى، لم تتوافق تمامًا مع تصنيفاته الميتافيزيقية الأصلية (مثل الهو، والأنا، والأنا العليا) وتفسيراته للقوى الطاقية المتنافسة (مثل الكبت، ودافع التكرار)، والتي استقاها من النظرة الحداثية للفيزياء النيوتونية (الكلاسيكية) في عصره. ورغم اختلاف النظريات ما بعد الفرويدية في العلاقات الموضوعية، وعلم نفس الذات، والعلاجات النفسية العلائقية، إلا أنها تشترك جميعها في تركيز معاصر على عدم حتمية التفاعلات بين ذاتيتين - المريض والمعالج - أثناء انخراطهما في تفسير متبادل لخلق وقائع محددة.

باستخدام مفاهيم وفئات جديدة من فيزياء الكم (مثل اللا-محلية والتشابك)، يقدم غارغيولو منظورًا ما بعد حداثي يوفر مفردات جديدة للمحللين النفسيين والمعالجين النفسيين الديناميكيين لفهم كيفية عمل العقل في تفاعله مع العالم ومع عقول الآخرين، وهو منظور ينسجم مع خبراتهم السريرية.

سيجد قراء كتاب "التحليل النفسي الكمي: مقالات في الفيزياء والعقل والتحليل اليوم" رؤى جديدة حول العمليات العلاجية التي تُشكّل جوهر العلاج السريري المعاصر. ومع تفاعلهم مع استخدام غارغيولو للاستعارات من فيزياء الكم، سيكتشفون إمكانيات لرؤى ما وراء نفسية جديدة، مما يُقرّب نظرية التحليل النفسي من علوم القرن الحادي والعشرين.
Quantum Psychoanalysis: Essays on Physics, Mind, and Analysis Todayhttps://www.ebay.co.uk/itm/356927915589?chn=ps&_ul=GB&norover=1&mkevt=1&mkrid=710-170020-547209-2&mkcid=2&itemid=356927915589&targetid=325425753764&device=c&mktype=pla&googleloc=9062719&poi=&campaignid=20784045347&mkgroupid=157398042404&rlsatarget=pla-325425753764&abcId=&merchantid=101482799&gad_source=1&gad_campaignid=20784045347&gbraid=0AAAAAo9ZJxu39OFcBtCxWgH0Kt6333f22&gclid=Cj0KCQjwkMjOBhC5ARIsADIdb3f9wr32ozU7qJKxZIGOzHYfkGiwgSmb4-otPUidcymFKNhEkfMc6iwaAvYIEALw_wcB
يتبع