إنقاذ المعرفة في غزة يبدأ بحوكمة التعليم الشعبي وتصحيح التقييم الأكاديمي


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 20:07
المحور: حقوق الانسان     

تستوجب معركة حماية العقول والتصدي لمحاولات التجهيل إرادة استراتيجية تشخص الاختلالات بشجاعة، وتجترح في الوقت ذاته حلولاً عملية تحمي الحق الإنساني وتصون الكرامة الوطنية، فبعد استعراض ملامح الأزمة التعليمية المترتبة على حرب الإبادة في قطاع غزة، بدءاً من ظاهرة التكسب والاستغلال التجارى القاتل للحقوق، ووصولاً إلى الفوضى التقييمية والإحباط الناجم عن آليات التعليم الإلكتروني غير المنصفة، يغدو لزاماً علينا الانتقال من مرحلة التوصيف والتحذير إلى مرحلة الصياغة والتنفيذ المباشر لخارطة طريق تعيد ضبط المشهد التعليمي الشعبي وتنقذ المستقبل الأكاديمي لأبنائنا.
إن الخطوة الأولى والجوهرية لوقف التكسب وتجفيف منابع الاستغلال تكمن في تأسيس مجالس حوكمة محلية ولجان رقابة شعبية في المخيمات ومناطق النزوح، تضم ممثلين عن الوجهاء والمعلمين ونشطاء المجتمع المدني المشهود لهم بالنزاهة، لتكون مرجعية ميدانية تتولى اعتماد المبادرات التعليمية وترخيص نقاط التعليم الطارئة، وتتولى هذه اللجان الرقابة المالية والإدارية المباشرة للتأكد من المجانية المطلقة للتعليم، والتمييز القاطع بين جمع التبرعات التشغيلية الرمزية لخدمة الخيمة وبين التربح التجاري المشروط، مع فرز وتوفير قنوات إغاثية لتوفير حوافز مالية وإعاشية كافية للمعلمين المتطوعين عبر المنظمات الدولية والإغاثية لضمان كرامتهم واستمراريتهم دون تحميل الأهالي شيكلاً واحدًا.
ولأن معركة التعليم لا تنفصل عن الرعاية الإنسانية الشاملة، يتوجب الانتقال السريع نحو مأسسة الحقيبة التعليمية والتربوية الطارئة؛ كبديل عن الاجتهادات العشوائية، وتستدعي هذه المأسسة بناء الشراكة القيادية والعملية الشاملة بين وزارة التربية والتعليم العالي والأونروا واليونيسف، لتوحيد المناهج المكيّفة وتكييف خطط التعلم الشامل مع ظروف الكارثة، مع دمج برامج الدعم النفسي والاجتماعي؛ كركيزة أساسية في كافة الخيام والنقاط التعليمية، فضلاً عن تحسين البيئة الصحية واللوجستية للخيام لتقيها حر الصيف وبرد الشتاء بما يليق بآدمية الطالب والتربوي على حد سواء.
وعلى صعيد إنصاف طلبة الأونروا المتضررين من التقييم الإلكتروني والرقمي الجاف، وخاصة أولئك الذين انتظموا بالنقاط الميدانية وأثبتوا جدارتهم في الامتحانات الوجاهية، فإن الأمر يتطلب معالجة فورية وعادلة ترتكز على إتاحة حق الاعتراض والمراجعة الأكاديمية الشفافة للدرجات، كما يُستوجب على الوكالة والجهات المعنية اعتماد آليات تقييم مدمجة ومرنة تأخذ بالاعتبار أداء الطالب الوجاهي في المراكز والنقاط التعليمية، وتراعي انقطاع الكهرباء والاتصالات، وتعتمد نظام التقييم المستمر القائم على المشاركة، بدلاً من إلقاء مصير الطالب على اختبارات رقمية جافة لا تعكس مقدرته المعرفية الحقيقية وتصيبه بالإحباط واليأس.
إن ختام هذه الجهود يتطلب إعلان ميثاق شرف وطني لحماية التعليم في الطوارئ، يوقع عليه المبادِرون والنشطاء والمؤسسات، ويعلن المجانية الكاملة كخط أحمر ويفرز الإجراءات القانونية والمجتمعية العقابية ضد كل من يسعى للتربح من أوجاع الأهالي وعقول الأطفال، وإن حماية جبهتنا التعليمية هي حصننا الأخير لإنتاج جيل صلب ومسلح بالوعي والمعرفة، وبناء منظومة تعليمية عادلة ومجانية ومرنة تشكل جسر عبور حقيقي لأطفال غزة نحو المستقبل الذى يستحقونه.