وهم الاشتراكية الإسكندنافية: بين بريق الرفاه الاجتماعي وتآكل النموذج تحت وطأة النيو لبرالية


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 01:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

خلط الأوراق الأيديولوجي
في الخطاب السياسي المعاصر، غالباً ما تُستدعى الدول الإسكندنافية (السويد، النرويج، الدنمارك، فنلندا، وأيسلندا) بوصفها النموذج الحي لما يُسمّى بـ «الاشتراكية الناجحة». وغالباً ما يُستخدم هذا الوصف من قبل تيارين متناقضين لأغراض مختلفة: فاليسار الراديكالي يرى فيها دليلاً على إمكانية تطويع السوق، بينما يحذر اليمين الليبرالي المتطرف من أخطار «الاشتراكية الضريبية». لكن الحقيقة التاريخية والاقتصادية تنسف هذا الخلط تماماً؛ فدول الشمال لا تمارس الاشتراكية، بل هي راسخة الجذور في قلب اقتصاد السوق الحر والرأسمالية المزدهرة.
ولتحديد ما إذا كانت هذه الدول اشتراكية أم لا، يجب العودة إلى المعيار الجذري الذي وضعه كارل ماركس ولينين: من يملك وسائل الإنتاج؟
يقوم المعيار الماركسي-اللينيني على الإلغاء التام للملكية الخاصة، وتأميم المصانع والأراضي والموارد، واستبدال الأسواق بالتخطيط المركزي الذي تديره بيروقراطية الدولة، وصولاً إلى مجتمع لا طبقي. سياسياً، وقد اقترن هذا النموذج تاريخياً بـ «ديكتاتورية البروليتاريا» وحكم الحزب الواحد وقمع المعارضة.
لكننا نرى الواقع الإسكندنافي يقع على النقيض تماماً، فإن الغالبية العظمى من الشركات في السويد ودول الشمال هي ملكية خاصة بالكامل، والأسعار تتحدد بقوى العرض والطلب، والشركات مندمجة بعمق في سلاسل الإمداد الرأسمالية العالمية، وتتصدر مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال التجارية.
إذن، ما تديره هذه الدول ليس اشتراكية، بل هو «رأسمالية الرفاه الاجتماعي» أو «ديمقراطية اجتماعية»؛ نظام يستغل كفاءة السوق الحر في توليد الثروة، ليقوم بعد ذلك -عبر الضرائب التصاعدية المرتفعة والتفاوض الجماعي- بإعادة توزيع جزء من هذه الثروة لتمويل شبكة أمان اجتماعي شاملة.
إن ما يميز دول الشمال ليس إلغاء النظام الرأسمالي، بل القدرة على ضبطه وتطويعه ضمن إطار قيمي ومؤسسي يُعلي من قيمة الإنسان ويضعه في صدارة الأولويات. ففي هذه الدول، يتميز التعليم بالاستقلالية والتوفير المجاني الكامل، حيث تُدار منظومات التعليم (كما هو الحال في النموذج الفنلندي) بعيداً عن التجاذبات السياسية، وتُترك مسؤوليتها للمعلمين والخبراء التربويين باعتبارها استثماراً وطنياً وليس مجرد سلعة تجارية. هذا النهج يخفف من أعباء الديون عن الشباب ويمنحهم الحرية لاختيار مسارات حياتهم بناءً على اهتماماتهم وشغفهم بدلاً من الوقوع تحت وطأة الضغوط المادية. ومع ذلك، شهدت السويد تراجعاً ملحوظاً عن النهج الفنلندي المتقدم. سأقوم بتوضيح هذا الأمر لاحقاً.
أدخلت السويد منذ تسعينيات القرن الماضي نظام «مشاريع المدارس المستقلة» (Friskolor) ونظام الفاوتشر (Voucher system)، حيث أُتيح للشركات الربحية إدارة المدارس وتلقي تمويل حكومي عن كل طالب. هذا أدى إلى تسطيح التعليم، وزيادة الفوارق بين المدارس، وتراجع السويد في تصنيفات "بيسا" (PISA) العالمية مقارنة بالماضي.
لكن فنلندا رفضت بالكامل إدخال القطاع الربحي إلى التعليم. المدارس كلها متساوية تقريباً في الجودة، والتعليم يدار حصراً بواسطة التربويين والمعلمين المحترفين الذين يحملون شهادات ماجستير إلزامية. يركز النظام الفنلندي على الرفاه النفسي للطالب، وتقليل الواجبات المنهجية، وإلغاء الامتحانات المعيارية المرهقة، مما يجعل الطالب الفنلندي أكثر راحة وأقل إنهاكاً.
هذا الفارق يؤكد مجدداً أن السويد كانت أكثر اندفاعاً نحو تبني آليات السوق والحلول الفردية (كالاقتراض الشخصي والخصخصة)، بينما حافظت فنلندا على نموذج اجتماعي تربوي نقي يضع رفاه الطالب واستقلالية المؤسسة التعليمية فوق منطق الربح والقروض.


ومن منظور براغماتي، يُنظر إلى صحة العامل على أنها ركيزة الإنتاجية لا مجرد سلعة ربحية (بخلاف النموذج الأمريكي). وتتدخل الدولة عبر الضرائب والسياسات الوقائية لتقليص الاستهلاك الضار (كالخمور والسجائر) ودعم الغذاء الصحي، مما ينعكس بوضوح على مؤشرات العمر المتوقع ووفيات الرضع والأمهات.

تسود في البلدان الاسكندنافية بيئة عمل تقوم على تقصير ساعات العمل، توفير إجازات سخية، وإلغاء الشكليات الطبقية (كالارتكاز على الرتب الصارمة أو المظهر المتمثل في البدلات الرسمية). كما تتميز الشركات بأخلاقيات تجارية عالية وسرعة في الوفاء بالالتزامات تجاه الموردين والشركات الصغرى، مما يعزز «رأس المال الاجتماعي» ومستوى الثقة.
غير أن هذا النموذج العريق لا يعيش في فراغ بمعزل عن الاقتصاد العالمي إذ بدأت في السنوات الأخيرة تظهر تشققات عميقة تهدد جوهر العقد الاجتماعي الإسكندنافي؛ حيث يتسرب تراجع الرفاه الاجتماعي وتآكل حقوق الإنسان تدريجياً لصالح إرضاء العولمة ورأس المال المتوحش.

تعرضت قطاعات حيوية كالتعليم (عبر نظام الفاوتشر) والرعاية الصحية ودور المسنين لعمليات تخصيص أدت أحياناً لتحويلها إلى كيانات تسعى خلف الربح المادي على حساب الجودة.
كما أدى حرص الحكومات على عدم هروب الشركات الكبرى نحو الملاذات الضريبية، جنباً إلى جنب مع تصاعد الإنفاق العسكري والأزمات الديموغرافية، إلى إضعاف القدرة التمويلية لبعض الخدمات العامة.
وقد كانت النقابات العمالية القوية تاريخيا هي الحارس الأمين للحقوق. أما اليوم، فيبدو أن العديد من الهياكل النقابية قد دخلت في مسار من المساومة المبالغ فيها مع أرباب العمل، محولة دورها من المدافعة عن الطبقة العاملة إلى شريك مؤسسي يمرر التنازلات بهدوء.
معضلة الثقة: بين جمود السويد وشرارة فرنسا
هنا تبرز المفارقة الكبرى في المجتمعات الإسكندنافية، وتحديداً في السويد. فعلى عكس فرنسا التي تمتلك ثقافة احتجاجية راديكالية لا تتردد في شل البلاد لحماية مكتسباتها، تتمتع السويد بـ ثقة مؤسسية راسخة وعميقة في الدولة والنظام. هذه الثقة العمياء، وإن كانت تعكس نزاهة تاريخية، أصبحت ثغرة استراتيجية؛ إذ يتم تمرير التعديلات التقشفية وسياسات الخصخصة عبر قنوات برلمانية هادئة ودون مقاومة شعبية ضخمة، لأن المواطن يفترض سلفاً أن «الدولة لا يمكن أن تفعل ما يضرنا».
ولا تزال الأجيال الأكبر سناً تعيش على ذكريات "العصر الذهبي" للرفاه، بينما يبدو قطاع واسع من الشباب غارقاً في حالة من الرضا أو "الجمود الواعي". غير أن التآكل المستمر لمستوى المعيشة واتساع الفجوة الطبقية يجعل من حتمية انتقال "شرارة الاحتجاج" أمراً وارد الحدوث عندما تضيق الخناق أكثر.

مستقبل العقد الاجتماعي
إن التجربة الإسكندنافية تثبت أن الرأسمالية يمكن تقييدها بقوانين واعية وضرائب تصاعدية لخدمة الإنسان، لكنها تثبت أيضاً في المقابل أن الرأسمالية إذا تُركت بلا رقابة أو نضال مستمر، فإنها تلتهم بالتدريج كل مكتسبات الطبقة العاملة.
إن صمود هذا النموذج اليوم لم يعد يعتمد على ذكريات الماضي أو الثقة العمياء في المؤسسات، بل على قدرة الأجيال الجديدة على ابتكار أشكال نضالية وتنظيمية جديدة تستعيد زمام المبادرة قبل أن يتحول "نموذج الرفاه" إلى مجرد واجهة تاريخية فارغة.
أنا من خلال المقال لا أمجد النموذج البيروقراطي السوفيتي، ولا أنكر المكتسبات التاريخية العظيمة التي نعم بها المواطن الإسكندنافي عقوداً طويلة من الرفاه والحرية الحقيقية، بل أقدم قراءة نقدية واقعية ومتبصرة لجوهر الأزمة الحالية وهي سقوط القناع التدريجي وعودة النموذج إلى أصله الأصلي — أي تغوّل السوق الرأسمالي تحت راية النيوليبرالية.
لقد ولد الرفاه الإسكندنافي في ظروف استثنائية (بعد الحرب العالمية الثانية، في ظل وجود قطب سوفيتي منافس أجبر الرأسمالية الغربية على تقديم تنازلات حقيقية لشعوبها لتجنب الثورات، ووجود طبقة عاملة منظمة بقوة).
وعندما انهار الاتحاد السوفيتي وتراجع التهديد البديل، وأصبحت العولمة ورأس المال المالي بلا رقابة، بدأت الرأسمالية تسترد ما قدمته بالتنازل تدريجياً؛ فالتخصيص، وتآكل الخدمات، وارتفاع الديون، وضرب شبكات الأمان، كلها مؤشرات على أن "الوحش الرأسمالي" يعود لارتداء ثوبه الأصلي مستغلاً غفلة المواطنين وثقتهم التاريخية العميقة.

مالمو
2026-10-19