الآليات العملية والتطبيقية لإصلاح المنظمات الجماهيرية والنقابات


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 10:28
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

في الطرح السابق، قارَبنا الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الاتحادات والنقابات الشعبيّة، وشددنا على حتمية الانتقال الناجز والمباشر من شرعية الأشخاص والولاءات إلى سيادة اللوائح والمحاسبة، غير أن الانتقال بالرؤى من المساحة النظرية إلى واقع الميدان النقابي يقتضي الإجابة عن السؤال الأكثر تعقيداً، وهو كيف نترجم هذه الرؤية إلى خطوات إجرائية ملموسة تحمي المؤسسة وتستعيد ثقة القواعد الشعبية؟
إن الشروع في هذا المسار الإصلاحي يوجب الإدراك بأن أزمة النقابات والمنظمات الجماهيرية ليست مجرد نصوص لائحية جامدة، بل هي أزمة ممارسة وثقافة تنظيمية تراكمت عبر سنين من الاستقطاب والإقصاء، وتجاهل المؤسسة وتغييب المطالعة والقراءة لصالح الجلسات الحبية والعلاقات العامة، لذا، فإن الشروع في عملية الإنقاذ يستلزم العمل وفق مسارات تطبيقية متوازية لا تقبل التجزئة، تبدأ بتحديد خريطة طريق زمنية للتصحيح اللائحي والهيكلي، فلا يمكن السير نحو انتخابات أو مؤتمرات نقابية ديمقراطية دون تنظيف البيئة التشريعية الداخلية أولاً، من خلال وقف كافة الاجتهادات الفردية والقرارات الاستثنائية فوراً، وتشكيل لجنة تحضيرية محايدة لمراجعة الأنظمة الأساسية ضمن سقف زمني محدد، لتقديم لوائح معدّلة تضمن التداول الدوري للسلطة النقابية، وتمنع احتكار القرار، وتضع ضوابط صارمة تجعل التدرج النقابي والكفاءة المهنية أساساً لتولي المسؤوليات.
ويتوازى مع هذا المسار ضرورة تفعيل الشفافية المالية والتدقيق المستقل، إذ إن استعادة هيبة العمل النقابي تبدأ من تجريد المال النقابي من الغرف المغلقة، فالاشتراكات والتمويلات والموارد لا بد وأن تُدار بمستويات عالية من الحوكمة، عبر إلزام كافة الهيئات والمكاتب التنفيذية بنشر تقاريرها المالية والإدارية بانتظام أمام قواعدها العمومية، وفتح المجال لتدقيق مالي مستقل، وإن تحصين النقابات من التجاوزات المالية والإدارية هو الخط الأول لحمايتها من الابتزاز أو تدخل المؤسسات الرقابية الرسمية، ومسار حاسم للقطع مع شائعات الفساد التي تهدم ثقة المنتسبين.
كما أن أي خطة إصلاحية لن تكتسب شرعيتها من الأختام والمسميات التنظيمية، بل من تحويل النقابة إلى حاضنة حقوقية وخدمية ميدانية متواجدة باستمرار إلى جانب قواعدها، وإن المطلوب اليوم هو إعادة توجيه بوصلة العمل النقابي نحو القضايا المباشرة للعمال والمهنيين؛ من خلال فرض تشريعات حماية الأجور، وتأمين بيئات عمل آمنة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، والتصدي للبطالة المستشرية، فمتى ما شعر العامل والمهني بأن النقابة هي درعه الحامي في مواجهة ضغوط الحياة وأرباب العمل، فإن القواعد ستلتف من تلقاء نفسها حول مؤسستها ولن تتركها صيداً سهلاً للانقسامات والتجاذبات.
ولا يكتمل هذا البناء دون الاستثمار الاستراتيجي في الشباب والمرأة لتجاوز الظاهرة الأشد خطورة في جسد المنظمات الجماهيرية، والمتمثلة في حالة التكلس القيادي وتهميش الأجيال الجديدة، وإن أي خطة إصلاحية لا تضع مسارات صريحة لادماج الشباب والكوادر النسوية في مراكز صنع القرار هي خطة قاصرة، إذ تقتضي المصلحة الوطنية والنقابية فتح دورات تأهيل وإعداد قيادي، وتحديث أساليب الخطاب والإدارة النقابية لتخاطب أدوات العصر الحديث وتطلعات الجيل الجديد.
أخيراً، إن إصلاح الاتحادات والنقابات الشعبية ليس خياراً رفاهياً أو ملفاً ينطوي على تصفية حسابات، بل هو ضرورة وطنية قصوى لحماية صمود مجتمعنا، وإفشال مخططات التفتيت والتهجير والفصل السياسي والجغرافي. إن نقابات جادة، شفافة، قوية بقواعدها، ومستقلة بقرارها، هي حائط الصد الأول وصمام الأمان لحماية المشروع الوطني العادل والجامع.