أيتام غزة المنسيون مقيدون بشروط لإغاثة طفل!


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 13:24
المحور: المجتمع المدني     

في زوايا قطاع غزة المكلوم، حيث تجتمع المرارات وتتعدد أشكال الفقد، تبرز قضية إنسانية مسكوت عنها، وتزداد قسوتها يوماً بعد يوم وسط زحام المأساة؛ إنها أزمة الأيتام المسجلين قبل حرب عام 2023، هؤلاء الأطفال الذين فقدوا آباءهم في سنوات سابقة وكانوا يعتمدون على كفالات منتظمة تُسند أمهاتهم الثكالى، ينظرون اليوم بمرارة إلى واقعٍ أقصاهم لمجرد أن معيلهم توفي قبل بدء الحرب لا خلالها، ولقد أدت أهوال العدوان المتواصل إلى إنتاج آلاف الأيتام الجدد، وهو ما استدعى استجابة إغاثية طارئة ومحمودة من المؤسسات الكافلة، غير أن هذه الاستجابة سقطت في فخ التمييز الإجرائي؛ حيث تُقدَّم الرعاية للأيتام الجدد عبر المؤسسات بتوفير الكسوة، والدعم النفسي والاجتماعي، ومتطلبات الحياة الأساسية أمام ناظري الطفل اليتيم الآخر الذي لا تنطبق عليه شروط المؤسسة باعتباره يتيماً من الفترة السابقة، إذ اشترطت أغلب البرامج الجديدة أن يكون الطفل قد فقد والده خلال الحرب الحالية حصراً، وهذا الشرط الشكلي أسس لمفارقة مؤلمة على الأرض، تجد فيها طفلين يخوضان القصف والمعاناة ذاتهما، ويقيمان في نفس الظروف بخيمة النزوح، ويواجهان الجوع والأسعار الملتهبة معاً، لكن أحدهما يتلقى رعاية وإعانة لأن والده استشهد حديثاً، بينما يُحرم الآخَر لأن والده توفي قبل ذلك بأسابيع أو سنوات.
ولم يقف الأمر عند حدود الحرمان من البرامج الجديدة، بل امتد ليشمل انقطاع الشريان الحيوي القديم الذي كان يغذي أجسادهم الغضة؛ إذ توقفت الكفالات السابقة نتيجة تدمير مقرات الجمعيات المحلية المحتضنة لهم، وعرقلة قنوات التحويلات المالية، فضلاً عن تحويل الكثير من المنظمات ميزانياتها بالكامل لصالح برامج الإغاثة الطارئة، مخلفةً وراءها آلاف الملفات القديمة في أدراج النسيان، وما يزيد الطين بِلّة أن العديد من أسر هؤلاء الأيتام القدامى فقدت خلال الحرب الأخيرة المعيل الثاني، كالأم أو الجد الذي كان يتولى رعايتهم بعد رحيل الأب، مما جعل وضعهم المعيشي والنفسي أكثر تعقيداً وهشاشة من أي وقت مضى.
إن الحفاظ على النسيج الاجتماعي والعدالة الإغاثية يتطلب وقفة جادة ومسؤولة من كافة الجهات العاملة في العمل الإنساني؛ ففقدان الأب فاجعة لا تتجزأ بتغيّر التواريخ، والطفل الجائع لا يدرك مفاهيم قواعد البيانات المحددة أو المشاريع المشروطة، وإننا نتوجه بهذا النداء العاجل إلى وزارات التنمية الاجتماعية، والمؤسسات الخيرية، والمنظمات الدولية الكافلة، لفتح السجلات القديمة فوراً وإجراء مسح ميداني يحدد الأيتام الذين فقدوا كفلاءهم، مع ضرورة تخصيص نسبة عادلة لا تقل عن 30% من أصل أي مشروع كفالة جديد لصالح الأيتام القدامى غير المكفولين حالياً، أو شمولهم بشكل دوري في السلال الغذائية والمساعدات النقدية المباشرة.
أخيرا: إن إنقاذ أطفال غزة مسؤولية أخلاقية ووطنية شاملة، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نترك طفلاً ينكوي بنار الفقد مرتين، مرة عند رحيل والده، ومرة عندما نسيه العالم لأن تاريخ وفاته لم يوافق جدول الأزمات الجديد، فالطفولة واحدة، والوجع واحد، والألم لا يعترف بتقويم التواريخ، وإن طرح هذه القضية الحيوية اليوم يضع قادة العمل الإنساني وصناع القرار أمام اختبار أخلاقي وتاريخي حقيقي يتطلب آذاناً صاغية وإرادة شجاعة لتجاوز البيروقراطية وإلغاء القواعد الإجرائية الجامدة، لإن واقع غزة الاستثنائي لا يُدار باللوائح التقليدية الميتة، بل يقتضي وجود فرسان ومفكرين ميدانيين قادرين على الابتكار والعمل تحت الضغط، لإيجاد الحلول وتذليل العقبات وإعادة دمج هؤلاء الأيتام المنسيين في شريان الحياة؛ ومساندةً لشعبنا الصامد في وجه العدوان، وتأسيساً متيناً لمرحلة التعافي وإعادة البناء والاعمار.