كيف نترجم السلامة النفسية والاجتماعية في بيئات العمل الفلسطينية؟


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 15:07
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

إنَّ حسم الجدل المفاهيمي حول ضرورة مأسسة السلامة النفسية والاجتماعية في التشريعات والنضال النقابي الفلسطيني يضع جميع أطراف الإنتاج أمام استحقاق علمي وعملي لا مناص منه؛ إذ لم يعد التحدي الجوهري يتوقف عند حدود التبشير بالنصوص، أو الانشغال بصياغة الأدبيات الحقوقية التي تؤكد أصالة هذا الحق، بل يكمن التحدي الأكبر والمفصلي في كيفية نقل هذه الرؤية المفاهيمية من حيز المبادئ والتشريعات المأمولة إلى ميدان التطبيق اليومي المباشر في المنشآت والمؤسسات ومواقع العمل والإعمار في سوق العمل الفلسطيني المنهك بفعل الحرب والحصار والأزمات المركبة.
وتأسيساً على ذلك، يغدو من الضروري التأصيل التأطيري للسلامة النفسية والاجتماعية للعمال كـحالة من التوافق والتوازن الشامل التي تضمن حماية العامل من كافة المخاطر والضغوط غير المادية في بيئة العمل، والتي قد تؤثر سلباً على صحته العقلية، ورفاهه النفسي، وعلاقاته الاجتماعية والأسرية؛ وهي حالة لا تقتصر على مجرد غياب المرض النفسي أو الصدمة، بل تتسع لتشمل توفير بيئة عمل آمنة تجرّد من الترهيب والقهر الحقوقي، وتكفل الاستقرار الاجتماعي وصون الكرامة الإنسانية، وتعمل على الوقاية الاستباقية من المخاطر النفسية والاجتماعية كالاحتراق المهني، والتشتت الذهني، وضغوط ما بعد الصدمة الناتجة عن ظروف التشغيل القاسية والأزمات الوطنية المتتالية.
واتصالاً بهذه الأهمية الهيكلية، فإن الاستثمار في الحماية النفسية والاجتماعية يتجاوز المنطق الإغاثي أو الرفاهية الاستثنائية؛ فهو يمثل ضرورة حقوقية وإنسانية تحمي العامل ككائن متكامل وتعصمه من حوادث العمل والإصابات المميتة التي يسببها التشتت الذهني، وهو في الوقت ذاته ضرورة اقتصادية وإنتاجية لأصحاب العمل للحد من ظاهرة الحضور الشكلي، وتلف الموارد، وتراجع الإنتاجية، فضلاً عن كونه واجباً وطنياً ومجتمعياً لترميم رأس المال البشري وحماية التماسك الأسري والمجتمعي أثناء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وبناءً على هذا الاستحقاق، فإن الترجمة الميدانية لهذه السلامة الشاملة تتطلب أولاً وقبل كل شيء إحداث تحول جذري في عقلية وممارسات أجهزة التفتيش العمالي لدى وزارة العمل والجهات المختصة؛ إذ لم يعد مقبولاً اقتصار جولات التفتيش على التحقق التقليدي من توفر وسائل وأدوات الوقاية المادية كقبعات الأمان وأحذية السلامة وأجهزة الطفايات، بل بات من الواجب الإنساني والمهني تحديث أدوات ونماذج التفتيش الدوري لتشمل مؤشرات السلامة الذهنية والنفسية، وإن تفعيل هذا البعد يتطلب تطوير مؤشرات القياس ورصد إجهاد بيئة العمل، والتي تتيح للمفتشين واللجان المختصة القياس المبكر لمظاهر الإنهاك النفسي وساعات العمل المجهدة؛ بما يضمن التدخل الاستباقي للحد من أسباب المخاطر غير المرئية قبل تفاقمها.
ولا يكتمل هذا التحول الميداني إلا بتكاملٍ تشريعي ملزم؛ يفرض تعديل قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 لتوسيع مفهوم إصابات العمل والأمراض المهنية ليشمل الاعتلالات والاضطرابات النفسية الشديدة الناجمة عن بيئة العمل الصادمة وضغوط التشغيل المفرطة، مع النص الصريح على ضمان السرية التامة للبيانات النفسية والطبية للعمال وفصلها التام عن ملفات التقييم الوظيفي، لمنع أي شكل من أشكال التمييز أو استخدام التقارير النفسية كذريعة للفصل التعسفي.
وعلى خط متوازٍ مع الرقابة الرسمية، يبرز الدور الأصيل والميداني للحركة النقابية الفلسطينية في إيجاد آليات استجابة مبكرة داخل المنشآت ومواقع العمل المباشرة؛ حيث تقتضي الضرورة الوطنية والعمالية إطلاق برنامج وطني لبناء القدرات يهدف إلى تأهيل الكوادر والنقابيين والمشرفين على مهارات الإسعاف النفسي الأولي، والرصد المبكر للضغوطات، كما إن تشكيل لجان سلامة نفسية واجتماعية داخل المنشآت على غرار لجان السلامة المهنية البدنية أو دمجها معاً، يضمن إيجاد بيئة دافعة ومساندة تمكّن العامل والعاملة من الإفصاح عن معاناتهم دون خوف من الوصمة الاجتماعية أو التهديد بالفصل، وتتيح تقديم الدعم الأولي الفوري وإحالة الحالات الحادة إلى ذوي الاختصاص، بما يحفظ كرامة العامل ويصون تماسك المؤسسة والمجتمع العمالي برمتِه، وهو ما ينعكس إيجاباً على الأداء المهني والإنتاج.
كما يتوجب أن تراعي هذه التدابير الميدانية خصوصية النساء العاملات والمعيلات للأسر اللاتي يواجهن إجهاداً مضاعفاً يدمج بين ضغوط العمل وأعباء الرعاية القاسية في ظروف النزوح ومخيماته؛ مما يتطلب توفير مرونة تشغيلية وحماية خاصة لهن، ولضمان انخراط أصحاب العمل بفاعلية ودون توجس من الأعباء المالية، ينبغي إقرار حوافز وتسهيلات تشجيعية للمنشآت والمؤسسات الملتزمة بمعايير السلامة النفسية والاجتماعية، بالتوازي مع إنشاء مرصد وطني للمخاطر النفسية والاجتماعية يتبع لوزارة العمل بالتعاون مع النقابات، لإصدار تقارير دورية تقيس تراجع حوادث العمل والاحتراق المهني ومدى تقدم التعافي العمالي.
ولما كانت عملية إعادة البناء والتنمية والتشغيل المؤقت في فلسطين تعتمد في جانب كبير منها على التمويلات الدولية والمشاريع الإغاثية والإعمارية، فإن الانتقال إلى الميدان يفرض إلزام المنظمات الدولية والوكالات الأممية وعلى رأسها منظمة العمل الدولية والجهات المانحة؛ بميثاق تمويلي حامي واشتراطات إجرائية صارمة، وفي هذا السياق، يجب ألا يُسمح بإقرار أو إطلاق أي مشروع تنموي أو إغاثي أو إعماري دون أن يتضمن صراحة بنداً مالياً وإدارياً محدداً ومستقلاً يُخصص لتقديم خدمات الرعاية والصحة النفسية والاجتماعية للعاملين؛ فالاستثمار في الحجر والمباني والبنية التحتية دون الاستثمار الوقائي والحيوي في البناء النفسي للإنسان الذي يبني هذه المنشآت، هو استثمار ناقص يفتقر إلى مقومات الاستدامة والعدالة، وتحصين رأس المال الاجتماعي في مواجهة الأزمات.
وأخيراً، يظل العبور الجسور من جمود النص التشريعي إلى حيوية الميدان هو الاختبار الميداني الحقيقي لمدى جدية أطراف الإنتاج في مأسسة دليل تنفيذي شامل للسلامة النفسية والاجتماعية، وإن إعادة بناء ما دمرته الحروب والأزمات لا تكمن في ضخ الأموال ولا في استيراد المعدات وتشييد الحجر، بل تبدأ بحماية رأس المال البشري وترميم البناء النفسي للإنسان الذي يشغّل هذه العجلة ويصنع التنمية، وإن الحماية النفسية والاجتماعية للعمال ليست هامشاً إغاثياً أو رفاهية مساندة، بل هي ضرورة وطنية، وركيزة اقتصادية، وحق إنساني أصيل؛ وبدونها تعجز كل خطط التعافي عن بلوغ غاياتها. لتكن بيئة العمل الفلسطينية حصناً لتعزيز الصمود وصون الكرامة، وليغدو الاستثمار في صحة العامل وسلامته الشاملة المحرك الأساسي والشرط اللازم للتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.
#السلامة_النفسية_للعمال
#عمالنا_ليسوا_مكائن
#مأسسة_الحماية_العمالية
#كرامة_العامل_أولاً
#حقوق_العمال_الفلسطينيين
#حماية_ترمم_الإنسان
#التعافي_يبدأ_بالإنسان
#بيئة_عمل_آمنة
#ترميم_رأس_المال_البشري
#تعديل_قانون_العمل
#التفتيش_العمالي_الشامل
#منظمة_العمل_الدولية
#الدكتور_سلامه_ابو_زعيتر