أصالة النبل في مواجهة الخذلان


سلامه ابو زعيتر
الحوار المتمدن - العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 14:25
المحور: المجتمع المدني     

تُكتب هذه الكلمات لتكون متكأً لكل روحٍ نقية أضناها الغدر، وسنداً لكل من استيقظ يوماً ليرى أمانه يتهدم على يد من أحسن إليهم، وإن صياغة هذا المقال لا تهدف إلى نبش الجراح أو استعادة مرارة الخيبة، بل لتذكير الشرفاء والأنقياء بأن خيبتهم ليست نهاية المطاف، وأن قهر الرجال —على قسوته— لا يُكسر النبلاء بل يعيد صياغة وعيهم بالحياة.
ليس أشقّ على النفس السليمة من تلك اللحظات التي يهوى فيها أمان الروح فجأة، حين يجد الإنسان نفسه غارقاً في أرقٍ سرمدي، تتزاحم فيه الأفكار في رأسه كعاصفةٍ لا تهدأ، أرقٌ لا ينبع من مجرد خيبة أملٍ عابرة، بل من صدمةٍ عميقة تزعزع أركان اليقين، وتدفع العقل للبحث المضني عن إجابة لسؤالٍ تجدّد بلوعة الوجع: كيف يستطيع الإنسان أن يكون مصدر العذاب الأول لأخيه الإنسان؟
كنا نمرّ على عبارات "قهر الرجال" في أمُهات الكتب مرور العابرين، نحسب أن في الحياة ما يقيم للمرء سياجاً يمهد له سُبلاً تقيه طغيان الآخرين، ولكن التجربة الحية تأتي لتكشف حقيقة النفوس؛ فالمرء لا يدرك أبعاد الأذى إلا حين يكتوي بناره، ولعلّ صدور الأذى من عدوٍّ صريح أمرٌ متوقع تتأهب له النفس، لكن الفاجعة الكبرى تكمن في أن تأتيك السهام ممن فتحت له بابك ومددت له يد العون؛ حين يتحول القريب أو الصديق من حصنٍ للأمان إلى مصدرٍ للخوف والخذلان.
غير أن هذا الوجع —على مرارته— هو الدليل الناصع على أن فطرتك لم تتلوث، وأن قلبك لم يفقد إنسانيته بعد، وإن التألم لم يكن يوماً دليلاً على الهوان، بل هو استجابة الطبيعة البشرية الحية في مواجهة الزيف، ولكن الاستسلام لدوامة النقمة ليس قدرك؛ فالحكمة تقتضي أن نتحول من انكسار الصدمة إلى مرحلة حماية الذات وترميم الروح.
إن الخروج من أتون هذه التجربة يتطلب أولاً إعادة تعريف عطائنا للآخرين، بفك الارتباط بين الإحسان إليهم وانتظار الوفاء منهم، لتغدو أفعالنا الطيبة نبتاً نزرعه لوجه الله دون رهانٍ على تقلبات البشر؛ كما يتوجب علينا ممارسة شجاعة "إعادة رسم الحدود"، بقطع أسباب الأذى بحزم، وإبعاد كل من يستغل النبل وسيلةً للخديعة، دون ندبٍ أو عتابٍ يستهلك ما تبقى من طاقتنا.
أما الركيزة الأهم للتعافي، فتكمن في استعادة السيطرة على عالمك الداخلي؛ فمظلوميتك اليوم ليست دليلاً على ضعفك، بل هي شهادة ناصعة على نبل معدنك وطهارة قلبك في زمنٍ شحت فيه النخوة، فلا تسمح للظالمين بأن ينتصروا مرتين: مرةً حين أذوك، ومرّةً حين تسلبك آلامهم بهجة الحياة وتطمس نور أملك.
اجعل من هذه اللحظة نقطة انطلاق جديدة، وتذكر دائماً أن جراح الشرفاء لا تُكسر، بل تُصقل، وإن تفويض الأمر إلى عدالة السماء ليس ملاذاً أخيراً للمنكسرين، بل هو أقصى أشكال القوة والوعي؛ إنه إعلانٌ صريح بفك الارتباط عن التفكير المظلم ومتاهات الانتقام، وتحريرٌ للنفس لتستأنف مسيرتها بثقة.
ارفع رأسك عالياً، وتنفس عميقاً، واعلم أن كل عاصفة تمر بها إنما تأتي لتمسح العوالق عن روحك وتكشف عن جوهرك الأصيل؛ ضع ثقلك جانباً، ومارس الحياة بقلبٍ حنون ووعيٍ حارس، متسلحاً باليقين الثابت أن الحقوق لا تضيع عند ربٍّ عادل، وأن النهار لا بد أن يشرق بعد أطول الليالي ظلاماً، مستنداً إلى القوة المطلقة في قوله: حسبي الله ونعم الوكيل.