معايير الصحة والسلامة المهنية الشاملة في مشاريع الإعمار والتشغيل الطارئ والرفع العاجل للأنقاض


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 19:34
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية     

بسم الله الرحمن الرحيم
د. سلامه أبو زعيتر
إنَّ الانتقال المرتقب نحو مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في قطاع غزة وعموم الأراضي الفلسطينية، عقب العدوان والحرب المدمرة، يضع جميع الشركاء الاجتماعيين والحكومة والمنظمات الدولية أمام اختبار أخلاقي وحقوقي وميداني حاسم؛ إذ إن أي حديث عن إعادة التشييد والتشغيل الطارئ وضخ الأموال لرفع الأنقاض يظل قاصراً وناقصاً ما لم يُؤطَّر بشرط أصيل وهو المأسسة الشاملة لمعايير الصحة والسلامة المهنية في بيئات العمل عالية المخاطر، فالعمال والعاملات الذين يُشكلون رأس المال الاجتماعي وسواعد الميدان في هذه المعركة التنموية، يتعرضون لمزيج غير مسبوق من المخاطر المركبة التي تجمع بين التهديدات المادية الحادة، والمخاطر البيئية والبيولوجية، وصولاً إلى الضغوط النفسية والاجتماعية الصادمة التي تحيل مواقع الإعمار إلى مساحات محفوفة بالمخاطر المرئية وغير المرئية.
وتأسيسًا على ذلك، فإن الشروع في عمليات رفع الأنقاض القاسية والتشغيل الطارئ يستوجب أولاً وقبل كل شيء فرض اشتراطات الوقاية البدنية والبيئية الصارمة، لحماية الأرواح والأجساد؛ إذ إن العمل بين الركام والأنقاض يفرض التعامل المباشر مع مخاطر قاتلة تتنوع بين الأجسام والمخلفات الحربية غير المنفجرة، والمباني المدمرة والآيل للتقويض والسقوط المفاجئ، فضلاً عن الانبعاثات الكيميائية والغبار المركب والمواد السامة كـالأسبستوس والغبار الذي يهدد الرئتين والجهاز التنفسي بأمراض مزمنة وفاصلة، وإن الوقاية البدنية في هذه المشاريع لا تقف عند حدود توفير الخوذ والأحذية الواقية، بل تتطلب توفير أجهزة التنفس المتخصصة، والرقابة الهندسية والميدانية المسبقة لمواقع العمل قبل نزول العمال، وتوفير معدات الفحص المبكر عن المخلفات الخطرة، ضماناً لألا يتحول العمال إلى ضحايا إضافيين في رحلة البحث عن كسب العيش وإعادة بناء الوطن.
واتصالاً بهذه المخاطر البدنية، يبرز البعد الأشد قسوة والأقل رؤية في مشاريع التعافي ورفع الأنقاض والإعمار الطارئ، وهو البعد النفسي والاجتماعي العاصف الذي يرافق العمل في بيئات الصدمات المتكررة؛ إذ إن العامل الميداني الذي ينبش الأنقاض ويرفع الركام يعمل في كثير من الأحيان في مواقع تضم رفات الضحايا، أو ذكريات بيته ومجتمعه المدمر، مما يجعله تحت وطأة استرجاع الصدمات، والإنهاك النفسي الحاد والاضطراب الذهني الشديد، وإن إغفال هذا البعد قد يصيب العمال بـالتشتت الذهني الذي يُعد السبب الأول والشرارة المباشرة لحوادث السقوط والدهس وحوادث الآلات الثقيلة في مواقع الإعمار، مما يفرض إدراج الإسعاف النفسي الاولي الميداني، وتوفير فرق دعم نفسي واجتماعي من الاخصائيين توكب وتتابع وتراقب العمال في مواقع رفع الأنقاض، كشرط سلامة مهنية لا يقل أهمية عن مراقبة معدات الوقاية الشخصية المادية.
وبناءً على هذا الواقع الميداني المعقد، تقع المسؤولية المباشرة على عاتق المنظمات الأممية والوكالات الدولية، وعلى رأسها برنامج الأمم المتحدة الإنشائي، ومنظمة العمل الدولية، والجهات المانحة لـصياغة ميثاق تمويلي وإجرائي ملزم للسلامة الشاملة يُشرط في كراسات العطاءات واتفاقيات المشاريع الطارئة، فيجب ألا يُسمح إطلاقاً بطرح أو إقرار أي مشروع لإزالة الأنقاض أو إعادة الإعمار أو التشغيل المؤقت دون وجود بند مالي محدد ومستقل ومخصص لـأدوات الوقاية الشاملة، والتدريب المسبق على إدارة مخاطر الأنقاض، والتأمين الصحي والاجتماعي الشامل ضد إصابات العمل والأمراض المهنية، وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي الميداني، وإن أي تمويل يتغاضى عن هذه الاشتراطات تحت ذريعة السرعة في الإنجاز أو محدودية الميزانية هو تمويل غير أخلاقي يضحي بحياة العمال لحساب المخرجات المادية.
وعلى المستوى التنفيذي والرقابي، يتوجب على وزارة العمل والنقابات العمالية تشكيل لجان سلامة وطنية ميدانية مشتركة لمشاريع الإعمار والأنقاض، تُمنح صلاحيات التفتيش والمراقبة اليومية واليقظة الاستباقية؛ لوقف أي عمل في موقع يفتقر إلى معايير السلامة الشاملة، مع ضرورة إقرار بروتوكول موحد للتشغيل الطارئ، يُلزم أصحاب العمل والشركات المقاولة بحدود أدنى من ساعات العمل، واستراحات إجبارية للحد من الإجهاد البدني والذهني، وتوفير الرعاية الطبية الفورية في مواقع العمل الإعمارية.
وأخيراً، إن معركة إعادة إعمار ما دمره العدوان لن تُقاس بحجم الأبنية الشاهقة أو كميات الأنقاض المرفوعة فحسب، بل ستُقاس أولاً وقبل كل شيء بمدى قدرتنا على حماية الإنسان الفلسطيني الذي يبني هذه الأرض ويصنع حياتها من جديد، وإن مأسسة معايير الصحة والسلامة المهنية الشاملة بآفاقها البدنية والنفسية والاجتماعية في مشاريع الإعمار والتشغيل الطارئ هي الواجب الوطني والأخلاقي ومحك العدالة الاجتماعية؛ لتظل كرامة العامل وحياته وصحته الشاملة هي الغاية الأولى والشرط الأساسي لنصرة الصمود والنهوض الوطني المستدام.
#السلامة_النفسية_للعمال #اعادة_الاعمار #التعافي #الاعمار
#عمالنا_ليسوا_مكائن