منظومة الصحة والسلامة المهنية الشاملة في سوق العمل ثلاثية الأبعاد (بدني، نفسي، اجتماعي)


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 15:07
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

إنَّ التطور المتسارع في مفاهيم الحماية العمالية والتحولات العميقة التي شهدها عالم العمل ولا سيما في الواقع الفلسطيني المكلوم بالأزمات المركبة والتحديات البنيوية الشاملة تفرضان على الشركاء الاجتماعيين كافة تجاوز الرؤى التقليدية القاصرة التي اختزلت مفهوم الصحة والسلامة المهنية لسنوات طويلة في البعد البدني والمادي المباشر؛ إذ أثبتت التجربة الميدانية أن الفصل التعسفي بين سلامة الجسد والتعافي النفسي والاستقرار الاجتماعي للعامل لم يعد مجرد خطأ مفاهيمي فحسب، بل بات ثغرة هيكلية تُهدد استدامة القوة العاملة وتقوض مقومات الصمود والتعافي والتنمية المستدامة.
وتأسيساً على ذلك، تنبع الحاجة الوطنية والعمالية الملازمة إلى صياغة منظومة شاملة ومُتكاملة للصحة والسلامة المهنية، ترتكز على مفهوم ثلاثي الأبعاد (بدني، نفسي، اجتماعي)، يتعاطى مع الإنسان العامل ككائن عضوي ونفسي ومجتمعي متكامل، وإن هذا المفهوم الشمولي يستند إلى حقيقة علمية وميدانية مفادها أن الأبعاد الثلاثة يغذّي بعضها بعضاً متأثراً ومؤثراً؛ فالإجهاد النفسي والتشتت الذهني وضغوط ما بعد الصدمة تُعد المسبب المباشر والشرارة الأولى لغالبية إصابات العمل والحوادث البدنية والاصابات المميتة في مواقع التشغيل والإنشاءات، وفي المقابل، فإن بيئات العمل المفتقرة لأدوات الوقاية والسلامة البدنية والشروط المادية الآمنة ولدّت حالة دائمة من القلق المعيشي والاضطراب النفسي، مثلما يؤدي نزيف الأمان الاجتماعي وغياب الأجر العادل إلى تفكك البناء الأسري والمجتمعي، مما يحيل بيئة العمل إلى مساحة طاردة مليئة والمخاطر المباشرة وغير المرئية.
واتصالاً بهذه الرؤية البنيوية، فإن ترجمة هذا النموذج ثلاثي الأبعاد في سوق العمل الفلسطيني تتطلب إعادة هيكلة وحوكمة شاملة لمنظومة السلامة والصحة المهنية؛ بدءاً من تفعيل ودعم المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية وتوسيع صلاحياته ليتجاوز الدور الاستشاري النظري إلى ممارسة مسؤوليات سياساتية ورقابية نافذة، تضم ممثلي الحكومة والنقابات وأصحاب العمل والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، كما يقتضي هذا المسار مراجعة دقيقة لـسجلات ورسم تقييم المخاطر الميدانية، داخل المنشآت ومواقع الإعمار والتشغيل المؤقت، بحيث لا يقتصر تقييم المخاطر على فحص الآلات والأنقاذ والمواد الكيميائية وحسب، بل يشمل بصرامة قياس المخاطر النفسية والاجتماعية، كضغط العمل المفرط، وساعات التشغيل المجهدة، وبيئات العمل القاسية، وظواهر الترهيب والقهر الحقوقي.
وعلى المستوى التنفيذي داخل المنشآت والمؤسسات، تبرز الضرورة العمالية لـدمج لجان السلامة المهنية التقليدية مع أطر الدعم النفسي والاجتماعي في هيكل موحد تحت مسمى لجان الصحة والسلامة الشاملة، تضطلع بمسؤولية المراقبة الميدانية المزدوجة؛ لترصد اختلالات الأمان البدني بالتوازي مع تقديم الإسعاف النفسي الأولي والرصد المبكر لمظاهر الإنهاك قبل وقوع الفاجعة، وإن هذا الدمج الميداني يضمن تحويل السلامة المهنية من تدبير شكلي يتجسد في ارتداء خوذة أو توفير طفاية حريق، إلى ثقافة مؤسسية وسلوك مهني أصيل يحمي العامل في جسده، وعقله، وكرامته الاجتماعية، وينعكس مستداماً على زيادة الإنتاجية وكفاءة الأداء وتخفيض كلفة تلف الموارد ودوران العمل.
ولما كانت المرحلة الراهنة والمستقبلية في فلسطين تتسم بانطلاق أعمال إعادة الإعمار، والرفع العاجل للأنقاض، ومشاريع التشغيل الطارئ بدعم وإشراف دولي وأممي، فإن الحفاظ على رأس المال البشري يفرض إلزام الشركاء والمنظمات الدولية (وعلى رأسها منظمة العمل الدولية والجهات المانحة) بتبني، كود السلامة الشاملة ثلاثي الأبعاد، كشرط أساسي لتمويل وإقرار أي مشروع تنموي أو إغاثي، ويجب ألا يُسمح إطلاقاً بفصل التمويل المادي للإعمار عن التمويل المخصص لحماية أجساد العمال ونفوسهم واستقرارهم الأسري؛ فالإعمار الحقيقي والمستدام لا يكتمل بتشييد المباني والبنية التحتية على حساب إنهاك الإنسان واستنزاف طاقاته الوجدانية والجسدية.
وأخيراً، إن الانتقال المنشود نحو المنظومة الشاملة للصحة والسلامة المهنية ليس مجرد استجابة تقنية لمتطلبات المعايير الدولية، بل هو استحقاق وطني، وحاجة إنسانية، وتطبيق حقوقي يشكل جوهر العقد الاجتماعي الشامل بين أطراف الإنتاج، وإن صون كرامة العامل الفلسطيني وحماية حياته وصحته بأبعادها الثلاثة (البدنية والنفسية والاجتماعية) هما نقطة الارتكاز الصلبة التي يُبنى عليها الصمود الوطني، والمحرك الأساسي للتعافي الشامل والتنمية المستدامة، والواجب التاريخي الذي يجب أن تتضافر لإنجازه جهود الحكومة، والنقابات، وأصحاب العمل، والمؤسسات الحقوقية كافة.