فلسفة الفكرة والقرارالمستقل ولماذا -فتح-؟


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 18:54
المحور: القضية الفلسطينية     

إلى الشباب صُناع الغد وحراس الفكرة، في كل مرحلة نمر بها، يتردد سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يحمل في عمقه جوهر وجودنا النضالي وهو لماذا نختار حركة "فتح"؟ وعلى أي فكر تقوم هذه المسيرة؟ يحاول البعض، عجزاً عن الفهم أو تجنياً على التاريخ، اختزال الحركة في كونها مجرد تنظيم بلا أيديولوجيا صلبة، غير أن الحقيقة الراسخة هي أن التنظيم في أساسه ليس إلا فكرة تتجلى في أفعال وممارسات، و"فتح" لم تكن يوماً حزباً عابراً، بل هي صاحبة العلامة المسجلة في الفكر الوطني الجامع، الذي جعل من فلسطين البوصلة الأولى والأخيرة دون أن يفصلها عن عمقها العربي والإسلامي والإنساني.
إن انتمائك لـ "فتح" ليس تعصباً حركياً ضيقاً، بل هو انحياز لثوابت وأركان صاغت تاريخنا وتحدد مستقبلنا، فلقد أعادت "فتح" صياغة الهوية الوطنية، ونقلت الشعب الفلسطيني من مظلة اللاجئين الذين ينتظرون الإغاثة إلى ثوار يصنعون مصيرهم بأيديهم، ولم تكن الحركة يوماً حزباً أيديولوجياً منغلقاً ولا تيارات واردة من الخارج، بل إطاراً تحررياً واسعاً يتسع لكل أبناء شعبنا بمختلف أطيافهم، ومنذ الانطلاقة، خاضت الحركة معارك شرسة لحماية القرار الوطني المستقل بعيداً عن التبعية والارتهان للأجندات الخارجية، مكرسة معادلة نضالية متكاملة تقوم على أن أي عمل نضالي هادف يشكل بوصلتها نحو الوطن بداية بالعمل العسكري يزرع والعمل السياسي يحصد، وطورت اساليبها النضالية بما يتناسب مع المرحلة بالنضال السلمي لخدمة الهدف الأسمى، وهو الانتصار لقضيتنا الفلسطينية..
ولم تكتفِ "فتح" بإطلاق الثورة، بل بَنَت الكيانية الفلسطينية وعززت الثقافة الوطنية، فجعلت من منظمة التحرير والسلطة الوطنية مدخلاً لبناء الدولة المستقلة، وأحيت الكوفية والعلم، وأدخلت لقاموسنا مفاهيم الفدائي والكادر، ورسخت قانون المحبة والتواضع في كلمة "أخ" التي تُلغي الفوارق وتصهر الجميع في خندق واحد، وهذا الفكر يقوم في جوهره على العقلانية والوسطية؛ فلا تكفير ولا تخوين ولا ادعاء لامتلاك الحقيقة المطلقة، بل شجاعة دائمة لنقد الذات ومراجعة المسيرة لترميم الفجوات وإعادة القطار إلى سكته الصحيحة مهما كانت الأمواج عاتية.
نحن نعتز بهذه الحركة لأنها لم تبخل يوماً بتقديم خيرة قادتها شهداء في الخطوط الأولى، ولأنها آمنت بأن الشعب الفلسطيني هو رأس مال الثورة الحقيقي، فسخرت طاقاتها لبناء المؤسسات التعليمية والنقابية والشبابية، واليوم، ورغم كل التحديات ومحاولات تشويه الصورة الناصعة، تبقى "فتح" بذكرها وفكرها العريض عصب العمل الوطني، إن واجبنا كشباب وكوادر في هذه المرحلة يفرض علينا التسلح بالوعي والعلم، والالتصاق القوي بهموم الناس وشواغلهم، وتقديم القدوة الحسنة في المسلكيات والأخلاق، لتظل "فتح" كما كانت دائماً تجمع بين الأسبقية في إطلاق الثورة، والتميز في صياغة الفكر الوطني المتجدد.